مهرجان مراكش يتوج الفيلم القرغيزي ساراتان بالنجمة الذهبية

 فاز الفيلم القرغيزي ساراتان للمخرج إرنيست أبدي شاباروف بالنجمة الذهبية لمهرجان مراكش الدولي للفيلم في دورته الخامسة.وحاز فيلمان بجائزة لجنة التحكيم وهما "أ.ح.م.ق." للمخرج الكندي جان مارك فالي، والفيلم السوري "باب المقام" للمخرج محمد ملاص، بينما تم تتويج الممثلة شيرلي هندرسون بجائزة أحسن ممثل عن دورها في فيلم "متجمد" للمخرجة البريطانية جولييت ماكون، وأعطيت الجائزة أيضا للمثل دانييل داي ليويس عن دوره في فيلم "أغنية جاك وروز" للمخرجة الأميركية ربيكا ميلر ابنة المسرحي الأميركي الكبير آرثر ميلر.وأفصح رئيس لجنة التحكيم جان جاك أنو في حفل احتفالي حضره النجوم في عالم السينما والفن ورجال السياسة والأدب وشخصيات دولية عن الأسماء المتوجة والتي عبرت في كلمات مقتضبة عن سعادتها بتتويج المهرجان، وعن تقديرها لمستوى الأفلام المشاركة سواء من حيث اللغة السينمائية أو التقنيات المستخدمة.وكان رئيس لجنة التحكيم قد أشار قبل الإعلان عن نتائج المسابقة أن اللجنة لم تسقط في فخ منح الامتياز لأفلام على حساب أخرى باعتبار تفاوت بلدان الانتماء في التنمية أو توفر الإمكانات لفريق فيلم على حساب فريق من الناحية التقنية مؤكدا "أن اللجنة استفتت قلوبها".وقد تميز الحفل الختامي لمهرجان مراكش الدولي بتسليم المخرج الإيراني عباس كيروزومي جائزة التكريم الذي حظي به في هذه الدورة من طرف المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي الذي أثنى على تجربة كيروزومي السينمائية بلغة شاعرية مؤثرة توقف خلالها عند مشاهد ولقطات من أفلامه التي اعتبرها سكورسيزي متميزة بالجودة والإتقان وتعكس منظورا فنيا شعريا للسينما والصورة.وكان القفطان المغربي ظاهرة الحفل الختامي للمهرجان، حيث إلى جانب النجمات المغربيات، ارتدت نجمات السينما العالمية من الأميركيات والأوروبيات الزي المغربي التقليدي بآخر تقليعات القفطان.وتميزت من بين من ارتدين اللباس المغربي التقليدي رئيسة اللجنة المنظمة لمهرجان مراكش السيدة ميليتا توسكان ديبلونتيي التي وافق موعد اختتام المهرجان الدولي للفيلم بمراكش عيد ميلادها.

انطلاق فعاليات مهرجان الموسيقى العربية 

  بدأت فعاليات الدورة ال14 لمهرجان الموسيقى العربية بدار الأوبرا المصرية بمشاركة عدد من المطربين والموسيقيين من مصر والدول العربية.وافتتح المهرجان بأوبريت غنائي استعراضي باسم "ليلى مراد" استعرض أهم محطات المطربة الراحلة ويعتمد على تقديم عدد من اللوحات الراقصة بمصاحبة أغنيات ليلى مراد ويأتي إنتاجه من خلال المهرجان في إطار مشروع تكريم رواد الأغنية العربية.ويكرم المهرجان عددا من المطربين والموسيقيين بينهم المطرب هاني شاكر والملحن محمد سلطان والشاعر الغنائي محمد حمزة والموسيقي ياسر عبد الرحمن وعازف الكمان حسن شرارة والإعلامي وجدي الحكيم والباحثين الموسيقيين جورج صاوا ونبيل كمال إضافة إلى فنان الخط العربي إبراهيم المصري.وتستمر فعاليات المهرجان على مدى 10 أيام ويتضمن ليلة عراقية فلسطينية سورية على مسرح دار الأوبرا حيث يشارك فيها من المطربين العرب أحمد عبد الجبار صالح من العراق والمطربة الفلسطينية سلمى والسوري صفوان بهلوان الذي يقدم بصحبة المطربة المغربية كريمة الصقلي أغان مشتركة لمحمد عبد الوهاب.ويشارك في فعاليات المهرجان عدد من المطربين المصريين والعرب بينهم هاني شاكر ومحمد ثروت ونادية مصطفى والتونسيان لطفي بوشناق ومحمد الجبالي والسعودي محمد عبده والمغربي فؤاد زبادي والمطرب السوري نور مهنا وآخرون.

 مسيرة ليلى مراد في افتتاح مهرجان الموسيقى العربية بالقاهرة

  افتتحت بدار الاوبرا بالقاهرة الدورة الرابعة عشرة لمهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية بأوبريت "حبيب الروح" الذى استعرض حياة الفنانة الراحلة ليلى مراد. والاوبريت الذى كتبت مادته العلمية مستشارة دار الاوبرا رتيبة الحفنى وكتب له السيناريو فى صورة دراما غنائية الشاعر بهاء جاهين تضمن مسيرة ليلى مراد "1918 - 1995" منذ اكتشف والدها زكى مراد عن طريق المصادفة عام 1930 أن لها صوتا جميلا فقدمها لاصدقائه الموسيقيين داود حسنى ومحمد القصبجي.
واستعرض الاوبريت الذى قامت ببطولته المطربة المصرية أجفان صعود ليلى مراد كواحدة من أبرز مطربات القرن العشرين مع القاء الضوء على فنانين تحمسوا لموهبتها فى الغناء والتمثيل ومنهم المخرج محمد كريم والموسيقيان رياض السنباطى ومحمد عبد الوهاب الذى شاركها بطولة أول أفلامها "يحيا الحب" كما كان ضيف شرف أشهر أفلامها "غزل البنات" بطولة نجيب الريحانى وأنور وجدى أول أزواجها ومخرج معظم أفلامها.
وكرم المهرجان عددا من الفنانين منهم الموسيقيان ياسر عبد الرحمن ومحمد سلطان الذى قام أيضا ببطولة عدد من الافلام السينمائية فى الستينيات.
وستقام حفلات المهرجان بدار الاوبرا المصرية بالقاهرة والاسكندرية حتى 27 نوفمبر تشرين الثانى الجارى بمشاركة فنانين من ثمانى دول عربية منهم العازفان العراقى أحمد الجبار صالح واللبنانى جهاد عقل والمطربون السعودى محمد عبده والفلسطينية سلمى والتونسية ليلى حجيج ومن المصريين هانى شاكر وامال ماهر وأحمد ابراهيم وطارق فؤاد.
وتشارك فى المهرجان أيضا فرق عربية ومصرية منها فرقة جامعة الروح القدس اللبنانية وعازفون من المعهد الوطنى فى الاردن ومجموعة منير بشير العراقية على العود.
ومن المشاركين أيضا التونسى لطفى بوشناق والمغربى فؤاد زبادى والسورى نور مهنا. وسيقدم المطربان السورى صفوان بهلوان والمغربية كريمة الصقلى أوبريت "مجنون ليلى" ومختارات من تراث الموسيقى المصرى الراحل محمد عبد الوهاب.ويمنح المهرجان ثلاث جوائز قدرها عشرة الاف جنيه مصرى "نحو 1740 دولارا" للفائزين فى مسابقة العزف على آلة الكمان الشرقي.

 مهرجان دمشق الى روح مصطفى العقاد

  عندما أعلن ان الممثلة السورية منى واصف سوف تلقي الكلمة الخاصة بتكريم المخرج الراحل مصطفى العقاد حضر الكثير من الجمهور المناديل الورقية استعدادا للحظات مؤثرة فمنى واصف نجمة فلم الرسالة هي ايضا صديقة شخصية للراحل اضافة الى ذلك مصطفى العقاد لم يمت في مستشفى حلبي او في لوس انجلس بل قتل مع ابنته قتلة بشعة في عملية تطرف اسلامي اصبح يطلق عليها الآن غزوة عمان.منى واصف تحدثت عن الراحل وكيف ان الراحل حمل غصة كبيرة لسنوات كثيرة غصة عدم عرض فلمه الرسالة في سوريا، منى واصف تحدثت ايضا عن فرح الراحل العقاد بتكريمه في مهرجان دمشق والذي لم يتم بسبب المفارقة العجيبة التي قتلت مخرج الرسالة على يد الزرقاوي .الدورة الرابعة عشر لمهرجان دمشق السينمائي حملت شعار (تحيا السينما) هذا الشعار حمل مفارقة أخرى فالسينما لا يمكن ان تحيى في مدينة تبتعد بخطوات مؤكدة عن السينما واصول الفرجة السينمائية، هل يمكن ان تحيا السينما بغياب الصالات السينمائية، لا احد يعرف ماالذي سوف يحل بصالة الكندي مثلا الصالة التي كانت مكانا للسينما وعشاقها لعقود، هناك قرارات سورية لدعم السينما لكن لا تاثير واضح ملموس فتخفيض الضرائب على الافلام السينمائية لم يشجع الموزعون على استيراد الفلم الجيد المختلف وقرار السماح لمالكي الصالات القديمة بتحديث صالتهم بدون فوائد مصرفية لم ينتج الا عن غلق سينما الكندي وليس من المعلوم اذا كانت الصالة ستستقبل محبي السينما مجددا أم لا.مهرجان هذه السنة يواصل تقليدا بدأه العام الفائت بزيادة عدد الافلام المعروضة وعدد التظاهرات، بالتاكيد هذا شيء مفرح وشيء يحسب للمهرجان فالمتفرج السوري بعيد بشكل كبير عن اتجاهت ومدارس سينمائية لا يمكن ان يوفر التلفزيون فرصة مشاهدتها، من أ فلام المسابقة الرسمية لهذا العام الفلم المغربي أجنحة منكسرة والفلم السويسري ابسلوت والفم المكسيكي الجانب الآخر والفلم السوري علاقات عامة والفلم المصري بنات وسط البلد.
اما تظاهرات الافلام فهي كالتالي
*تظاهرة تحف السينما العالمية ومن اهم الافلام المعروضة فلم انغمار بيرغمان العار والفلم الهندي زفاف مونسون
*تظاهرة افلام النجمة اودري هيبورن.
*تظاهرة المخرج أكيرا كوروساوا.
*تظاهرة المخرج لوتشينو فيسكونتي
*تظاهرة افلام الديجتال القصيرة السورية
*تظاهرة للافلام المصرية
*تظاهرة افلام الممثلة المصرية نبيلة عبيد
*تظاهرة افلام الممثلة السورية نادين
*تظاهرة السينما الصينية ماضيا وحاضرا
*تظاهرة السينما الذاتية
*تظاهرة محمود مرسي
*تظاهرة افلام رعاة البقر
*تظاهرة الاثارة والتشويق
اضافة الى العديد من الندوات والتكريمات والتي سوف تتوزع على صالات دمشق.كرم المهرجان هذه السنة الممثل المصري محمود ياسين اضافة الى التكريمات الكثيرة لرجال ونساء في السينما السورية منهم المؤلف حسن سامي يوسف، نبيلة النابلسي، الممثل الراحل سعد الدين بقدونس، محمود حديد،زهير الشوا والناقد جان الكسان كما كرم المهرجان ثلاث ممثلات من اجيال فنية مختلفة فلقد كرمت الفنانة المصرية نبيلة عبيد والسورية نادين والممثلة التي اصر عرفاء حفل الافتتاح على التاكيد على مولدها البلجيكي اودري هيبرون.كما كرم المهرجان مجموعة من الممثلات الفرنسيات وهن الكسندرا ستيورت، كورني كلري، كاترينا ديسكيلو والمخرج الراحل مصطفى العقاد.الايام القادمة سوف تشهد نشاطا سينمائيا مكثفا جدا مما يطرح التسائل اما كان من الاجدى توزيع الكثير من نشاط وجهد مؤسسة السينما السورية على ايام السنة الاخرى وعلى صالات الشام السينمائية الفارغة؟

 تيــم بورتـن.. أفـلام الفنتـازيـا الشاعريــة

  إن كانت هوليوود قد عُرفت في تاريخ السينما كرائدة للسينما الترفيهية ذات الإنتاج الضخم الى جانب المتانة الفنية، فلا بد ان يكون من بين اركان استديوهاتها من اراد لهذه الريادة ان تستمر، ولإبداعها ان لا ينضب. وإن كان لهؤلاء ان يكونوا قلة معدودين على مدى العقود الماضية، فلا بد ان يكون احدهم المخرج الأميركي تيم بورتن. فهو احد اهم صناع السينما في هوليوود في وقتها الحالي، وهو لا يزال يخلق جديدا في كل عمل يقوم بتحقيقه. فلقد استطاع وعلى مدى اكثر من خمسة عشر عاما ان يخلق نمطا من افلام الفنتازيا الشاعرية التي ارتبطت باسمه واصبحت علامة فارقة في كل فيلم من افلامه، بغض النظر عن الجدل الذي يمكن ان يدور حول تلك الأعمال. وفيلم Tim Burton"s Corpse Bride عروس جثمان آخر افلام بورتن السينمائية، هو ثاني تجربة سينمائية له في سينما التحريك، بعد ان قدم من قصته وانتاجه فيلThe Nightmare Before Christmasa عام 93، ولقي حينها استحسانا وقبولا جماهيريا ونقديا جيدا. وهو من بطولة نجمه المفضل ورفيقه في الكثير من افلامه جوني ديب، الذي قدم هو واياه صيف هذا العام ايضا فيلم الفنتازيا العائلية Charlie and the Chocolate Factorya، والذي لقي هو الآخر قبولا واسعا، وخرج بإيرادات مجزية.
يدور فيلم عروس جثمان في اجواء فكتورية، حيث لا تزال الطبقية فاعلة في اوروبا القرن التاسع عشر، والأرستقراطية سمة بارزة لنبلاء ذلك المجتمع. فكتور هو احد ابناء تلك الطبقة الكادحة التي استطاعت ان تبني لنفسها اسما من تجارة السمك، إلا ان زواجا تم ترتيبه بينه وبين فكتوريا، ابنة عائلة ارستقراطية تعيش مشاكل مادية كبيرة، وتأمل ان ينقذ زواجهما العائلة من الانهيار المادي، مع ان الزوجين لم يتلقيا قبل ذلك، ولم تكن بينهما اية رابطة عاطفية سابقة، إلا ان بوادر محبة بدأت مع النظرة الأولى. وبينما يحاول فكتور في غابة قريبة استذكار قسم الزواج الذي سيدلي به في مراسم الزواج، القى بخاتم زواجه في يد عظام جثة بالية ما لبثت ان تحولت حينها الجثة الى زومبي فتاة في فستان زواجها كانت قد قتلت، وهي تدعي الآن انها اصبحت زوجته الشرعية برابط القسم، ومن هنا تبدأ الرحلة بين عالمين متناقضين، عالم الأموات والأحياء.
المفارقة التي يحتويها الفيلم تكمن في العالمين الذي اراد بورتن ان يربط بينهما، وإن كان الفيلم ومنذ بدايته يظهر عالما ارضيا كئيبا، وحياة رتيبة، أحادي الألوان، فلقد كان عالم الأموات اكثر بهجة، او على اقل تقدير عالم بدون محسوبيات، فلا وجود للتقاليد الاجتماعي، ولا وجود للأطماع البشرية التي يسعى الفرد لتحقيقها وإن كان على حساب كرامته الإنسانية. لقد راق لفكتور ان يكون زواجه الوهمي نابضا بالحياة اكثر مما هو عليه واقعه الحقيقي، كما استهوته البهجة التي تحيط بالعالم السفلي، على الرغم من حنينه لعالمه العلوي الذي اراد ان يكون بصفاء عالمه السفلي. الفيلم لم يرد له ان يكون فيلم إرعاب او إفزاع على عكس ما يوحي به، بل هو على النقيض من ذلك، فيلم شاعري لطيف ذو متعة بصرية مبهرة، كما لا يخلو من مفارقات كوميدية مسلية وظريفة.
الفيلم صنع بطريقة Stop-Motion Animation، وهي الطريقة التي بدأت بها سينما التحريك اولى خطواتها حيث يتم استخدام دمية من صلصال او معدن او غيره يتم تشكيلها بحسب الحركة المبتغاة لتلتقط صورة من 24 صورة تمثل الثانية الواحدة في الفيلم السينمائي. ولعل اقدم صورة شهيرة لهذا النوع من التحريك هي صورة King Kong في فيلم عام 1933 الشهير. وما زالت هذه الطريقة متبعة في سينما التحريك في وقتنا الحديث، وقد استخدمها بورتن نفسه في فيلمه The Nightmare Before Christmas. والحقيقة ان الطرق الأولى في سينما التحريك، التي تعتمد على التقاط لقطات حية او صور مرسومة، لم تعد بذلك الانتشار في ظل تقنية الكومبيوتر، والتي جعلت من صناعة التحريك صناعة سريعة وقليلة التكاليف. إلا انها جردت التحريك ـ الى حد ما ـ من طبيعتها الخيالية، وروحها الفنتازية، واجوائها الشاعرية. ومهما يكن من امر فإن هذا المشروع الذي اخذ من بورتن ما يقارب السنوات العشر، انتهى الى اجمل وألطف صورة يمكن ان يكون عليها الفيلم في وقت اصبحت التقنية الفجة، والصورة الجافة سمة للعديد من افلام التحريك الحالية. وهو بلا شك احد افضل افلام التحريك لهذه السنة، واحد المرشحين لنيل اوسكار افضل فيلم تحريك هذا العام.

 أبـو الهـول في دمشـق

  العنوان السابق هو عنوان كتاب صدر في عام 1988 بالانجليزية عن دار نشر بريطانية (لا اعرف أن كان ترجم إلى العربية أم لا) للكاتب موسى ماعوز، والعنوان كناية عن الثبات والصمود. وهو كتاب يتابع بشكل حثيث حياة وأعمال الراحل حافظ الأسد حتى وقت النشر، ولا استطيع أن اجزم بأن الكتاب متعاطف مع تلك المسيرة، إلا انه يسبر أغوار رجل يعترف الكاتب انه جعل من سوريا لاعبا أساسيا في الشرق الأوسط لا يستهان به، ولا يمكن تجاهله. لعل الإشارة إلى موقف الأسد الأب الأكثر ملاحظة وقتها هي موقفه من تقدم القوات السورية في الأراضي الأردنية بأوامر الثنائي (يوسف زعين وإبراهيم ماخوس) (لإنقاذ المقاومة)، ونحن نتحدث عن أحداث سبتمبر وما قبله عام 1970. وقتها وزير الدفاع حافظ الأسد نفسه، حرم هذا التقدم من الغطاء الجوي، ثم حدث بعدها ما عرف بثورة التصحيح التي أوصلت الأسد نفسه إلى قمة السلطة، ويحتفل بذكراها الرابعة والثلاثين الإخوة السوريون هذه الأيام. يحار الكاتب في توصيف المرحوم حافظ الأسد بين ما إذا كان هو بسمارك العرب أم ميكافيلي سوريا! ولكنه يعطيه حقه (بعد ثمانية عشر عاما من الحكم، وقت صدور الكتاب) انه قدم لسوريا الاستقرار، عن طريق قراءة جيدة وثاقبة للتطورات الإقليمية والدولية المحيطة. وفي عام 1992 كانت سوريا قد دخلت التحالف الدولي لتحرير الكويت، وأبلت فيه بلاء حسنا، قابل كاتب هذه السطور في زيارة إلى دمشق السيد جبران كورية، بعد لقاء مطول مع آخرين بالرئيس نفسه وقتها كان جبران المسؤول الصحافي للرئيس الراحل. وفي إشارة إلى حذق معلمه الرئيس حافظ الأسد، قال بشيء ليس بعيدا عن الفخر، لقد توقع الأميركان أنهم سوف ( يقُوصوا يطلقوا النار على صدام حسين، وحافظ الأسد معا في وقت واحد، ففوجئوا أن حافظ الأسد قد وقف خلفهم) ! ي إشارة إلى الحذق السياسي للرجل الكبير. وقتها لو قرر حافظ الأسد استفتاء البعث في المشاركة مع الأميركان، لقررت له الغالبية، تحت سطوة الايديولجيا، أن ينضم لصدام لا الأميركان، ولكنه لم يفعل. كثيرا من الدراسات الموثقة تقول ان مدرسة حافظ الأسد السياسية، كانت حساسة لما يجري في الخارج وموقف سوريا منه كان في الغالب تفرضه الحكمة لا العاطفة الموقف من الأردن، ومن حرب تحرير الكويت، هو مثال ودليل عملي واحد على تلك الحسابات وذلك الحذق بعيد النظر، من بين مواقف أخرى كثيرة. صحيح أن الموازين تغيرت دوليا بعد وصول الرئيس بشار إلى الحكم في دمشق، فالكاتب الأميركي فلاينت ليفريت، الذي أصدر أخيرا كتابا بعنوان (اختبار بشار تحت النار) وترجم للعربية، يشير ولو من بعيد، إلى أن استرخاء الحساسية للقضايا الخارجية الساخنة. وخاصة الدولية، هو احد المعطيات التي ورثت الأزمة المتفاقمة لدمشق اليوم. والكاتب يوثق هذا الأمر بالإشارة إلى أحداث وقعت ما بين عام ألفين، وألفين وثلاثة، من بينها (الازدياد الهائل في التبادل التجاري بين بغداد ودمشق المحظور دوليا) ضد القرارات الصريحة لمجلس الأمن. وعدد كبير من الأمثلة التي تقود إلى تأكيد ضعف الحساسية للمتغيرات الدولية. وعند قراءة الصحف السورية اليوم (يمكن الاطلاع على بعضها من خلال الانترنت) يرى المتابع أنها تمعن في القراءة المغلوطة وتزيد على الضبابية السياسية ضبابا إعلاميا. فهي تشير إلى حضور مندوبين على مستوى عال من كل من روسيا وتركيا المجاورة، على انه (تعضيد دولي) لموقف سوريا، ولكن كلام المندوبين وتصريحاتهم المتاحة، تقول شيئاً آخر، على الأقل يدعون دمشق للنظر بتؤدة ويحثوها للامتثال إلى قواعد الشرعية الدولية لا أكثر. الموقف من وجهة النظر السورية يبدو انه معتمد حكما على أن (اللجنة الدولية للتحقيق في اغتيال المرحوم الحريري) لها مقاصد أخرى اكبر بكثير من المعلن عنه حتى حينه. بالتالي تذهب الاستراتيجية لتوظيف الفكرة القائلة (ان سوريا مستهدفة بسبب موقفها مما يحدث في كل من فلسطين والعراق) وهو أمر فيه من التسويق السياسي الذي يعرف طبيعة الجمهور المخاطب (وهو العربي في الأساس). وان هذا الجمهور سوف يقبل الفكرة ويتحمس لها. فليس هناك عربي عاقل إلا ويتوسل موقفاً حازماً ضد ممارسات إسرائيل، كما أن هناك قطاعاً لا بأس بحجمه من الرأي العام العربي يرى رؤية دمشق نفسها في العراق. أما التكتيك الذي تتبناه دمشق توسلا لإنجاح الاستراتيجية فهو (اللعب في ساحة لبنان) الهشة، التي يتخوف عليها الغرب، ويعتبر نجاح الاستقرار فيها وتسيير آلية الديمقراطية بين طيفها السياسي، نجاحا للاستراتيجية التي يتوخاها ويعول عليها في الشرق الأوسط. خلخلة تلك الساحة اللبنانية من جانب حلفاء لدمشق في لبنان، قادرين وقابلين للفعل السلبي، يرى البعض في دمشق أن ذلك يعطل (الهجمة على سوريا) ويعطي دمشق اليد العليا في مبادرة تحريك المشهد. تضيف هذه الرؤية الاستراتيجية، إلى المشهد انشغال الغرب (أميركا وحلفائها) في العراق، وخوفهم من تكرار ما حصل هناك، يعطل أية خطوات يمكن أن تتخذ ضد سوريا. بكلام آخر تستهدف تلك الاستراتيجية إظهار الممانعة السورية وكأنها ممانعة لمشروع أميركي سلبي وكبير في المنطقة، يضيع الممانعة الأخرى وهي تحديد الأشخاص الفاعلين في الاغتيال الكبير للحريري، وترجئه إلى موضع الدرجة الثانية أو حتى انتهاء الملف برمته. الاستراتيجية كلها تتناقض مع ما كان (أبو الهول الدمشقي) على حد تعبير موسى ماعوز يفعل ويتصرف. انها اختلاف في الرؤية بين (سباق المسافات الطويلة) الذي كان المرحوم حافظ الأسد يعتمده، وسباق المسافات القصيرة المعتمد من دمشق اليوم. في لبنان يفوت لبنان الرسمي كل، أو قل معظم الحجج، فهو يتحدث عن (تحرير كل الأرض اللبنانية) بعد ترسيم الحدود بشكل رسمي وربما دولي. ويبدو أن الغرب مستعد وقابل وراغب، أن يقدم للبنان كل الكيلومترات التي قال بها بشير الجميل، وأكدها أخيراً حسن نصر الله. يعني ذلك من جملة ما يعنى، أن يتم توافقيا حرق ورقة (الخاصرة) اللبنانية. يبقى السؤال المنطقي، وهو إذا كان البعض في دمشق بريء من دم الحريري، وهذا ممكن عقلا، فإن أفضل دليل على البراءة هو التعاون الكامل، ودون شبهة تعطيل للعجلة الدولية. إلا أن هكذا قرار يحتاج إلى فهم كلي للمتغيرات الدولية التي كان الرئيس حافظ الأسد يستجيب لها بكل حذق. ينهي موسي ماعوز كتابه عن (أبو الهول الدمشقي) بالتساؤل، هل يحتفظ خلفاؤه بصيرورة بناء الدولة وإكمال مسيرته، أم أن خلفاءه،. وقد سما الكتاب وقتها (رفعت الأسد، علي دوبا، علي أصلان، علي حيدر) ليسوا بقدرة قيمة حافظ الأسد! المؤلف وقتها لم يذكر أبناءه، فقد كان ذلك في علم الغيب! إلا أن السؤال مازال قائما.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم 2005

Iraq designer  : nana20042005@hotmail.com