الخروج عن القوالب لإيصال أسمى المطالب

هاشم العلوان
كَثُر الحديث أخيراً حول المقال الصحفي والعمود الصحفي والفرق بينهما. وأيهما أوسع وأشمل من الثاني. ولا أرى داعياً لكل هذا التحليل والخلاف، إلاّ أنّ الأكاديميين يتوسعون في بحوثهم الإعلامية ويضعون مفاهيمهم في قوالب وقوانين واجبةً الأخذ والالتزام، وأي نقد وخلاف لِما يقررون خروجٌ لا يُسمح به. ونظراً لأهمية المقالة الصحفية أو (العمود) في الصحافة وكثرة القُرّاء والمتتبعين لهما، والسبب كما هو معلوم فحوى ومحتوى ما فيهما من أفكار ومشاكل وإشارات وانتقاد، وتحديد وتشخيص الخلل في الإدارة الحكومية، ولهذا نرى أنّ المقال الصحفي والذي يعكس الواقع كما هو دون رتوش هو المفضل المقروء من عامة الشعب، إذن مطلب الجماهير قراءة مقاله تصف حالهم ومطالبهم ومعاناتهم وعرضها من خلال الصحافة إلى من يهمه الأمر إنْ كان يقرأ وكثيرٌ منهم لا يقرأ، ولكن من خلال الطرح عبر الصحافة لا بُدّ أن تقع عليها عيون بعض المسئولين على البلاد والعباد، ومحصلة القول أنّ المقالة الصحفية كيفما كانت عموداً أو غير ذلك يجب أن تخرج من القوالب والقيود الأكاديمية بقدر ما تخدم المُتلّقي، ومراعاة الأسلوب الذي يفهمه غالبية الناس. فالقاريء والمتتبع للمقالات الصحفية اليومية مثلاً لا يهمه من أول من كتب المقالة؟ وأسلوب وتقسيم (مونتين وطه حسين وعباس العقاد) للمقالة. فهذا اختصاص أدبي يشمل أهل الصحافة والأدب (الأكاديميين). فنحن أمام إشكالية مطالب المواطنين والذين أغلبهم طبقة كادحة وكسبة يركضون وراء رزقهم الذي يتطلب منهم النحت في الصخر لجلب قوتهم اليومي لعوائلهم التي غالباً ما تكون من (5-10) أفراد. وأمام الغلاء الفاحش للمواد التموينية العرجاء أو (الكسيحة) عدا المطالب الأخرى (الملابس ومعالجة المريض والماء والكهرباء والوقود...). هذا الغالب الأعم في البلد. وعندما أجرينا استفتاء بين الجماهير حول المقالة وجدنا أن الأكثرية يريد من يرفع الهم والضيق عن كاهله ويتكلم بصدق عن معاناته مستعيناً بكلام مُبسط مفهوم (ومُستشهداً بالآيات الكريمة والشعر العربي والشعر الشعبي والأمثلة قديماً وحديثاً وموضحاً حتى الإسهاب أصل المعاناة والمشكلة منذ بدايتها حتى يضعها أمام المسئولين. فالمواطن العربي وخاصة العراقي يبتعد عن الأفلام والمسلسلات والمقالات التي لا تحمل مضمون شعبي ولغة متداولة بسيطة وأسلوب قصصي مُشوّق وإن طال وقت عرض العمل وهذه أصبحت صفة معروفة عند أهل الإنتاج الإذاعي والتلفازي. فكثيرٌ من أهل الاختصاص الإعلامي والصحفي يأخذون علينا طول زاويتنا الحرة ويتسألون هل هي مقال أو عمود صحفي؟ فنجيبهم إن الهدف من الكتابة الصحفية كما قرأناه عند طه حسين (يقوم على أداء وظيفة التبسيط والتفسير في الفن الصحفي ونسعى إلى تقديم المادة العلمية والفنية والاجتماعية والسياسية في قوالب مُبسطة تُيسر الأنصال بجماهير القُرّاء. وإحاطة القاريء علماً بالأحداث، أو تفسير وتعليل ما يجري من هذه الأحداث أو تنور عقله بمعلومات وحقائق) -عن كتاب المقال الصحفي في أدب طه حسين ص22 . فلاحظنا الغاية إيصال الرسالة الصحفية بكل أمانة من الواقع للقاريء وعدم الأخذ بالمحددات الأكاديمية من حيث مقالة أو عمود وطول وقصر المقالة وهذا يعني عدم الاعتراف بها ولكن للضرورة أحكام والضرورات تُبيح المحظورات حيث أن الضرورة هنا جوهر الموضوع وكيفية إيصالها لأوسع قاعدة جماهيرية لأهميته، هذا هو الهدف. وهنا ننصح بعض الزملاء عدم المبالغة في التحقيق والتنطع بإظهار الأخطاء النحوية وتطبيق القوالب بحذافيرها وكأن المقال في امتحان وزاري في الأدب واللغة، حيث يذهب المضمون ويبقى الموضوع لا يرفع شكوى المشتكي والمنصوب عليه هو المواطن المسحوق والمجرور جرّ إلى دفع الرشاوى وبقيت المقالة ساكنة سكون الأموات وليس فيها روح سوى التزويقات اللفظية والبلاغية. وأقول يا أهل الصحافة خروجاً عن القوالب الصحفية. والعيش في الأوساط الشعبية، وإيصال المطالب الجماهيرية، وخدمة الناس ورفع الحَيْفْ عنهم هي الرسالة الصحفية، ومن كتب المقالة فليضع الله والعدل ومحاربة الظلم له أهدافاً دائمية.

    
 جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم © 2007           تصميم : ابو المصطفى : gazwanalbaity@yahoo.com