مهاترات إعلامية في
محافظة ديالى
يونس هاشم البياتي

اشتدت في الآونة الأخيرة في محافظة ديالى السجالات بين الإعلاميين متمثلة بالجهات التي ينتمون إليها تارة وبين المسؤولين تارة أخرى وتعدى الأمر في وصول الأخبار إلى جميع الوكالات وبعض الفضائيات .
كلنا يأسف على هذا الوضع المشدود بين الإعلاميين أنفسهم وبين المسؤولين في دوائر الدولة بكافة مفصلها .
وهذا ما جعلني أكتب عن الموضوع وأنا واحد منهم بل وربما أكون الحلقة الأضعف لأن لا نصير لي ولم أزاول مهنتي في محافظتي العزيزة إلا بعد غربة دامت أكثر من خمسة عشر عاما ولم ألتحق بالركب الإعلامي هنا في المحافظة سوى مايزيد عن سنة تقريبا .
وعذرا للجميع قبل كل شيء من مسؤولين أفاضل وأخوة صحفيين وإعلاميين .. فالكل هنا يضرب بعضه ببعض النقابة توصي نفسها مسؤولة عن الحركة الصحفية بالمحافظة ولا تسمح بالاعتراف بغيرها من المسميات التي تنضوي تحت نفس المضلة وكأنها الوصي الشرعي للناطق الرسمي بالإعلام ، وسبقها في ذلك الرابطة وقد نصبت نفسها وصيا قبل وفاتها شرعيا حسب كتاب نقابة الصحفيين الذي عمم لدوائر المحافظة بشأنها وبشأن باقي المسميات الصحفية حسب قولها .
وهذا الحال ذكرني بقصة عربية قديمة مفادها أن أعرابيا وفد على الخليفة عمر ( رض ) وسأله الخليفة عن حاجته فقال : ( جئت يا أمير المؤمنين أطلب الحسبة على الناس ) والحسبة هي رئاسة الضابطة في ذلك الوقت ، والمحتسب بمثابة رئيس الشرطة ، فتأمله الخليفة طويلا فوجده متسخ الثياب ، زري الهيئة ، مشعث شعر اللحية ... فقال له : يا هذا ، أذهب أولا فأحتسب على نفسك ، ثم عد ألينا لنوليك الحسبة على المسلمين .
تذكرت هذه القصة وأنا أرى الكثير من الزملاء من يطلبون الوصايا على العمل الصحفي والإعلامي وكأنه حكر عليهم بل ربما ما زال البعض لا يرتضي من يجيء من بعده ولا يعطي فرصة لمن هو أكفأ منه .
ولو أخذنا الفقرات التي تناولوها في كتبهم والرد على بعضهم فنلاحظ أن كل جانب قد أتخذ مسار الجهة التي نشأ فيها وترعرع ولا يزال يدافع عنها بأسماء وتواريخ وشواهد لم تعد غائبة عنا ، مع اختلاف بتحديد الأماكن والشواهد والأسماء .
فهي غير مبررة على الرد ، ولكن لا يدري وهو يدافع عن سلامة موقفه والنسب الذي ينتمي إليه ، انه قد أوقع نفسه في جملة من الأخطاء الفكرية والأسلوبية ... كان حريا بهم وهم يتمرسون الكتابة منذ حوالي سنوات عدة أن ينتبهوا أليها ، حتى يجوز لهم أن يكونوا محتسبين في حقل الكتابة ، وحتى لا يضطرنا أن نقول لهم ما قاله الخليفة عمر لطالب الحسبة ... بالتوازي لا بالتشابه بين محتسب في حقل الكتابة ومحتسب في حقل الحسبة .
ورغم أن كثيرا منهم قد يلجأ في الرد إلى أطروحة يدافع بها عن ارتكابه بعض هذه الأخطاء بزعم أنها شائعة ، هذا إذا شاء ألا يكون موضوعيا ، ومن يدري فقد يميل إلى الموضوعية فيقر بموقف علمي بينه وبين نفسه انه أرتكب فعلا هذه الأخطاء وأن عليه أن يتحاشى مثلها في القادم وأن يكون أكثر تدقيقا .
أقول رغم الموقف الذي سيتخذه السادة الزملاء ، فأن موقفهم المدافع عن سلامة الكتابة والمعلومة موقف يسجل لهم ، وأن حرصنا جميعا على التبليغ هو الذي يقترح علينا ما نكتب ، ثم أن الزملاء وهذا من حق القراء عليهم وعلينا ومن حق الناشئة ... ملزم ككاتب بأن لا يخوض مجال المهاترات ، وألا يخطئ ولا سيما حين تكون لعبتنا كلها تبدأ مع اللغة وتنتهي بها ، وقيل قديما : ( إن الأديب هو حارس كنوز اللغة ) .
نحن هنا لا نريد الدخول بماضي كل كاتب وتاريخه النضالي والصحفي، فقد كفانا غنى ما سمعناه.. فماذا نسمي ذلك ؟ .
أنظمة ؟ تجار ؟ أصدقاء متنكرون ؟ أم مصهروا فكر ؟ أم مفتشوا أدب ؟ .
القائمة طويلة حطمها أو مزقها فهي مرآة سترى نفسك فيها إنك واعيا أو غير واع ، مسوقا بالمغري ، أو ممتنعا بالرأي ، سترى إنك غارقا في الخطأ حتى أخمصيك وحتى لب الخلية التي تتوالد بجسدك ؟ .
فهي حقبة من أبشع ما يمكن للمتخيل أن يتخيل سادها ضرب من الدجل المزيف واختلاط القيم ، واستدرار الشهرة واستجداؤها كما لم يسر أية فترة من تاريخ الأدب .. اللهم إلا تلك الفترة التي خضع الناس فيها كلهم على السواء لأنظمة فعلية حتى غدت عملية جرد واعية للإنتاج وإعادة تقييمه بعيدا عن كل المؤثرات .. والتي باتت هي الآن ضرورية وملحة أكثر منها في أي وقت آخر .
إنها حقبة غدت فيها ردود الأفعال ناظما للسلوك والعلاقات الفردية والمصلحية ... غربالا للإنتاج ، وفي الصف الأول كما في الثاني كما في أدنى السلم ... دون أن يعي من الكبار والصغار ممن انغمسوا في اللعبة مدى قذارة تلك اللعبة .
إنها حقبة ندرت فيها الأصوات النظيفة ، وتعالت أخرى مأجورة ، مخدرة ، ومستأنسة إلى مكسب ... وأصوات أخرى مدفوعة بالتيار القومي في مسرحية هي أصخب ما شاهدنا وسمعنا.
فبدلا من تلك المهاترات بين زوايا دوائر المدينة فليكتب السادة المحترمين عن المجلات المشتراة والضمائر المبيعات على مباغي الحياة ، عن المجلات التي تمول بأموال السفارات وأخرى بالمنظمات ، مجلات تبشر بتبعية الفكر للجهاز السياسي بقصد ريادته إلى أخرى تبشر بأفكار مستوردة وتتخذ الديمقراطية سياسة لها حتى كاد الفكر القومي الصحيح يضيع في جلبة الزحام .
فإذا ملنا عن الهفوات في الكتابة والعثرات في وجهات النظر بين نقابة الصحفيين ورابطة الإعلاميين واتحاد الصحفيين العراقيين واتحاد الصحفيين والإعلاميين بين كل هذه المسميات.... أمكننا أن نجعل الكتابة ذات وجه مختلف وحضاري في نفس الوقت ولنحاول إيجاد الرموز الأصلية التي تكون محور الخطابات والردود بدلا من المغالاة في أشياء لا تنفع ولا تدفع الضرر .
المواجع كثيرة ، والهزائم كبيرة ومحاولات كشف الحقائق للناس عمن كان سببا لكل وجع وهزيمة هي الأحرى بالمحاور ، فنحن لم نخرج من صراعاتنا المتواضعة بعد ، وعبثا نحاول نبش ما أندثر .
ومهما يكن فأن ما أردت تأكيده هنا لا علاقة له بمضامين الكتب التي تتناولها الجهات الإعلامية فيما بينها وفي المواضيع التي اختاروها للرد على بعضهم ... لكن على علاقة بالأداء ووسيلته وأضنه سيبقى هكذا لأن الأغلبية ممن يعملون في هذا المجال هم أصحاب مهن حرفية تركوها وابتاعوا بها هذا الفن في زمن الاحتلال الرخيص وأصبحوا بذلك الحراس الأمنيين لهذا النتاج الفعلي من المهاترات وها هي النتيجة ولا عجب في ذلك ؟. فيد التاريخ تمتد بغربلتها العظمى بالنقد لتفرز بين ما ينفع الناس وبين الغثاء والزبد .. وهذا ما يلبث أن يجد سبيله إلى زوايا الإهمال . فما أبقى الفرزدق ألفا وأربعمائة ونيف من السنة يصاح باسمه ليل نهار (أنه لو لاه لضاع ثلث اللغة غير أنه كان وارث التراث بحق ومورثه بحق الذي كان امتداده إلى الجذور).

    
 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم © 2007           تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com