(طرق الصحراء) للياباني اينوي: يد الأقدار

 ابراهيم العريس
لم يكن الارجنتيني جورج لويس بورغس، بالطبع، اول من جعل الكتب والوثائق والمخطوطات، شخصيات اساسية في بعض اعماله، حتى وان كان هو الذي فتح في العصور الحديثة دروباً في هذا المجال، سار فيها، بعض كتاب متفاوتي الاهمية، ومن بينهم الايطالي اومبرتو ايكو (في اسم الوردة على الاقل) واللبناني - بالفرنسية – امين معلوف. فالنص المكتوب، مخطوطاً كان أم مطبوعاً، اغرى الكتاب دائماً، باعتماده موضوعاً، او محوراً جانبياً، في اعمالهم. ولعلنا لا نبتعد عن الصواب ان نحن نظرنا هنا ناحية الكاتب الياباني يازوشي اينوي، باعتباره واحداً من الذين كتبوا عملاً اساسياً من حول النصوص الفكرية والثقافية والسعي الى انقاذها من الحريق – على غرار الاميركي برادبوري في فهرنهايت 452، التي حولها فرانسوا تروفو فيلماً شهيراً -. وكان ذلك بالنسبة الى اينوي في روايته طرق الصحراء التي تعتبر منذ نشرها في العام 1959، واحدة من اكثر الروايات شعبية في اليابان خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ومع هذا فان احداث الرواية لا تدور في اليابان، بل في الصين.. في معنى ان اينوي الياباني، كتب الرواية الصينية الاشهر في القرن المنصرم.. لكن طرق الصحراء لم تكن، على اية حال، العمل الوحيد الذي استوحاه اينوي من تاريخ الصين وغيرها من مناطق شرق آسيا.. كما سنرى. اما هنا فموضوعنا هو هذه الرواية التي استأثرت دائماً باهتمام القراء وترجمت الى عدد كبير من لغات العالم، وفي مقدمها اللغة الصينية... بالطبع.
تدور احداث طرق الصحراء في صين الصراعات الكبرى في القرن الحادي عشر الميلادي، اما بطل الرواية فهو شخص فرد، وجد ذات يوم ان الاقدار قد اختارته للقيام بمهمة تعجز عنها امم بأسرها: انقاذ كنز فكري ثقافي لا يقدر بثمن من اتون الحرائق والتزمت والصراعات. وهذا الكنز يتمثل في اكثر من اربعين الف وثيقة تعود الى ذلك الزمن وتبدو مهددة. منذ ما قبل بدء احداث الرواية يذكرنا اينوي بكيف ان الباحثين اكتشفوا عند بدايات القرن العشرين، ذلك الكنز الحضاري الثقافي، في داخل مجموعة من المغارات تعرف باسم الف بوذا ومكرسة لعبادة قوس البوذية... واذ يقول لنا الكاتب كل ما يمكن قوله حول القيمة التاريخية والفكرية لتلك الوثائق، ينتقل بنا مباشرة الى الرواية، وهو يشرح لنا كيف تمكنت الاقدار من انقاذ ذلك الكنز، مؤكداً ان آلة الاقدار في ذلك الانقاذ كانت رجلاً اسمه خنغتي. ان المنطقة التي يحدث فيها ذلك كله تقع في الشمال الغربي للصين، في اقليم يتعايش فيه عدد كبير من الشعوب التي تألفت الامة الصينية منها، على مدى الازمان، من صينيين اصليين وخيكسيا واواغور وخيطان وغيرهم. هذه الشعوب التي كان عليها ان تتعايش مع بعضها البعض في تلك المنطقة، كانت تعيش في معظم الاحيان، على اية حالات، صراعات لا تكاد تنتهي الا لتبدأ من جديد. ولما كانت الديانة البوذية المسيطرة، تعرف قيمة الوثائق المودعة في مغارات ألف بوذا وان الخطر يحيق بها، كان لا بد لاقدارها ان تختار من تعهد اليه بالمهمة التي تكاد تبدو مستحيلة: مهمة انقاذ الوثائق. وهكذا نجدنا وجهاً لوجه مع خنغتي وهو اصلاً من ابناء مدينة كايغنغ، عاصمة امبراطورية صونغ الصينية في ذلك الحين. وخنغتني هذا، يصل مع بدء الرواية الى العاصمة لكي يقدم نفسه الى المسؤولين بصفته متبارياً في ما كان يسمى بـ الامتحانات الامبراطورية. وهو ما ان بدأ خوض الامتحانات حتى كشف عن مهارات وقدرات وقدر من الذكاء لا تضاهى... غير ان هذا كله لم يمنعه، اذ كان السفر قد انهكه، من ان ينص في النهاية غافلاً عن الامتحانات الاخيرة. وهكذا سقط من دون قصد منه، واصيب بالاحباط ليبدأ تجواله وتشرده في المدينة، على غير هدى. وفيما هو يتجول، تمكن ذات لحظة من ان ينقذ من موت محقق امرأة من شعب الخيكسيا، كافأته على انقاذها بأن اعطته قطعة قماش طرزت عليها كتابة بحروف لا يفهمها ولا يفقه لها معنى.
واذ ينبهر صاحبنا بتلك الكتابة، بقرر فك طلاسمها.. شاعراً بأن بلاد الخيكسيا قد باتت تشكل نقطة جذب له بحيث لم يعد امامه من مهرب الا في الذهاب الى هناك.. وهكذا تغير بالنسبة اليه هدف حياته، وراح يغوص في الدروب التي توصله الى بلاد حلمه الجديدة. وهو بالفعل وصل الى المكان بعد احد عشر شهراً، ولكن، ليجد نفسه مجنداً في طليعة القوات العسكرية التابعة للخيكسيا، وهي قوات مؤلفة اصلاً من مرتزقة صينيين. ويتحول خينغتي تبعاً لهذا الى مقاتل شرس، في معارك لا يتردد دون خوضها، عند حدود صحراء غوبي.. معارك لا تبدو ذات اهداف، باستثناء السيطرة على الشعوب والهيمنة على اراض تربى فيها احسن خيول في العالم، وتفتح الآفاق انطلاقاً منها لشتى انواع التجارة مع المناطق الواقعة غربي الصين. وهكذا يصبح بطلنا مقاتلاً عنيداً... ولكن من دون هدف خاص به. ومع هذا، يبدو لنا واضحاً عند هذا المستوى من الاحداث ان ثمة ثلاثة اعتبارات تتحكم بمصير هذا البطل، حتى من دون ان يعي ذلك تماماً: وانغلي، رفيق سلاحه ورئيسه المحبوب، اميرة من شعب الواغور، فاتنة خلبت لبه وصارت حب حياته، واخيراً كوانغ، الامير التاجر، المتسلط الذي صار خينغتي خادمه الامين.

> وهنا في خضم هذه الحياة الافاقة والشجاعة التي صارت حياته، يدرك البطل ان الاقدار هي التي تسيّره الآن على هواها.. وهي التي تدفعه الى ان يتعلم الابجدية الخيكسية، مكتشفاً الافكار البوذية معتنقاً لها، في وقت لم يكن العامة قد صاروا بوذيين حقيقيين بعد.. ومن خلال اكتشاف البوذية، اكتشف خينغتي وجود النصوص البوذية المقدسة التي يطلق عليها اسم سوترا. وهكذا يكون قد خطا الخطوة الاخيرة التي تقوده الى ان ينقذ في المدينة المقدسة (التي تحف بها المعارك، وبالتالي الحرائق، من كل ناحية اذ حاصرتها القوات الخيكسية، وقوات مسلحي الشمال الغربي كل ذلك الكم الهائل من الوثائق التي تحمل نصوصاً وكتابات بوذية لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر، ومن هنا نفاستها، واهميتها. ولسوف يبدو واضحاً ان ما من احد غيره كان في امكانه ان يقوم بالمهمة، التي سوف يكتشف في نهاية الامر ان يد الاقدار كانت هي التي قادته منذ البداية اليها. فهو، اذ يتأمل حياتها ومسارها في الصفحات الاخيرة من الكتاب، يتبين له، ان خط حياته ومساره، انما سار في تلك الوجهة منذ اللحظات الاولى، ربما في ذلك سقوطه في الامتحانات الامبريالية التي صارت بالنسبة اليه الآن مجرد ذكريات بعيدة. اما المشهد الذي يرضيه في النهاية ويجعله ضاحكاً في وجه اقداره، فهو مشهد الستين حيواناً التي حملت على ظهورها النصوص والوثائق واللفائف، مجتازة الصحراء التي تخبئها عن نور القمر الساطع.. ان هذا المشهد هو الذي يدفع خينغتي الى التساؤل عما اذا لم يكن قد وجد اصلاً وعاش حياته كلها، لكي يعيش تلك الليلة الفاتنة. انها الاقدار! يهمس لنفسه مبتسماً راضياً.
يازوشي اينوي (1907 – 1991) كان واحداً من اكثر الكتاب شعبية في اليابان. وعلى رغم انه كان شديد الارتباط بثقافة بلاده، كانت عينه على الخارج ايضاً. ومن هنا قام بجولات خارجية عدة، ولا سيما في الصين التي كان واسع الاطلاع على ثقافاتها وتاريخها، وهو كتب من وحي جولاته الصينية كتاباً روائياً عن جنكيز خان الذئب الازرق، كما وضع كتباً عدة وصفت رحلاته الى الصين، ناهيك بانه حين رحل عن عالمنا قبل عقد ونصف العقد كان يشتغل على رواية عن حياة كونفشيوس لم يكملها ابداً.

(هآرتس) احتفلت بمئوية إبراهيم طوقان وسط تجاهل فلسطيني
استمرار الحجر على قصائده الممنوعة 

 القدس: أسامة العيسة
ليس من سوء نية، على الأرجح، في تجاهل الفلسطينيين لذكرى ميلاد أحد أهم شعرائهم، ابراهيم طوقان. ولم يكن الأمر ليبدو نافراً ومعيباً إلى الحد الذي ظهر عليه، لولا أن صحيفة عبرية في إسرائيل خصصت له ملفاً كاملاً، وبقي طوقان بين أهله منسياً، لا بل وممنوعة بعض قصائده، لأنه تجرأ وقال، ذات يوم، ما لم يقو عليه الآخرون.
تقترب سنة 2005 من الزوال، من دون أن تحرك المؤسسات الثقافية الفلسطينية، ساكنا للاحتفاء بالذكرى المئوية لميلاد الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان. وتجاهلت الصحف الفلسطينية المناسبة، ولم تشر إليها طوال الأشهر الماضية، ولم تعدّ ملفات خاصة بطوقان، الذي يعتبر من أبرز الشعراء الفلسطينيين في القرن العشرين. وكان من اللافت أن تخصص صحيفة عبرية هي هآرتس ملفا عن طوقان، ضمنته صورة لغلاف النسخة الأولى من ديوانه الذي صدر في بيروت عن دار الشرق الجديد، وتحقيقا عن المنزل الذي ولد فيه في نابلس، وخرج منه بالإضافة إلى شقيقته الشاعرة فدوى طوقان.
وكشفت الذكرى المئوية لطوقان، عن أحد أوجه قصور الثقافة الفلسطينية والعربية، ولم تستغل المناسبة لتسليط أضواء على شاعر مجدد، لم ينصفه النقد العربي، وإذا كان ذلك لا يحتاج إلى مناسبة، فإن مبادرة كالإفراج عن قصائد الشاعر الممنوعة، في المرأة والمجتمع والسياسة، بمقدورها ان تكون بمثابة تحية كبيرة للشاعر الراحل في مئويته، وتأكيدا على حق القارئ، في الاطلاع من دون وصاية أو رقابة من احد.
وطوال سنوات كانت قصائد طوقان (السرية) تتداول شفهيا لدى جمهور محب للشعر، ولكن مع تراجع هذا الجمهور وتغير ذائقته، فإن من مهام المؤسسات المعنية، نشر تراث طوقان كاملا، لتكتمل صورته.
نشأة متوترة وتعليم حديث
ولد إبراهيم عبد الفتاح طوقان عام 1905 في مدينة نابلس، وهي مدينة عربية عريقة توصف بأنها دمشق الصغرى، وتقع في شمال الضفة الغربية. جاءت ولادته ونشأته في مرحلة فارقة في التاريخ الفلسطيني والعربي، نهاية الإمبراطورية العثمانية حيث حكم دعاة الطورانية والذين ناصبوا القومية العربية العداء، والاحتلال البريطاني على فلسطين، حيث شهدت البلاد ثورات فلسطينية متتالية ضد الهجرة اليهودية وللحيلولة دون إقامة وطن قومي لليهود، كما رأى الإنجليز مهمتهم في فلسطين، وفقا لوعد بلفور.
ويمكن أن يشير ذلك إلى العوامل المؤثرة في شعر وحياة طوقان، يضاف إليها، البيئة المحافظة في نابلس، حيث ولد لعائلة ذات تقاليد عريقة، ورثت مثل غيرها تراث قرون من الموقف من المرأة والمجتمع والدين والسياسة.
والتحق طوقان بالمدرسة الرشادية الغربية في نابلس، وهي المدرسة التي تميزت، حسب ما ذكرت فدوى طوقان، في كتابها (أخي إبراهيم) بمناهجها الحديثة في التعليم، الذي لم يكن مألوفا آنذاك.
وكان ذلك، كما يقول الأديب الأردني يعقوب العودات (البدوي الملثم) بفضل بعض المدرسين النابلسيين الذين تخرجوا من الأزهر وتأثروا في مصر بالحركة الشعرية والأدبية التي كان يرفع لواءها شوقي وحافظ ومطران. فأشاع هؤلاء المدرسون روح الشعر والأدب الحديث، وأسمعوا الطلاب، للمرة الأولى في حياتهم الدراسية، قصائد لشوقي وحافظ ومطران وغيرهم، وفتحوا أذهانهم على أسلوب إنشائي جديد، فيه رونق وله حياة، يختلف اختلافا كبيرا عن ذلك الأسلوب القديم الذي كان ينتهج في مدارس نابلس والذي لم يكن ليخرج عن كونه أسلوبا تقليديا عميقا، لا تأثير له، ولا غناء فيه.
وفيما بعد تبين، من مسيرة طوقان، انه ذهب أبعد من ذلك في حداثته ومغامرته الشعرية، والتي لم يبن عليها من لحقوه من الشعراء الفلسطينيين.
وبالإضافة إلى المدرسة، كان للقرآن الكريم دور تأسيسي في فترة البناء اللغوي لدى طوقان، وهو ما تحدث عنه لاحقا: الجميل في رمضان عندي خاصة أنني أقرأ فيه القران، وأقرأه كله، هذا ما أصنعه في كل سنة وأتلذذ به فأصقل به لغتي، ونعم صقال القرآن. وتستوقفني بعض التراكيب فارجع إلى كتب البلاغة فأتفقه بكشف أسرارها وتشتكل علي بعض المعاني فارجع إلى سيد المفسرين، أستاذ الدنيا، جاد الله محمود الزمخشري، فأصدر عنه ريان شبعان وأتنبه إلى طرفة تاريخية فأرجع إلى أبي جعفر محمد جرير الطبري، فأنسى نفسي بين أحاديثه ورواياته. هذا فضل رمضان علي، وهكذا أحسن استغلال شهر كامل في مدينة نابلس.
اخجلي يا عواصف
وبعد أن أنهى إبراهيم طوقان دراسته في نابلس، درس أربع سنوات في مدرسة المطران في القدس، ولم تكن أقل تأثيراً في حياته من سنوات دراسته الأولى في نابلس. والتحق طوقان بالجامعة الاميركية في بيروت خلال سنوات (1923 ـ 1929) خلال إقامته هناك، نظم النشيد الشهير (موطني) والذي يقول في مطلعه:
موطني الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك
وما يزال هذا النشيد يتردد حتى الآن، ويكشف من خلال بنيته الفنية وموضوعه، التأثيرات التي تعرض لها طوقان، في تلك الفترة، وانفتاحه على الآداب العالمية، وعلاقته بقضايا تتجاوز فلسطين إلى العالم العربي. وفي هذه الفترة، ظهر نشيده (بطل الريف) عن الأمير المغربي عبد الكريم الخطابي، وثورة المغرب المتأججة آنذاك في عام 1924.
وعاد إبراهيم إلى نابلس مدرسا وشاعرا متحققا، له أسلوبه الشعري الذي يصل القاعدة العريضة من الجمهور من دون التنازل عن فنيته.
وفي فلسطين، وجد نفسه في خضم النضال ضد الحركة الصهيونية، وتصلح قصائده في تلك الفترة، للتأريخ لما كان يحدث، وفي أحيان كثيرة تعتبر أفضل مما كتبه المؤرخون.
وهذا الجانب من شعر إبراهيم طوقان معروف، ولكن الإشارة واجبة هنا إلى تطوره الفني اللافت، واستفادته من تراث الموشحات، ليكتب قصيدة مثل (الفدائي) التي يصفها البدوي الملثم بأنها فاضت مقاطعها بالأسى المرير والعاطفة المشبوبة.
ومطلع هذا الموشح ـ القصيدة:
عبس الخطب فابتسم
وطغى الهول فاقتحم
ولكن إحدى ذرى طوقان الفنية كانت في قصيدته الشهيرة التي استعانت بها الدراما السورية، العام الماضي، لتكون المقدمة الغنائية لمسلسل (التغريبة الفلسطينية)، وفيها يقول واصفا أحد الفدائيين الفلسطينيين:
من رأى فحمة الدجى
أضرمت من شرارته
حملته جهنم طرفا من رسالته
هو بالباب واقف
والردى منه خائف
فاهدأي يا عواصف
خجلا من جرءته.
ووصف الأخطل الصغير هذه القصيدة يوم 9 حزيران (يونيو) 1930 في صحيفة البرق بالقول أتعرف شيئا عن الشاعرية المتوثبة التي تجيش بها النفوس الظمأى إلى حرياتها؟ أتعرف شيئا عن البلاغة تطلقها الشفاه الملتهبة دما ونارا؟ تعرف إليها إذن.
بيروت مرة أخرى
ولم يطق إبراهيم طوقان فراق بيروت كثيرا، فعاد إليها أستاذا في الجامعة الاميركية، وفيها عرف شعره الهجائي لزعماء الحركة الوطنية الفلسطينية التقليديين. وهو نوع من الهجاء السياسي الحاد، لم يعرفه الشعر الفلسطيني فيما بعد. فحتى أكثر الشعراء ثورية لم يبخلوا في مدح أو الإشادة بزعماء منظمة التحرير الفلسطينية (معين بسيسو ومحمود درويش وسميح القاسم وهارون هاشم رشيد مثالا).
وقارن طوقان بين زعيم الهند المهاتما غاندي الذي يقود، مخلصا، نضالا لا هوادة فيه ضد الاحتلال البريطاني لبلاده، وزعماء الحركة الوطنية الفلسطينية الذين يمثلون العائلات الإقطاعية ويهادنون الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية.
ويمكن الإشارة إلى أن طوقان كان في كثير من قصائده يستشرف ماذا سيحدث في فلسطين، ليس لأنه نبي، ولكنه كان فاهما لطبيعة وموازين القوى.
ولم يعش طوقان ليرى صدق نبوءته التي تحققت عام 1948، لأنه توفي يوم 12 شباط (فبراير) 1941، وعمره 36 عاما.

 مثلث برمودا

 جاسم زبون الشويلي
أسفي
ضاعت كل بقايا العشق
والليل بلا لحن يرقص
يتعب
يسكن بارات الارصفة
وينام بلا لمسة أنثى
ما أغبى الكون بلا انثى
ما أخبت انثى بلا كون
....
مثلث برمودا
كان …
يقبع بين عموديك
يقطف كل طائرات أحلامي
يغرق كل أمنية
تحاول صنع فكرة
وغبار مدينتي وحيدا
عاش وحيداً
يفترش نافذتي
منضدتي
حتى جلد كتابي
عندها
أغطس
في بركة طين سوداء
الصق سور الصين اطاراً
حول صورة مدينتي
لكن
ماذا ؟
ما زال الوطن
يقبع تحت عباءة أمي
فقرأت اليأس ملايين المرات
حتى انتحرت أنفاسي
ومثلث برمودا
ما زال يصافح أرواح البلدة
يأخذها
يقرض آذان الأطفال
يلعب .. يرقص .. يسكر
وفتاتي تعد قنانيها
تجمعها كي يتلقفها (الدوار )
..........
أسكر تاريخ الميلاد
نصف قابل للتغيير
والنصف الثاني في وشك
ما أحلى مياه الحرية
لكن
لا يوجد ماء معقوق
( معقول) ؟
الطين الحر
والماء يسافر بالقيد
وبرمودا يقتل أرقامي
تتنازل .. تضعف حتى الصفر
وبعد الصفر
ماذا يوجد ؟
برمودا .

 من روائع الأدب الأنكليزي
اخلاص بلا حدود 

 الحلقة الرابعة
تأليف / جون دينت
ترجمة / كاميل صبري
فر ح والدا ماريان كثيراً لاعتقادهما بأن ماريان قد نسيت ذلك الشاب (دافيد) وهذا ما أراداه وفي ذلك المساء غادرت السفينة ( جزيرة تاسكا ) حاملة كميات كبيرة من الأسماك المعلبة والمواد الغذائية.
وفي زاوية مظلمة من السفينة وتحت بعض الحقائب كانت هناك فتاة تخفي نفسها عن الأنظار ، كانت تلك الفتاة ماريان ، قضت ماريان في السفينة ليلة صعبة للغاية فقد كانت أرضية السفينة باردة قذرة ولذلك لم تستطع ماريان النوم وأخيراً أقبل الصباح وبلغت السفينة ميناء (ماينلاند ) عندها أرتقت ماريان درجات السلم المؤدي الى سطح السفينة ولم يرها أحد من الركاب ، لأنهم كانوا ينتظرون رسو السفينة في الميناء ليغادروها . عندها أخترقت ماريان صفوف الركاب بسرعة وفي غضون دقائق كانت واقفة في الميناء وكنت ترتدي بنطلوناً وسترة رجالية وفي يدها حقيبة السفر وعشرون لوحة فنية فقد استلمت راتبها من الشركة وكانت النقود لديها قليلة ولكن ذلك لم يهمها انها ذاهبة الى ( مالقا) لتبيع لوحاتها الفنية وستعثر على حبيبها ( دافيد ) هناك لم تكن تعرف عنوانه ولكنها كانت تعرف اسم الشركة التي يعمل فيها ( دافيد) أقبل المساء وما زالت ماريان واقفة تنتظر سيارة تقلها الى بلدة ( مالقا) وأخيراً وقفت سيارة شحن كبيرة بالقرب من ماريان وقال السائق:ـ هيا اصعدي الى السيارة فأنني مستعجل ، نظرت ماريان الى السائق فلم تعجبها ملامحه الغاضبة الا أنها كانت مرهقة للغاية بحيث لم تستطع رفض طلبه ، فركبت في السيارة وجلست الى جانب السائق بعد مسيرة ساعة خيم الظلام على المنطقة عندها أوقف السائق سيارته أمام منزل وقال لها :ـ ستدخلين الآن معي الى هذا المنزل . قال وقد سحب ماريان من يدها فصرهت طالبة النجدة ، ظلت تصرخ ولكن بلا مغيث ، فما كان منها الا أن عضت ساق السائق ووجهت صفعة قوية الى عينيه ثم أفلتت من يده وجرت قاصدة الطريق العام ، ثم جلست على رصيف وبدأت تبكي ، وبعد قليل وقفت سيارة بالقرب منها كان يقودها رجل أنيق الى جانبه جلست زوجته فقال الرجل لماريان:ـ الى أين تذهبين؟ فقالت ماريان:ـ أنني ذاهبة الى بلدة ( مالقا) فرد عليها الرجل قائلاً :ـ ونحن أيضاً ذاهبان الى هناك في الصباح انها مسافة طويلة بامكنك أن تستلقي على المقعد الخلفي وتأخذي قسطاً من النوم .
في صباح اليوم التالي قال الرجل الغريب :ـ سنمر بالقرب من الشركة ونتركك هناك . وأخيراً هبطت ماريان من السيارة أمام شركة النفط وولجت الى داخلها حيث قصدت سكرتيرة جالسة بالقرب من الباب وقالت لها :ـ أنني أبحث عن المستمر دافيد بارت . أنه يعمل هنا ، فهل استطيع رؤيته الآن ! فأجابت السكرتيرة:ـ دافيد بارت يتمتع الآن باجازة وسيعود الى الشركة بعد شهرين ، فقالت ماريان باستغراب :ـ بعد شهرين؟ أين يسكن؟ هل لك أن تخبريني ؟ فقالت السكرتيرة :ـ انه يعيش مع والديه اليك عنوانه ورقم هاتفه.
أمسكت ماريان سماعة الهاتف واتصلت بمنزل دافيد فأخبرتها والدته أنه ليس في المنزل وسيعود اليه بعد شهرين فقالت ماريان في نفسها : يجب أن أرى دافيد وأخبره بما جرى لي وأنني ما زلت أحبه. علي الآن أن أنتظره ، حسناً سأستأجر غرفة في أحد الفنادق وأحصل على مقدار من المال لتأمين معيشتي وسأبيع لوحاتي الفنية ، قالت ذلك وقصدت مطعماً وتناول فيه طعام الفطور ، فقد كانت جائعة للغاية ، وبعد ذلك قصدت محالاً لبيع الصور لتبيع لوحاتها الفنية هناك ولكن جهودها باءت بالفشل ولم يقبل أحد شراء لوحاتها ، فأصابها الحزن وخيبة الأمل .

 الاثرياء الجدد يفضلون السوبر ماركت والغناء

 كان حلمي الدائم أن أقيم مركزاً صغيراً للفنون، يشتمل على قاعة فن تشكيلي، ومكتبة فيها قسم للاطلاع والاستماع للموسيقى الكلاسيكية ومقهى لرواد المكان، وحينما تحقق حلمي بعد سنين فوجئت بأن الناس تفضل أن تنفق مالها في السوبر ماركت على أن تأتي إلى هنا، هكذا تتحدث اليوم فنانة الزجاج المعشق المهندسة فاطمة الطناني، اليوم عن قاعة فنون بعد افتتاحها بأشهر قليلة. والقاعة تستقبل حالياً معرضاً مزدوجاً، للرسم والنحت، متمثلاً في أعمال فنانين من جيلين مختلفين، الأول هو الراحل جمال كامل تلميذ الفنان الكبير أحمد صبري، الذي لا تزال لوحاته ووجوه شخوصه حية متألقة، تذكرنا بأعماله في دار الهلال ومجلة روز اليوسف حيث بدأ عمله رساماً صحافياً عام 1950، والثاني هو النحات محمد الفيومي (مواليد 1963). وتستعد القاعة لاستقبال أحد أهم نشاطاتها، وهو معرض مزدوج آخر للفن والنحت يقام في الثالث عشر من شهر نوفمبر الجاري، يعرض أعمال أحد كبار فن النحت المصري المعاصر د. صبحي جرجس سعد (مواليد 1929)، مع لوحات الفنان التشكيلي محمد طراوي (مواليد 1956) قومسير صالون الشباب لهذا العام. ومع هذا التنوع ووجود معرض دائم لبعض أعمال فنانين كبار تعجبت من شكوى الطناني، التي أكدت أنه لا داعي للتعجب، فهي تفعل ما بوسعها ولن تأخذ الشهور الفائتة كمقياس عام، لكن الواقع والتجربة الحية يؤكدان أن الإقبال ضعيف جداً على المعارض الفنية خاصة بين الشباب. أما المكتبة فكتب الاطلاع المجانية تنتظر من يتصفحها. لكن فنون التي تنظم أنشطة ثقافية أخرى في حديقتها من وقت لآخر شهدت إقبالاً في شهر أكتوبر الفائت، حين أقيمت أمسية مفتوحة للغناء مع الفنان الشاب تامر أبو غزالة، وكانت الدعوة مفتوحة للجمهور لمن يحضر آلاته الموسيقية للعزف والمشاركة في الأمسية. وكان الإقبال أكبر في ليلة مع أغاني الشيخ إمام وفرقة الطمي المسرحية حين اشتملت الدعوة على جملة غناء جماعي يشارك فيه الحضور، حيث تقول الطناني لم أهدف من البداية لربح، فهدفي أن يخلق المكان روحاً من الاتصال بين جمهور الفن ودارسيه والفنانين والنقاد وجميع المشتغلين والمهتمين بالفن، وأن يعمل كذلك على بث روح ثقافية بالحي المحيط، لكن المشكلة أنني أخسر يومياً.
الغريب في الأمر أن الحي المحيط ما هو إلا حي المهندسين أكبر أحياء القاهرة، والذي تتركز فيه أهم المحال والنوادي والمناطق الحيوية، وكذلك المراكز التجارية ذات الطوابق المتعددة. بل وتتركز فيه طبقة الأثرياء الجدد، التي ربما لا تهتم بالفنون بقدر اهتمامها بالسوبر ماركت بحد وصف الطناني.

عبوديا وغناء التراث العراقي 

  عندما خرج اليهود من العراق بموجب قانون إسقاط الجنسية العراقية لعام 1951، توقفت الساعة بالنسبة لأدبائهم وموسيقييهم، خرجوا الى اسرائيل ولكن قلوبهم وأذهانهم بقيت وراءهم في العراق. اصبحوا يعيشون في قالب الثلاثينات والاربعينات. التطورات التي تلت ذلك اصبحت غريبة عنهم. اصبحت تعني ملة اخرى لا علاقة لهم بها. بل هي ملة العدو في اطار النزاع العربي الاسرائيلي. استطيع ان اتصور المحنة النفسية التي عاشوها. كلما همهموا بلحن او اغنية في الحمام وجدوا انفسهم يترنمون بألحان العدو. كلما استشهدوا بكلام مأثور وجدوه بيتا من اشعار العدو. فهذه الموسيقى الغربية التي يعزفها ويغنيها الاسرائيليون الآخرون غريبة عنهم وهذه اللغة العبرية التي اخذوا يتعلمونها لغة جديدة مجردة من اي خلفية عاطفية او ذكريات شخصية وهذا في الواقع من ابرز خطايا الصهيونية. ومن ابرز ضحاياها كما يبدو لي الشاعران ابراهيم عوبديا والياهو منصور. ما زال كلاهما يترنمان بذكريات دجلة وألحان أنهر بابل. هناك في التوراة كلام اليهود الذين سباهم واقتادهم نبوخذ مصر ـ انشدوا فقالوا على ضفاف انهر بابل جلسنا وبكينا اذ تذكرنا صهيون.. فلتفقد يدي اليمنى مهارتها إذا نسيتك يا أورشليم. انقلبت الآية الآن بالنسبة لهم حتى لأكاد اسمعهم يغنون فيقولون: على ضفاف طبريا جلسنا وبكينا اذ تذكرنا العراق.. فلتفقد يدي اليمنى اذا نسيتك يا بغداد. هناك في مقامهم الجديد أسسوا رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق. بين الفينة والفينة تسلم شيئا من مطبوعاتهم. كان من آخرها ديوان جديد من شاعريات الياهو منصور. بث فيها ذكرياته وحنينه لضفاف دجلة ومجالس بغداد. كان منها ايضا كتاب جديد باسم مع الغناء العراقي ـ مطربون ومطربات وأغان من التراث العراقي. هذا كتاب طالما افتقد مثله المغتربون العراقيون في سعيهم للتعرف بنجوم الطرب العراقي. وعليه فهو من هذه الناحية يسد ثغرة كبيرة لا بالنسبة للعراقيين النازحين الى اسرائيل فقط، بل وكذلك بالنسبة للنازحين العراقيين في كل مكان. وهي مساهمة مشكورة للتراث الموسيقي العراقي. يحتوي الكتاب على كثير من نصوص الاغاني العراقية المعروفة والشائعة ولكنه يضم ايضا بعض الطرائف عن حياة اصحابها، وقد وجدت من أطرفها حكاية المطرب وقارئ المقام شلتاغ وعلاقته بيعقوب الارمني. ابراهيم عوبديا يكتب وكأنه ما زال في بغداد. انه في الواقع يكتب لكل العراقيين. تفتح كتابه فتفاجئك كلماته حيث تراه يقول: وهكذا اكتشف الاخوة العرب.. ناظم الغزالي. وايضا: في الاقطار العربية دنيا جــديدة من الطرب الشعبي العراقي. وايضا: وإن مضى ناظم الغزالي رحمه الله فان اغانيــه ما زالت باقية حية لن يموت. وهو يشير دائما للعراقيين في قوله: الاخوان العراقيين. لقد ألف ابراهيم عوبديا في اسرائيل كثيرا من الاغاني التي لحنت وغنيت باللهجة البغدادية والانغام العراقية ونشرها في مجموعة شعرية تعبر عن حنيــنه للعراق. استطيع ان اتصور هذا الاديب والشاعر العراقي الاسرائيــلي وهو يجلس في مقاهي تل ابيب وفي أذنيه سماعة راديو يستمع فيها الى راديــو بغداد.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم 2005

Iraq designer  : nana20042005@hotmail.com