|
صباح محسن جاسم
"من جملة خطواتها الرائدة في مسيرتها النضالية
للنهوض بواقع المرأة العراقية وخاصة نساء الاقضية
والنواحي، مشروع صفوف النور، الذي حملت منظمة بنت
الرافدين/ بابل شرف ابتكاره وتنفيذه والسعي إلى
الارتقاء به ليصل إلى كل مكان ويأخذ بيد المرأة
العراقية ليخرجها من الظلمات إلى النور."*
في استعراض لنقاء الحلي بشأن استحداث صفوف لتعليم
المرأة القراءة والكتابة وأيضا الدفع إلى إيجاد ما
يحفظ للمرأة من شخصيتها من خلال تأهيلها للعمل
الشريف المثمر. مثل ذلك النشاط الإنساني المتألق
يغدو ثمرة طيبة ترعاه المرأة لنفسها ومجتمعها.
ما عنيته في هذا الاقتباس هو ليس استعراض بعض ما
تقدمه منظمة بنت الرافدين في بابل وإشعاع ما تؤديه
من خدمات جليلة لشريحة وأكثر من واقع مجتمعنا
العراقي ، بل ذلك الضوء الذي يفيض بشرى وسموّا في
وضع ما يعانيه شعبنا العراقي أمام كل ما يحصل من
نزوع لهدم البناء وسفك دماء والسعي المحموم بغاية
الخراب والموت والفناء.
تستفزني مقارنة سريعة أبتغيها لمقاربة أعنيها بين
من يسعى لإشعال عود ثقاب بغرض توهّج شمعة قتلا
لظلمة ظلماء وبين من يشعل فتيل حزامه الناسف بين
مجموعة من ناشئة أبرياء دفعتهم ظروف العيش الكريم
للعمل في صفوف الجيش العراقي أو الشرطة العراقية –
لأنهم لم يجدوا موردا آخر بسبب من قاتليهم
أنفسهم.أو من يفجر جسرا لعبور خلق الله!
بين من يسعى بكل ما يملك حتى بيعه لجزء من أثاث
بيته لينشر كتاب شعر أو مؤلف لمادة أدبية أو بحث
في تراث أو علم من العلوم – يهب نصفه مجانا - وبين
من يسعى لاهثا لتفجير وحرق مراكز توزيع الكتاب في
شارع المتنبي ويعده مفخرة لانتصار. بين من يزرع
نخلة أو شجرة زيتون وبين من يجتث بساتين الفواكه
والنخيل لهجرة الناس وجعلهم مجرد أهداف للتسالي
والاصطياد.
السؤال ما مصدر ذلك الوعي ابتغاء كل هذا الشغف في
البناء ؟ وبالمثل هل حقا للجهل والظلمة كل ذلك
الخزين من الدمار والخراب؟ أيشترى الجهل بالمال ؟
أي دين أو مبدأ يقف وراء تدمير الإنسان ؟
حين تصل بنا الحال أن نشهد عمليا كل نتائج ذلك
الجهل فسنعرف تماما أي المؤسسات المريضة تقف وراء
كل ذلك التدبير من الحقد والجهل والإفلاس.
الخراب لن يدوم مثل ما لا يدوم النهب والاقتتال.
سيصل الكل إلى وضع يعجز معه عن المواصلة لأن مزبلة
التأريخ تريد ولأن على الحياة أن تستمر.
حجم المفارقة نجده في إيقاد ذلك العود من الثقاب
الذي سيضيء تلك الشمعة لتهلك جزءا من ذلك الظلام.
أما كم سيضيء ذلك العود لو اجتمعت كل الشموع ؟ ذلك
سنعرفه ببساطة حين تركض الظلمة هاربة أمام مشاعل
النور التي ستلاحقها حيثما توارت.
سؤالي الذي يعقبه تساؤلي: كم من أولئك الذين
يتشدقون بالتحليلات السياسية ويتفلسفون في رؤاهم
ويتزاحمون بالمناكب ليدلوا بدلوهم بشأن التشجيع
على إشاعة روح قتل الأبرياء من شعبنا العراقي بحجة
دين وطائفة وعرق وكرامة مفتعلة ساهموا بهدرها ، قد
فكروا مرة واحدة كيف يساعدون في لم شمل شعبهم دون
اللجوء إلى الفرقة وكل هذا الاحتراب بغرض الوقوف
وقفة واحدة وقول "لا" للاحتلال ؟ يأتي ذلك من شد
تآزرنا .. من النظر إلى حال بعضنا الآخر وليس
التطلع إلى دول خارج العراق بأجنداتها المختلفة!
طالما. العقل الجميل هو ألأفضل دائما مما في اليد
الملوثة بالدماء. ان ملايين الدولارات التي نهبت
من دماء شعبنا العراقي هي التي تحارب الإنسان
العراقي الآن لا من أجله بل تحقيقا لذلك التعصب
القبلي والثأر لمجرد الانتقام تسهيلا لمهام وخطط
الاحتلال البغيض ولا أصدق إشارة مما يجري الآن من
قبول لبقاء الاحتلال فترة دون حتى إشعار آخر. متى
يدرك سياسيونا أن شعارات من مثل الاجتثاث التي
تحمسوا لها إنما أتت بنتائجها المعكوسة وما هكذا
هو العلاج؟
ما هذا الكذب بسبب من الكسل ومحدودية التفكير وقصر
النظر والانزلاق إلى هاوية الانتحار وتفجير الناس
لا لنتيجة الآ للإبقاء على الاحتلال . أوليس ذلك
ما يريدون أن يؤكدوه للعالم من إننا شعب بائس لا
يفيد بنا سوى الإهمال ؟
المؤسف إن المحتل بدأ يعلمنا كيف نتظاهر ونقلد
الآخرين شكليا – عرف فينا دعاوى الخيلاء والتبجح
والمباهاة .. لأننا نقلد مستمرئين الآخرين
بتركيبتنا النفسية المعقدة .. يثيرنا أن تعلن عنا
إذاعة أو قناة ما من أننا مليونيين ولا يحز في
أنفسنا ما نخسره من بشر في مثل هذه الاستعراضات
التي لا تؤتي ثمارها لأنها صنعت صنعا لمجرد
الاستفزاز وعرض لقوة نتخيلها!
من مقارنة بسيطة بين تظاهرات الناس زمن الخمسينيات
من القرن الماضي وما يحصل الآن نلاحظ تواصل جذوة
الأول وخبو مصداقية الثاني. والسبب في أهلية
الحماس.أما البالونات الملونة فلا تخلق احتجاجا
ولا زاهي اللافتات والأعلام. التقليد لا يخدم سوى
مسخ وذوبان روح التظاهرة وبالتالي نلقى حصادا
بائسا دون ثمار.
والسبب بسيط ذلك إننا نتظاهر بآلية الانقياد إلى
سيد الفصيلة – دون أن نعي مقدار ما سنحققه فعلا
لأناسنا وأبناء شعبنا مثلنا كرجال تجارتنا
واقتصادنا وتعليمنا حين خدعتهم عروض مناقصات
التجارة فراحوا يدفعون بطباعة كتبنا ودفاترنا
المدرسية خارج العراق متناسين ما سيفرطون به من
رزق إنساننا العراقي وترحيل عملتنا الصعبة فلا
تأخذ بهم حميّة المواطنة ليذودوا عن عوائلنا الجوع
سواء من هم في شارع المتنبي أو شوارع المطابع
ومخازن الورق وبيوتات العمال.
نحن إنما بحاجة إلى الانتباه ومتابعة العملية
الاقتصادية الجارية في البلاد لفضح هؤلاء اللصوص
الذين لم تصل نتائج لجنة النزاهة لغاياتها
المرسومة في ما نهب ما ينهبونه من ثروات بلادنا
وشعبنا؟
مقصد الكلام ، أننا بحاجة إلى من يشعل عود ثقابه
لينير لنا شمعة تصد عنا الظلمة َ وليس ليحرق لنا
فرشة عرس الأبناء! |