البحث عن هوية

رئيس التحرير
اعترف أن من يعيش في العراق فإنه لن ينساه لحظة واحدة ولاسيما عندما يزور او يندمج في بلدان أخرى ، فللعراق عطر يفوح في الذات وينتشر في أوردة الساعات والأيام ، ولكن الشيء الذي نلحظه في معظم بلدان العالم هو التغيير أو التطور أن صح التعبير والذي يفوق الوصف أحيانا ، وتستغرب أنه في أغلب تلك البلدان والتي تعد فقيرة إذا ماقورنت بالعراق إنها اختطت لنفسها منهجاً ولم تحيد عنه في أحلك الظروف .
اما الملاحظة الثانية التي يمكن تسجيلها هو محاولة الناس في تلك البلاد على إتقان اللهجات المختلفه للبلدان العربية و (الطقطقه) ببعض الكلمات والمفردات باللغات العالمية او كما يطلق عليها اللغات الحية..ومحاولة التقرب حتى من تلك اللغات للدول التي لا يحبونها أو يرغبون بتعامل حكوماتهم معها ومن مبدأ ( إعرف عدوك) ترى أن ابسط الناس يتحدثون عن السياسه بشكل يشعرك أحياناً انك تتابع أحدى جلسات البرلمان ، أو تلك البرامج السياسية الحوارية كالاتجاه المعاكس وبدون رقابة، وفي نفس الوقت الذي يتحدثون بها بجدية عالية تراهم ينثرون النكات السياسية والمسبات العلنية لرجال السياسة في بلدهم (هذه طريقتهم ولا شرط ان نوافق عليها أو نعترض على تلك الممارسة في حرية التعبير) المهم انهم يتحدثون دون أن يفكروا بعقوبة أو سجن .
ومن تلك الحرية التي يتمتع بها المواطنين نجد إن الاعلام استوحى برامجه للدرجة التي وصل فيها الامر لعمل مجسمات للقادة ونواب البرلمان وتقليدهم ببرامج يتابعها السياسي قبل الفرد العادي.. أما نحن ولكوننا غرباء في هذا البلد ولاننا هاربون من الرقابة تجدننا نغلق التلفاز مباشرة مع أول مشهد من تلك البرامج فهي قد تعتبر فخ لنا لإن زمن المؤامرات مازال يتخلل فينا نخاف أن نتهم بإننا من قدمنا فكرة البرنامج للقناة ، وأننا من قام بكتابة النص وإخراجه.
ورغم انك تحسد البعض على حاله والديمقراطيه التي يتمتع بها لدرجة ان الاخر لا يتركك تكمل كلمات اعجابك الا وقال لك ( الله يستر من الجاي) ، تتلفت يمينا وشمالا فلا تجد ما يقوله منطقيا أو معقولا فمن أين ستأتي المصائب إذا كان الجميع يتمتع بحرياته كاملة وملتزم بالقانون لدرجة تشعرك إن بلدك إذا ما قورن بالغابة فإن للغابة قوانين يلتزم بها الجميع على العكس من بلدنا الذي يعد القانون فيه طفلاً مازال يحبو على ركبتيه بين اروقة البرلمان (الدايخ) بالف هم ومشكلة.
لكل شيء حساب ولكل خطوة خطة مرسومة في رأس من يقوم بها ، الدراسة ..الاصدقاء.. العمل.. شراء سيارة اومنزل ..ماهو مقدار الفائدة التي ستفرض عليه.. ومع أي بنك يفضل التعامل.. كلها أفكار تدفعك نحو الافضل والمزيد من الراحة بمعنى أن التفكير اصبح للشخص العادي قبل الحكومة على بناء استراتيجية وخطه مستقبليه مضمونة النجاح وهذا الأمر لا يمنع من أن يتمتع العديد من أولئك الناس على أوقات راحة ومتعة في نهاية كل اسبوع على الاقل ،ولا يمنعه من زيارة الجامع والكنيسة في أوقات الصلاة ومواسم الاعياد .
الملاحظة التي تشدك اكثر في تلك البلدان هو تأسفهم لموت احد ما على فراش المرض أو موت مفاجيء لتكون اول عبارة للمعزين انه كان في عز شبابه فهو لم يتجاوز الخمسين او الستين من عمره، وهذه التعزية التي لم نعد نسمع عنها الا نادرا في العراق وهي أن يموت احد مريضا او نتيجة معاناته من مرض عضال وصراع مرير مع المرض فالموت في العراق أصبح إما بالكاتم أو بعبوة لاصقة أو تفجير دامي ، والاغلب ان يكون الموت جماعياً .. لينسف كل طموح وخطط مستقبلية في داخلنا لتخزينها للغد الذي ننتظره بخوف ، يوم نبتدأه بـ ( الحمد لله رب العالمين )ونختتمه بعبارة (ولا الضالين)،أما بقية اليوم فنكتفي بوضع ايادينا على قلوبنا من أي عبوة أو أنفجار دموي ..لنعود لمنازلنا لنبدأ بحساب اجور البنزين والكهرباء والنفط والغاز والايجار ومصاريف اولادنا في المدارس بعد أن كتب لنا الله يوماً اخر لنحياه.. اما مانريده في الغد فنتركه حتى يأتي الغد ويمضي دون أن نتذكر ما تمنيناه في الليلة السابقة.

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم © 2007           تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com