|
هاشم العلوان
ألتهويل لغة التكبير أو إعطاء الأمر أكثر من حجمه،
والتهوين على نقيضه أي تبسيط الأمر وجعله هيناً
وسهلاً. فالإعلام العربي درج في أغلبه على تهويل
الأمور صغيرها وكبيرها، وليست الحرب الإعلامية بين
الجزائر ومصرمنا ببيعد، رغم أنّ الأمر المتنازع
عليه أمراً تافهاً لا يستحق هذه العداوات والأحقاد
وتسخير القنوات. فالإعلام يقول (مصر قلب العروبة
النابض) والجزائر (بلد المليون شهيد والأحرار)
والروابط بينهما لا تُعدّ ولا تُحصى (اللغة والدين
والقوميةومحاربة الأمبريالية والأستعمار والرجعية).
وعندما دخلت الماكنة الإعلامية بينهما جعلتها (حرب
دهمس والغبراء) وكأن عدو مصر الأول هي الجزائر
والعكس صحيح. فالإعلام العربي رغم ما يدّعي من
أخلاقيات ودراسات إعلامية ومعاهد وكليات إعلام
لتخريج الإعلامي والفحص الناجح والمعبر عن الضمير
العربي وشارعُه المزدحم بشتى المشاكل والخلافات
والحروب الداخلية والخارجية. ووجود نقابات وروابط
إعلامية محلية وعالمية، إلاّ ان الذي نراه جلياً
تخلّف الإعلام العربي عن رَكْبْ الإعلام الحُر
والديمقراطي والمعبر بصدق عن معاناة المولطن
العربي الذي أثخنته الجِراح وسحقته وارداته سنابلُ
خيل المستعمرين والروؤساء المعمرين والطغاة
المسيطيرين والمستبدين. ومع شديد أسفنا نرى أغلب
رسائل الإعلام يميل إلى كفتهم بصحف صفراء وحمراء
وخرقاء. والإعلام الناقد والفاضح لحقيقة الحكام
ومعاناة عباد الله. فالويل لها ولمن يكتب فيها
وتسمى (صحف المعارضة) وهذا حال الدول العربية
قاطبة، فمن كان مع السلطات وحزبه فأهلاً به وله
جائزته، ومن كان من أهل كلمة الحق ونقل الحقيقة
والواقع كما هو فويلٌ له وقد نرى في أي لحظة
جنازته أو حادث طريق أخذه، أو إطلاقات نارية من
كاتم يكتم أنفاسه. فمن هنا ظهر مصطلح (إعلام سُلطة)
وهذا أصبح جزءٌ لا يتجزأ من حكومات الدول العربية.
ويرتبط بأعلى سلطة ويديره من يُحسن تهويل أخطاء
المعارضين والناقدين وتهوين أخطاء السلطة
وإخفاقاتها بشتى الحجج والوسائل لإبعاد النظرة
السيئة للمواطن بمن يدير البلاد والعباد. وهذا
نلاحظه جلياً بين الدول العربية عندما تريد الدولة
شيئاُ في صالحها وتغطية لأخطائها فهي تهوّل ما
تشاء وتصف المعارضين والناقدين لمسيرتها بشيى
الأوصاف منها على سبيل المثال
بـ(العملاء-الخونة-الأرهابين-خدم الأمبريالية
والأستعمار- منفذي أجندة الدول الكبرى ودول الجوار
وأسرائيل- وأعوان النظام السابق) وقد تدير المكائد
والمصائد والتهم لحد أن تصل بالشخص المعارض إلى
محاكمته كخائن إعلامياً ثم تثبيت تهمة ماله وإذا
به يأخذ حكم الأعدام أو المؤبد مع سبق الإصرار وكل
جريمته أنه انتقد النظام أو سيد النظام أو رئيس
الحزب أو القائد حفظه الله. وهذا ما رأيناه ونراه
اليوم في كل الدول العربية دون أستثناء. وكذلك في
الجانب الآخر وبحيادية كاملة ان بعض الإعلام
المعارض يهول أيضاً إلى درجة إعلان الحرب على
النظام وبأسلوب تهجمي وتعبوي ويذهب بالنقد أكثر من
حدوده المسموحة وهذا تهويلٌ لا داعي له، وتهون
أخطائها بأخطائه، وهذا السجال أصبح واضحاً فكل
مهولٍ مبالغ وقد يكون كاذباً وكل مهونٍ كذلك وكما
أراذ الله لنا أن نكون (أمةً وسطاً) وكذلك الرسول
(ص) فقال (لا إفراط ولا تفريط) بل نعمل بالنقد
المتوازن دون تهويل لأخطاء الآخرين وتهوين
لأخطائنا، فالنقد البنّاء يتطلب منا الصدق مع
الذات ومصلحة الوطن والترفع عن صغائر الأمور
الشخصية، وان الذي تنتقده وتُجرحه اليوم قد تكون
مكانه غداً،وعلى المؤسسات الإعلامية والصحفيةأن
تجعل المبدأ الأخلاقي والمهني النظيف هو شعار لكل
إعلامي يتخلق به ويعمل به. وقد تغيّب عن البعض أنّ
الإعلام (سلاح ذو حدّين قاتلين) فالذي ل يُحسن
استخدامه فهو متبعٌ لهواه وأغراضه الشخصية وحب
الظهور (خالف تُعرفْ) وما أكثر أهل الإعلام وخاصة
في بلدنا من يذهب بتطرفه وأرائه أبعد من حجمه هو
وحجم صحيفته أو دائرته الإعلامية. وليعلم البعض أنّ
(الفضائحية) ليست مدرسة وأتجاه للإعلام النظيف.
والذي نراه في صحفنا من مهاترات وخروج عن الرسالة
والأدب الإسلامي دليلٌ على أنّ كثير من أهل
الإعلام بحاجة إلى دروس في أخلاق هذه المهنة. وهو
دليل أن الدخلاء أكثر من الأصلاء، ولا خير بمن باع
قلمه للسلطة أو المعارضة وهو عديم الموقف ولا يخدم
إلاّ لمن يدفع. فمن يمتهن التهويل هو نفسه يُحسن
التهوين، إذن هو مرتزق.فالوسطية (الصدق+الحيادية)
هي التي تنتج الإعلام الحر والكلمة الحرة والموقف
الصادق. أمّا ما نراه اليوم أنّ الخبر الصحيح
والتوضيح بكل شيء موجود على صفحات صحف السلطة
صاحبة الأنتشار الواسع، وغيرها لا تملك الغطاء
الرسمي وأخبارها ليست (تازة) وهذا أحد أسباب
التهويل والتهوين، فالأهمية تُعطى لكل الصحف على
حدٍ سواء والبقاء للأصح ومعيار الأصلّح عند جماهير
القُراء والراسخون في علم الصحافة والإعلام، وليس
بيد سدنة النظام |