بنو أنف الناقة لا يتساوون مع بني ذيلها وزبيبة الانتخابات

 يونس هاشم البياتيThealnon_69@yahoo.com
ما الحكاية ؟ .... هل هي عودة غير ظافرة أو حميدة إلى أدبيات الصراع القبلي في أيام العرب الأولى أم أنها استثمار فاحش دونما روادع لكعكة الانتخابات ؟؟
وفي الحالتين ثمة نكوص إلى تلك السيكولوجيات الرعوية التي عصفت بالنسيج العراقي، مرارا، وأحالت القوم إلى عصي متباعدة كان يسهل كسرها على الدوام.
والانتخابات مجرد مثال ، وثمة ما هو أنكى ففي وطننا ذاته ، لم تأت لحظة تلتئم فيها مواقف الأعضاء ، حتى حول قضايا وطنية وقومية مصيرية تخص الجميع ، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقرارات الإجماع التعجيزية .
ولو كان أعضاء المجالس والبرلمان يربحون ، من هذا التنافس ألتآكلي لا التكاملي لهان الأمر ، وأمكن تبريره ، لكن خسارتهم تتصاعد ، والهوة تتعمق دونما طائل على الإطلاق . فالنرجسية ، استوطنت الأقاليم وأفرزت أدبيات المماحكة والنكاية أمراضا تفاقمت والتواطؤ بين الجميع أتاح لها أن تجهز على كل ما هو حيوي ومستقبلي .
أن اشتباك البرلمانيين على المناصب ، يشي للمراقب بأنهم يصدرون عن لغات عديدة لا واحدة ، وعن مجموعة ثقافات فلو كانت اللغة واحدة هي عاصمة اللسان لاختلف المشهد ، ولو كانت إستراتيجية الثقافة واحدة ، لتمت تنازلات طوعية وبادر الكثيرون إلى تغليب العام القومي على الخاص . وقد لا تكون معركة الانتخابات آخر الحروب - البسوسية - ما نخشاه هو أن تكون مجرد فاتحة لاقتتال وشيك ، يطال كل التفاصيل ومن يدري لعل الأعضاء القادمين الذين سيرثون هذه الحمولة البائسة سيختلفون على نصب المفعول به ، ورفع الفاعل وقد تكون جملتهم السياسية المقبلة مبتدأ بلا خبر .
ومما يعطي لهذه الحرب الرمزية الصغيرة جدا ، بعدا كارثيا هو أنها تدور بين مثقفين ، ونخب ، تقدم لهم النظم السياسية مجرد مرتكزات ، وأحيانا يصل التقاطع بين المرشح ونظامه السياسي حدا يجعله يتحالف مع الشيطان..... لكن الشياطين غالبا ما تخذل اللائذين بها والمتحالفين معها ، لأنها لا تثق بهم وتعرف أنهم ( اجرائيون )في كل شيء ، ما أن يبلغوا الشاطئ حتى يتغير الحال وقد يتنكرون لمن أغاثهم من الغرق قبل قليل .
فيما مضى كان التنافس بين المرشحين على مشاريع نهضوية ، أو على أدوار محورية سياسية جاذبة للأطراف ومنذ أن استبدلت تكنولوجيا المغلوب بدأ يستبدل دينامياته ويعكسها . فالتنافس تحول إلى مناقصات سياسية من أجل إنهاء وإجهاض الصراع في مرحلة ما ، وها هو يتوغل سلبا بحيث يتحول إلى نهش للذات ، وتهميش للمجموع لصالح مركزية الفرد .
وبالطبع تلك معادلة مستحيلة ، فالعراقي المتطلع إلى دور فاعل في وطنه لن تصمد أطروحته أن لم تكن تكثيفا للوجود العراقي برمته وارتكازا إلى حاضر وطن .
فالأقليات والأطياف لا ثقافات خاصة بها إلا ما تتوهمه من تنويعات إعلامية على وتر التاريخ ، إنها تحاول عبثا تقطير العطر من الحجارة ، وحين حاولت بعض الأطياف تجذير مفهوم الأمة في نطاقها الإقليمي الضيق قد انقطعت عن الثدي الذي كان يرضعها فاعلان الفطام حسب هذا السياق هو بمثابة إعلان الاحتضار البطيء وأخيرا الموت .
يحدث هذا للأسف في عصر السياقات والأنساق الإنسانية ، حيث بدأت الأطياف الصغرى تبحث عن مشترك ما ، سواء كان اقتصاديا أو جغرافيا أو حتى لغويا لكي تدافع عن وجودها في هذا البلد ولا تتردد حيتانه في ابتلاع اسماك البحر كلها . لهذا قد لا تفاجئ المرء وهو يرى من فشلوا في نحت أية صيغة أمنية أو سياسية لأتلاف تفرضه التحديات من كل الجهات ... يكررون الفشل ، بل يكثفونه في الحصول على مكانة سيادية مرموقة ، من خلال العلوم والثقافة والحضور الإنساني الفاعل .
انه منهج ( عليَ وعلى أعدائي ... يا رب ) ذلك الذي يقرَر علينا الآن وكان ما قاله أبو فراس الحمداني في لحظة إحباط ولدت بين جدران السجن ( أن مت ظمآن ... فلا ننزل القطر ) أصبح الخطاب المقدس لدى من يشقق الظمأ شفاههم من قومي هذا العصر ، وهذا خلل عميق قد يصبح بنيويا ويتفشى من نسيج حياتنا كلها ، فالمغلوب يصبح نازعا نحو إفشال الآخرين من حوله ليحقق انتصارات صغرى ووهمية يتحدد منسوبها في ( بارومتر) صاغه الآخرون واقترحوه بدلا مضادا لأي بارومتر آخر يولد في ضمير بلد أو من خبرته عبر العصور .
ما يحدث حول زبيبة الانتخابات بدأ صراعا على عنقود... ثم سوف ينفرط العنقود ويجف ، ولم تتوقف الحرب البسوسية لأنها حسب الدينامية السالبة وأيديولوجيات الطرح ، لا بد أن تفضي إلى نبذ كامل حول جميع الخلافات.
هي عودة أذن إلى صراع القبائل ، ( فبنو أنف الناقة لا يتساوون مع بني ذيلها ) وأحيانا تتردى هذه التركيبة النفسية الاجتماعية لدى العراقي إلى الحضيض ، وان كان التاريخ المهجور الذي لا يقرأه العراقيون اليوم إلا لانتفاء ما يكرس أحوالهم منه ، مفعم باللامئولات.
أمثولة امرئ ألقيس الذي لاذ بقيصر لينتصر على أبناء عمومته ، فأهداه القيصر حلة مسمومة قرحت جسده ، ونام إلى الأبد مهزوما ونادما على سفح جبل عسيب ، سلاسل من جبال عسيبة بانتظار من تتقرح جلودهم من هدايا الغرباء ، قياصرة كانوا أم أكاسرة لأن الدرس غير مقروء بما يكفي بعد .

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم © 2007           تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com