النيجيري كن سارو - ويو ا في ذكراه العاشرة ... كاتب قاده احتجاجه إلـى الإعدام 

 مودي بيطار
تحتفل بريطانيا وكندا والولايات المتحدة الأميركية بالذكرى العاشرة لإعدام الكاتب النيجيري كن سارو - ويوا الذي شنق في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1995. في لندن تنظم أمسية قراءة من كتب سارو - ويوا، وندوة يشارك فيها الكاتب الحائز على نوبل الأدب وول سويينكا وتظاهرة أمام مقر شركة شل التي يتهمها نجل سارو - ويوا بالتحريض على عقابه.
قصد كن ويوا، نجل الكاتب، نيوزيلاندا في خريف 1995 في محاولة للتأثير على رؤساء دول الكومنولث الذين عقدوا اجتماعهم في العاصمة اوكلاند. سعى الى تدخل هؤلاء لنقض حكم الإعدام الصادر في حق والده في نيجيريا. استدار عندما وصل الى آخر الشارع ليرى الغروب الذي نشر وهجـــاً برتقاليـــاً شاحباً في السماء. أتذكر اللحظة التي مات فيها بالضبط. جلست مع أصدقاء في مطعم نتحدث ونضحك عندما شعرت بارتجاف عابر في صدري. بدا كأن رابطاً حيوياً انقطع وعرفت. كان منتصف الليل في أوكلاند ومنتصف النهار في نيجيريا، وكان والدي شنق للتو وسجي جسده المكسور في حفرة رمل سطحية في أحد أكواخ مبنى السجناء المدانين في سجن بورت هاركورت. طالع كن ويوا تصريحات غاضبة لملكة بريطانيا ورئيس وزرائها ونلسون مانديلا وبيل كلينتون، ولئن علقت عضوية نيجيريا في منظمة الكومنولث وسحب السفراء منها لم تفرض عقوبات عليها أو تقاطع شركة شل التي ناضل الكاتب ضدها.
كان كن سارو - ويوا في الرابعة والخمسين عندما أعدم بعد احتجاج دام ثلاثة عقود على شركات النفط. نشأ في منطقة اوغوني الغنية بالنفط، وبدأ يكتب رسائل الى الصحف منذ كان في السابعة عشرة حول فوائده للمنطقة والبلاد. حفر في أوغوني مئة بئر نفط وبني مجمع للصناعات البتروكيماوية لكن موارد نيجيريا الطبيعية أفقرت أهل أوغوني بدلاً من أن تحولها دولة غنية مثل دول الخليج وفق سارو - ويوا. أكدت شركات النفط حرصها على سلامة البيئة في الغرب، لكن أهل أوغوني لم يستأهلوا المعاملة نفسها. أطلق الغاز الطبيعي في فضاء نيجيريا أربعين عاماً وهو يضخ الدخان السام، وأريقت بقع النفط ومدت أنابيب النفط التي قطعت مزارع أوغوني بالقرب من مساكن أهلها. لم تستشر السلطة أو شركة شل هؤلاء قبل مد الأنابيب في أراضيهم وعوض عليهم بمبالغ ضئيلة على أن قلة تجرأت على الاعتراض الى أن أتى المراهق الذي حلم بأن يكون كاتباً ثم أهمل الكتابة ليكون ضمير مواطنيه. في 1990 ساهم في تأسيس موسوب أو الحركة من أجل بقاء أهل أوغوني ونجحت هذه بعد ثلاثة أعوام في تنظيم تظاهرة شارك فيها ثلاثمئة ألف شخص. لو مات في ذلك اليوم، قال سارو – ويوا، كان مات رجلاً سعيداً، لكنه بات رجلاً مغضوباً عليه. اعتقل أربع مرات، وفي المرة الخامسة والأخيرة دام اعتقاله من دون تهمة تسعة أشهر الى ان اتهم بتحريض أنصاره على قتل أربعة زعماء قبائل. تحولت المحاكمة قضية دولية واتهمت نيجيريا بتلفيق التهمة للتخلص من الكاتب، لكنه لا يزال مجرماً حتى اليوم في نظر القانون على رغم إصدار الأمم المتحدة قراراً طالب بإعادة فتح ملف المحاكمة. سمح الرئيس النيجيري الحالي أوبا سانجو لأسرة سارو – ويوا باستعادة رفاته ودفنها في جناز لائق لكن عملية إعادة الاعتبار إليه لا تزال بطيئة. أقامت الأسرة التي تضم سبعة أولاد دعوى على شركة شل في الولايات المتحدة، لكن هذه تنفي أي دور لها في إعدام الكاتب أو التسبب بمخاطر بيئية في أوغوني وإن اعترفت بارتكاب أخطاء في نيجيريا.
يبدأ عرض فيلم البستاني السري الذي استوحاه الكاتب البريطاني جون لو كاريه من حياة سارو – ويوا وموته في اليوم التالي لذكرى إعدامه. وتنظم ثلاثون جمعية بن للكتاب تلاوات وعروضاً لمسرحيته الأخيرة عن موت كن سارو – ويوا التي كتبها قبل إعدامه بأيام. الكونغرس في الولايات المتحدة الأميركية يبحث في إصدار قرار عن الكاتب النيجري، ومسابقة النصب الحي تعلن عن الفائز بها في لندن الخميس 10 تشرين الثاني (نوفمبر). استوحيت فكرة النصب الحي التي تكرم المناضلين بتمثال من قول الكاتب التشيكي ميلان كونديرا ان نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان. وسارو – ويوا هو الافريقي الثاني بعد نلسون مانديلا الذي يحظى بالتكريم.
أراد سارو – ويوا ثقافة متينة لأولاده السبعة وأرسل بكره كن ويوا الى مدرسة وجامعة خاصتين في انكلترا لكي يخدم بلاده بمعرفة متقدمة عند عودته. لم تكن لدي فكرة حقيقية عمن أنا وماذا أردت أن أفعل بحياتي والمكان الذي رغبت في تطبيق معرفتي الباهظة فيه قال كن ويوا. يوم إعدام والده أدرك فوراً ما عليه فعله. نقل أسرته من كندا الى انكلترا وذهب الى بورت هاركورت ليعمل في مكتب والده وصياً على أعماله. ليست لديه فكرة عن عدد مؤلفات والده لكن هذا ذكر يوماً انه أصدر خمسة وعشرين كتاباً في المسرح والمذكرات والمقال والقصة والرواية. يذكر ان والده نظر يوماً من النافذة الى الشارع: انظر. هناك في الخارج كل القصص التي يحتاج الكاتب اليها. لم يحقق طموحه بالتفرغ للقلم، لكن موته كان أكبر قصة كتبها وفق ولده.

 (ترويلوس وكريسيدا) لشكسبير: لماذا تسكت المناضلات النسويات؟

 ابراهيم العريس
لم يكتف شكسبير، طبعاً، بالتأريخ لملوك الانكليز في العدد الاكبر من مسرحياته المصنفة مسرحيات تاريخية بل نراه يغوص ايضاً في التاريخ الروماني من خلال اربع مسرحيات على الاقل تعتبر من اشهر اعماله. اما التاريخ الأقدم من تاريخ روما وامبراطوريتها وأباطرتها، فقد دنا شكسبير منه ايضاً، وان عبر عدد اقل من الاعمال... ولعل الاشهر في هذا الاطار، مسرحيته عن حروب طروادة ترويلوس وكريسيدا، التي كتبها شاعر الانكليز الاكبر بين العامين 1598 و1603، مضيفاً اليها معدلاً فيها، مرة بعد مرة، كما لو انه لم يكن واثقاً منها تماماً.
واذا كانت هذه المسرحية تغيب عادة عن الاذهان لكونها، الى حد ما، على حدة بين اعمال شكسبير التاريخية، فإن الباحث البولندي يان كوث، الذي وضع افضل كتاب وُضع عن شكبير في القرن العشرين (وهو طبعاً شكسبير معاصرنا) تعمد ان يعيد الاعتبار الى هذه المسرحية ومن الباب العريض... اذ ها هو منذ الصفحات الاولى لكتابه يحدثنا، بين امور اخرى تتعلق بالمسرحية، عن شخصية كريسيدا على النحو الآتي:
كريسيدا هي من اشد شخصيات شكسبير اذهالاً. ولعلها مذهلة بقدر ما يبدو لنا هاملت مذهلاً. وهي كهاملت ذات اوجه متعددة... لا يمكن تحديدها او تعريفها بمعادلة واحدة. ربما كانت كريسيدا في الثامنة او العاشرة او حتى في الثانية عشرة حين بدأت الحرب (حرب طروادة). وربما كان هذا هو السبب في ان الحرب تبدو لها امراً عادياً، سوياً، حتى لتكاد لا تراها ولا تتحدث عنها ابداً. لم تُمَسّ كريسيدا حتى الآن، ولكنها تعرف كل شيء عن الحب، وعن ممارسة الحب مع الرجال... او انها – على الاقل – تعتقد انها تعرف كل شيء. وهي في جوانيتها حرة واعية وجريئة. وهي تنتمي الى عصر النهضة، غير بأنها ايضاً تبدو من نوع نساء ستندال، اختاً توأماً للامييل، كما انها مراهقة من مراهقات القرن العشرين. تسخر من كل شيء، او انها في طريقها الى ان تسخر من كل شيء. لقد رأت اموراً كثيرة... رأت كل شيء تقريباً. انها تشعر بالمرارة وتشاهد المفارقات. لاهبة العاطفة، لكنها تخشى عاطفتها وتخجل من الاعتراف بها. انها، اكثر من ذلك، تخاف المشاعر. ولا تثق بنفسها. هي، اذاً، معاصرتنا بسبب ما يلم بها من انعدام ثقة، وتحفظ وحاجة الى تحليل الذات باستمرار... وبسبب قدرتها على الدفاع عن نفسها بسخرية.
اذاً، كريسيدا الشكسبيرية هذه هي، في رأي يان كوت، معاصرة لنا بقدر ما يبدو هاملت معاصراً لنا... بل هي في داخلنا بقدر ما يحتل هاملت جوانيتنا. فمن هي كريسيدا التي لم تنل، مع هذا، الشهرة التي نالها هاملت على مر العصور؟ وما موقعها من الحروب الطروادية؟ انها، باختصار، صاحبة حكاية يموضعها شكسبير داخل الاطار الواسع للحروب الطروادية، وذلك في اقتباس مباشر من قصيدة للشارع بنوا دي سانت مور، كتبت في العام 1165. ولقد كتب هذا الشعر الجوال قصيدته، من دون ان يذكر هوميروس بين مراجعه، ليصف فيها اسطورة طروادة، وازدهارها وانحدارها... ومن خلال ذلك حكاية كريسيدا وترويلوس. وتبدأ المسرحية الشكسبيرية، عند اواسط تلك الاحداث، خلال فترة من الهدنة اجتمع خلالها جنرالات اليونان المحاصرين مدينة طروادة، ليتناقشوا بصدد استراتيجية ما بعد الهدنة. وهنا يبدو آغاممنون منزعجاً من الفرقة داخل الصفوف اليونانية، وهي فرقة ناتجة في رأيه عن غياب الاخلاق لدى الزعماء. فآشيل متكبر وكسول وأجاكس سريع الغضب لجوج يصغي كثيراً لنصائح خادمه ثرسيتيس. وهنا ينبري هكتور ابن ملك طروادة لرمي قفاز التحدي في وجه أي يوناني يجرؤ على مجابهته منفرداً. واذ يبدو ان التحدي موجه الى آشيل مباشرة، تقع القرعة لمنازلة هكتور على اجاكس الذي يشعر بأنه ان خاض هو التحدي ستكون في ذلك اهانة الى منافسه آشيل. ويقرر هذا الاخير ألا يشهد المبارزة في اليوم التالي. وفي اثناء ذلك يكون هكتور قد اعلن رفضه عرض الهدنة الذي قدمه اليونانيون. ومن ناحية ثانية سنكتشف هنا ان الحب قد اشتعل بين ترويلوس، الابن الثاني لبريام ملك طروادة، أي الشقيق الاصغر لهكتور وباريس، وبين كريسيدا ابنة الكاهن الطروادي الذي كان قد انضم الى اليونانيين. وكان عم كريسيدا بانداروس قد رتب لقاء بين العاشقين. ويقسم ترويلوس وكريسيدا على الوفاء وعلى الحب الى الأبد... ومع هذا فإن كالخاس، والد كريسيدا كان قد حصل على اسير طروادي ها هو الآن يبادله مع ابنته التي كانت محاصرة داخل طروادة... وهكذا تقاد كريسيدا الى داخل معسكر اليونان في وقت كان فيه القتال بين هكتور وأجاكس قد انتهى بفعل رفض هكتور إلحاق أي اذى بأجاكس. وهنا يحتفل الطرواديون واليونان معاً... ولكن يقال لترويلوس ان المدعو ديوميدس مغرم بكريسيدا... ومن موقع خفي يراقب الاحداث منه يخيل الى ترويلوس حقاً، ان كريسيدا باتت تبادل عاشقها الجديد حباً بحب. وهكذا في اليوم التالي، خلال مناوشات قتالية تحدث بين الفريقين يسعى ترويلوس للعثور على غريمه لقتله، لكنه لا يوفق في ذلك، فيما تستقر الصراعات وقد اضحت الآن فردية بعض الشيء وهي تنتهي بمجموعة من الميتات، حيث يموت هكتور على يد آشيل وما الى ذلك.
من الواضح لمن تابع حكايات وتفاصيل الحروب الطروادية... وكذلك لمن قرأ كل الادب الذي كتب عن اختلاط الحب بالحرب خلال تلك الحقبة المدهشة من التاريخ القديم، ان شكسبير لم يلتزم ابداً بالحقائق التاريخية، بل انه – وكما دأبه دائماً – استخدم التاريخ وشخصياته وأحداثه كمادة اولى يصنع منها موضوعه... اما موضوع شكسبير نفسه فإنه اعتبر دائماً معقداً وصعباً على التفسير، خصوصاً ان الاساس فيه، نظرياً، وهو حكاية الغرام بين ترويلوس وكريسيدا، لا يعود هو المحور. فالعاشقان لم يمضيا معاً سوى ليلة واحدة... اما الباقي فتشعبات تتعلق بالكثير من الشخصيات الاخرى. ومع هذا تمكن صاحب هاملت و عطيل من ان يحمل شخصية كريسيدا عدداً كبيراً من الاشكالات. وكان هذا التحميل، بالطبع هو ما حدا بيان كوت الى ان يقيم التقابل بل التشابه بين كريسيدا وهاملت. لكنه لم يكن الوحيد الذي فسر الامور على هذا النحو، اذ نعرف ان كل دارسي شكسبير اعتبروا كريسيدا شخصية غامضة مثيرة للأسئلة. وهي، في مسرحية شكسبير، غيرها في حكاية طروادة حيث كانت مجرد صبية فاتنة، وغيرها حتى في القصيدة التي كتبها عنها تشوسر، واصفاً اياها بالأرملة الحسناء... انها هنا لدى شكسبير عذراء ذكية واعية تدرك تماماً سر وعمق الدور الذي يلعبه، مثلاً، عمها، في لعبة التبادل ولا تقف ضده. لكنها، في المقابل، تبدو لنا خلال لقائها الوحيد مع حبيبها، عاجزة عن فهم خطابه الموله والمبهم، ما جعل كثراً يعتبرونها شريكة في نوع من حوار طرشان عرف شكسبير كيف يرسمه مسرحياً بكل قوة. ومع هذا، يظل غامضاً بالنسبة الينا كما بالنسبة الى قراء المسرحية والباحثين، السبب الحقيقي الكامن وراء اذعان كريسيدا لكل ما يحدث معها: هل هذا نابع من طابعها الخاص... ام ان شكسبير اراد ان يقول ان تلك هي، بصورة عامة، طبيعة المرأة، ما من شأنه ان يعزز ما اشتهر به شكسبير من موقف معاد للمرأة عموماً؟ فاذا كان هذا صحيحاً لا بد من السؤال: كيف غفلت الحركات النسائية في القرن العشرين، والتي وصلت ذات حقبة الى مهاجمة هيغل على عدائه المزعوم للمرأة، كيف غفلت عن شكسبير ولا سيما عن تصويره كريسيدا؟
مهماً يكن من امر، لا بد من ان هذا سيحدث يوماً، وفي انتظار حدوثه، لا بد من الاشارة الى المهارة التقنية الاستثنائية التي ادار شكسبير (1564-1616) هذا العمل الذي يكاد يبدو فريداً في مساره الكتابي، لا سيما من ناحية التعامل مع عدد كبير من شخصيات يبدو لكل واحدة منها اهميتها في عمل، يوحي عنوانه بأنه يكاد يقتصر على ترويلوس وكريسيدا... وذلك على عكس ما كان يفعل في بعض اروع مسرحياته، حيث يكون التركيز محصوراً على قبضة من شخصيات تتمحور اساساً حول شخصية او اثنتين، كما في يوليوس قيصر و الملك لير و ماكيث و العاصفة و تاجر البندقية وغيرها.

سفر.. وحقيقة.. وخيانة 

 محمد يوسف علي
ويسافر الى قدمي الطريق
الى كل المدن التي ضلت
اسوارها
وضيعت .. ضياعها
واشكالها
ولم يجدني
عنواني
**********
ما زلت مسافراً
أبحث عن لا شيء
في عصر
يبحث عن اسم
عن هوية
مسافر
أبحث عن ظلي
عن جلدي
الذي يرفض الانتماء
الى جسدي
اللامنتمي الى هذه
الارض
*************
النوافذ .. عارية
ما نفع .. الاغلاق
والحدود . غانية
ممن يسلم الشرف الرفيع
في العراق .

قراءة التاريخ أولا 

 جمال القصاص
حرصت على أن أغرس في ولديَّ نهلة ومحمد عادة حب القراءة منذ الصغر، وقد دفعني هذا إلى أن أخوض مغامرة الكتابة للأطفال، وأستثمر الحكايات والحواديت الشيقة والخرافية والتي غالبا كنت أؤلفها لهما في لحظات ما قبل النوم. كما أضفت إلى مكتبتي مجموعة من الكتب المتنوعة الخاصة بأدب الأطفال وكنت أحرص دوماً على اصطحابهما إلى معارض الكتب والفن التشكيلي.
وسعدت حين تفجرت في ابني موهبة كتابة الشعر، وكان يدهشني ما يكتبه في هذه السن الصغيرة (12 عاماً)، حتى أن الشاعر حلمي سالم نشر له بحماس بالغ مختارات من هذا الشعر في صحيفة الأهالي، كما أهداه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي أعماله الشعرية الكاملة على سبيل التحفيز والتشجيع.
لكن فجأة انصرف ابني عن كل هذا واتجه إلى لعب كرة القدم بالنادي، ثم انصرف عنها إلى عالم الكومبيوتر، وهو الآن في الجامعة ولم يعد يكترث بكتب الأدب والشعر.
أما ابنتي الطالبة بكلية الهندسة وبرغم دراستها العلمية لا تزال حريصة على قراءة الكتب الأدبية وبخاصة الرواية والقصة القصيرة، وقد قرأت في سن صغيرة كل أعمال يوسف ادريس وانبهرت به، وأيضاً أعمال نجيب محفوظ، وديستوفيسكي، وهيرمان هسة وتشيكوف، وأتصور أن لديها موهبة أدبية مؤجلة في كتابة القصة والرواية قد تظهر قريباً وبخاصة بعد فراغها من الدراسة.
ولقد حرصت على ألا أفرض نفسي كمبدع على أولادي، كنت فقط أراقب نزاعاتهم الأدبية ولا أفرض عليهم رأياً أو فكرة معينة، أحياناً كنت أقوم بدور تعريفي بكتاب ما، وأوضح أهميته، ومن خلال هذه التجربة أتصور أنه من المهم أن نحبب أبناءنا في قراءة التاريخ، ونبسطه لهم في أنساق معرفية شيقة وسلسة بخاصة أن المناهج الدراسية تجعل التاريخ مادة جهمة وصعبة ينفرون منها ويملونها.
وفي اعتقادي أن التاريخ ركن أساسي لكي يتدرب أبناؤنا على رؤية العالم ورؤية أنفسهم، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

 قصص قصيرة جداً

 سامي كاظم فرج
حين سألته عن سبب احجامه عن ممارسة فعل كان قبل ثلاثة ايام يندفع لممارسته حد التطرف . أجابني : ان هذه الأيام لا تحتمل ممارسة مثل هذا الفعل . تساءلت مع نفسي وهل لايامنا امتياز على بعضها؟!
انما يعيش الشرير ايامه شرا كذلك يعيش الخير ايامه خيراً ، فعن اي الايام كان يتحدث صاحبي ؟ !
**************
حين كان الاتفاق شبه نهائي ( بيننا ) بأننا نصفان لحالة واحدة اكتشفت بأنها تقبع في قعر الطوباوية وعلى الرغم من ذلك واصلت الغوص مرتدياً طوق واقعيتي مادا ذراعي لها وكان حافزي الوحيد هو استغاثتها..!!
***************
حين منحته فرصة التحدث .. صرخ بأعلى صوته . انهم هكذا ,, انهم هكذا فما تريد منهم ؟ أجبته على الفور ,, أنا أريد منك لأنك منهم.
***********
عرفتها تحطم ذاتها من أجل ذاتها .. تركتها حقبة من السنين .. حين التقيتها ثانية وجدتها غير التي عرفتها في اللحظة الأولى ..!!
*************
تعانقوا وقبّل بعضهم البعض بحرقة انهارت على اثرها الدموع وما ان جلسوا ودخل حديثهم الظلام اصبح الصبح عليهم وبعضهم يقتنص البعض الاخر ..!!.

اصدارات جديدة
نحو أمم متحدة جديدة  

 كاظم جبر الميزري
صدر للكاتب طارق أحمد السلطاني كتاب بعنوان ( نحو أمم متحدة جديدة ) وهو دراسة شخصية مستقلة والكاتب كما جاء في مقدمته يتناول الانسان والانسانية من أجل تطور الحضارة الانسانية في العالم اجمع كي تعيش الاجيال القادمة في عالم تحكمه روح المحبة والأخاء ويسوده الأمن والسلام يتناول المؤلف في كتابه عدة مواضيع تشمل مجلس الأمن والصراعات التي تهدد السلم والأمن الدوليين ومسألة التغير الجذري لمجلس الأمن كما طرح قضية الغاء حق النقض ( الفيتو ) وموضوعة تعديل ميثاق الامم المتحدة وكذلك طرح قضية امم متحدة جديدة والكتاب عبارة عن دراسة مستفيضة عن الأمم المتحدة ودورها وتطويرها ومجلس الأمن وكيفية اتخاذ القرارات .
طارق أحمد السلطاني
نحو أمم متحدة جديدة
دراسة شخصية مستقلة

كراسات دوستويفسكي: الوجه الخفي لكاتب كبير 

 كثر من الناس في جميع أنـحاء العالم يعرفون روايات دوستويفسكي، من طريق القراءة المباشرة في معظم لغات الأرض، كما من طريق الاقتباسات السينمائية التي باتت لا تعد ولا تحصى... وكذلك في جميع بقاع الأرض. غير أن عدداً أقل جداً من الناس يعرف كتابات دوستويفسكي الأخرى، من رسائل ومذكرات ويوميات ونصوص متنوعة ومتفرقة، تعتبر بالنسبة الى أهل الاختصاص، ضرورة لا مفر منها من أجل الاحاطة المتكاملة بعمل صاحب "الأخوة كارامازوف"، وبكيف كان يفكر، وكيف كان يشتغل على رواياته، وتحت أي ظروف كتب كل رواية منها.
ومن هنا، بعدما صارت روايات دوستويفسكي حاضرة في كل ذهن وفي كل بيت، كان لا بد من اعادة الاعتبار الجماعية الى النصوص الأخرى الموازية. وفي مقدم هذه النصوص، صفحات عدة كان الكاتب يدونها لاستخدامه الشخصي، خصوصاً خلال الفترة بين 1872 و 1881، وهي فترة السنوات العشر التي شهدت كتابته بعض أهم أعماله الأدبية. ومن هنا اذ جمعت تلك النصوص لاحقاً ونشرت تحت عنوان "كراسات"، جرى دائماً التوضيح في مقدمها، انها انما كانت فقرات اعتاد دوستويفسكي تسجيلها على أوراق متفرقة ودفاتر صغيرة، ليعود اليها، فيما يكتب رواياته وغيرها من النصوص.
ولأن لتلك الفقرات والصفحات طابعاً خاصاً، حيث ان الهدف منها لم يكن، على الاطلاق، ان تنشر، تعمد الناشـرون، والمتـرجمون أيضاً، تـرجمة ونشر تلك النصوص كما هي من دون أي تصحيحات أو اضافات، حتى ولو بدت في بعض الأحيان غير متماسكة، وفي أحيان أخرى حافلة بأخطاء املائية... فالمهم انها، اذ تخضع للقـراءة والتمحيـص، على ما هي عـليـه، تـصبح أداة شـديـدة الفعالية لمعرفة المزيد عن "صناعة" دوستويفسكي الأدبـية، وحـتى عـن آرائـه الحقـيـقيـة فـي زمنـه وأهـل زمـنـه، آراء كان يصعب تلمسها حقاً في ثنايا كتاباته "الرسمية".
من هنا اعتبر الاختصاصيون تلك الصفحات وسيلة لمعرفة الكاتب وحساسيته على سجيتهما، بعيداً من نباهة المفكر وبرودة أعصابه حين يكتب وهو يعرف أن ألوفاً سيقرأونه. وهكذا، مثلاً، اذا كان دوستويفسكي قد أشاد كثيراً ودائماً بمواطنه وزميله تولستوي، في العلن... فإنه في تلك النصوص يبدو أقل عدلاً، اذ ها هو يقول ان موهبة صاحب "الحرب والسلم" شديدة التواضع. فماذا عن أعداء القيصر، ومناهضي الكنيسة الأورثوذكسية الروسية، الذي كان يخيل الى كثر انه هو واحد منهم؟ انهم - في رأيه - مجموعة من الحمقى وأعداء الوطن... انهم مجرد "ديموقراطيين كريهين" على النمط الغربي. أما فرنسا، بالنسبة اليه فليست أكثر من "أمة ميتة قالت كل ما كان لديها لتقوله وانتهى أمرها". أما الشعب الروسي، فإنه شعب أورثوذكسي، ولا يمكنه أن يكون إلا كذلك... واذ ييمم هذا الشعب وجهه الى مكان مقدس... فإن هذا المكان هو بالضرورة اسطنبول (القسطنطينية) التي تخصه، من دون غيره من الشعوب منذ أقدم الأزمان.
غير ان السياسة لم تكن الشيء الوحيد الذي يشغل بال دوستويفسكي. اذ ها هو يحدثنا في نصوص أخرى، عن حياته، وعن كتاباته، وعن الأدب الذي يقرأه في شكل عام. فيكتب مثلاً: "... عند ذلك انطلقنا أخي وأنا، نحو حياة جديدة. كنا نحلم والهين، بما لا نعرف ما هو. كنا مؤمنين بشيء ما. ولم نكن نجهل شيئاً عن الاثنين حول ما هو مطلوب منا من جل امتحان الرياضيات، ومع هذا لم نكن نحلم إلا بالشعر والشعراء...". أو يكتب: "أخي... أنا لم أفقد شجاعتي، ان الحياة في كل مكان، في داخلنا، وليست في العالم الخارجي. فالشمس تُرى دائماً. هلم بنا، وداعاً يا أخي... هل من الممكن لي ألا أمسك بالقلم بعد الآن أبداً؟... أجل، ان لم أكتب سأهلك... أفضل خمسة عشر عاماً في السجن شرط أن يكون قلمي في يدي". أو: "الحقـيـقـة ان من الأمور الواضحة ان الاشتراكيـة الوليـدة قـد قـورنت، آنذاك، حتى وعلى يد القائلين بها، مع المسيحية: لقد اعتبرت الاشتراكية، باختصار، تصحيحاً وتحسيناً للمسيحية يتلاءمان مع العصـر والحضارة. كانت كل تلك الأفكار الجديـدة تسحرنا آنذاك في بطرسبورغ، وكانت تبدو لنا مقدسة وأخلاقية، وانسانية بشكل خاص، غايتها أن تصبح شريعة لكل النوع الانساني من دون أي استثناء".
لاحقاً... اذ يزور دوستويفسكي، المناضل السياسي والناقد الأدبي بيلنسكي، الذي كان قد أبدى اعجاباً مبكراً بروايات دوستويفسكي الأولى، يكتب: "لقد خرجت من عنده وأنا في حال من النشوة. توقفت عند زاوية بيته، ونظرت الى السماء، كان نهاراً مضيئاً. ونظرت الى العابرين وشعرت بكليتي ان لحظة رنانة في حياتي قد عبرت منعطفاً أبدياً، وان شيئاً جديداً كل الجدة قد بدأ لتوه، شيئاً لم يسبق لي أن رأيته حتى في أكثر أحلامي شغفاً. كنت في تلك اللحظة حالماً رهيباً". وفي صفحات أخرى يدون دوستويفسكي ملخصاً لإفادته أمام لجنة التحقيق المكلفة التحقيق في قضية بتراشفسكي على النحو التالي: "يتهمونني بأني قد قرأت مقال "مراسلات بيلنسكي/ غوغول" في احدى أمسيات بتراشفكسي. أجل لقد قرأت ذلك المقال علناً. ولكن هل في وسع ذلك الذي وشى بي أن يعرف ما هي المراسلات التي أفضلها على غيرها؟ هل في وسعه أن يتذكر ما اذا كان ثمة في أحكامي القيمية (وأنا لم أورد أي أحكام من هذا النوع) ولكن في اشاراتي وحركاتي أثناء القراءة، ما يشير حقاً الى تفضيلي قسماً من المراسلات على قسم آخر؟ ان هناك في عالم الأدب كثراً من الناس صاروا يعرفون الكثير عن خلافي مع بيلنسكي، وانقطاعي عنه خلال العام الأخير من حياته (...). أما بتراشفسكي فإنه يؤمن بأفكار فورييه... ونظريات فورييه نظريات مسالمة. انها أفكار تسحر الروح بأناقتها، وتخلب الفؤاد بما تحتويه من حب عامر للناس. وهو الحب الذي يحرك فورييه فيما هو منكب على صوغ نظريته، وتندهش النفس ازاء ذلك بتناسق تلك الأفكار... في منظومة فورييه الفكرية، ليس ثمة أي مكان للحقد". وعن أدب الواقع يكتب دوستويفسكي: "ان الفكرة التي صنعتها لنفسي عن الواقع والواقعية، تختلف تماماً عن فكرة واقعيينا ونقادنا. ان مثاليتي، مثلاً، أكثر واقعية من كل ضروب الواقع التي يتحدثون عنها. يا الهي...! أمام أي وصف ذكي لما عشناه نحن معشر الروس، خلال السنوات العشر الأخيرة من تاريخ أخلاقنا، ألن يصرخ واقعيونا بأن هذا كله من قبيل الخيال؟ ومع هذا... كل ما عشناه كان حقيقة... وكل وصف له يبدو وصفاً حقيقياً... انها الحقيقة. والحقيقة هي الواقعية الأكثر عمقاً: أما واقعيتهم فإنها لتطفو على السطح. وانت بواقعيتهم لن يمكنك أن تصف ولو قدراً ضئيلاً من الوقائع التي تحل في عالمنا حقاً. أما نحن فإننا وصلنا بمثاليتنا حتى الى التنبؤ المسبق لما سوف يكون عليه الواقع بعد حين". أما عن بلزاك الذي كان أحد كتابه المفضلين، فيقول دوستويفسكي: "ان بلزاك كاتب كبير... وشخصياته هي من نتاج الذكاء الكوني... انها ليست روح الزمن، بل روح الأزمان كلها التي هيأت مثل تلك النهاية في الروح الانسانية، عبر نضال الشخصيات التي رسمها قلم هذا الكاتب".
ان ملاحظات من هذا النوع، ومقتطفات من رسائل ومدونات أخرى، تبدو في نهاية الأمر قادرة أكثر وأكثر على ادخالنا روح وذهن ثيودور دوسـتويفسكي (1821 - 1881)... وبالتـالي على وضعنا في صلب عمله، والاجـابة عن كثير من أسـئلة يمـكن للقـارئ، بعد ان يتمـتع ويرهف ذهنه بقراءة بعض أعمال دوستويفـسكي الكبيرة (مثل "الجريمة والعقاب" و "الأخوة كارامازوف" و "الأبـله" و "المقامر" و "الشيـاطين" و "من سردابي")، يمكن له أن يطرحـها على نفسه وعلى ذلك الأدب الـذي كان، ويبقى، من أعظم ما أنتـجه كاتب في التاريخ.

 دريد لحام: لم أجد منتجاً سورياًً فتوجهت إلى مصر لإنجاز آباء صغار

 لم يعش فنان عربي أسيراً لشخصية أحادية نمطية مثلما عاش الفنان السوري دريد لحام، فمنذ أن خلع هذا الفنان طربوش غوار الطوشة وقبقابه فشل في العثور على هوية محددة لفنه في وقت لم يستطع فيه الجمهور أن ينظر إليه بمعزل عن مقارنة كل جديد له بشخصية غوار الشعبية، الفكاهية التي جمعت بين البلاهة والمكر وخفة الدم. وإذا كان بديهياً ان يجسد الفنان أدواراً مختلفة، وأن يعمل في الفنون المتنوعة كالدراما والمسرح والسينما إلا أن الحال تختلف مع دريد لحام، إذ طغت شهرة شخصية غوار على الشخصيات الأخرى التي جسدها، ولعل في ذلك ظلماً لهذا الفنان الذي يحاول الاجتهاد، والتجريب في مختلف الفنون، معتبراً ان شخصية غوار التي التصقت به "تتطلب نوعاً من الخفة، والشقاوة التي لم تعد تناسب عمري".
جديد دريد لحام هو فيلم "آباء صغار" الذي تجرى له حالياً عمليات المونتاج، وهو من بطولته وإخراجه بينما كتب له السيناريو رفيق الصبان، وهو عبارة عن كوميديا عائلية إنسانية، خفيفة تتناول كفاح عدد من الأطفال الذين يسعون لمساعدة والدهم لإكمال تحصيله الجامعي وتحقيق حلمه في نيل شهادة الحقوق بعد وفاة زوجته التي كانت تسانده مادياً. الحل الوحيد يكمن في تأجير هؤلاء الأطفال غرفة من منزل الأسرة لباحثة آثار مصرية (تجسد دورها حنان الترك)، وهنا تكتمل حلقات الفيلم الذي يتعرض للعلاقة الودية التي تنشأ بين الأطفال والباحثة والأب، ويكشف ان المحبة هي جسر لتجاوز الكثير من العقبات.
وحول ظروف الإنتاج يقول لحام إنه لم يجد منتجاً سورياً لفيلمه فتوجه إلى مصر حيث قبلت شركة "تخيُّل" إنتاجه، وينفي لحام ان يكون الفيلم "مخصصاً للطفل بل هو فيلم موجه للعائلة" كما كان الأمر في فيلم سابق له هو "الكفرون"، واهتمام لحام بالطفل نابع من إيمانه بمقولة سمعها من أحد الكتاب تقول إن "الأطفال هم نصف الحاضر وكل المستقبل"، وكان قد سبق أن قدم لحام لمحطة "إم بي سي" برنامجاً مخصصاً للطفل.
وحول إمكان إحياء التجربة الناجحة مع محمد الماغوط، إذ قدما معاً مجموعة من المسرحيات والأفلام التي لاقت صدى طيبا وتميزت بالجرأة، يقول لحام إن "التعاون مع الماغوط لم ينقطع لكن الظروف السياسية تبدلت ومتطلبات المشاهد تغيرت، فالمواطن العربي لم تعد تهمه القضايا العربية الكبرى، فقد أصبحت القضايا الخاصة من تربية الأطفال، مررواً بالنزعات الاستهلاكية السائدة، وصولاً إلى تأمين رغيف الخبز أكثر أهمية من مسألة الوحدة العربية على سبيل المثال".
ولدى سؤاله لماذا لا يهتم بهذه القضايا المستجدة في تعاونه مع الماغوط، بمعنى لماذا لم يطوعا خطابهما الفني تبعاً لهذه التطورات؟ يرد بأن الفن الذي كان يقدمه مع الماغوط أخذ طابعاً سياسياً خاصاً، وقالباً فنياً معيناً، إذ بدا صعباً خوض تجربة مختلفة، مضيفاً "كنا نظن، بدءاً من مسرحية "ضيعة تشرين" في منتصف السبعينات، بأننا سنغير العالم، غير ان الأمور سارت على عكس أحلامنا، واتضح بأننا كنا نحمِّل الفن اكثر مما يحتمل"، مشيراً إلى مشروع جديد مع الماغوط وهو عبارة عن فيلم سينمائي بعنوان "المسافر".
وعلى رغم إشادته بالعقلية المتفهمة والمنفتحة، بحسب وصفه، التي يتمتع بها محمد الأحمد في إدارة المؤسسة العامة للسينما السورية لافتاً إلى تعاونه في إنجاز فيلم الآباء الصغار، لكنه قال إن "معضلة السينما السورية تكمن في السياسة العامة للمؤسسة"، مشيراً إلى غياب ما سماه "التصالح" بين القطاعين العام والخاص في مجال الإنتاج السينمائي مثلما هي الحال في الدراما السورية التي حققت نجاحاً لافتاً بسبب مشاركة القطاعين في الإنتاج. وحول غيابه عن مؤسسة السينما قال لحام بصراحة "المؤسسة لم تعرض عليّ المشاركة، ولو كضيف شرف، في أي فيلم من الأفلام التي أنتجتها طيلة تاريخها
.

مثقفون من المغرب العربي يقرأون الحدث جيل الضواحي المغاربية في فرنسا يصطدم بثقافة الحياة البائسة والمجتمع الاسمنتي 

 استيقظت فرنسا بعد أسبوعين من العنف الصاخب الذي طاول السيارات والباصات والمرافق العمومية على بؤس الضواحي ومرارة حقائقها السوسيولوجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي يمكن تلخيصها في مفردات مثل البطالة، التهميش، ألأمية، نبذ الشرائح المغاربية والإفريقية. وهذه على رغم مولدها في فرنسا وتجنسها الفرنسي، لا تتمتع بالحقوق نفسها وفرص العمل التي يوفرها المجتمع لشخص ذي أصول فرنسية. ولم تكن كلمتا "الأوباش و"الأوغاد" التي تفوه بهما وزير الداخلية نيكولا ساركوزي في حق شباب الضواحي سوى الفتيل الذي أضرم الشرارة في بركان كان يغلي منذ عقود .تتساءل فرنسا اليوم عن مصيرها على ضوء الانبثاق العنيف لهذه الأحداث التي هي ترجمة لتصدع اجتماعي خطير ظهرت شقوقه قبل عقود ولا احد من وجوه من الحكومات الفرنسية، اليمين منها أو اليسار، عالجها على نحو راديكالي. وهكذا أضحت الضواحي خزاناً لمشاعر حقد عادي تستعصي معالجته الوقائية بإنعاش قانون للطوارئ يعود إلى 3 نيسان (أبريل) 1955 وبموجبه تم ترهيب المواطنين الجزائريين ومراقبة تحركاتهم، أو مواجهتهم بإجراءات خيرية. وإن كانت غالبية المحللين تكهنت بحدوث هذه الوقائع، فإنها تشدد على أن فرنسا لم تفلح في إجراء القطيعة مع ذاكرتها الاستعمارية. انبثاق جيل الضواحي بثقافة جديدة تنهل من لغة الغيتوات الأميركية ومن بؤس الحياة الإسمنتية بما هي رديف لأفق بلا منافذ لا يختلف كثيراً عن مدن القصدير التي تراكم فيها الأباء والأجداد فور وصولهم فرنسا، هذا الانبثاق يحتاج إلى أجوبة وحلول جديدة. هنا شهادات من المفكر محمد اركون والاكاديمي عبد الله بن مليح والرسام رشيد قريشي.
غرباء في اوطانهم وفي فرنسا
فيما كنتُ عائداً من زيارة عمل لإنكلترا تصفحت صحفاً بريطانية لم يفتها طبعاً رد الكرة وبعنف لفرنسا. فهي لم تتردد في وصف انفجارات الضواحي وكأنها مستهل لحرب أهلية ! لكن علينا الوقوف لرصد الأسباب العميقة لهذه الأحداث التي لها أبعاد سوسيولوجية، اقتصادية، ثقافية تضرب في تربة تاريخ يربط وأحياناً الى حد الاختناق، فرنسا بالمغرب العربي. أول ما نقرأه في هذه الأحداث هو غطرسة فرنسا التي لم تفتح أي باب للحوار مع أبنائها المغاربيين الذين لا تعترف بهم. يشعر هؤلاء الشباب الذين توجوا مسارهم التعليمي بديبلومات جامعية محترمة بنبذ مزدوج: لا بلدانهم الأصلية بقادرة على استيعابهم ولا فرنسا وفرت لهم شروط الاندماج. عندما يدخل هؤلاء الشباب لقضاء العطل في بلدانهم الأصل يشعرون بالغربة، ولا يتماهون مع مناخها. فهم لا يعرفون عن بلدانهم الأصل شيئا. ثمة نقص تاريخي يرافق مصير هذه الشرائح التي لا تقدر على صوغ خطاب عن تاريخها المعقد. علاوة على أن وسائل الإعلام الفرنسية تتحدث بدلاً من هؤلاء أو تقولهم ما لا يقولون. انظر كيف جعل الإعلام الفرنسي من هذه التراجيديا فرجة. كنت أحد الأشخاص الذين دقوا ناقوس الخطر قبل سنوات. طالبت أن يفتح حوار موسع مع الفاعلين التاريخيين بغية الوقوف عند الصدمات التاريخية التي لا تزال تعتمل في عمق لاوعي المجتمع الفرنسي. لكن لا أحد من السياسيين التفت إلى هذا النداء أو اهتم به. كل ما يشغل بال فرنسا هو ما هو آني أي تسابق بهلاوانيين على الرئاسة!
عبد الله بن مليح :جيل انعدام الهوية والظاهرة الاستعمارية
كان من المتوقع أن ينفجر الوضع على هذا المنوال. كنا نتوقع منذ 25 سنة أن تلتهب الضواحي واليوم، تضافرت كل العناصر الموضوعية ليشتعل الفتيل. وبحسب تصريحات المسؤولين يتبين أن أوليات الحكومة الفرنسية لا علاقة لها بوضعية شباب الضواحي. إن تصورهم لا يتوافق مع وضع شباب الضواحي الامر الذي نجم عنه إنتاج فضاء مستقل في المجال اللغوي، إذ يتكلم هؤلاء الشباب لغة خاصة بهم، في المجال الموسيقي، أو في مجال اللباس... ابتكروا إذاً هوية مستقلة بهم هي بمثابة رد فعل على انعدام الهوية التي كان من المفروض أن يصنعوها في ظل اندماجهم المحتمل في المجتمع الفرنسي. نحن اليوم أمام ظاهرة إنعاش الذاكرة الاستعمارية . نقرأ في طيات الأحداث الجارية نوعا من إعادة تحريك هذه الذاكرة الاستعمارية، إذ يشعر شباب الضواحي على رغم جنسيتهم الفرنسية أنهم يتموقعون على هامش المجتمع الفرنسي، وعليه يتم تحريك مسلسل النبذ الذاتي الذي بموجبه يشعر هؤلاء أنهم أكباش فداء المجتمع، على رغم مستواهم الدراسي الذي يفوق الباكالوريا بأربع أو خمس سنوات. المهن التي تقترح عليهم، مثل حراس أمن في المتاجر الكبرى، هي تحقير لهم ولأصولهم.

حلاق اشبيلية لبايزيلو: قبل أن يدخل روسيني على الخط 

 تعتبر أوبرا حلاق اشبيلية للإيطالي جاكينو روسيني، من أشهر الأوبرات في تاريخ هذا الفن... وهي بلغت من الشهرة ان نسي الناس ان النص المسرحي الأصلي الذي أخذت منه، وهو من تأليف الفرنسي بومارشيه، كان ذات يوم عماد حركة مسرحية نشطة... وكذلك كانت أوبرا روسيني من الشهرة بحيث نسي الناس - بمن فيهم هواة فن الأوبرا - أنه كان ثمة قبل دخول روسيني ميدان هذا العمل أوبرا أخرى تحمل الاسم نفسه، ومقتبسة بدورها عن مسرحية بومارشيه وضعها مواطن روسيني، جوفاني بايزيلو، لتقدم في عرضها الافتتاحي في سانت بطرسبرغ، عاصمة روسيا في العام 1782، أي قبل 34 سنة من العرض الافتتاحي لـ حلاق اشبيلية التي نعرفها اليوم.
من الناحية المسرحية، نحن أمام العمل نفسه في الحالين. ولكن من الناحية الموسيقية من الواضح أننا أمام عملين مختلفين تماماً عن بعضهما البعض... وكذلك ثمة اختلاف وان يكن أقل بكثير، بين الاقتباس الذي حققه كاتب نص أوبرا بايزيلو (بتروزيليني)، والاقتباس الآخر الذي حققه كاتب النص الذي لحنه روسيني (تشيزار ستربيني)... حتى وان كان الكاتبان قد بقيا أمينين للنص المسرحي الأصلي. ومنذ البداية هنا لا بد من القول ان روعة العمل الموسيقي الذي حققه روسيني لهذه الأوبرا، كان لا بد له من أن يمحو من الذاكرة، والى حد كبير، العمل الذي سبقه والذي يكاد يكون منسياً اليوم، حتى وان كان يقدم في ايطاليا أو في روسيا بين الحين والآخر، على سبيل الذكرى لا أكثر.
ومع هذا، لا بأس من التوقف هنا عند "حلاق اشبيلية" كما لحنها بايزيلو، لأنها - على أية حال - تبقى الأشهر بين أعماله، هو الذي كتب عشرات الأعمال الأوبرالية طوال حياة غنية، ملأت القرن الثامن عشر، وكاد خلالها أن يكون فريد زمنه في هذا الفن... وكان واحداً من مؤسسي حقبته التالية التي شغلت القرن التاسع عشر بأسماء عرفت كيف تغطي على اسم بايزيلو، وأسماء معاصريه، بحيث بات يخيل الى كثر ان ايطاليا عرفت نهضة أوبرالية، في حقبة فصلت بين بدايات مونتفردي العظيمة، وظهور روسيني وفردي ومن لف لفهما، من صانعي مجد هذا الفن في ايطاليا القرن التاسع عشر.
من ناحية الموضوع تتبع أوبرا بايزيلو، السياق نفسه الذي يسير روسيني على هديه في أوبراه... أي الخط الحدثي الذي صاغه بومارشيه علماً بأن هذا الأخير، حين كتب العمل في المرة الأولى، من خمسة فصول، صاغه أصلاً على شكل أوبرا هزلية كتب لها الموسيقى بنفسه. ولكن، اذ لم يحقق ذلك العمل أي نجاح يذكر، واذ سخر كثر من جهود بومارشيه الموسيقية، عاد هذا واكتفى بتقديم العمل كمسرحية. حتى اليوم، لم يبق أي أثر حقيقي من موسيقى بومارشيه. أما تلحين بايزويلو للعمل فقد بقي كما أسلفنا... وان كانت عبقرية روسيني اللاحقة قد نسفته نسفاً. اذاً، تدور أحداث أوبرا بايزيلو، بدورها، في مدينة اشبيلية الاسبانية. وعندنا هنا، منذ البداية الكونت المافيفا (تينور) يعبر عن غرامه المولّه بالحسناء روزينا (سوبرانو). وها هو يشكو من عدم قدرته على الالتقاء بها أبداً، لأن وصيها وأستاذها الدون بارتولو يصادرها في بيتها ويكاد لا يسمح لها بمقابلة أي انسان. وذات يوم، وفيما كان الكونت المافيفا يتلصص سراً، مترقباً ولو فرصة عابرة لمشاهدة محبوبته، ولو عبر نافذة البيت الذي تقيم فيه، يلتقي الحلاق فيغارو (باريتون) فيكاشفه بما يعزيه من حب راشجان. وهنا يخبره فيغارو، الذي - بوصفه حلاقاً - يعرف كل الأسرار عن كل الناس، ان الدون بارتولو انما هو في حقيقة أمره، مغرم بدوره بالحسناء روزينا، ويخطط للزواج منها... بل يضيف ان العرس من المفروض أن يحتفل به في ذلك اليوم تحديداً. وهنا، اثر ذلك، تظهر روزينا عند النافذة لتغني مناشدة عاشقها الغامض أن يغني لكي تتعرف عليه. وعلى الفور يرتجل الكونت الموله أغنية من نوع "سبرينادا" مدعياً انه الطالب لندور. وهنا يقرر الحلاق فيغارو أن يمد يد العون لصديقه الجديد الكونت المافيفا... مسارعاً بتسليمه، قبل أي شيء آخر، رسالة من روزينا. ثم ينصحه بأن يقدم على الدخول الى بيت الدون بارتولو، حيث تقيم الفتاة، بزعم انه جندي ثمل يبحث عن مأوى يلتجئ اليه. وتنجح الحيلة، ما يمكن الكونت من أن يناول روزينا رسالة كتبها رداً على الرسالة التي كان قد تسلمها منها من طريق فيغارو.
هكذا اذاً يدخل المافيفا الى مأوى محبوبته في المرة الأولى، لكنها لن تكون الأخيرة... اذ في المرة الثانية، ودائماً بناء على نصيحة الحلاق فيغارو، يتمكن من الدخول مدعياً هذه المرة أنه بازيل، مدرب الموسيقى الذي يتولى تعليم روزينا هذا الفن... غير أنه ما ان ينجح في الدخول حتى يُكتشف أمره - اذ يصل الاستاذ بازيل الحقيقي - ويطرد من المنزل... غير ان الحلاق الأمين الصدوق، يظل بالمرصاد لكل العوائق التي تقف في وجه الكونت... اذ ها هو هذه المرة قد تمكن بحيلة من الحيل من الحصول على مفتاح باب يوصل الى سطيحة بيت الدون بارتولو. وهكذا، من جديد، وفي غياب بارتولو (الذي ذهب الى مركز الشرطة ليقدم شكوى ضد تدخل المدعو لندور في حياته وحياة خطيبته روزينا)، كما في غياب أستاذ الموسيقى الحقيقي دون بازيل (الذي كان قد أرسل لكي يحضر موثق عقود يتولى تسجيل عقد زواج بارنولو من روزينا)، يتمكن الكونت المافيفا من الوصول الى الحصن المتبع، حيث حبيبته... وبعد لحظات حين يصل موثق العقود الذي كان بارتولو قد استدعاه، ينتهز العاشقان فرصة وجوده لكي يعقد الزواج بينهما، خفية عن بارتولو الذي لم يكن قد عاد من مركز الشرطة بعد. وحين يصل بارتولو عائداً الى بيته فرحاً بأن الشرطة ستستجيب له، وتلقي القبض على لندور فيتخلص منه، ويخلو له الجو مع حبيبته، تكون المفاجأة المرة في انتظاره... ولا يكون في وسعه الا ان يستسلم تاركاً للشابة حرية اختيار زوجها، وتاركاً للكونت فرصة الاقتران بحبيبته.
اذاً، نحن هنا أمام الأحداث نفسها... وهي - كما نعرف - الأحداث التي استكملها موتزارت، بعمله الأوبرالي الكبير "زواج فيغارو" في اقتباس عن بومارشيه أيضاً. وبالنسبة الى بايزولو، فإن ما لا بد من قوله هو ان عدم فهم كاتب نص أوبراه، لروح مسرحية بومارشيه أدى الى تسطيح الشخصيات تماماً، ولا سيما شخصية فيغارو الذي لم يعد هنا سوى شخصية ثانوية مساعدة على جعل الأحداث، ولقاء الحبيبين، ممكنة... بينما نعرف أنه في مسرحية بومارشيه، كما في الأوبرا التي سينتجها روسيني لاحقاً، هو لب الأحداث ومحركها، بحيث يصبح تدخله هو الأساس... ومن هنا نرى تركيز الملحن، موسيقياً، على الشخصيات الأخرى، ولا سيما على شخصية بارتولو.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم 2005

Iraq designer  : nana20042005@hotmail.com