كي لا يكون الانتخاب ...انتحاب

هاشم العلوان
كلنا يعرف معنى كلمة الانتخاب لغوياً وتاريخياً:- فهي العملية التي توصِل إنسان (أي إنسان) من عامة الشعب إلى قمة المسؤولية، ويبقى هو وضميره فأن شاء صدق بما وعد أو كذّب وأخلف وخالف إنسانيته ومبادئه، وأصبح هاوياً لجمع الثروة والجاه وأمّن وضعه المادي لحفيد حفيده بفضل المنصب الذي هو فيه. وأما كلمة الانتحاب تعني لغةً البكاء الشديد، فبداية حياتنا السياسية وألفها الانتخاب أما ياؤها فكثيراً ما يكون انتحاب، وعلى مدى التاريخ لاحظنا من انتخبهم الشعب خذلوه بل أصبحوا ذئاباً فأكلوه (أكلوا ثرواته وخيراته) وقليلٌ ما هم الذين اخلصوا لشعبهم وأدّوا واجب الأمانة التي في رقابهم على أتم وجه، وخرجوا من مسؤولياتهم والشعب يذكرهم بكل خير وعرفان بالجميل. إذن نحن أمام لغز ما هو الفرق بين الاثنين؟ الجواب ثابت وبسيط ولا يحتاج إلى معجم الوسيط. لأنه ذُكِرَ في أعظم كتاب وهو (القرآن) حيث يقول الله سبحانه تعالى (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه. الأحزاب/23) فالصدق أولاً وأخيراً والثبات على العهد والوعد الذي قطعه المنتخب على نفسه لغيره من عباد الله. فالعملة والتعامل بالصدق هو الميزان، والفصل بين الناخب والمنتخِب فكلما كان بناء العملية السياسية أساسه الثقة بالله والصدق مع الجمهور، كانت العملية ناجحة ومُوّفقة ونهايتها جمعٌ لشمل الأحباب. ولكي لا يصبح الانتخاب بدايته ونهايته انتحاب وشكوى وتذمر المواطن وانه ذهب وانتخب رغم الظروف والوضع الأمني، والنتيجة لا صدق في الوعود ولا خدمات ولا قضاء على البطالة التي أصبحت ظاهرة متأصلة في المجتمع العراقي، والأنكى من هذا كله لم يلتقِ طرفي المعادلة (الناخب والمنتخب) بمناسبة أو مشكلة أو حتى ندوة وبحجة الوضع الأمني، وبناءاً على هذا كله ولكي تٌبنى العملية الانتخابية على أُسس عادلة ونظيفة وتحرّي الحق والاستحقاق نقترح: أولاً: أن تكون مفوضية الانتخابات من عناصر مستقلة ومُعينة عن طريق مجلس النواب، ويكون عضو المفوضية مستقل استقلال سياسي ومادي، ويكون حاكم عادل ولا يُحابي لأي طرف. فالمفوضية ملح الانتخاب فكيف بنا إذا الملح فسد، هذا ما يخص المفوضية. وثانياً: على المرشح أن يتقي الله بنفسه وبالشعب ويُقدّم إمكانياته وشهاداته التي حصل عليها وتكون (غير مزورة). ويلاحظ أنّ هذا المنصب مسؤولية وأمانة في عنقه وأن يتواجد بجسده وعقله في دائرته الانتخابية وكأنه يعرف كل فرد انتخبه لا كما نرى اليوم النائب يخرج علينا من خلال الشاشة ومكتوب تحته (لندن، باريس، عَمّان...) فهو لا يكاد ينتهي جلسة البرلمان حتى يتوجه للمطار والمال غير قليل. فثبت أن أغلب من ينتخبهم الشعب، مجرد فوزه وثباته في منصبه ينسى ويتناسى كل الوعود والعهود ويتنصل عما وعد. فاللغة المتعارف عليها بين الشعب ومن يقوده هي الصدق وما عداها كلٌ عن المعنى الصحيح مُحرّف وأسماءٌ ليس لنا سوى ألفاظها أمّا معانيها فليست تُعرف. ثالثاً: مسؤولية وزارة الداخلية بحماية وتسهيل وصول الناخبين وخاصة في المراكز البعيدة في الأقضية والنواحي وعدم التركيز على المراكز التي يتواجد فيها مسئولين أو عِلّية القوم حيث يتشدد فيها والمراكز الأخرى لا يكاد يُذكر جانب الحماية لها وللناخبين. رابعاً: أن تختار الأحزاب والكُتل خير من تراه أهلٌ للمنصب وللمسئولية بغض النظر عن التنظيم الحزبي أو الطائفي أو العشائري وللأسف نرى كثير من الأحزاب والكتل والتنظيمات ترشح من له سطوة ونفوذ وقُربه من رئيس الحزب أو الكتلة أو العشيرة، رغم أن الحكم الأولي عليه أنه يجهل حجم المسئولية والمنصب المرشح له. خامساً: عدم السماح باستخدام التأثيرات الخارجية (دول وجماعات) في عملية الدعاية الانتخابية واستلام أموال أو وسائل أخرى لتدعيم هذه الفئة على تلك وكذلك عدم استخدام المال العام وأجهزة واليات الدولة لأن المرشح مسئول أو وزير وكل ما تحت أمره بخدمته لا لخدمة الشعب وكأنه يتعامل بمال والده حفظه الله، وبعدها يريد الفوز والبقاء على الكرسي نفسه وهذا أصبح شبه عُرْف عند أغلب المسئولين حيث يجند المئات من الأشخاص والملايين من الدنانير لحملته الانتخابية بشرط أنها من خزينة الدولة أو الوزارة لا من ماله الخاص. وهذا لا يتناقش بصحته إلاّ معتوه أو منافق مارق ضد الحق ومصلحة الشعب. وأخيراً:- هذا بإيجاز يا أحباب لكي لا ينقلب الانتخاب إلى أنتحاب، ويذهب الفوز إلى كل كذّاب، وبمظهره جذاب لا يعرف بعد أخذه المنصب أخوة ولا أصحاب، ولا يعطي لمن انتخبه حقٌ ولا كباب، ويقضي وقته بين الدول التي كل ما فيها جميلٌ وخلاّب، ولا ننسى هذه هي حياة النواب... الذين جاء بهم الانتخاب فلهم الملايين والمنصب ولنا حق الانتحاب .

    
 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم © 2007           تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com