من ذاكرة الموز

 وعلى ذمة الاكاديمي والمنتج ليث عبد الغني المقيم في بلاد النروج المحروسة، فان واحدة من مكارم الحكومة على عهد الحرب مع ايران تمثلت في ارسال كمية الموز القادمة كهدية من دولة عربية جارة الى جبهات القتال وتوزيعها في قطعات الجيش العراقي الباسل، وحين كان ليث مقاتلا على محور مهران -زرباطية، فان ما بقي من كمية الموز قطعة واحدة واصر الضابط الشجاع على جمع جنود وحدته واقامة احتفال بسيط تتخلله كلمات التمجيد بالقيادة الحكيمة وان تعرض الكارتونة التي تحتوي (عثق الموز) الصومالي على الجنود البواسل بمناسبة عيد الجيش العراقي الذي صادف السادس من كانون الثاني -يناير- ولان الحديث الشهير يقول (الوحدة بآمرها) فان الرجل اراد ان يضرب مثلا وان يكون قدوة لجنوده البواسل حين قرر ان القرعة ستحسم وجهة (الموزاية).. ثم تمت القرعة بطريقة (الطرة كتبة) ايام ما كانت العملة النقدية تحوي قطع حديد من فئة ربع دينار ونصف دينار، وصارت الموزاية الى جندي بسيط اكد انه لا يعرف من سيرة هذه المخلوقة شيئاً وانه يرفض التعاطي مع شيء مجهول الهوية، ولما اصر عليه آمر الوحدة بدعوى انها مكرمة من الحكومة تناولها المسكين بقشورها وكانت من نوع (الموز الاخضر) الذي لم ينضج بعد.. هذا في مطلع ثمانينات القرن المنصرم، ولكن لم يكن الحال باحسن في نهاية القرن ففي العام 1997 وبينما كنت وصديقي عماد نقطع الطريق من باب المعظم الى منطقة الكسرة على امل تناول الغداء عند صديقنا حيدر، وكانت الاحوال لديه ميسرة وصادف انه التقى معنا عند محل لبيع الاثاث وصادف ان مر بائع وهو يحمل "عثوك الموز الخضرة) وهو ينادي، وحينها قرر حيدر ان يشتري لنا ثلاث موزات (موزة تنطح موزة) ولم نشا ان نزيل عنها القشور واردنا ان نكشخ بها لدقائق ثم سرعان ما رمينا القشور على رصيف الشارع وتناولناها على بركة الله. وما يزال طعمها في لساني وحلقي برغم جميع كيلوات الموز التي اكلتها بعد عام 2003 ويبدو ان السبب يعود الى اننا كنا نعيش حصارا قاسياً يعز فيه الطحين فكيف بالموز؟ التغيير الذي حصل في عام 2003 ساهم في دخول شتى انواع الفواكه والخضار الى البلاد ومنها الموز ومن جميع المناشيء وصرنا ناكل الموز حتى مللناه بل ان شعار (موزة لكل مواطن) لم يعد له من قيمة، وصار الصحيح ان نقول.. خمس موزات لكل مواطن.. الموز يصنف كواحدة من علامات التغيير، ويمكن الاستشهاد به بعد خمسين سنة، حيث يجيب الناس عن سؤال.. متى ولدت ومتى سقط النظام؟ فيرد بالقول.. في السنة التي دخل فيها الموز الى العراق. احد المواطنين ممن شبع من اكل الموز وسيطر عليه البطر وبانت عليه النعمة، قال لي ساخراً.. بصراحة نحن لا نريد موزاً، نريد ماءاً صالح للشرب، وشوارع مبلطة، وكهرباء منتظمة، وخدمات صحية ملائمة.. انظر عزيزي القارئ ما يفعل البطر بالناس، فبعد ان شبعوا موزاً صاروا يبحثون عن الكهرباء والماء والخدمات الصحية، واشياء اخرى.. والله شعب عجيب ما يشبع ابدا...

هادي جلومرعي

    
 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم © 2007           تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com