|
هاشم العلوان
هذه قاعدة فقهية معروفة وقانونية إلى حدٍ ما،
وبدّلت الكلمة الأخيرة بـ(التبريرات) بدل (
المحظورات) لتشابه المعنى المستعمل في حياتنا
اليومية وتحديداً (التبريرات من المحظورات) أي من
الممنوعات والمرفوضات في الإدارة وحكم البلاد
والعباد. ويُرجعني موضوعنا هذا إلى عام (1981)
عندما زرت أحد الزملاء (أستاذ أكاديمي) في دائرة
البعثات حيث أخبر أحد المراجعين بأنه (لا توجد
بعثات حالياً بكذا دولة) وأنا على حد علمي توجد
بعثات، فعاتبته فقال لي (كذبة بيضة) فقلت له لا
يوجد في الكذب ألوان إنما هو لون واحد (كذب)
فأجاباني قائلاً تعلّمت حكمة (الذي يريد أن يحافظ
على منصبه يجب عليه أن يكذب) وبعد كل هذه الأعوام
استرجعت ذلك الكلام وإذا به مُطبّق وعلى مستويات
متقدمة، فنرى كل دائرة أو وزارة جعلت لها ناطق
أعلامي أو رسمي يمتلك من الأساليب الملتوية
والصفات التي أولها (الكذب). ومع الأسف قد يكون
المتحدث هو مسئولٌ عال المستوى ودون خوفٍ وحياءٍ
من الله وعبيده. ولكن ما هي الضرورات التي تجعل من
الإنسان كاذباً مخادعاً. فقد نُوجِد له بعض العذر،
ولكن المسألة لا تعدو أن تكون (الغاية تبرر
الوسيلة) والضرورة هي (البقاء في المنصب والنجاح
في الانتخاب) ولإصابة أكثر المسئولين في الوطن
العربي بجرثومة (البقاء مدى الحياة) أي يبقى في
منصبه (من المهد إلى اللحد) هذا مختصر وأهم ضرورة
وبعدها (لا شيء يهم)، ولهذا الصراع على المناصب هو
الذي يحكم الإنسان والضمير والدين والأخلاق وليس
العكس أي إن المبادئ (تُدفن تحت الأقدام) وهذا ما
نلاحظه في حياتنا اليومية مئات القتلى وعشرات
الجرحى والمسئول يخرج علينا بتبريرات لها أول وليس
لها آخِر وكأنه يتكلم مع أطفال روضة أو ابتدائية،
ويبيح لنفسه الحق أن يطلق عدة ضرورات كاذبة منها (الوطن-
الوحدة الوطنية- نجاح الديمقراطية- عدم فسح المجال
للإرهاب والتكفير والإمبريالية) وأهم ضرورة (هي
البقاء في منصبه فترة أطول) لماذا؟ الجواب معروف
لميزان المنصب والمردود المادي الذي هو أكبر من
الوطن والضمير والإنسان. وعندما يُسئل أحدهم لماذا
حصل ويحصل هذا القتل والتفجير؟ يُخبرك هناك اختراق
ودخول عناصر تخريبية للمنظومة الأمنية. وينسى
السيد المتكلم أن اختيار العناصر تم من قِبَلِه
وقِبَلَ حزبه ولجان وضعت لتزكية هذه العناصر وكل
واحد منهم معروف نسبه وحزبه وعشيرته وطائفته، فكيف
تم القبول من قِبلكم أيها السادة القادة، وللإجابة
نيابة عنكم أقول هناك شرطين لا ثالث لهما وللأسف
لا يزالان هما المقياس والمعيار في أغلب دوائر
الدولة هما الرشوة بالعملة الصعبة (الورق) أو
تزكية من الحزب والكتلة والطائفة. أما القول
بالتدخل الخارجي ودخول عناصر أو أسلحة فهذا واجب
أجهزة ومديريات ولجان تستلم كل شهر كذا مليار
رواتب وتسهيلات فقط ولكن السؤال ماذا تعمل؟ وماذا
عملت وأين هم عناصرها؟ وأقصد الدوائر الأستخبارية
والأمنية، وهذا حقيقة باتت معروفة حتى من قِبل
الطفل. وكل الجهود لمكافحة الإرهاب وكل وطني وحريصٌ
على بلده معكم ضد الإرهاب إلى حد أن تصل مكافحة
الإرهاب تُهَمْ وترديد عبارات أصبحت محفوظة أكثر
من النشيد الوطني وهي(الدور التخريبي لدول الجوار-
أزلام النظام البعثي المقبور- والتكفيريين- أعداء
المسيرة الديمقراطية- والذين لا يريدون نجاح
الانتخابات) وكلها صحيحة ومُشخصة ولكن العلاج ما
هو لا شيء. ونسمع بالخطة الموضوعة والاستراتيجية
وعلى أرض الواقع لا وجود إلاّ السيطرات تعمل
وتساعد على ازدحام الشوارع بمئات السيارات وخاصة
بداية الدوام ونهايته ولا تفتيش سوى إشارة من رجل
الأمن بالأذن بالمرور أو أجهزة أثبتت عدم نجاحها
حسب أهل الاختصاص. وبعد كل هذا يظهر من خلال
التفجيرات الأخيرة ومن خلال التعدد للخطط والجهات
الأمنية أصبحنا نرى التناقض بالتصريحات وكلٌ يُحدد
أنه مسك المُخطِط وعَرَف المُنفِذ، وإلقاء القبض
على شبكات، وفي الساعة الذي كان البرلمان مُجتمع
لتشخيص أسباب الانفجارات، تستمر الانفجارات وفي
نفس الأماكن أو بالقرب منها وبطريقة مُغايرة
للتفجير السابق. فالسؤال متى يتم السيطرة على
الوضع الأمني وفي داخل العاصمة تحديداً؟ وهل كثرة
السيطرات هي الحل كما صرّح أحد القادة قائلاً (ستبقى
السيطرات) وكأنه يُعاند مطلب جماهيري الذي يطالب
بتقليل السيطرات لتسهيل الوصول للأعمال ولإدارة
البلاد والاعتماد على الجانب الأستخباراتي.
والنتيجة أصبحنا عندما نسأل أي مواطن حول الوضع
الأمني؟ الجواب حاسم ومحدد (كلها وعود وكذب والمهم
القادة والمسئولين يبقون في مناصبهم) أي عدم ثقة
المواطن بأي تصريح بل إنّ بعض المواطنين أصبح
يُكذّب أي تصريح أو اعتراف حتى من مجرم. لماذا وما
هي الضرورات التي تُبيح لكم هذا الكم من التبريرات
ولا أنسى أخيراً قول أحد الحكماء (التبريرات اقرب
أخ للكذب) ... وما سبب بقاء كلٌ في منصبه خارج
نطاق الحساب والعقاب فمن أين تأتي العدالة عند
أشخاص لا تهزهم كل هذه الدماء والضحايا. فالمنصب
ثم المنصب ثم الفوز بالانتخابات والبقاء لهم
وللإرهاب ... هكذا أقسمتم لنا يا أحباب. فأعلموا
أنّ الله شديد الحساب. |