مبدعون عراقيون ..وجوائز عربية العراقي لا يقل قامة عمن تقرع له الطبول في الخارج

 متابعة/ كاظم جبر الميزري
أقام المركز الثقافي السويسري احتفالية تكريمية بعنوان ( مبدعون عراقيون وجوائز عربية ) ضيف فيها كوكبة من المبدعين العراقيين الفائزين بجوائز أدبية عربية وهم حسن قاسم ، احمد سعداوي ، مضر الآلوسي ، عبد الستار الاسدي ، جواد الحسب ـ عماد جبار ـ عامر عاصي ، عارف الساعدي ، عماد كاظم ، عمر السراي ، ياس السعيدي ، ناظم العبيدي ، احمد عبد السادة بمصاحبة الملحن والفنان علي حافظ وذلك على قاعته الكائنة خلف دار الكتب والوثائق .
في بداية الاحتفالية القى الشاعر عادل عبد الله مدير المركز كلمة جاء فيها .
احتفالنا منوع فيه الشعر والموسيقى والتعبير عن الرأي المبدع وأشار في كلمته ان الخطر في تكريم الحكومة لأنها لها مقاصد معينة وتكريم المبدعين ولتجعله مكبلاً بهذا التكريم يساير نهجها أو توجهها أما تكريمنا فهو تكريم للابداع .
بعد ذلك تحدث الشاعر جاسم بديوي حيث قال :
ترتفع في العراق قامات شعرية باسقة تناهز النخيل وتوسع الارض في شرقها وغربها في عراق الجواهري والسياب والملائكة والبياتي والنواب ، واضاف لعله قد كتب على هذه الارض ان تنجب مبدعين وتتنفس منهم كدجلة والفرات ثم تساءل هل أفسدت المآسي تضاريس الفرح الشعري ؟ هل فعلاً اعطينا للشعراء حقهم ؟ وهل أعطونا حقنا ؟
في حين أكد الروائي طه حامد الشبيب على ان هذه العناية ليست معاينة على الاطلاق / ثم ذكر بأنه اطلع على المنجز العربي عموماً فوجد ان المبدع العراقي في اقل الأحوال لا يقل قامة عن اولئك الذين تفسح لهم المجالات بل تقرع لهم الطبول حتى يتجمعوا وكان حلماً واني لارى تباشير تحقيقه في متناول اليد وأضاف ان الجائزة هي اعتراف بتفرد المنجز الابداعي وما يهمني في هذا الاعتراف هو كم تساوي هذه الجائزة فهو خارج المنطق الذي تبناه واشار الى انهم فعلاً مبدعون يستحقون التوقف على تجربتهم الابداعية فكيف بوجود ناس فرضوا اعتراف الآخر بهم .
أما الكاتب الصحفي ناظم السعود فقد قال : من أحلامي الثقافية هو أن يأخذ الأديب العراقي كل استحقاقاته واشار الى ان فترة وجوده في مصر ابان الثمنينيات جعلته يتذوق الذائقة الاحتفالية لما وجد من اهتمام وتكريم للمبدعين واعطائه ما يستحقه .
ثم تحدث الشاعر عبد الحميد
الجباري حيث القى كلمة جاء فيها :
يقال ان الملائكة كلهم من الشباب وحتى الحراس فالشباب هم نبض الحياة وحملها هؤلاء الذين يشقون طريقهم معتمدين جهودهم الشخصية سيصبحون نجوماً في المستقبل .
واكد الكاتب ثائر القيسي بما جاء بمقولة للشاعر غوتة التي جاء فيها : في الوقت الذي تثرى لغتنا بالكثير مما استعرناه من الشرق فان المناسب من ناحيتنا ان نسعى لتوجيه الانتباه الى عالم وصلتنا منه آلاف السنين اشياء كثيرة ثم تساءل من اي العناصر يجب على الشعر أن يستمد قوته وروعته ؟
فكيف الحب أولاً وقبل كل شيء .
ثم جاءت فقرة الشعراء حيث قرأ الشاعر مضر الآلوسي مقاطع شعرية بمصاحبة عازف العود الفنان علي حافظ جاء فيها .
ما زلت تهدأ لو يغريك اعصار
متى سيغضب فيك الثلج والنار
ثم قدم الفنان علي حافظ وصلة غنائية مع عزف على آلة العود بعد ذلك قدم الشاعر عماد جبار مقاطع من قصائده جاء فيها:
ربما سقطت من يدي ريشة من أسف
أين أمضي بقلب كقلبي .. أين أبصر بارض يا ربي
ثم تلا الشاعر عامر عاصي ( قصائد شعبية ) واخرى من الشعر الفصيح جاء فيها :
حمد يا حمد بكتنا المحطات حتى رمد
على كل ام يمر الغروب ويتركها بانتظار الولد
بعده قرأ الشاعر عارف الساعدي هذه الأبيات
رسمت غيماً ولم ارسم له مطراً
لكنه كسر اللوحات وانهمرا
وفزز الماء في صمته المطرا
أما الروائي ناظم العبيدي فقد قال : ان مشكلة العراق الازلية ليست في مثقفيه لكن في سياسته واعتقد ان العراق سيبقى ناصع الابداع والفكر لأن شعبه ومثقفيه مصرون على الابداع .
ثم قرأ الشاعر عمر السراي بعض قصائده نذكر هذا المقطع
احرقتني والنار تدري ان الغمام رماد صبري
وطني الصغير جنازة الفقراء في انفاس عطري
ثم تلاه الشاعر ياس السعيدي قائلاً
من اي خوف اليك الورد يرتفع
يا عشقهم لشفاه سوف تندلع
بعد ذلك قرأ الشاعر احمد عبد السادة قصيدة جاء فيها :
على ذاكرة الوجد اذ يعري انوثة الوقت
اضم نفسي
مجبراً أعذب نفسي بذاكرة السلام
بعد ذلك قام الروائي طه حامد الشبيب بتوزيع الجوائز على المبدعين من الشعراء والروائيين تثميناً لما قدموه من ابداع على المستوى العربي لحصولهم على جوائز عربية .

النسيان 

  فلاح صالح المسعودي
كلما رايتك
نسيت قصائدي وكلماتي
انا لاانسى قصائدي
الا عندما اكون معك !
جميلة انت
الى درجة انني حين افكر بك الهث ماء واعطش
تلهث لغتي
تلهث مفرداتي
تلهث اوراقي واقلامي
وتلهث سنين العمر
خلصيني من هذه الافكار
كوني اقل جمالا حتى استرد شاعريتي وقلمي
كوني امراتى عادية مثل كل النساء
حتى اتصالح مع نفسي وقلمي ومع قصائدي ومفرداتي وسكائري

الشاعر صـــــانع الجهــة الخامسة 

 علي حسن الفواز // بغداد
لا أحسب ان الشاعر كائن قابل للانشطاربسهولة ،وانه يتنازل بسهولة عن حقوقه الجمالية في اية مفاوضات تلحق عادة معارك المكان والجسد !! ولا أحسبه كذلك مباح للعربات والعابرين ، ومكشوف لاصابع الباحثين عن اسرار ما بعد الجلد واللغة !! الشاعر بهذا كائن استثنائي يعرف ان صناعة اللغة أخطر من صناعات تخصيب اليورانيوم ودباغة الجلود !!! اذ ان كل الحروب الكونية كانت في جوهرها حروب لغوية ،وان كل اساطير الانسان وملاحمه واسفاره وعرفانياته ورقاه واسحاره هي صناعات لغوية بامتياز ! لذا ينبغي ان ننتبه جيدا للزاوية التي يجلس لصقها الشاعر!!! ،،ربما سيخرج من فنجان قهوته مارد أو طير اسطوري ،او تنسلّ من بين اوراقه أمرأة تفور بكل نداءات الارض وعطورها ، تذكّرنا أننا بشر وصالحون للحلم والعطب والرحيل ،،، فأية صناعة غريبة تلك التي يمارسها الشاعر ؟ واية صلاحية يملكها الشاعر و تفوق كل صلاحيات الحكام والوزراء ورجال الامن والمحاربين الكبار ؟ان هذا ليس تعريفا ايهاميا للشاعر! ومحاولة لتخليصه من تاريخية الجوقة والمهرجين ، بقدر ماهو اعادة انتاج الفهم والرؤية لصانع عجائبي من سكان الارض !! مثلما هو اعادة انتاج السياق الذي يجب ان يكون فيه الشاعر!!! لاننا سندرك ان ارتفاع منسوب المياه الجوفية في حياتنا ليس بسبب كثرة خرابنا الحضاري وكثرة هزائمنا وسوء ادارتنا للارض وما عليها !!! وتفرد الاعداء الامبرياليين والعولميين بنا !! وانما بسبب سعينا غير المتوازن للاستهلاك اللغوي وطرد الشعراء من كراسي الخاصة لصالح نخب (المال والاعمال) كما اجازت التسمية !! وتركهم يمارسون النعاس والهذيان والشتائم وصناعة الحرائق في المقاهي ،،حدّ ان حياتنا يبست بسبب غياب وعطالة البلل الشعري !! وغياب القصائد من المتن اليومي والاسبوعي من الصحف بسبب هموم الحروب والفتن والخيانات وربما بسبب الزحف الاعلاني وثقافة الفرجة !!... يبدو لي ان ثمة خطأ غريبا يتداوله البعض من السياسيين ومشرعي البرامج الستراتيجية !!يقول ان صناعة الحضارة هي صناعة في العمران وفي التجارة والصناعة ، وهذا يستدعي ان تكون قوانينها وشروطها أكثر قسوة أوربما تماثل الى حدّ كبير شروط الحرب!! لا امتيازات فيها للمهزومين!! لكن البعض ونحن منهم !!!!!!!نقول ، ان الحضارة ليست هكذا ،كما هي ليست لعبة اسواق وبورصات ومضاربات واستثمارات واستيراد وتصدير وسيولات نفطية ومالية وابراجا عاتية فقط !! وانما هي ايضا لعبة مزاجية عالية الجرعات وغواية في الروح التي تحتاج لمن يقرأ لها حكايات ما قبل النوم !! ويغازلها مثلما تغازل اية امرأة جميلة ،،تلك هي لعبة الحضارة دعوة شهوانية ولغة باذخة وانيقة حدّ ان تجسها تمطر !! وحدّ ان تسمع بوحها تنزع نصف ثيابك !!وتسلّم نصف رصيدك في البنوك المعلــــومة والسرية !! الفهم الكوني للحضارة امتزجت فيه توصيفات مركبة ،،فهو يعشق سيقان بريجيت باردو ، تلك التي يقول عنها شارل ديغول انها توفر لفرنسا ما يعادل تصديرات شركة رينو للسيارات سنويا !! كما يعشق جان بول سارتر حين علّق رئيس وزراء فرنسا اجتماعا لمجلس الوزراء يناقش شجون الامة الفرنسية حين اخبره مدير مكتبه ان سارتر قد مات !!! وربما هو الحب ذاته الذي اطلقه بعض المحاربين في الحرب الاهلية اللبنانية حينما او قفوا رصاصهم الطائفي عندما غنت فيروز عن البلاد الواحدة وعن شادي الذي ذهب بعيدا !!!!!د لانجد تعريفا محددا للشاعر، وقد لانجد توصيفا خاصا له !! لكن يكفي ان نتذكر ان كل اساطير الانسان واسفاره وملاحمه جاءتنا شعرا، أي ان ثمة شاعرا قد كتبها ،وادرك ان الشعر هو اللغة الكونية والسحرية التي يمكن ان تقرأ وتحكى ،بدءا من كلكامش الى هوميروس مرورا بدانتي الليجيري وابي العلاء المعري وصولا الى كافافيس والسياب وسليم بركات .وازاء هذا الاكتشاف (الميتاحداثوي) اجد ان الحكومات العربية بحاجة الى اعادة النظر في مفهوم الشاعر والسياق الذي ينتج الشاعر، ليس من اجل تحسين صورتها الثقافية والادائية !! وازالة غبار العسكرة عن وجهها القديم ،وانما لحقائق الدخول في الحاضنة الحضارية ، لان الامتلاء الشعري لاينضب وان الامم التي تقدم الشعراء هي اكثر حضورا من الامم التي تنتج اليورانيوم والذهب والفلزات النفيسة التي تذهب كالعادة الى اصحاب الشركات العابرة للقارات !!! لكن الشعر وحده لايهرّب لانه بضاعة وطنية خاصة وهوية عميقة في بصماتها ولايمكن تزويرها !! وهذ ا ما يفترض ايضا ان نجعل وزارات الثقافة العربية وزارات خاصة للشعراء ،ليس لانه بضاعتنا الخاصة كما وصفها مرة الخليفة عمربن الخطاب ،لكنه البيت اللغوي الوحيد الذي مهما عمرت فيه والبسته من الحلل المودرن والقرميد المصقول !!! او كسوته بعمامة واعطيته العصا !! فانه سيظل باثا لبريقه السري وباعثا على التأمل والغواية .هذه خصال الشعر ،،، وتلك الخصال تمنح صاحبها حضورا استثنائيا ، وشرطا سريا يكفل كاتبه وناقله ومتلقيه !! حصانة ،تشفّ ازاءها النفس ، وتغسل اللغة بين يديه ثيابها وتعطّرجلدها لتكون صالحة للمراودة !!! فما ابهاك ايها الشاعر وما اقسى الزمان الذي جعلك تلتذ بجوعك واوهامك !! وتمد حبل كلامك ، او تفتح صندوقك السري !! ربما ستخرج منه طيور الزاجل حـــاملة رسائل الشوق الى جهات الارض الخمس !

في الذكرى الثلاثين لرحيل
فيلسوف الكينونة والزمن هيدغر انتقد الإرث الفلسفي معيداً تأسيسه وجودياً 

 قبل عشر سنوات من رحيله، اجرت مجلة دير شبيغل الالمانية مقابلة مطوّلة مع الفيلسوف الالماني مارتن هيدغر (1889-1976)، الذي عُرفت فلسفته باسم الانطونولوجيا الظواهرتية. ركزّت تلك المقابلة على مساحة رمادية في حياة هيدغر تتمثل في علاقته الملتبسة بالنازية. ليس بالأمر الهين القول بمثل هذا الالتباس لدى الحديث عن فيلسوف يوصف بانه من الأبعد أثراً في القرن العشرين، اذ يمكن تلمس اثر افكاره في المدراس الاساسية لذلك القرن مثل الظواهرتية (التي قال بها مارلو بونتي) والوجودية (جان بول سارتر) والتأويلية (بول ريكور) ومدرسة فرانكفورت اليسارية (حنة ارندت وهربرت ماركوز) وما بعد الحداثة (خصوصاً جاك دريدا وجيل دولوز). وبلغت حساسية الموضوع الى حدّ أن الصحيفة لم تنشر تلك المقابلة إلا بعد عشر سنوات، وتحديداً بعد وفاة هيدغر! حملت المقابلة عنواناً لافتاً وحده بامكانه ان يعطينا النجاة. ويرد تفصيل تلك المقابلة لاحقاً.
كيف يمكن وصف هيدغر؟ في قول موجز، (ومُخلّ بالضرورة) سيطرت على فلسفة هيدغر فكرة أساسية هي التفكير بالوجود نفسه، أي التفكير في معنى ان يكون الانسان موجوداً، وليس في ما ينجم عن وجوده أو بالاشكاليات المتعلقة بذلك الوجود. انها أساس لانطولوجيا قوية، حيث الاولوية هي للتفكير بالانسان باعتباره وجوداً، في الكون والزمان. حاول هيدغر اكتناه الوجود (اشار اليه بالكلمة الالمانية شين Sein) باستخدام التحليل الظواهراتي (الفينومينولوجي) للوجود الانساني (اشار اليه بكلمة داشين Dasein)، أي بتحليل مواصفاته في الزمان والمكان. واعتقد ان الوعي في محتوياته قابل للوصف في شكل غير متحيّز، أي في طريقة وصفية.وعرض تلك الفكرة في شكل قوي في مؤلفه الذائع الوجود والزمن، وقد ترجم اجزاء منه الى العربية عبدالرحمن بدوي (يُكتب العنوان أيضاً الكينونة والزمن). وبالتالي، وجه نقداً قوياً الى المجتمع التكنولوجي الغربي. وانتقد اتكاء ذلك المجتمع على خطاب مضمر قوامه إعطاء مكانة مركزية العلم والتكنولوجيا. واعتبر ان ذلك الخطاب لا يستطيع حل معضلات الحضارة الانسانية، ولا يصلح كأساس للفكر الانساني، لان جوهر التقنية لا يكمن في التقنية، بل في المحمولات المضمرة فيها. وذهب الى القول إنّ جوهر ما يُسمى بالخطاب العلمي للغرب لا ينبع من العلم، ولا يستطيع ذلك، بل يعبر عن موقف ميتافيزيقي للعقل الانساني يقدم العلم بصفته وعداً بسيطرة الانسان على العالم. وعُرف هيدغر بنقده مدرسة الوضعية المنطقية (تُسمى أحياناً بالايجابية المنطقية) التي قادها الفيلسوف رودولف كارناب مؤسس ما عُرف باسم حلقة فلاسفة فيينا. وبدا موقفه مخالفاً و عدمياً، خصوصاً في ظل الاحتفاء بالعلم الذي ساد التفكير الفلسفي في القرنين التاسع عشر والعشرين.ذاك زمن شهد تغييرات كبرى بأثر من الثورة الصناعية الميكانيكية ثم الالكترونية، مما قلب أحوال العمران فيها. تمكن الانسان من أشياء بدت كأنها أحلام اسطورية، مثل الطيران وصنع الآلات الميكانيكية والنظر الى اعماق الكواكب وفي دواخل الخلايا الحيّة والمركبات الآلية وتوليد طاقة لم تعرفها البشرية قبلاً، هي الكهرباء، وكذلك التعرف الى قوى هائلة مثل الذرّة والنهوض بالطب والبحث في اصل تشكّل الحياة على الارض والتحكّم في الجسد وقدراته (التكاثر) وأعضائه وسواها. بدا العلم كأنه قوة هائلة، سرعان ما ارتسم خيالها قريباً من المطلق. وسرعان ما مال التفكير الفلسفي حيال العلم الى اعتباره خلاصاً غنوصياً. ومثلاً، ينطبق وصف الاحتفال بالعلم على كارل ماركس، الذي لم يرَ للفلسفة شأناً سوى محاولة استخلاص قواعد عمل من العلوم، وتطبيقها على الفكر والتاريخ والمجتمع، وينطبق أيضاً على نقيضيه الرأسماليين من المدرسة البراغماتية هنري برغسون وجون ديوي. لكن هيدغر غادر هذا الكرنفال الاحتفالي بالعلم، ليقول ان ما يُحتفى به هو فرح الانسان بالسيطرة على الاشياء من حوله، وان ذلك يؤول على انه سيطرة للانسان على العالم. وبالنسبة الى الفيلسوف الذي لام الفلاسفة لانهم انشغلوا أصلاً بالكائن الانساني، وما يحيط به، بدلاً من تركيز التفكير على ماهية ذلك الوجود، بدا الاحتفال بالعلم وكأنه الذروة في مسار لم يقبله. لذا، مال كثيرون الى وصف موقف هيدغر من العلم بالعدمية (النيهيلية)، على رغم انه يُقدّم تفكيراً في العلم، يأخذ مسافة ليتأمل الظاهرة العلمية من دون الانشداه بها، ويصف موضعها في مجمل الفكر الانساني. ليس الخلاص بالعلم، بل بالعقل.دعى هيدغر إلى إعادة التفكير في المسائل التي طرحها الفكر الانساني على نفسه، منذ نشأة الفلسفة، أي بمراجعة الفكر الفلسفي كلاًّ. ولعل سعي هيدغر الى تجديد الفلسفة عبر نقد جذري للمسائل التي طرحتها على نفسها، يبدو متناقضاً مع مقولة ماركس الشهيرة ان الانسانية لا تطرح على نفسها سوى المسائل التي تستطيع حلّها، وهي مقولة يمكن العثور على ما يشبهها لدى معظم الفلاسفة الذين نادراً ما نقدوا قدرة العقل البشري نفسه على تحري علاقته بالكون. ورأى هيدغر ان الوصول الى تجديد الفلسفة يكون في طرح سؤال الوجود عليها، وليس بالتركيز على الكائن الانساني، كما درج الفلاسفة على ان يفعلوا دوماً. لاحقاً، سار كثر من الفلاسفة المعاصرين، وخصوصاً الذين يصنفون ضمن ثقافة ما بعد الحداثة، لتبني التقليد الهيدغري، إذا جاز الوصف، بإعادة النظر في اشكاليات الفلسفة تاريخياً. فمن المعروف ان جيل دولوز، الذي توفي بعد هيدغر بعشرين سنة، أعاد النظر في مجمل الارث الفلسفي، بدءاً من نقد الاسلوب الثابت عالمياً في تدريس الفلسفة باعتبارها تاريخاً للفلاسفة وافكارهم. وكتب دولوز سلسلة كتب أعاد فيها التفكير في أولئك الفلاسفة، بدءاً من ارسطو ووصولاً الى نيتشه. وتوصل دولوز، الى ان مهمة الفيلسوف تكمن في إعادة صوغ المفاهيم، وعلى نحو مستمر. وكذلك رأى هيدغر ان اللغة، وخصوصاً الشعر، هي الأداة التي تُمكّن الفكر من الوصول الى فهم الوجود بصفتها الشكل الذي يكون فيه فكر الانسان. وظهرت تلك الافكار في محاضراته التي تناول فيها قصائد الشاعر الألماني هولدرلين. والمدرسة الفرويدية شددت النبرة أيضاً على اللغة، باعتبارها محتوى وأداة متلامسة مع اللاوعي (الفردي والجماعي)، ما فتح الباب أمام تقاطع كبير بين افكار فرويد وفلسفة هيدغر، وهو ما عبّرت عنه افكار هربرت ماركوز.ويُعطي ما سبق فكرة عن قوة أفكار هيدغر، والأثر الهائل الذي أحدثته في الفلسفة.
الفينومينولوجيا الانطولوجية
يوصف هيدغر غالباً بانه فيلسوف للفينومينولوجيا الانطولوجية. ويجدر شرح السياق التاريخي لهذه الفكرة، التي تُعطي أيضاً تفسيراً للعلاقة الملتبسة بين هذا الفيلسوف والنازية.وُلد هيدغر في بلدة ميسكيرش في جنوب غربي المانيا، لعائلة كاثوليكية. وأعدته العائلة، ليكون قساً في الكنيسة. وفي بلد شهد الانشقاق البروتستانتي، فأن الاعداد الديني المُبكر لفته الى الصراع حول هوية السيد المسيح، أي هوية الانسان نفسه في علاقته مع البارئ. انتقل الى مدينة فريبورغ ليكمل المرحلة الثانوية، وسرعان ما دخل جامعتها التي ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً. وعُيّن استاذاً للفلسفة الارسطية، الوثيقة الصلة بالكاثوليكية، في تلك الجامعة. وجعلته تلك الجامعة يرتبط مع ادموند هوسرل، الذي يعتبر من مؤسسي المدرسة الفينومينولوجية (الظواهرتية). ونظراً الى قوة اثر تلك الفلسفة في فكر هيدغر، ولاحقاً قوة تأثيره فيها أيضاً، يجدر التوقف عندها.بالنسبة الى هوسرل، بدت الفكرة الاساسية ان الفينومينولوجيا هي علم الوعي وأشيائه. أي انها النظرة التي تركز على ان اشياء العالم تحمل قابلية لان تُفهم بحد ذاتها، ويتطابق خطاب وعيها مع وجودها نفسه، من دون ضرورة ردها الى مرجع ما لكي يعطي تفسيراً لمتضمناتها واشاراتها. ان نقطة الانطلاق هي، كما عند كانط، الكائن الانساني الذي يتعامل فكره مع الظواهر، في شكل منعزل (او مجرد)، ما يجعل امكان وصف محتوى الوعي في شكل مجرد، أمراً ممكناً.
بين هوسرل وارسطو
وسرعان ما صار شارحاً لافكار هوسرل. وأعاد صوغ فلسفة أرسطو انطلاقاً من رؤية فينومونولوجية، ما ضمن له شهرة كبيرة. والمفارقة ان هوسرل مال في آخر ايامه، للتقاطع مع تفكير الفيلسوف كانط، لكن هيدغر لم يتأثر بذلك الميل المُتأخر, وفضّل عليه الافكار المُبكرّة التي وضعها هوسرل في مؤلفه الشهير استقصاءات منطقية، خصوصاً في التركيز على فهم الاشياء كما هي (أي باعتبارها ظاهرة بحد ذاتها). ثم عمل على التعمّق في هذا الضرب من التفكير. وبين عامي 1923 و1925، انتقل الى تدريس الفلسفة في جامعة ماربورغ. وفي العام 1927، ظهرت الصيغة الأولى من مؤلفه الكينونة والزمان الذي اعتُبر سريعاً النص الفلسفي للقرن العشرين. وضمن ذلك الكتاب لهيدغر العودة الى جامعة فريبورغ. وشهد العام 1933 بداية العلاقة المُلتبسة مع النازية. ففي تلك السنة، انتخب مُشرفاً على جامعة فريبورغ، بعد اشهر قليلة من تسلم أدولف هتلر منصب المستشارية في المانيا. وفي مقابلته المشار اليها مع المجلة الالمانية، بيّن هيدغر، الذي نأى بنفسه غالباً عن النشاط السياسي، انه قبل بمنصب المُشرف على الجامعة لكي يضع حداً لتغلغل النفوذ السياسي فيها، بما في ذلك النفوذ النازي. وزاد في الالتباس، انه القى خطاباً لقبول منصب المشرف، حمل عنوان التأكيد الذاتي للجامعة في المانيا. وانتسب الى الحزب النازي. وتحت اشرافه، راحت جامعة فريبورغ تتبنى الافكار الاساسية للنازية، خصوصاً ما يتعلق منها بالقومية الاشتراكية. وبعد سنة، استقال من منصبه. وترك الشأن السياسي. وراح النازيون يصفون خطابه التشريفي بانه ليس نازياً ما فيه الكفاية إذ لم يتضمن خطاب التفوق العرقي (أي دمج البيولوجيا مع خصائص تاريخية ثابتة للكائن الانساني) ولا العداء لليهود.

 النشــــر المنصف

 د . خليل محمد ابراهيم
يكثر المثقفون ، استعمال المثل الصيني الذي مؤداه ( اذا اعطيت انسانا سمكة اطعمته يوما واحدا ، واذا علمته صيد السمك ، اطعمته العمر كله) ويبدو ان هذا المثل يصح مع بعض الادباء والفنانين فقد تدهور التعليم الادبي والفني ، منذ تخلت كلياتهما عن الاهتمام بالموهوبين وقبلت كل من هب ودب ، عن طريق المعدل المنخفض الذي يبعثه الكومبيوتر ، وحين صار بعض هذه الكليات كليات خاصة جمعت من لاشان له بالفن والادب وجل اهتمامه منصب على الظالم وحزبه وهو جانب من جوانب انهيار التعليم الخارج عن القوانين التعليمية. الادباء الجادون والفنانون الناضجون من التناسل الادبي والفني المنتج فها هم العراقيون ينالون جوائز عالمية ، تمنع من يحمل عقدة الخواجة من الكلام فاذا صح وجود بعض الادباء والفنانين الاكفاء في الداخل والخارج قد اقتنعت بهم جهات عربية او عالمية فاجازتهم فهذا دليل مناسب على كفاءتهم مما يشجع على نشر منجزهم الابداعي خصوصا ان الكثير من المجالات العربية تعيش على المنجز الابداعي العراقي( فما لمطربة حينا لاتطربنا )انني استغرب ان يكون هذا واقعا ثم لايجد الكثير من الادباء والفنانين لقمة الخبز التي ياكلونها او السقف الذي يؤويهم ولو ان دار الشؤون الثقافية العامة وجدت من يفعلها ويخرجها من سباتها الازلي فيفتح مخازنها على المكتبات العراقية والعربية مما يعيد اليها الاموال التي تنفقها على الكتب التي تطبعها لتنشرها لسهل عليها ان تنشر كتبا اخرى فتعين الاديب العراقي على النشر وتعرف به ، وهذا احد اهم واجباتها فهي دار للطباعة والنشر فلماذا تاكل الاتربة كتبها التي تطبعها ثم لا تنشرها ان ايجاد وكيل لدار الشؤون الثقافية في كل منطقة من مناطق بغداد الحبيبة وفي كل محافظة او قضاء ناهيك عن كل ناحية سيوجد سوقا حقيقية للكتاب العراقي اما اذا تعاونت مع جهات نشر عربية او عالمية فالخير كل الخير لها ولمن تنشر لهم من الادباء والكتاب فاذا مانشرت دار الشؤون الثقافية العامة وبيت الحكمة ودار ثقافة الاطفال وغيرها من جهات الطباعة والنشر التابعة لوزارة الثقافة الاعلام سابقا وغيرها وبالتالي تمكنت من نشر كتب اخرى وهكذا دواليك تدور العجلة عجلة الكتاب والكاتب ثم ينال الكاتب حظه من التشجيع المادي والمعنوي افهذا مستحيل؟ هذه احدى وسائل الثقافة احدى وسائل تمكين الاديب من نشر ابداعه واستثماره في معيشته فاذا حبت الدولة بعد ذلك او قبله تشجيع الادباء الجادين بمكافاة تشجيعية او بجائزة منحهم راتبا لمدة ما اكراما لهم على عمل ابداعي او او ضخ اموال جديدة لموازنة تلك الدور ، تمكنها من تطوير عملها مع ضم اكفاء مخلصين لم يتلوثوا بالاعيب الظالم ولا بالاعيب من تلوه فهنا يكمن النجاح الحق ثم ان هذا المنجز الناجح قد يشجع فناني الزفة الذين ابدعهم الظالم الذين تسيدوا الناس ، على الاستفادة من هذا المنتج وتحويله الى عمل سينمائي او اذاعي مسموع او مرئي يشرف الجهة التي تنتجهة ويساعد الاديب والفنان الجادين على الحياة ،ان البكاء على النص المأزوم ليس الا بكاء الجاهلين او المتجاهلين الذين لايريدون للابداع الجيد ان يظهر فظهور هذا النوع من الانتاج يكشف زيفهم واحباطهم اصحاب الامكانات وهذه مسالة ليست انية ولا عراقية فعبر التاريخ ياسى العظماء على ان الدنيا لمن لايستحقها.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم 2005

Iraq designer  : nana20042005@hotmail.com