|
ترجمة: عبد العزيز لازم
في زمن هذه المقابلة من عام 1893 كان الروائي
والناقد الفرنسي يعمل في إنجاز الرواية العشرين
وهي الأخيرة في سلسلته الملحمية المعروفة بعنوان (آل
روغان ماكوارت) . تتابع المجموعة تاريخ أفراد
عائلة واحدة هي عائلة آل روغان ماكوارت عبر
استجاباتهم للأحداث والضغوط الاجتماعية التي
أفرزتها الإمبراطورية الثانية في فرنسا (1852 ـ
1870).يناقش زولا ومحاوره روايته التي نشرت منذ
عهد قريب ضمن السلسلة بعنوان (الهزيمة) . الرواية
تصور هزيمة فرنسا في الحرب الفرنسية ــ البروسية
(1870 ــ 1871). û م. زولا؟ــ كلا يا سيدي , ليس
هنا الرقم 21 مرة أخري، هذا ليس الرقم 21.لتبرير
الجفوة التي اتسمت بها النبرات التي قدمت بها هذا
الجواب، تتقدم المرأة بوابة المبنيرقم 21 لأعلامي
بأن الكل يرتكب الأخطاء نفسها. "إنها سيرة دائمة
هنا" تواصل الشكوي لاشيء غير م. زولا؟ م. زولا؟
م.زولا؟ " دون توقف. أتمني لو أن الناس قد عرفوا
العنوان الصحيح. والآن يتعين علي أن أحيط بالأمر
علي نحو افضل علي الأقل، فقد سبق لي وان قمت
بزيارة م. زولا قبل الآن، لذا فقد لجأت إلي
التراجع السريع شاعرا بشيء من الضآلة. فحملت نفسي
إلي الرقم 21 مرة أخري
.بخلاف معظم الباريسيين يمتلك زولا منزلا كاملا
لنفسه.عند الدخول تلاحظ بعد إلقاء نظرة عجلي منزلا
مزينا بترف. المنسوجات المزدانة بالرسوم، والصور
والتماثيل البرونزية، والنقوش المعمارية البارزة
وتماثيل الحجر والمرمر، كلها قد رتبت بشكل مدروس
وملائم حول الصالة وبيت السّلم، أما التأثير العام
الذي يخلقه الضوء الخافت المنبعث من النوافذ ذات
الزجاج الملون فيتسم بروح فنية عظمي. علي منبسط
السلّم تتألق الرماح والسيوف والدروع المختلفة
الأنواع من خلف النباتات الاستوائية. علي هذا
المنبسط يوجد محترف زولا، وهو مفعم بإشارات حبه
للتحف القديمة ــ حب لم يبلغ مدياته القصوي علي
أية حال، فالمقاعد ذات الظهور العالية المريحة
التي كانت لأسلافنا والتي عليها يجد العديد من
زملاءه من جامعي التحف ضرورة الجلوس عليها(هم
وضيوفهم) قد استبدلت هنا ببعض المقاعد الحديثة
الفخمة.
لم اترك للانتظار طويلا. " حسن، أنا فرح بهذا
النهار الرطب، وإلا فالاحتمال الأغلب انك ستندم
علي خسارة فرصة الذهاب إلي المتنزه. " هكذا كانت
كلمات " السيد " بعد مصافحة قلبية." وإذن فأنت
تسعي لمعرفة كل شيء عني. دعني أري الآن بماذا
يمكنني تزويدك دون أن أكرر نفسي. ثم غاص زولا في
مقعد صغير ولكن مريح بالقرب من منصة صغيرة ذات
زخرفة تركية مخصصه للقهوة والسجائر ومغطاة بالكتب
في أحد جوانبها، وفي الجانب الآخر يوجد سياج مدفأة
حديدي من طراز عتيق وضع أمام مستوقد واسع، ثم
استهل بوقار الحوار التالي الذي انقلة بكلماته
الأصلية بكل ما يمكنني من الدقة." كانت والدة أبي
كورفيونية (نسبة إلي جزيرة كورفو اليونانية) وكان
هو من فينسيا، ووالدتي باريسية. التقي والدي
والدتي في باريس في إحدي زياراته هنا ارتباطا
بقناة سحب المياه التي أراد هو إنشاءها في آيكس من
مقاطعة بروفنسا. بعد وقت قصير من لقائهما، تزوجا.
كان زواج حب. ولدت في عام 1840 في باريس، لذا فاني
اليوم في العام الثالث والخمسين من عمري. " " في
عام 1847 توفي والدي وترك القليل وراءه باستثناء
الدعاوي القضائية التي خسرتها والدتي وجدتي بسبب
قلة الخبرة، وليس بسبب أي شيء آ خر."" عندئذ فقط،
بدا تعليمي لكني عندما بلغت الثانية عشرة من عمري،
حيث صار علي أخيرا دخول الكلية، توليت أمري
بطريقتي الخاصة، وهذا يعني أني صرت اشتغل قليلا
واقضي معظم وقتي في الهواء الطلق متنقلا بين
حقولنا الجنوبية المجيدة، متعلما كيفية حب الطبيعة
والإعجاب بها. " " في الكلية درست بنجاح متفاوت "
" اكثر ما أحببت مادتي الرياضيات والعلوم، وكرهت
اللغتين اليونانية واللاتينية " " شهدت فترة
السنتين الأخيرتين من حياتي في الكلية، تعرفي علي
الزميلين الشابين اللذين احدثا تأثيرهما علي في
تكوين ما أنا علية الآن. وبسبب امتلاكنا الكثير
جدا من الأذواق المتشابهة، كان شغفنا الذي ننغمس
فيه هو التنقل بين الحقول والجلوس علي ضفاف
الجداول لساعات طويلة تحت ظلال الأشجار وقراءة كتب
الأدب القصصي التي صارت هوسا مستحكما فينا. بعد أن
نقوم بفحص كل كتاب، كنا نناقش ميزاتة، فصل بعد آخر
وندرس الشخصيات والحبكة، وكل ذلك كان انطلاقا من
نظرة ميتافيزيقية اكثر منها أدبية. " " تركت
الكلية عام 1848 وجئت باريس بحثا عن عمل لمساعدة
والدتي. وجدت نفسي في وضع سرعان ما تعين علي
التخلص منه، وحتي عام 1861 كابدت جميع الحرمانات
التي يمكن أن يتحملها شاب معوز في باريس " " غالبا
ما كنت اقضي افضل جزء من النهار في العليّة مضطجعا
في الفراش طلبا للدفيء. ورغم إنني الآن افضل حالا
كما تري، إلا إنني غالبا ما استذكر تلك الأوقات،
شاعرا بالأسف لأنها لا يمكن أن تعود."" كانت
الحرمانات والمعاناة من نصيبي، لكنني امتلكت نار
الشباب في داخلي والصحة الجيدة والأمل مع ثقة
مطلقة بالنفس وكنت املك الطموح."" كانت أوقاتا
رائعة. أتذكر كيف كنت معتادا علي الكتابة لساعات
وساعات في فراشي، كيف كان كل شيء طازجا بالنسبة لي
وكيف جعلتني قلة خبرتي انظر إلي الأمام بأمل. لقد
بدت الحياة متألقة وجميلة وبهيجة."" برغم كل شيء،
اعتقد حقا بأن الأمل هو الرضي الأسمي من أي تملك.
"" لكني ابتعد عن الموضوع. "" دعني أري، لقد
تركتني في الفراش، أبحث عن الدفيء منتظرا أحدهم كي
يزودني ببعض الدراهم الكافية لوجبة عشاء."" عثرت
أخيرا في عام 1861 علي وظيفة مجزية بشكل كافي لدي
دار هاخيتز للنشر." "بدأت براتب قدرة 200 فرنك في
الشهر. وقد قمت بعملي بدقة عالية لدرجة أدت إلي
ترقيتي بعد فترة وجيزة. بعد فترة تم تعييني في قسم
بالإعلانات حيث أصبحت علي تماس مباشر مع الكتاب
ورجال الصحافة الذين مدوا ألي يد العون. "" خلال
وجودي في ذلك المكتب، لم أتوقف عن الكتابة أبدا. "
رفض نشر قصة "يتعين أن تعرف بأني طيلة حياتي كنت
شغيلا مجتهدا جدا وكنت اشتغل بضمير. " "بعد وقت
العمل في المكتب، درجت علي القراءة والكتابة
لساعات في المنزل علي ضوء الشموع. لقد أصبحت عادة
الكتابة في الظلام في الواقع عادة متأصلة جدا
لدرجة أني في فترة لاحقة وعند توفر الوقت في
النهار، اسحب الستائر في غرفتي وأضيء المصباح كي
أباشر عملي.""حوالي تلك الفترة، التقيت بصديقي
الكلية مرة أخري. أحدهما اكتسب بعض الشهرة كرساّم،
والآخر كان طالبا في معهد ايكول للفنون. باشرنا
جولاتنا من جديد في الغابات وبدأنا نقاشاتنا. أنا
علي قناعة بأن تلك الأشياء كانت ذات فائدة عظيمة
بالنسبة لي، لأن طرائقنا المختلفة في النظر إلي
الأشياء قد مكنتني من الحكم علي الشخصيات وعلمتني
كيف اقدّر الآراء المخالفة حق قدرها. " "قبل
مغادرتي الكلية، أي عندما كنت في السابعة عشرة،
كتبت (قصص من اجل نينون). قمت بتنقيح تلك القصص
قليلا وعزمت علي أن أجرب حظي ككاتب." " كما هو
معتاد مع الشباب والكتاب المغمورين، استقبلني
الناشرون ثم أعادوا المخطوطات بأدب. حاولت مع رئيس
العمل، لكنه رغم تشجيعه لي واظهارة مشاعر التقدير
بإعطائي مركزا ومسؤولية، رفض نشر قصتي. أخيرا
قدمتها إلي السيد (هيتزل) وقبلها فكان فرحي لا
يوصف."" كان النقد الذي خضع له الكتاب إيجابيا،
لكن المبيعات هزيلة جدا. ""بعد ذلك بقليل، بدأت
بتقديم نتاجاتي إلي صحيفتي " فيا باريسيا ني " و"
بتيت جورنال " وهكذا انطلقت في رحاب الصحافة." "وبسبب
عدم كفاية أوقات المساء وحدها في تمكيني من إنجاز
كل العمل الذي صار في متناول يدي، تخليت عن وظيفتي
عام 1867 وكرست نفسي للأدب حصرا.""لا حاجة لأن
تتابع سيرة نشاطي خطوة فخطوة. فأنت تعلم ما أنا
علية الآن. لقد حققت النجاح كما تري."û حسن سيدي
العزيز، لا يستطيع الكثيرون التفاخر بنجاح يوازي
نجاحك. وهناك حقا شواهد كافية في هذه الغرفة
بالذات علي ذلك النجاح."ــ "هذا الكلام ينطوي ضمنا
بطبيعة الحال علي انك تعتقد باني امتلك حسابا
مصرفيا ضخما. انك علي خطأ، فكل "سنتيم" اكسبه يأتي
من مبيعات كتبي وحقوق الترجمة... الخ، إن أجري هو
60 سنتيم عن كل كتاب وهذا يكسبني حوالي 300.000
فرنك في السنة. ولست من الناس الذين يقتصدون، فلقد
جمعت علي مهل جميع هذه الأثاث والأشياء التي تراها
منتشرة في هذا المكان. لقد بدأت الشراء بالتوفيرات
الأولي التي كونتها." " لقد اكتسبت هذا الشغف الذي
أجبرني علي تغيير أماكن السكن لإيجاد مكان يكفي
العدد المتزايد من هذه الأشياء من خلال قراءتي "
فكتور هوغو" في طفولتي. ويؤسفني القول إن ذلك
الشغف لم يعد متقدا جدا الآن. " عندما نهض ليقودني
في أنحاء المكان،سقط الضوء علي وجهه بشكل
كامل.اعتقد أني لاحظت مسحة من الحزن وأبديت
ملاحظتي حول ذلك المظهر. أجاب بحسرة:ــ سيدي
العزيز، اكرر قولي بأني اذكر دائما بسعادة مكاني
في العليّة. وقتها لم تكن لدي أية هموم. كنت ما
اسمية مستقلا تماما."û ولكن بأي معني أنت غير
مستقل؟ ــ اكثر مما تعتقد. في السابق كنت أنا قارئ
كتاباتي وكنت ناقدها الوحيد. عشت فيها واعتقدت
بأنها كاملة. منذ ذلك الحين صرت مرتبطا بالجمهور
الذي يعتمد علية نجاحي والذي في تقييمه تكمن
مكافأتي. لا تتصور بأني لا أكابد بعمق بين فترة
وأخري أو أني غير مجروح أو أني لا أشعر بالكبح أو
لست مثبط الهمة بسبب إساءة فهم دوافعي.إن تلك غيوم
عابرة، لكنها غيوم غير سائغة، يمكنني التأكيد لك
بذلك.بينما كان يفرج عن أحزانه قمنا بزيارة الشقة.
كان من المستحيل وصفها في هذا الفضاء القصير الذي
تحتله مقالتنا، فيجب علي الاعتراف بأني قلما شهدت
هكذا ضخامة وهكذا تنوع في آن لأشياء تم جمعها.
يسود الذوق كل شيء، الاختيار، الترتيب، التصنيف،
والتلوين. الطبيعة الجنوبية للمضيف تعكس نفسها في
حبها للألوان المتألقة، الثقافة والرقة في درجات
اللون والضوء الملطّفة وفي الطاقم المتناغم. لم
يتردد في عرض أي شيء لي، ولسوء الطالع فأن أنا
رأيت أقل القليل فلابد أن أذكر الأكثر الكثير.
عندما عدنا إلي المحترف عدت إلي الموضوع السابق
فسالتة عن فيما إذا أنجز كتبة علي عجل بعد عمل
تمهيدي مثابر كما هو مفترض بشكل عام. أنكر ذلك. "
هذا خطأ، أنا أعمل باجتهاد. " " فبأي طريقة تباشر
عملك سيدي؟ "حبكة ومسودة مؤقتة" حسن، أنا لا أعد
الحبكة أبدا. لا أستطيع عمل ذلك. لقد استغرقت في
التفكير لساعات وبشكل متكرر، دفنت رأسي بين يدي،
وأغلقت عيني، و أصبت بالسقم من أجل ذلك. ولا فائدة.
فتخليت عن الأمر في النهاية. ما أقوم به هو أن أضع
ثلاثة أنواع من (الدراسات) لكل رواية. الأولي أطلق
عليها اسم المسودة المؤقتة، أي أني أقوم بتحديد
الفكرة المهيمنة للكتاب والعناصر المطلوبة لتنمية
تلك الفكرة. أيضا أقوم بتكوين ترابطات منطقية
معينة بين كل سلسلة من الحقائق مع الأخري. أما
الإضبارة الأخري فتتضمن دراسة لشخصية كل ممثل في
عملي. بل أني اذهب ابعد من ذلك بخصوص الممثلين
الأساسيين.أحقق في شخصية كل من الأب والأم في
حياتهم وفي تأثير علاقاتهم المشتركة علي مزاج
الطفل. طريقة تربية الأخير، أيام دراسته في
المدرسة وفي محيطة وزملاءه طيلة الفترة التي تسبق
الوقت الذي أقوده فيها إلي كتابي.وهكذا فأنت تري
أني أبحر مقتربا ما أمكنني من الطبيعة، كما إنني
أضع في حسابي مظهرة الشخصي وصحته ومجموع صفاته
الموروثة. انشغالي الثالث هو دراسة المحيط الذي
اعتزم وضع الممثلين فيه، الموقع والمكان اللذان
فيهما قد يجري تمثيل أجزاء معينة. أحقق في
التصرفات والعادات والصفات واللغة بل وحتي أقوم
بتعلم اللهجة المضطربة التي يرطن بها سكان مثل هذه
المواقع." بين فترة وأخري أضع بقلم الرصاص قياسات
الغرف وأتعرف علي كيفية ترتيب الأثاث. أخيرا،
أتعرف علي المظهر الخارجي لمثل هذه الأحياء في
الليل والنهار. وبعد تجميع كل هذه المادة بجهد
جهيد، أجلس لعملي بشكل منتظم كل صباح ولا أكتب
اكثرمن ثلاث صفحات مطبوعة في اليوم.
" كم من الوقت يستغرقك الأمر لغرض إنتاج كل ذلك؟ "
" في الحقيقة، ليس وقتا طويلا. إن الموضوع مفعم
بالحيوية لدرجة إن العمل يتقدم علي مهل، ولكن دون
قطع. في الواقع، يندر أن اجري أية امحاءات أو
تعديلات، وحالما انتهي من كتابة بحثي واضعه جانبا،
لا أقوم بفحصه مجددا. في الصباح التالي استأنف
المضي في الطريق بحذر، فتمضي الحكاية إلي نهايتها
في توال منطقي. ""أعمل كما يعمل المتخصص في
الرياضيات. وقبل أن أبدا أعرف إلي كم من الفصول
ستنقسم الرواية. بالنسبة للأجزاء الوصفية فلها
مساحة مخصصة، وإذا كانت بالغة الطول بالنسبة لفصل
معين فأقوم بإنهائها في فصل آخر. كذلك أوفر بعض
الراحة لذهن القارئ أو أزيل تقريبا التوتر الذي
تسببه بعض المقاطع المثيرة بالغة الطول وذلك بمزج
شيء آخر يحوّل انتباهه لبعض الوقت."" اكرر أخيرا
أني لا أملك أية حبكة مرسومة مسبقا. عند بدء فصل
ما، لا اعرف كيف سينتهي. المسألة هي أن تسير
الحالات في تتابع منطقي، وهذا كل ما في الأمر.
"بعد ذلك بطبيعة الحال تدحرج الحديث ليشمل بعض
أعماله الرئيسية خاصة رواية "الأرض" 1887. في معرض
رده علي الاعتراضات المثارة ضد ذلك الكتاب، كانت
إحدي حججة تقوم علي إن التقدم والعلم قد جعلا من
الإنسان كائنا متميزا عن إنسان القرن الماضي وأصر
علي أن الوقت الراهن يجب أن يشهد التخلي عن دراسة
الإنسان الميتافيزيقي الذي عاش السنين الماضية
لصالح تقصي الكائن الفسيولوجي في أيامنا. " |