سقوط الاعمدة وجراحات الافئدة

هاشم العلوان
كُلنا نعلم أن الموت حقٌ، لا محالة ميت، والإنسان بعد موته لا يبقى منه سوى الذكرى الطيبة أو عكسها، وعلمٌ وفن وحكمة واختراع يُستفاد منه مِن قِبَل ورثته أو المجتمع الإنساني والذي نَبَغَ وظهر فيه ذلك الإنسان العَالِم والفنان، ولقد لاحظنا في السنوات الأخيرة وفاة كثير من العلماء والفنانين خارج الوطن والذين يُمثلون النُخبة العلمية والكفاءة الأكاديمية. والمأساة في موضوعنا هو رحيل وهجرة الكفاءات إلى البلاد الأوروبية أو العربية واتخاذها (منفى إجباري). وتبدأ لعبة الغُربة والمرض والمعاملة السيئة، وعدم وجود وارد شهري أو يومي يستند عليه هذا الغريب الذي خرج وأخرج من بلاده مُسيراً ومُخيراً وأحدْ خَياراته هو التصفية، لوجود من يُنافسه وليأخذ مَحَلّه ويثبت أنه جدير وأحسن من هذا الذي صار له في مهنته أكثر من رُبع قرن. إذاً فالخروج من الوطن آخر الحلول عنده لا مَحَالة. وهنا سؤال مهم يدور في أذهاننا من حارب وأخرج هذه الكفاءات من البلاد أو ساعد على ذلك؟ غير الذين لهم مصلحة راجحة وهم من أصحاب نفس المهنة والاختصاص لكن الدافع الأناني والسياسي غالباً هو المُحَرِك لهكذا اضطهاد علمي وظيفي وإنساني لبعض العمالقة والأساتذة والتي تشهد بمكانتهم ومنزِلتهم العلمية وأغلب الجامعات العراقية والعربية وبعضهم حتى العالمية وليس هذا غريباً عن العقل العراقي. فقد تم تهجير كثير من العلماء والأطباء على وقع الاختطاف والقتل من قبل الإرهاب وأغلبهم تم عبوره إلى دول الجوار بسلام. وبعد هذه المعاناة في الداخل ووصولهم إلى الدول الأخرى، نسأل هل في هذه الدول سفارات عراقية أو ممثلين للحكومة أو قنصلية أم العراق ليس بدولة مستقلة وفيها وزارة خارجية، فكيف لا تعلم تلك السفارات والقنصليات بمجيء العالِمْ أو الدكتور أو الأستاذ الفلاني ومُنِحَ التأشيرة،وأعطى عنوانه في ذلك البلد. وحسب علمي المتواضع أن أخبار الكفاءات بتفاصيلها تعرفها الممثليات والدوائر القنصلية حصراً أولاً بأول وعند إخبارهم بإجراء اتجاه أحدهم يقولون (والله ما في أيدينا شيء والتخصصات قليلة) أي أن مخصصاتهم تذهب للحفلات ولأحباب السفارة وعوائلهم و(العِرفْ) -ودعوات الغداء والعشاء للوفود والتي تنزل في أرقى الفنادق وتُدفع لها مبالغ خيالية وبالعُملة الصعبة- فالعراقي في الخارج يصبح في مهب الريح وهذا ما شاهدناه وعِشناه، فعتباً على وزارة الخارجية والسفارات العراقية التي تعجز عن مُساعدة أحد أقطاب العلم والمعرفة لدرجة تكاليف نقل جثمانه إلى بلده العراق. بينما تتكفل بنقله أحد القنوات الفضائية! فهل هذه القناة الفضائية أكثر حرصاً وحِفاظاً على حياة العلماء من وزارة الخارجية التي لا تعلم ولا تحاسب سفاراتها، بل خرج علينا في لقاء تلفازي أحد السفراء وبلسان فصيح انتقد العمل الدبلوماسي العراقي ووصمه بالمتخلف وغير المُقدِّم لأي خدمة للمواطن العراقي. وقد لاحظت بأم عيني بعض العراقيين يستجدي مبلغ العودة وعند ذهابه للسفارة الموقرة وقال لها أنا أبن العراق وأحتاج لمبلغ كذا لرجوعي أو أرجعوني بمعرفتكم، أجابه أحد أعضاء القنصلية }والذي لا يعرف معنى القنصلية ولا يُحسِن إلا الشارع (العامية) ولا يملك الدبلوماسية والشفافية ومحاربة الإمبريالية{ بجواب (منو گلك إحنا دائرة رعاية اجتماعية) وهذا مع الأسف الشديد ديدن وسياق أكثر القنصليات العراقية البعيدة عن الحساب والرقابة المالية والإدارية وكل شيء عندها (حسب ما يأمُر السفير). في هكذا معاملة نخاف على كفاءات البلاد، وكيف يعُامل العباد، ومِنْ مَنْ أنفطر وجُرِحَ الفؤاد، ودمعٌ وحَزنٌ على الجواهري ونازك والبياتي وراسم والمختار وقائد وغيرهم من الروّاد، وماذا فعلت الوزارات المعنية غير نعيٍ وتشييعٍ وحًزنٍ ودعمٍ غير جاد، ونقابات وإتحادات تنعي وتصرخ في وادٍ والحقيقة في وادٍ، فوأسفي على الأعمدة التي تُعاني في الداخل والخارج وفي طريقها للسقوط والغياب والمسؤولين وأهل الحَلْ والعَقْد لا يعرفون ما المطلوب منهم وماذا يُراد، ونحن عزاؤنا البُكاء ولبس السواد

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم © 2007           تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com