وزارة الثقافة .. ثقافة الوزارة !

صباح محسن جاسم

بدء أود الإشارة إلى أن الغالبية من الشخصيات المهمة تميل عند إجراء مقابلة أو تحقيق صحفي معها إلى الطلب على الأسئلة أولا ثم يأتي الرد تحريريا لا شفاهيا وهو برأيي أسلوب عملي لما يحمل من فائدة إغناء للجواب وتصحيح ما يقتضي تصحيحة بعد تدبر سيما الأكاديمي منها ولكي لا تكيّف إجابات الضيف وفق هوى لهوى.
ولا أسهل من " دع الأسئلة وأنا سأرفق إجاباتي لاحقا." كما فعلها مرة استاذنا الشيخ"نوري الراوي" الرائد التشكيلي والفنان لا السياسي.
الأستيزار مسؤولية وليس مجرد إشغال لمنصب سياسي القصد منه استرضاء هذا الطرف أو ذاك من مبدأ ( تريد أرنب خذ أرنب ...) وبذا فهو ليس عملية (شطرنجنة) وزارة ما لشخص بعينه اليوم وغدا نسترضيه لوزارة أخرى من الوزارات ، ويغدو الوزير شغال ( إيسي ديسي)!
كما هي ليست محطة أخيرة لإشباع طموح شخصي ذاتي للتفاخر يتكيء عليه مدلل ما والآ يكون على الوزارة العفاء.
ولنا في تجربة الشقيقة سوريا مثالا حيث استوزرت الأديبة- نجاح العطار- كوزيرة للثقافة سنين عديدة وبنجاح. وكذا الحال في مصر حيث جاء قرار الوزير فاروق حسني في أعقاب الحريق الذي التهم مسرحا تديره الحكومة في جنوبي القاهرة أسفر عن مصرع 42 شخصا ليحسم أمرا :
" لقد شعرت أنني تسببت في بعض الإحراج للنظام الذي أحترمه بشدة، لذا قدمت استقالتي للرئيس مبارك وأنا أتحمل المسؤولية السياسية".
يحز في النفس حقا أن يكشف عن مثل تلك الأجوبة والآراء من لدن السيد الوزير وفقط عند انتهاء ولايته وليس بداية. فلا أغرب من دعوته للتقوقع (الحضاري) من قبيل – لماذا نترك ثقافتنا ونركض وراء الثقافة الأجنبية- ويبدو لي أنه لا يدري أو لا يريد أن يعلم أن ثقافات الأمم لا تعرف الحدود السياسية ولا الحواجز الإقليمية وإنما لديها من قوة النفوذ أن تعبر دون جوازات سفر. وقد فاته أيضا ما تعلمناه في المرحلة المتوسطة قولا للمهاتما غاندي الشهير في دعوته لنهل الثقافة :
"إنني أفتح نوافذي للشمس، ولكنني أتحدى أية ريح تقتلعني من جذوري."
المثاقفة هي غيرها الغزو الثقافي يا "سيدي".
بعد تحرر فرنسا من نير النازيين التفت الجنرال- شارل ديكول- للثقافة فلم يجد أمامه سوى -أندريه مالرو- الأديب الكبير لكي يكون وزيرا للثقافة رغم توفر العديد من رجال (جندرمته) من مفتولي العضل وفارعي الطول وعريضي المنكبين.
وزير الثقافة اختصاصه التراث الشعر الرواية المسرح فن الرسم والموسيقى وفن النحت وغيرها من دروب الفن والأدب .
لم يلتفت – ديكول - في حينها أكان –مالرو- يحتسي الخمر أو هو مدمن على زيارة الكنيسة أو متعبد داخل محراب.
الآ أن تجربة واحدة تؤيد ما ورد في تنظير السيد الوزير هي مرحلة الانقلابات العسكرية في العراق حين كانت توكل الوزارة إلى أحد الضباط المشاركين في الانقلاب دون الألتفات لبعده أو لقربه من الخارطة الثقافية للبلد. وتلك لعمري كارثة. نرجوا أن لا نجد ثمارها الفجة في مرحلة العراق الجديد الديمقراطي الحضاري.أرى أن يعمل على أن تكون الثقافة مستقلة عن كيانات الدولة.
ولا أحوجنا منه ظرف مثل الآن كي نعيد صياغة إنساننا العراقي لإنقاذه من أدران ما علق به بدراية أو دونها.
نفهم من ذلك أن الأستيزار هو جزء من عملية رص صف وبناء . فهو قبل كل شيء وبعده أخلاق بناء تدفع للتسامح والعمل المثمر الجميل والجاد.
كما لا يخفى ان أولى مهام وزير الثقافة هي رعاية الثقافة والمثقفين بكل أطيافهم وأيديولوجياتهم ابتغاء إغناء صرح الثقافة العراقية شعرا ونثرا ومسرحا وسينما وتلفزيون وصحافة ودعم الأدباء الشباب في نشر مجاميعهم الشعرية والقصصية – فالعديد منهم قد باعوا ما توفر من موجوداتهم وحلي ذهبية ذخيرة عمرهم كي يطبعوا مجموعاتهم الأدبية وليوزعوها بالمجان على زملائهم وصحبهم وبالعلامة التجارية – طبع على نفقته الخاصة-. هذه هي قمة العطاء وهذا ما يسمى بالبحث عن معنى.
من المهم أيضا استحداث جوائز تشجيعية والعمل على المساعدة في التلاقح الثقافي والمشاركة في المهرجانات العربية والدولية وتحاور الحضارات وعلى أن يكون هدف الوزير الثقافة والثقافة فقط.
لا بأس لمن سيتسنم مكانة وزير للثقافة أن يبدع في ميادين أخرى كسابقة وزيرنا المنتهية ولايته من سعيه في متابعة السجناء العراقيين – ليت ذلك النشاط شمل أيضا تفقده للأدباء العراقيين من المفقودين والمخطوفين - لإطلاق سراحهم من قبضة الجهلة الجناة.
أما ما طرح من رؤية كررت عن عمد بشأن المثقف والتربية العربية الإسلامية الخ ... كذلك موضوعة الغمز للمثقف ومعاقرة الخمر فهذه تخريجات سمجة معلومة الغرض .. بل أكتفي بالقول لمن يقف وراء الترويج لها :
إن من استوزر الوزير لوزارة الثقافة هم نفسهم أولئك الذين يحتسون الآن الخمر والجعّة المجعجعة.
وليحطم من يحطم عمر الخيام وأبي نؤاس ورشدي العامل وغيرهم وليهشم من يهشم – على غرار أفلام الكاوبوي الأمريكية- كل قوارير الخمر فلن يكون بمستطاع – خمبابا- إلغائها لاستبدالها ببديل بائس منافس كالترياق والقات والحشيشة وحبوب الكبسلة المنتشرة هنا وهناك ، فأخلاف من علّم أسلافهم الآخرين الحرف والكتابة ومن لثغوا صبر حضارتهم لأكثر من ستة آلاف عام لن يُخشى على تربيتهم واصالتهم. هؤلاء إن غضبوا، ويلٌ لظالمهم ، وما عدا ذلك فليشرب عاذلوهم من ماء البحر.
أقولها بإخلاص: كل الوزارات التي تساهم بتثمين دور المثقف واحترام خياراته وقناعاته الإنسانية ستثقّف لتقدمها وإغناء مسيرتها ورقيها.
فما نطق المسيح عليه السلام بالحكمة إلا بعد أن جاع أخيرا، وعرف أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده ، بل بكل كلمة طيبة تخرج من الفم. الخير قادم حتما.. والعبرة أن نتعلم معنى أن تكون رقابنا بطول رقبة البعير.
وللكأس بقية...

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم © 2007           تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com