رحل عن ثمانين سنة ... نهايات غير سعيدة للروائي الاميركي جون فاولز

 جاد الحاج
جون فاولز الذي توفي قبل أيام في بلدة بحرية تدعى لايم ريجيس بلغ الثمانين من عمره من دون ان ينهي كل مشاريعه الأدبية، ربما بسبب حذره المتأصل منذ طفولته الخانقة على الجهة الأخرى للجزيرة البريطانية في منطقة ايسيكس، حيث سيطرة عقلية الثلاثينات من القرن الفائت والحياة المحافظة في صورة متشددة جعلت الفتى جون روبرت يعد أصابعه العشر أمام كل خطوة، حتى انه تأخر في دفع كتبه الى النشر، وحين نشرها عاد وحررها وأدخل عليها تعديلات، خصوصاً روايته «المجوسي» التي صدرت للمرة الأولى عام 1965 ثم عام 1977 مع ظهور روايته الأقرب الى السيرة «دانييل مارتن».
في لايم ريجيس استقر فاولز بعد ترحال طويل بين فرنسا واليونان وبعدما ترك التدريس الى الكتابة، وفي تلك البلدة أيضاً جرى تصوير «امرأة الملازم الفرنسي» روايته الثالثة فيلماً من بطولة ميريل ستريب وجيريمي إيرونز واخراج كاريل ريز.
في «امرأة الملازم...» استعاد فاولز المواضيع الفيكتورية الصارمة المتعلقة بالطهرانية الخلقية والتزمت الاجتماعي، وتلاعب بالنهاية مشيراً الى موقفه المتحرر من التركة الفيكتورية، بل كأنها رواية وداع لذلك الإرث وفي الوقت نفسه تحية لبعض النواحي الوصفية في نوعية الأسلوب، فصوت الراوي يتأرجح لغوياً متنقلاً بين الأزمنة، لكن جوهر القصة يبقى اعتراض فاولز على السجن الروحي الذي يجعل الحب رهناً بالزواج أو عرضة للمسخ والسخرية.
ويتضح «عذاب» فاولز حيال مسألة الحب منذ روايته الأولى «جامع الفراشات» إذ يقوم فريديريك كريغ بمراقبة ميراندا غراي من بعيد ويؤدي به تردده عن مقاربتها وجاهاً الى شراء بيت في الريف وتجهيزه بقبو ثم اختطافها وأسرها هناك معتقداً بأنها ستحبه لمجرد رؤية مجموعة الفراشات المحنطة التي جمعها. لعب تيرنس ستامب دور فريدي وميراندا غراي جسدتها سامنثا إيغار، اخراج ويليام وير.
في «المجوسي» جمع غاي غرين لفيفاً من أبرز الممثلين، على رأسهم مايكل كاين وانطوني كوين وكانديس بيرغن وآنا كارنينا، لتصوير أكثر روايات فاولز تعقيداً واثارة للذهن والمخيلة. فبعد اقامته في جزيرة يونانية مدة سنتين مدرساً اللغة الانكليزية أصيب فاولز باللسعة الاغريقية على غرار آخرين مثل هنري ميلر «عملاق ماروسي» ولورنس داريل «رباعية الاسكندرية». وبخلاف كل رواياته السابقة واللاحقة لاقت «المجوسي» رواجاً واسع النطاق وترجمت الى 12 لغة واعتبرها النقاد الأميركيون نواة نوع جديد من الكتابة القصصية تجمع عناصرها من العمق الخرافي للثقافات التي تفاعلت مع المتوسط وتطلق الخيال أبعد من توقعات القارئ، وتتخطى الأطر التقليدية للشخصيات الى رسم احتمالات عدة لكل شخصية. صحيح ان فاولز الحذر، كما أسلفنا، سارع الى ترتيب مسوّغ حكائي لمخياله يدّعي من خلاله موريس كونشيس (المجوسي) انه يجري تجربة «فلسفية» إذ يحرّك الأشخاص من حوله كأنهم في مسرحية بلا جمهور، لكن هذا المسوّغ لا يعدو كونه لعبة اضواء دورها الوحيد تغيير دفة القصة في اتجاه المفاجأة والتغريب.
في الروايات الثلاث الآنف ذكرها عنصر تصويري بالغ القوة جعلها مادة صالحة للاقتباس السينمائي، ومع ان ذلك لم يتغير في المتن عبر الأعمال الأربعة اللاحقة، إلا ان فاولز انصرف تماماً عن المنطق الروائي الى الخطاب السيكولوجي والسيرة الموجهة ثقافياً، ناقلاً في «دانييل مارتن» هموم وأفكار وذكريات جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية. والكتاب مؤلف من فصول مستقلة بعناوين تجعلها اجزاء محددة تحتمل امكانيتي الارتباط أو الانفصال عن كامل النص. وهناك ايماءات وإشارات الى أعمال روائية وفلسفية وسينمائية. وفيما يبدأ زمن الرواية في العام 1942 حين يكون بطلها داني مارتن في الخامسة عشرة، يأتي عنوان الفصل الأخير «مستقبل الماضي» ليردنا الى السطور الأولى من مفكرة داني – الأنا الأخرى للكاتب – إذ يقول: «إما الصورة كاملة أو الخلاء التام». أما الحب، فلن ينتهي أبداً نهاية سعيدة مع فاولز، ولو بدا لنا انه يسير نحو السعادة.
يبدأ دخول فاولز ظلام المخيلة وكوابيسها مع الرواية الخامسة «مانتيسا» بطلها مايلز غرين يستعيد وعيه ليرى عيني زوجته كلير تحدقان فيه لكنه لا يعرفها، فهو فاقد الذاكرة على إثر حادث تعرّض له. وإذ تغادره كلير تخبره الممرضة انه كان تحت تأثير البنج فيسألها: كم لي من الوقت هنا؟ تجيبه «بضع صفحات لا غير». إذ ذاك نفهم ان فاولز ينوي ولوج لا وعي أناه المتعددة الوجوه من باب كونه كاتباً، ويلعب الجنس الاستحلامي دوراً محورياً في هذه الرواية منذ صفحاتها الأولى، كما تختلط الاقنعة بالوجوه وتتفاوت الأزمنة وتتداخل الشخصيات الى ان تصبح الهلوسة مجرّد أمر عادي، كأنما هدف الرواية اللصوق بدواخل الراوي وفي الوقت نفسه الحفاظ على وشائج حميمة مع القارئ.
وينتهي هذا المنحى مع النهاية النظرية لروايته الأخيرة «الرِقة» التي يتصدى فيها لمراحل تاريخية من القرن الثامن عشر، ويفصلها بمقال توضيحي عن آرائه في الدين والكتابة، يقول فيها إن على الروائي احياناً سبر أغوار بعيدة المنال من أجل إدراك الحقائق وان بطلته في تلك الرواية ريبيكا تمثل التنوّر العاطفي وهي «انفصال أليم للنواة الشخصية عن أرضية التقاليد القاسية في المجتمع».
كتب فاولز أيضاً رواية قصيرة بعنوان «برج العاج» واهتم بالتصوير الفوتوغرافي والحياة البحرية، أما مخطوطاته التي لم تنشر فهي أكبر حجماً من كتبه المنشورة.

(غرفة العتائق) لبلزاك: حكاية زمن وطبقاته 

 ابراهيم العريس
اونوريه دو بلزاك (1799-1850). بالنسبة الى تاريخ الادب، والادب الفرنسي بشكل اكثر تحديداً، يعتبر اونوريه دو بلزاك واحداً من كبار روائيي القرن التاسع عشر وربما ايضاً كل الازمان. وثمة في اعمال كثيرة له، روايات تؤكد هذا. وتؤكد خصوصاً ان بلزاك هو الرسام الاكبر في تاريخ الادب لسمات الشخصيات: لسيكولوجيتها وأفعالها وردود افعالها، بحيث ان أي باحث عن فهم الانسان وطبيعته المعقدة، حسبه ان يتبحر في مئات الشخصيات التي رسمها بلزاك في قمة اعماله «الكوميديا البشرية»، حتى يجد نفسه امام الانسان كما هو، بقوته وبضعفه، بمساوئه ومحاسنه، الانسان كما يفعل في زمنه وكما ينفعل به.
الانسان كما يتأثر بأخوته في البشرية في كل ساعة ودقيقة وكما يؤثر فيهم. والحال ان هذا الجانب الاساس من ابداع بلزاك، يشكل جوهر أدبه. ولكن في المقابل، وهذا امر يجب الاقرار به اخيراً، مهما كان المرء معجباً بأدب بلزاك، عجز هذا الكاتب دائماً عن ان يكون كاتباً «بوليسياً»، كما عجز عن اعطاء صدقية مطلقة لبعض حبكاته، حيث يمكننا بكل بساطة، ان نعثر في بعض الروايات على تناقض كبير بين احداث الرواية والصورة التي بها يقدم بلزاك شخصياتها.
طبعاً لا يعني هذا ضعفاً عاماً نجده مــاثلاً في روايات بلزاك كلها. أي لا يعني انه ينطبق على كل روايات بلزاك... اذ ان حبكاته، وحتى التي تدنو من البعد البوليسي من بينها، تظهر في معظم الاحــيان قوية متكاملة... غير ان ما يلاحظ عادة في مثل هذه الاعمال، هو ان قوتها الروائية تكون على حساب تحليل الشخصيات نفسها.
وفي المقابل هناك بيـن روايات بلزاك، اعمال يكون فيها رسم الشخصيات من الاكتمال، ما يجعل القارئ يحسب بأن هذا انما تم على حساب البعد الروائي. ومثل هذه الاعمال هي، دائماً، الاقل شهرة ومقروئية بين روايات بلزاك.
من هذا الصنف الاخير رواية «غرفة العتائق» التي نشرها بلزاك في العام 1838 في كتاب واحد يضمها الى رواية قصيرة اخرى عنوانها «العانس»، وحمل عنواناً عاماً هو «الخصومات». في بداية هذه الرواية يخيل الى القارئ انه امام عمل جامع يتحدث عن مدينة فرنسية صغيرة – لا يخبرنا الكاتب باسمها، لكننا نعرف انها غير بعيدة جداً من باريس -. والزمن الذي تجرى فيه احداث هذه الرواية هو زمن عودة الملكية بعد القضاء على إرث الثورة الفرنسية وعلى الامبراطور نابليون بونابرت. اما المناخ العام لشخصيات الرواية فهو مناخ طبقة النبلاء القديمة التي منذ البداية رفضت ان تنضم الى الثورة، مبقية على حياتها وتقاليدها، ثم اتى بونابرت ودمرها تدميراً اذ رفضت كذلك ان تنضم اليه.
ولكن لاحقاً حين عاد آل بوربون الى الحكم واستعادوا حكم فرنسا، لم تتحسن احوال تلك الطبقة لأن آل بوربون تجاهلوها تماماً وتجاهلوا تضحياتها من اجلهم. ومن هنا عاش هؤلاء النبلاء في معتزلاتهم الريفية تلك يتحسّرون على الماضي ويشكون من الحاضر ويتوجسون خيفة من المستقبل.
رواية بلزاك هذه، تلتقط ابناء هذه الطبقة عند تلك اللحظة الانعطافية من تاريخها... ليصورها لنا منذ البداية تعيش حياتها يوماً بيوم، محافظة على تقاليدها العريقة من دون هوادة، غير مدركة ان الزمن قد تبدل وان مجرى التاريخ بات لا يستقر له قرار. انها طبقة تسعى الآن لفرض اخلاقياتها القديمة وكنوز قيمها... فقط من اجل الدفاع عن مواقع بات من المستحيل الدفاع عنها. انها تحاول مع هذا وهذه المحاولات هي التي توصف لنا بقوة وإسهاب في الصفحات الاولى من الرواية، وصولاً الى التسلل الى حياة النبيل العجوز المركيز ايغرينيون الذي سرعان ما نعرف انه زعيم حزب من النبلاء يتألف من اشخاص عجائز مثله، يجتمعون عادة في بيته وتحديداً في قاعة في الطابق الارضي لم تزل كما هي على حالها منذ ما يزيد على القرن... والحقيقة ان عراقــــة هذا الاجتماع وشكله ومكوناته البشرية، اذ يجرى في قاعة يمكن لأهل المدينة المارين بالقرب من المكان مشاهدتها، يبرر الاسم الذي اطلقه هؤلاء على القاعة، وجعله بلزاك عنواناً للرواية: «غرفة العتائق».
بسرعة سنعرف ان المركيز ايغرينيون، رجل نبيل همه الحفاظ على القيم والمظاهر، لكنه مع هذا، مفلس تماماً لا يملك قرشاً وقد دمرته العهود المتلاحقة ودمرت كل اشغاله وثروته. ولم يكن له إلا ان يقبل بمصاهرة الطبقة البورجوازية التجارية الصاعدة لكي يتمكن من العيش. وهكذا نجده يوافق على زواج اخته الشابة من ثري جديد هو دوكروازييه، الذي يتقدم اليها لكنها ترفضه بكل احتقار. امام هذا يقسم دوكروازييه على الانتقام. وهنا تتحول الرواية من دراسة طبقة وسماتها، الى عمل روائي لا يخلو حتى من طابع بوليسي. المهم ان دوكروازييه اذ يقرر ان ينتقم يجعل محط انتقامه فكتورنيان، الابن الشاب للمركيز ايغرينيون، وهو شاب شجاع حسن الهيئة لكنه ضعيف الشخصية. ذات يوم يُرسل فكتورنيان الى باريس على امل ان ينضم الى القصر الملكي ويحقق شيئاً من الثروة. وهناك يتعرف الشاب الى الدوقة موفرينيوز وينفق الثروة القليلة التي كانت بين يديه...
ثم يحدث ان دوكروازييه الذي يطـــارده يوقعه في حبائل مؤامرة تقوده الى المحاكمة، اذ يجعــله يقترض بعض المال من دون ان يستطيع لاحقـــاً تسديد القرض، ثم يدفعه في غفلة منه الى ارتكاب خطأ يحاسب عليه. وهنا امام الخطر المحدق بالشاب يتدخل المعلم شينيل، المحامي الوفي الذي يعمل عادة لحساب المركيز ايغرينيون، يتدخل بالاتفاق مع اخت المركيز، وكذلك مع الدوقة عشيقة الشاب، ليتمكنوا جميعاً من انقاذ هذا الاخير من المحكمة والسجن. اما وسيلتهم في هذا فكانت حيلة رتبوها، مقابل حيلة دوكروازييه. غير ان هذا كله لم يحل دون شعور المركيز ايغرينيون، اذ حوكم ولده المفضل، بالإهانة والعار لحقا بحياته وطبقته كلها، فحزن بشدة حتى يقع صريع حزنه ويموت. وبعد موت المركيز يقرر ابنه ان يطلب الصفح عن عدوه دوكروازييه، وهو – اذ يدرك ان كل هم هذا الاخير هو اعطاء صفة النبالة لأسرته – يقرر ان يتزوج من اخت دوكروازييه، ويفعل ما يريح الجميع لا سيما دوكروازييه الذي يتخلى ازاء هذا عن رغبته في الزواج من عمة الشاب. فهو اصلاً لم يكن مغرماً بها، ولم يكن ما فعله من طلب يدها سوى لرغبته في ان ينضم، بفضل ذلك الزواج كما بفضل ثروته الى تلك الطبقة التي يحسب الآن انه صار جزءاً منها فلم يعد في حاجة الى ان يصاهرها.
لقد فرق نقاد بلزاك دائماً بين القسم الاول من هذه الرواية وقسمها الاخير... فوجدوا الاول وصفياً فيه سرد لأحوال المدينة وأحوال الطبقة ودراسة معمقة للشخصيات وردود افعالها على ما فعله التاريخ بها. اما القسم الثاني فوجدوه مملوءاً بالمغامرات – التي تقترب احياناً من حدود العادية – والحبكات البوليسية – التي تقترب احياناً من حدود السذاجة -. لكن الرواية اعتبرت دائماً صورة لمرحلة ولطبقة... كما اعتبرت خطوة اساسية في مسار كاتبها اونوريه دو بلزاك (1799-1850) الذي يظل – على رغم ضروب نقص وضعف في بعض اعماله، الثانوية خصوصاً، واحداً من كبار الروائيين، هو الذي حول زمنه كله الى روايات وملأ رواياته بألوف الشخصيات. واذا كانت «الكوميديا البشرية» هي الاشهر بين اعمال بلزاك، فإن قوتها الاساسية تكمن، عدا عن طولها وتشعبها الاستثنائيين، في كونها تضم – في نهاية الامر – خير ما كتبه بلزاك طوال حياته، وأفضل ما وصف من شخصيات تغيب في رواية لتعود في اخرى، في لعبة تشابك رائعة.

من روائع القصص الانكليزي
رغبات امراة
الحلقة الثانية  

 تاليف /سومرست موم
ترجمة/ كاميل صبري
وتوفي زوج (ماري) ورجع (ادغار) من الهند فسال عنها فانبئ انها رحلت الى فلورنس فعجل باللحاق بها ومكث في فلورنس يتحين عن فرص للاجتماع اليها ولايترك ساعة تمر دون اظهارها لها من عواطف المحبة فأيقنت الارملة الشابة انه يحبها وانه لن يبطئ حتى يبوح لها بحبه ويطلب اليها ان تقترن به انها الان في الثلاثين من العمر وهو في الرابعة والخمسين انها امراة ناضجة وهو رجل مكتمل ولى شبابه واذنت شمس نضارته بمغيب وان كان قد حاز على اعلى الرتب واسمى الدرجات وكانت ماري تعلم ان الحكومة لن تتخلى عنه قانعا بأحالته على المعاش فأمثاله من الرجال قلة والامبراطورية الشاسعة المترامية الاطراف احوج ماتكون اليه ولم تشرك ماري احدا بسرها او تفضي اليه بمكنون صدرها فامه توفيت منذ بضع سنين وهي الان في مسقط رأسها تعيش في بلد غريب ولاتعرف من الناس الا الاصدقاء وهي لاتثق بخليل بعدما بليت من زوجها ومن اصدقائها على السواء وفضلا عن ذلك فهي لاتميل الى شخص مثل ادغار وستبت بالامر دون الرجوع الى راي انسان اخر وكانت السماء في تلك الساعة صافية الاديم رائعة النسيم تتلالا الشمس فيها فتسكب على فلورنس ضوء الربيع الساحر فيضيف الى جمال المدينة جمالا والى روعتها روعة ، وصلت سيارة ادغار وهرع الخادم الى استقبال القادم وما هي الا دقيقة حتى كان الضيف يدلف الى الشرفة بقامته المديدة وبنيته القوية المنتصبة وهندامه الانيق ولما حاذى المقعد الذي احتلته ماري ونزع قبعته عن راسه الذي يكلله شعر فاحم ممشط بدا وجهه شابا في مقتبل العمر لاينم عن تقدم صاحبه في السن ولاتشي صحته الموفورة بخور او وهن هما تركة السنين الطويلة ووزر تصاريف الايام التي مرت عليه محملة بالاحداث الجسام وما اكثر ماشاب لهولها رضيع او غلام ولم يشب اباءه صلف واوحى مظهره بالثقة فاحترمه الجميع كما انه كان من اولئك الرجال الذين لايداجون ولايراءون بل يوجهون كلامهم الى الهدف مباشرة ولهذا ما كاد يصافح ماري ويأخذ مجلسه ازاءها حتى انشا يقول ( لقد عرض الوزير منصب الحاكم العام في البنغال في الهند فالحالة هنا متوترة ولايستطيع ان يلاقي الخطب سوى رجل خبير بتلك الاصقاع ) .
فاجابت ماري بصوت خفيض ..(ولاجرم انك اعتزمت الاضطلاع بالمسؤولية ) .
فاجابها ادغار قائلا وكيف اتردد والمنصب مطمح بصري منذ سنين ؟
بيد ان هناك امورا لامحيص عن بحثها معه لهذا ساتوجه الليلة الى (ميلانو) ومن ثم الى (كان) بالطائرة حيث اقضي يومين او ثلاثة ايام كما ان هناك مسالة خاصة يخلق بي العمل على تسويتها قبل رحيلي فقالت ماري .. (لشد ماسرتني هذه البشرى التي زففتها الي ) فرد عليها قائلا :(واعلمي عزيزتي ان هذا المنصب من اخطر المناصب وينبغي للمضطلع به ان تكون غايته خدمة الجميع بصدق واخلاص ونزاهة . ان تقلدي هذا الوظيفة يلقي على كاهلي اعباء ثقيلة لاقبل لي على تحملها وحدي فالقصر المخصص للحاكم فسيح يقتضي العيش المترف والخدم والحشم يعدون بالعشرات والحياة الاجتماعية مرفوضة علي فيه.
فادركت ماري من حديثه مايرمي اليه ولكنها اخلدت للصمت وشخصت اليه واتم ادغار كلامه قائلا: ولابد لي من زوجة تشاطرني واجباتي وتقاسمني اعبائي ومسؤولياتي فقالت ماري(ولامرية في ان الكثيرات من النساء الفاضلات يتشوقن الابصار الى مقاسمتك هذه النعمة ومشاركتك في هذا المجد الرفيع ) . فقال ادغار اصبت ولعلي لااتجاوز حدود الصراحة لو قلت لك باني منذ سنين لم اعجب الا بامراة واحدة شغلت بالي وحلت في قلبي وملات علي دنياي . تخضب وجه ماري ونكست طرفها ولم تقل شيئا واردف ادغار قائلا : (انت هي المراة التي عشقتك وانت في الخامسة عشرة من العمر وازددت بك تدلها وانت تتخطين السنين وتكبرين وتزهين وما برح هذا الحب يضطرم متاججا في فؤادي قالت ماري على رسلك ياادغار فكلامك من قبيل الهراء قال.. كلا، كلا انا لااهرف بما لااعرف انا اخبرتك بما في قلبي ويختمر منذ زمن في صدري فانت اجمل مخلوقة وقع عليها نظري . انت الانثى التي افعمت قلبي طيلة السنين المنصرمة بالحب والامل انني اكبرك بخمس وعشرين سنة انني صديق والدك الحميم ومع ذلك فلم يعقني فارق السن ولاصداقة الزميل والقرين عن الوقوع في هواك فهل ترضين بي زوجا ؟ هل تقترنين بي فاغدو لك عبدا وفيا ؟ نظرت ماري اليه بتمعن وتفكر واجابت: انت تعلم ياادغار شدة تعلقي بك وقد اوليتني من عطفك وحبك ما لاطاقة لي على وصفه مهما اوتيت من حسن الثناء وحذاقة في اللسان وتراني الان اكاد اخضع لتافه الغرور لاسيما وقد طلب يدي رجل اثير مشهور .
فرد عليها ادغار قائلا : هل افهم من كلامك معنى القبول ؟ وجف قلب

ماري واختلجت اهدابها وتولتها رعشة خفيفة سرت في دمائها وفكرت انه رجل ذو مروءة انجدها وقت المحنة ومد لها يده عندما استفحل البلاء وعم الشقاء وهو رغم تقدمه في السن ولايزال محتفظا بقوته وصحته ورواء منظره وله فوق ذلك من نفسه كل اعتزاز واباء.
ماذا يضيرها لو قبلت به ماذا ترغب من دنياهها اكثر من ان ترى نفسها قضية حاكم البنغال التي يحف بها الاعزاز والاكرام وتشخص اليها الابصار وتتبارى النساء قبل الرجال في خدمتها وكسب مودتها . وقالت ماري وهي ترنو الى وجهه الوسيم .. ( اظنك مسافرا عما قريب وستغيب ثلاثة ايام ؟ ) قال : ( نعم اني مسافر بعد ساعات ) قالت فهل يطاوعك قلبك على الاصطبار ؟ افي طوقك التريث والانتظار ؟ ان كنت كذلك فساعطيك كلمتي بعد عودتك .. قال: هذا عين العقل ولاعجب فالمراة متى ازف وقت الاختيار لامندوحة لها من الامعان في الفكر حتى نتنتهي الى نتيجة يكون لها في الخير والامان فنعما ابديت وسانتظر على مضض .
فتبسمت ماري واجابت : الا شكرا لك فقد اوليتني معروفا اخر وساعمل الراي في غيابك وابت في الامر عن روية لقد احسنت القول ياادغار واحسنت العمل لهذا تراني انهج نهجك وانسج على منوالك فالزم الاناة حتى آمن العثرات . نهض ادغار من مكانه مستئذنا من جارته ماري فانتصبت واقفة ومشت معه الى المكان الذي وقفت فيه سيارته ولما هم بالصعود اليها خاطبته قائلة: هل اتصلت بالاميرة واعتذرت لها عن تخلفك الليلة عن حفلتها ؟ قال اجل اني فعلت هذا وبلوت من غضبها مايهون ازاءه الترمض على نيران مشتعلة . اما انت فارجو منك ان تصحبي ( سيرو) الخادم لدى ذهابك الليلة الى المدينة . قالت ماري : كلا لن افعل هذا فقد اجزت له و(لنينا) الذهاب حيث يشاءان فقال ادغار ولكني اخاف عليك من اخطار الطريق وعليه فاني اذكرك بوعدك فقالت ماري وبما وعدت؟ قال : ان لا تفارقي المسدس الذي اعطيته لك فقالت ضاحكة ليفرخ روعك فلامدعاة لاي خوف فهز ادغار رأسه وقال موجها الحديث لسيرو لاتنس ياسيرو ان تذكر سيدتك بالاحتفاظ بالمسدس حين خروجها من البيت الليلة فاحنى راسه احتراما وقال: سمعا وطاعة ياسيدي وانطلقت سيارة ادغار في المنحدر وغابت في منعطفات الطريق ولبثت ماري واقفة في مكانها وهي تتبع السيارة المبتعدة في نظرها وتستعيد ماسمعته من كلام هذا الرجل الاريب الذي تعاظم قدره وتالق بين النجوم نجمه ومع ذلك فقد حركته رياح الحب والهيام .

 الصوت

 كاظم جبر الميزري
صوت ينبض بالماء
يخرج من طيات الباب
يا وجه تغضن أزهاراً
محراباً لآلهة مفقودة
يسافر في ارجاء اللوحة
ليهبط عاري الريش والكفين
يتسلق وهماً ورقياًًَ
يطلع من عين الرمل
جمجمة تحتل الصورة
تقعد ما بين البذرة وبين الماء
تقضم أوراق الفجر
حيث النار تنيناً للحطب
غطى النازف جرحه
حمل الحزن حقيبته
فغادره الخوف
مملوءاً بالدهشة
تتبعه كل خطاياه

رغبــــــات 

 جاسم زبون الشويلي
(1)
رغبة فوق سطح الحرب
تحيل سحاب القيظ
سيولاً سكرى
فتقطع خيول الشعر
مسافات من السغب
نحو
شذا الجنوب
فتولد قطعة واحدة
أوه ( قرصة خبز ) حارة جداً
التهمها
حتى يحترق لسان العراق
يا ماء .. يا ماء
فأرى النهرين يودعان
يلتهمان وجهي بظهريهما
انها
رغبتهما !
(2)
رغبة تعصر التراب
بقبضة الخوف
والتيه
على أرصفة الحلاج
أو
على مرقد تنور ما
هي .. لا غيرها الأزمنة
تأكل فتات أصابعي
وهم ينظرون
يبتسمون
وعشق الحلاج
يطير
يطير بلا أجنحة
ويسقط نسرهم
انه
بلا
عشق
(3)
رغبة تنسج خيوط العنكبوت
على جدران عيوني
أبصق دخاناً
على شرفاتهم
الثم أطراف هواي
كفى سخافات
كفى جهالة
كفى وثنية
أو كفارة ذنوبا
يا احذية أهلي
اني بصقت روحي
على روحي
وشنقت رئتي
بقماط طفولتي
حتى
لا استودعكم الله !
(4)
رغبة
يريدون معرفته
فتنبثق الارض فراغاً
يعتقون أجنحتهم
حتى مساء الحروف
ودخان المقهى
يشربهم
انهم يريدون معرفته
يسقط قدحاً
يسقط بيتاً من الشعر
يسقط جداراً
انهم يضحكون
هناك أو هنا
يسقط وطناً
آه
انهم يسقطون
(5)
رغبة
القف تفاحة آدم
اقضمها باسنان ( أنا )
اعدمها بحبل ( أنت )
اردمها بتراب ( أنتم )
أعرف أن غطائي عندكم
لكن
أجهل أن هواي يكبر
يحوك قماطه بانفاسه
أو
حتى ( بعطسة )
رغم شموخكم
اني افرش فراشاتي لافتة
فوق اعمدة الماء
فلتعطس قبوركم
أو
قصوركم
فلا رحمكم الله!

 من الماضي الى المستقبل مباشرة في أول فيلم روائي طويل لفيليب عرقتنجي (البوسطة) حين تحولت من رمز للحرب الى عنوان للفن والحياة

 البوسطة في الذاكرة الشعبية اللبنانية، كلمة موشحة بالسواد، تعيدنا سنوات الى الوراء وتحديداً الى شهر نيسان (أبريل) من عام 1975 في منطقة عين الرمانة حيث اشتعلت الشرارة الاولى للحرب. أما بوسطة فيليب عرقتنجي ففيلم سينمائي مئة في المئة لبناني - كما يقول صاحبه - أبصر النور منذ أيام، ويبدأ عروضه التجارية في اوائل الشهر المقبل.
وبين "بوسطة" عين الرمانة و"بوسطة" فيليب عرقتنجي فرق كبير. الاولى دخلت التاريخ وباتت رمزاً للقتل والدمار والتشريد، أما الثانية فما هي إلا تحية للحياة...
والبديهي، ان اختيار عرقتنجي "البوسطة" لم يكن بريئاً، أو عشوائياً... فهو، إذ تعمد أن تكون عنوان فيلمه الروائي الطويل الاول، أراد من خلال هذا العمل أن يدمل جراح الماضي وصولاً الى مصالحة حقيقية مع الذات، مع الأجيال (جيل الآباء وجيل الاولاد) مع الوطن الام، من دون العودة الى الحرب مجدداً بعد ان عالجها في أفلام وثائقية عدة.
إذن، بيروت ما بعد الحرب هي الإطار الزمني لهذا الفيلم، ومع هذا لم تغب بيروت الحرب عنه إطلاقاً، حتى وإن لم نشاهد مظاهر القتل والدمار والخراب، او نسمع صراخ الأطفال ودوي القذائف والانفجارات، إلا في مشهد او اثنين عاد بهما المخرج الى صور الماضي الاليم. (مدرسة عاليه النموذجية بعدما أضحت خربة نتيجة القصف، سيارة الإسعاف تنقل بطل الفيلم إثر انفجار عبوة ناسفة.
أكثر من هذا، تسيطر بيروت الحرب على كيان كمال (بطل الفيلم) بالكامل، فتظهر جلياً في ضياعه، وشكوكه وخوفه.. وأيضاً في جراحه الجسدية والنفسية. من دون ان يعني هذا اننا امام فيلم عن الحرب.
رحـــــلـــــة
15 سنة قضاها بطلنا (أدى دوره رودني الحداد ببراعة تامة) في المهجر في فرنسا هرباً من حرب لم ترحم أحداً، إذ لم تكتف بإعاقته جسدياً وتشريده بل اغتالت أيضاً أكثر من يحب، والده. العودة الى الوطن لن تكون سهلة خصوصاً لما تكتنزه من ذكريات فيها الحلو والمرّ. لكن لا بد من هذه الخطوة، خصوصاً أن حبيبته عليا (أدت دورها نادين لبكي) في انتظاره. هدف واحد يضعه كمال نصب عينيه بعد العودة: لمَ لا يعيد إحياء فرقة الدبكة التي انشأها وزملاؤه في صفوف الدراسة في مدرسة عاليه النموذجية؟ وهكذا كان.
رحلة نحو المستقبل، مستقبل هؤلاء الشبان... توازيها رحلة الى الماضي، الى الذكريات الأليمة، يقودها كمال ومجموعة الأصحاب باندفاع شديد، بعد أن يلموا الشمل من جديد، ويتبعوا طموحاتهم.
طريق المجد كالعادة، لن تكون مفروشة بالورود. وعلى هذا النحو يواجه أبطالنا الصدمة تلو الصدمة. بداية، يتم استبعادهم من مهرجان عنجر للدبكة بحجة أنهم يلحقون الضرر بالمثال الثقافي الوحيد المتبقي، بإدخالهم موسيقي غربية على التراث والفولكلور اللبناني، وابتكارهم الدبكة الإلكترونية، وصولاً الى تشتت الفريق بين مؤيد للدبكة المتجددة ومحافظ على الاصالة والتراث، ليحسم الامر، ويقرر الأصدقاء السير قدماً بلا أية مخاوف - حتى ولم يقتنع الكل -، والتنقل بين المناطق اللبنانية لتقديم عروضهم. ولهذه الغاية ينبشون "بوسطة" المدرسة القديمة، ينفضون عنها الغبار، يطلونها بألوان زاهية، وينطلقون.
اين المصفقون
وهنا تبدأ رحلة الشباب الى العالم الجديد، الى عالم الدبكة الالكترونية... دبكة لن يتقبلها الجمهور على الفور، من هنا لم يكن غريباً ألا يجد أبطالنا من يصفق لهم في راشيا، حيث استدعوا لعرض على هامش حفلة أقيمت لصباح، وظهرت الشحرورة في هذه اللقطة من الفيلم بكامل إشراقها... من دون أن نفهم كيف انقلب الجمهور 180 درجة حين انهى الشبان عرضهم وخرجوا الى الشارع فاستقبلوهم بكل ترحاب. بعد راشيا، كرّت سبحة العروض، في بعلبك وجونية وصولاً الى عنجر... وفي كل محطة تكشف لنا "بوسطة" عرقتنجي عينات من المشاكل التي يعاني منها مجتمعنا، من الخيانة الزوجية، الى صعوبة الحب الذي يربط اثنين من ديانتين مختلفتين، وصولاً الى المثلية الجنسية، وسواها من المشكلات التي مرّ عليها عرقتنجي مرور الكرام، لأنه، كما يبدو، لم يشأ لفيلمه أن يعالجها بقدر ما اراد منه أن يكون فيلماً استعراضياً يجمع الموسيقى والرقص والفرح وحب الحياة. وفي هذا الإطار نجح المخرج في مسعاه هذا، خصوصاً من خلال اللوحات الراقصة، والموسيقى والألوان الزاهية النابضة بالحياة، ما وضعنا امام عمل بصري بامتياز، أكثر من أي شيء آخر.

معرض ضخم حول الكآبة في (القصر الكبير) ... المزاج الأسود مصدراً للعبقرية والجنون في الغرب 

 مع أن عبارة Mélancolia لم تعد تعني اليوم إلا حالة معينة من الحزن أو الكآبة، إلا أنها تشكّل في الحقيقة موضوعاً يلازم كل تاريخ الغرب، منذ العصر القديم وحتى يومنا هذا. ونجده بلا انقطاع تحت تسميات وأشكال مختلفة هدفاً لدراسات طبية أو فلسفية ومصدراً للوحي لا ينضب لدى الكتّاب والفنانين. وعلى رغم طابعه الأخّاذ نظراً لربطه الجنون بالعبقرية، لم يُخصص لهذا الموضوع أي معرض ضخم يليق بأهميته الكبيرة، مع أن مؤرخي الفن هم أوائل الباحثين الذين اهتموا من قرب به انطلاقاً من دراستهم للتمثيلات الصورية الكثيرة التي خُصصت له على مدى التاريخ.
ولعل وسع هذه المسألة بالتحديد وتعقيدها هما من الأسباب الرئيسة التي أحبطت أي مشروع في هذا الاتجاه. فكيف يمكن تنظيم معرض واحد حول عبارة تحمل في طياتها معاني مختلفة كالغضب والوهن والكآبة والسأم والحزن الرومانسي والاكتئاب في المعنى الطبي، وتتطلّب بالتالي سنوات عدة من الأبحاث في ميادين مختلفة كالفلسفة والأدب والفن وطب الأمراض العقلية وعلم التحليل النفسي؟ الجواب في "القصر الكبير" (باريس) الذي يستقبل حالياً في أرجائه معرضاً ضخماً يمنحنا فرصة فريدة لمقاربة الكآبة في جوانبها كافة وللتأمّل في عدد كبير من تمثيلاتها الصورية. ولتسهيل مسار الزائر، تم تقسيم المعرض إلى ثماني صالات وفقاً لتطور معنى الكآبة على مر التاريخ وطريقة النظر إليها.
الصالة الأولى من المعرض خُصصت لتمثيلات الكآبة في الحضارة الإغريقية. وتسمح لنا القطع والنصوص الموجودة فيها في متابعة تطوّر دراسة الطباع لدى أرسطو وتلاميذه والتي أدت في مرحلة لاحقة إلى تحديد الطابع الكئيب، وفي التوقف عند تساؤل اليونانيين حول العلاقة القائمة بين العبقرية والكآبة. فالإلياذة هي قبل أي شيء تاريخ غضب أشيل وألمه العميق. والأوديسة هي أولاً شهادة على سقام أوليس وحنينه إلى رفاقه وزوجته. ويكفي التأمل في مصير أوديب وأورست وسيزيف وأنتيغون وجوكاست وميديه وبينيلوب وسواهم من الشخصيات الأسطورية الإغريقية للإذعان إلى حقيقة أن الشقاء هو جزء جوهري من الوضع البشري. ونشاهد في هذه الصالة نعوشاً ومسلات وأواني نُقشت عليها مشاهد الألم والتعاسة.
كآبة الانطواء
وتنتقل الصالة الثانية بنا إلى تمثيلات الكآبة في القرون الوسطى حين نظر إليها كمرض خاص بالرهبان المتنسّكين وتعزى إلى الشيطان والأفكار الشريرة. لكنها في الحقيقة ناتجة عن ظروف العيش القاسية في الأديرة. وفي مصر وسورية حيث الصوامع وثقافة التقشّف والعزلة، انتشر هذا النوع من الكآبة الذي سيُعرف تحت تسمية "آسيديا" في كل أوروبا ويطال ليس فقط الرهبان ولكن أيضاً كل مؤمن يرغب في خلاص نفسه، حتى مجيء حركة الإصلاح البروتستانتية التي ستعتبر هذه الحالة كسلاً لا مبرر له، وبالتالي خطيئة عظيمة. وسيُحقّر الشاعر دانتي المصابين بهذا "الداء" فيصفهم بالمتمتمين الذين يعلوهم الوحل. أما بترارك فيعتبر هذا الشعور الذي ينخره حقداً على الوضع البشري.
الصالة الثالثة من المعرض تقارب تمثيلات الكآبة خلال عصر النهضة في أوروبا. وفي هذه الحقبة تم ربط الطباع الأربعة بعدد من الكواكب انطلاقاً من نصوص عربية تعود إلى القرن التاسع. وعلى هذا الأساس، تقع الكآبة تحت تأثير كوكب زُحل. وأعيد اعتبار هذا المزاج ودوره الإيجابي في منح الإنسان الكئيب قدرات فكرية تذهب إلى حد العبقرية. فداخل النخبة الفكرية في فلورنسا، شكّل هذا الطبع علامة على نبوغ صاحبه ووضع المبدِع والعبقري والبطل تحت شعار كوكب زُحل. وفي الوقت ذاته، أعيد تأهيل الفكرة المعروفة منذ أرسطو والتي تقول إن الكآبة ثنائية القطب. وتمتلئ هذه الصالة بلوحات لألبرخت ديورر، بينها لوحة "الكآبة" الشهيرة، وجان دوفي وجورج رايش وفيرجيل سوليس ومايكل أنجلو وسواهم...
الصالة الرابعة من المعرض تهتم بإبراز تمثيلات الكآبة في العصر الكلاسيكي. والمثير في هذه الحقبة هو اعتبار المزاج الأسود في إنكلترا مرضاً قومياً، ومدمّراً أخلاقياً (نظراً إلى الجرائم التي يسببها) ومثمراً أدبياً. وبفضل كتاب روبرت بورتون حول هذا الموضوع وقد عرف شهرة واسعة في أوروبا، تصبح السويداء (السوداء يسمّيها العرب) صفة موجودة في كل شخص. وفي الفترة ذاتها، يُنظر إلى الكآبة في أسبانيا كقاعدة مزاجية سليمة وراقية وكطابع قومي أيضاً، كما يشهد عليه الأسلوب القاتم للفنان كارافاجيو ورواية "دون كيشوت" للكاتب سيرفانتيس. ولأن أسبانيا كانت آنذاك العدو اللدود لفرنسا، حاول الفرنسيون محاربة الكآبة والظهور في حلة أخرى كي لا نقول معاكسة. وانطلق في فرنسا تيار فكري كبير غايته استبدال الكآبة ونماذجها الأدبية والفنية والاجتماعية بالغبطة والرقة السعيدة والفكاهة. ويشهد على ذلك رواية أُنوري دورفي الرعوية التي عرفت طبعات عدة بين عامَي 1607 و1629، ومسرحيات كورناي وموليير وجزء من كتابات ديكارت. لكن ذلك لن يمنع راسين من كتابة مسرحياته المأسوية والفيلسوف باسكال من الذهاب في تحليله للملل إلى حد مرعب.
الصالة الخامسة من المعرض تنتقل بنا إلى تمثيلات الكآبة في عصر "الأنوار". وخلال هذه الحقبة (القرن الثامن عشر) يتجاوز الميدان الدلالي لعبارة "كآبة" حقلي الطب والفلسفة ليشمل حقل العواطف. ففي فرنسا حيث تمت تصفية هذا المزاج في شكل كبير، نلاحظ عودته تحت شعار "الكآبة الرقيقة"، كما تشهد عليه لوحات جان أنطوان واتو وجوزيف ماري فيان وإتيان موريس فالكوني. وهذا ما أخرج الكآبة من دائرة المزاج أو العقل ويجعل منها مسألة عاطفية بحتة. وعام 1765 ذهب الكاتب ديدرو في هذا الاتجاه لدى تعريفه بالكآبة في الجزء العاشر من "الموسوعة"، مركزاً على بعدها التأمّلي والعاطفي: "إنها الشعور المألوف بنقصنا. تنبع من فكرة الكمال الذي لا نعثر عليه لا فينا ولا في الآخرين ولا في الطبيعة: تُسرّ بالتأمل الذي يُنشّط قوى النفس ويلطّف الشعور بالوجود (...)". ولكن عند نهاية القرن الثامن عشر، تنكفئ هذه النظرة الرقيقة لمصلحة تمثيلات تعيسة وقاتمة نظراً إلى عودة "المرض الإنكليزي" بقوة وتوجه الفرنسيين إرادياً في اتجاهه، كما تشهد عليه لوحات كوستانس شاربانتيي وفرنسوا أندريه فانسان وجاك لوي دافيد. وإلى جانب هذه اللوحات، نشاهد في هذه الصالة أعمالاً لفنانين أوروبيين كبار مثل فرانسيسكو غويا وجوهان فوسلي.
التيار الرومانسي
في الصالة السادسة من المعرض نشاهد تمثيلات الكآبة داخل التيار الرومانسي. وفيها نتوقف أولاً عند شاتوبريان وشخصية "روينه" التي ابتكرها والتي تُشكّل النموذج المثالي للكآبة من معناها الحديث. وفعلاً يُعتبر هذا الأديب مؤسس "مدرسة" الكآبة الكبرى التي ينتمي إليها ألفريد دو فينيي وتيوفيل غوتييه وبودلير وفلوبير ومالارميه وويسمانس. لكن أشكال هذه الكآبة تبدلت على مر السنين. ويتحول "داء العصر" الذي سيطلقه شاتوبريان إلى سأمٍ (spleen) مع بودلير وإلى اكتئاب نفسي وجسدي مع فلوبير وويسمانس. وسيُوجِّه عدم الرضى عن هذا العالم الأنظار نحو الفضاءات اللامتناهية، كما في لوحات كاسبار فريدريش، أو نحو الارتعاش النابع من الغموض أو الخوف، كما في لوحات آرنولد بوكلين وغويا. والجمال المثالي الوحيد الذي لقي الاستحسان هو جمال الشيطان. ومصدر هذه الفكرة كتاب ميلتون "الفردوس الضائع" الذي يضع الكاتب فيه الشيطان في وسط الخليقة ممجداً تمرده ومعظماً قدرة الإنسان على الخطيئة ومن ثم على التوبة بواسطة فعل الإبداع. ووفقاً لبودلير، الفنان الكبير هو حتماً فنان كئيب. ويستشهد الشاعر في هذا السياق بلوحات دولاكروا وروبان ورامبرانت وغويا. أما فلوبير فيمنحنا نموذجين عن طبيعة الكآبة المنتشرة آنذاك بروايتيه العظيمتين:"تجارب القديس أنطونيوس" و"مدام بوفاري"، ويحدد نتائج هذه الكآبة المأسوية: القديس ينتهي مجنوناً وإيمّا بوفاري تنتحر. وعلى خلاف شاتوبريان الذي كان يستمد طاقته الكبيرة من الكآبة، يُمثّل فلوبير نموذج المكتئب الذي لا طاقة له ولا قدرة جسدية حتى على الانتحار.
تطبيع الكآبة
الصالة السابعة من المعرض مخصصة لعملية تطبيع الكآبة ومقاربتها كمرض عقلي أو نفسي خلال القرن التاسع عشر. وتمتلئ هذه الصالة بالأبحاث والمقالات العلمية التي تجهد في وصف مرض الاكتئاب وتحليل أسبابه وسُبُل معالجته. والمثير هو أن معظم هذه الأبحاث تضع الكآبة في علاقة مباشرة مع تطور الحضارة والقدرات العقلية. فكلما كان الذكاء متطوراً كبرت احتمالات مرض الاكتئاب. وتكمن أهمية هذه الأبحاث أيضاً في عدم إهمالها مسألة انبثاق هذا المرض في ثقافات معيّنة، غربية في معظمها، وتطوّره خارج الإطار المرضي، في الفلسفة والفن.

 هل تتحول الدراما السورية صناعة ؟

 أنتجت سورية نحو 25 مسلسلاً تلفزيونياً عرضت على الفضائيات العربية في شهر رمضان الاخير، وعلى رغم تباين مستوى هذه الأعمال وتسجيل ملاحظات مهمة على بعضها، فإنها سجلت، وتحديداً في أربعة الى خمسة أعمال، أعلى نسب مشاهدة عربياً، كما أشارت الى ذلك استبيانات أجريت في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتحليلات متخصصين مصريين انتقدوا تراجع الأعمال المصرية هذا العام فضلاً عما أوردته صحف ومحطات خليجية عالجت الدراما السورية من زوايا مختلفة.ان نجاح الأعمال الدرامية السورية وملامستها مواضيع جديدة ومبتكرة أو قديمة برؤى جديدة فضلاً عن التمكن من تسويقها بالمعنى التجاري في ظل ازدياد الإقبال عليها عاماً بعد آخر، بات يطرح مهمات وآفاق واسعة وواجبات جديدة على قطاع الإنتاج السوري عبر شركاته الخاصة والعامة تتجاوز منطق العمل السريع قبل أشهر قليلة من رمضان سعياً لأكبر نسبة بيع وربح مضاعف عن بقية أشهر العام. اليوم تضخ بعض الشركات السورية نحو 3 الى 4 ملايين دولار في الأعمال الكبيرة وهناك مئات من الممثلين والكومبارس والعناصر الفنية الرفيعة في التصوير والإخراج والإضاءة والماكياج. وهذه عناصر تشكل في مجملها أرضية صلبة لإطلاق صناعة دراما فعلية يصبح الإنتاج الرمضاني جزءاً منها وليس أساسها على رغم قول البعض إن الظاهرة ترتبط أيضاً بموسم يفرضه المعلنون والفضائيات.
من الواضح أن الدراما السورية تجاوزت ما يسمى طفرات الإنتاج التي لم تعد منسجمة مع حضور ما بين 30 إلى 40 عملاً سنوياً طوال الأعوام الخمسة الماضية وتأكيد المخضرمين في هذا الحقل القدرة على إنتاج نحو 60 عملاً في السنة بالسوية ذاتها وإمكانية التسويق بالطبع. وتؤكد تلك المعطيات إمكانية تحول الدراما السورية بالفعل الى صناعة لها مقوماتها ومتطلباتها من استوديوات ومعدات متطورة ومعاهد لتدريب كادر تقني في الصوت والإضاءة والماكياج. وبعض الخبراء وأكثرهم من العاملين في التمثيل، يطرحون أفكاراً جريئة تتناول خصوصاً إيجاد مؤسسات أكاديمية متخصصة بخلق كوادر وفنيين وعدم الاقتصار على قسم التمثيل ضمن المعهد العالي للعلوم المسرحية وتفعيل دور النقابة لجهة وضع قوائم بالنصوص المتوافرة كي يطلع المنتجون عليها ويختارون ما يناسبهم لإنتاجها بدل الإقدام على إنتاج أعمال متشابهة ومتضاربة بين شركتين لا تبعدان عن بعضهما أكثر من بضعة كيلومترات وتتسع قائمة الافكار الطموحة التي يطرحها الفنانون ممثلين ومخرجين خصوصاً لتصب في النهاية ضمن هذا الهدف الابداعي والاقتصادي في آن واحد.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم 2005

Iraq designer  : nana20042005@hotmail.com