ماذا تفعل بنا الصورة؟ وماذا نفعل بها؟ 

 لنفترض أن «نعومي كامبل» جاءت إلى لبنان، ونزلت في ذلك الفندق العالمي الطراز، ونامت على تلك الفرشة الوثيرة في غرفة ثابتة الحرارة، وأكلت من مآكل مدروسة النكهات ومحسوبة السعرات الحرارية، وخرجت وفق برنامجها الصارم إلى أماكن العرض في سيارات قاتمة الزجاج مكيفة الهواء، وسلكت إلى أماكن محددة في دقة شديدة. إذن هل زارت نعومي كامبل لبنان؟ أم ينبغي أن نسأل: هل الأحياء التي لم تتشرف بمرورها موجودة في لبنان؟
تتناسل من هذه الفرضية أسئلة يجمعها بلال خبيز في كتابه الجديد «الصورة الباقية والعالم الزائل».
يستمد هذا الكتاب حجته من خوف الكائن من الزوال، لأن الكائن يستعين على الزمن بالسرد. فبالسرد وحده يمكن لحياة الكائن البشري أن تتكثف وتتطاول إلى ما لا نهاية، كما يطمح إلى معالجة أثر الاستعانة بالصورة في الرواية والقص، استعانة ملحة وضرورية في انتظار أن ننجح في صناعة صور تعيد للحياة قيمتها البسيطة والعميقة معاً وفي آن.
اعتقال لحظة هاربة في صورة، أو تأبيد حالة عابرة في نص من شأنه أن يقيم مديحاً متمادياً لحياة الكائن ويجعلها أعلى قيمة. لكننا نجهد في صنع هذه القيمة حتى نكاد نغيب عن وقائع الحياة نفسها.
وإذا كانت الصورة كذلك، أي أبقى وأقرب إلى الخلود من المصوَّر نفسه، يمكننا القول، إذن، أن الخرائط أبقى من المدن، والكتب أبقى من أنظمة الحكم. ويفترض ذلك أن تقوم الصورة والخريطة والكتابة لوحدها، وتعيش في عالمها الخاص بغض النظر عن فناء العالم أو بقائه. وهي أيضاً على الأرجح ليست في خدمته، بل هو في خدمتها. وفي كلام أدق تصير المدن مجرد صورة للخرائط، وتصير الكتابة أشد أهمية من الأحداث، بل أن الأحداث تحدث لمجرد أن يتسنى للكتابة ذكرها وتصير الصورة حقيقة الكائن الوحيدة.
يستنتج الكاتب من حالات شهيرة ما سهونا عن الانتباه له. «مايكل جاكسون» الذي ذهب في الحرص على حياته إلى حد محاولته محاصرة كل أسباب الموت الصناعية، فمنع جسده من الاحتكاك المباشر بأي عنصر طبيعي غير معالج. وغدا يتنفس هواء مكرراً، ويشرب ماء معالجاً ويتقنع حتى أطراف أصابعه بالثياب المانعة للاحتكاك. حوّل نفسه مثالاً معولماً، وجعل البربرية صفة الطبيعة، واعتبر الإنسان ضحيتها الأولى. كما استعرض سلوك «جاكسون» هذه القدرة البشرية على العيش في تمرد على الشروط الطبيعية، رغم أن العلم يقر بتحسن شروط العيش المعاصر عن العيش التاريخي، وأن متوسط العمر إلى ازدياد مطرد. هذا المنطق لم يحل دون لجوئه إلى العيش في كوكبه النقي، وشرط العيش في هذا الكوكب أن يبقى ساكنه في موضع مراقبة وتلصص. وجاكسون لم يغادر كوكبه إلاّ مصحوباً بعدسات المصورين.
أمّا بورخيس فيملك سحراً يدفع كبار المصورين في العالم لتصويره، ما الذي يجعل بورخيس دون غيره نجماً في التصوير الفوتوغرافي. ليست الشهرة الأدبية وحدها، بل ميزة أساسية تتعلق بانعدام قدرته على رؤية وجهه في المرآة. لذلك فهو يقدم وجهاً غير شخصي، بريء وفج وبرّي في الوقت نفسه، لأنه لا يستطيع أن يزرع في وجهه علامات تدل على بعض شغفه. ليس قادراً على تبيّن الحد الفاصل بين حداثة وجهه وتاريخه الطويل. بورخيس وجه يكتمل بعينين مطفأتين.
أما مصدر المعنى المغاير الذي يحمله وجه بورخيس فيتعلّق بأسبقية الاسم، فالوجه الشائع مسبوق دوماً بالاسم اللامع الذي يجعل منه فرداً من دون حاجة لمعاينة المرآة، أي إنها إحالة على الجهد الجبار الذي يبذله صاحب الوجه في جعل اسمه يقوم مقام وجهه بالتعريف عنه. لذلك لا نطلق على النمر مثلاً اسم علم، لأنه لا يفقد صفاته بتقدم السن، فالأنياب والمخالب الكليلة تظل قادرة على القتل بالنسبة للإنسان، على النقيض من حالة البشر الذين لا عبرة لوجوههم من دون الأسماء اللامعة. الوجه يكتسب حضوره من صفات مضمرة في ذهن الناظر، ولا يحيل على الفردية المعتنى بها في عقل الحداثة ووعيها، بل على العزلة والتوحش اللتين لا يفصلهما عن الفردية سوى حد المرآة الجارح.
صورة الإعلان التجاري تحاول أن تجعل وجه نجم الإعلان حجاباً للسلعة. فالإعلان عن الصدرية النسائية مثلاً يتوجه إلى الرجال، لأن هذا النوع من السلع لا تعرف عموميتها إلاّ في الواجهات. ما إن تخرج من أغلفتها حتى تختفي تماماً عن النظر العام، وتصبح من الخصوصيات. وتوجُّه العارضة للرجال يسلك طريقاً كثيرة التعرج نحو المستهلك ولا يخاطبه مباشرة.
العارضة في هذا المجال كناية عن المرأة في جنسها، فعلى الرغم من أنها تملك اسماً ولها عينان لامعتان ومتحديتان إلا أنه لا مكان للغيرة منها، لأن النجمة لا تكون نجمة إلا إذا حازت شرط القبول من جماهيرها، وبحيازتها لهذا الشرط تستطيع أن تجر جماهيرها في الدروب التي تقترحها عليهم. هكذا بوسعنا أن نفهم على أي أسس تحتل أحزمة «شاكيرا» وسراويلها الشوارع وتلتصق بأجسام المراهقات في العالم أجمع.
وإذا قارنا بين اللوحة والتصوير الفوتوغرافي، نرى أن بوسع الصورة الفوتوغرافية أن تظل معلقة بالجسم، على النقيض من اللوحة التي سرعان ما تعيش حياتها الخاصة بعيداً عن الموديل نفسه. فجمال «مارلين مونرو» يأسرنا ونكاد نأسف أسفاً عميقاً لموتها، لكننا لا نقيم وزناً لحياة «الموناليزا». لأنه في الصورة يبدو الجسم هو المادة الفنية الحية، أما في اللوحة فقدرة الرسام على بث إشارات ما خلالها هي عناصر الجذب والمهارة.
يستطيع التلفزيون إدعاء القدرة على نشر أنماط من المعرفة، ومشاركة المشاهد في صنع القرار وإبداء الرأي بخلاف السينما السلطوية البث والإبداء، كما يشير إلى الاهتمام بالراهن الجاري حدوثه أكثر من اهتمامه بما جرى. على هذا لا يتوجب على العراقيين بكاء موتاهم من ضحايا النظام السابق الذين اكتشفت رفاتهم في المقابر الجماعية، فالحدث اليوم هو اكتشاف الرفات لا حدوث الموت.
التلفزيون بخلاف السينما التي على نجومها أن يكونوا نجوماً حتى في نومهم. لا يتحمل نجماً واسع الثقافة وبالغ الذكاء، لأنه يريد أن يوحي بأن النجومية في متناول يد المشاهد. وما ينقص المرء للحصول عليها، سوى قليل من الحظ وبعض المصادفات السعيدة.
الصور التي تبثها التلفزيونات للحروب أحوج ما تكون إلى التعليق عليها. فهذه الصور عاجزة على النطق وحدها من دون مساعدة اللغة، كما أنها لا تستطيع أن تنشيء لغتها الخصوصية، وذلك ليس لنقص في عدد الضحايا، أو لكسل في همّة الصحافيين، بل للامبالاة التي يجابه بها الموت. فتصبح الحروب وكأنها دون مكان. ويصبح موت الأطفال ليس بسبب نقص الأدوية، بل لفرط العار الذي جعلنا نقبل تحويلهم عبرة ورسالة يبعث بها كلا الطرفين المتحاربين للعالم أجمع.
كتاب يلتقط العادي واليومي، ويعيد صياغته، ليعصر منه الدهشة من عدم انتباهنا له. في وقت نسعى جميعاً لنتحول إلى صورة ينبغي عليها أن توحي بحياة الميت لا بموته، وتنبهنا إلى التأخر الطفيف الذي حال دون استمرار الحياة. فكم يبدو مروعاً أن نشاهد مصائرنا الفاجعة على التلفزيونات، وأن نطنب في وصف ملكاتنا التي لا تملك أن تحتفظ بقدرتها إلاّ في «ألبومات» يستعيدها النظر وتسقط دون روح لاستحالة الخلود واختيار المستقبل

 كتاب للأطفال يطبع في 14 بلدا وحقوق النشر بمليون

 بدون وجود قصة عادية لن يكون هناك كتاب عادي» هذا هو العنوان الفرعي لكتاب «عملية أريحا الحمراء»، كان الأول ضمن سلسلة غيلد الصادرة عن دار النشر «والكر». والكتاب هو ثلاثية تنتمي إلى صنف أدب الخيال العلمي وتتجه إلى الصبية ما بين سني التاسعة والثانية عشرة، وهي العمل الأول للمؤلف جوشوا ماول.
تجري أحداث الرواية في شنغهاي عام 1920. كان الصبية على ظهر سفينة عمهم «اكسبيدينت» المخصصة للبحث في أعماق المحيطات، والمتجهة إلى بحر جنوب الصين. وهناك عثرت بيكا ماكنزي، 15 سنة، وأخوها دوغ، 13 سنة، على سر غريب جدا: قصة نظام قديم وضع كي يحمي العالم من الشر. وتعيد رواية «عملية أريحا الحمراء» طرح مغامرة البحار المرحة برفقة الكلمات القادمة بواسطة الفاكس والخرائط الملونة والخطط مع توضيحات ملونة أخرى. والكتاب في حد ذاته جميل وهو يشبه مجلة رحلات ذات غلاف سميك بلاستيكي مع خرائط مطوية داخل الكتاب.
يقول المؤلف ماول إن اللحظة الحاسمة في حياته جاءت في عام 1977 حينما شاهد السفينة «امبريال ستار دستروير» وهي تبحر في المشهد الافتتاحي لفيلم «حرب النجوم». وبعد التخرج في كلية الفنون بدأ بالعمل في الصحف وكان فنانا في حقل الغرافيك في صحيفة «ميل أون صنداي» منذ عام 1994 حيث كان يرسم كل شيء من الخرائط والبيانات ورحلات الفضاء والعمليات الطبية للقاذفات من نوع «ستيلث» الشبحية. ثم هجمات الـ «أس إيه أس» والأسلحة المسيرة بأشعة الليزر.
ويخطط والكر لتسويق واسع يشمل حملة شاملة عبر الإنترنت، وعبر مواقع صغيرة أيضاً، وكذلك ستتوفر بوسترات وكراريس. وقالت أليسون موريسون مديرة والكر للتسويق: «نحن نراها بأنها تمتلك القدرة على أن يكون لها نفس السوق الذي تمتعت به سلسلة أنتوني هوراويتس المعروفة باسم «أليكس رايدر» حينما طبعت للمرة الأولى. وهي بالتأكيد لها جاذبية خاصة بين الصبيان، لكن هناك ايضاً شخصية انثوية رئيسية في الرواية».
وسببت رواية عملية أريحا الحمراء ضجة داخل دار النشر والكر منذ أن وصل اقتراح ماول الأول، فقام الفريق المعني بحقوق الكتاب الأجانب بضمان أكبر حصة من حقوق الطبع في الخارج مقابل مبلغ يتكون من ستة أرقام مع شركة سوني وهي حقوق طبع الكتاب بشكل كامل لها في اليابان بعد أن فازت بمزاد حاد مع تسع دور نشر أخرى. والكتاب سيطبع أيضا في 14بلدا آخر بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا. وفي الولايات المتحدة حجزت مؤسسة «ريدنغ غروبز» 40 ألف نسخة منه. والاهتمام بالكتاب كبير جدا منذ الآن حتى قبل أن يطبع. أما الكتاب الثاني فهو ثلاثية «ساحل العاصفة» وسينزل إلى الأسواق في سبتمبر 2006.

الكلمة.. امـــــــــــــــرأة جميلة مُبهرة تردد دوما: (للحرية حدود!) 

 أمضى عارف الريس رحلة طويلة من البحث المضني وراء حقيقة كونية تمنحه تماسكاً واستقراراً كإنسان، فيمنحها تجسّداً وحضوراً كراءٍ وفنان: من عاليه حيث ولد، إلى مدرسة عينطورة، إلى ميخائيل نعيمة الذي فتح له في شبابه المبكر كوة على ضوءٍ ما زال يستضيء به كلّما ادلهمّت به الأحداث، إلى السنغال، فباريس، ففلورنسا، فالولايات المتحدة والمكسيك، وأخيراً إلى عاليه ثانية مثقلاً بتجارب العمر وباسم فني تجاوز حدود لبنان إلى العالم العربي ومنه إلى حيث للفنون التشكيلية حضور في العالم الغربي الأوسع.
يرى الدكتور نديم نعيمة أن علامة الريس الفارقة كفنان تتمثل في جدّيته في البحث عن يقين، وجرأته في التعبير عنه مهما بدا مستنكراً، وفي التنكر لخلافه مهما كان مكرَّساً. وأما حاديه في ذلك، فدافع داخلي إلى التعبير منطقة في النفس هي فوق مهطال العقل ومعطيات الحواس. لذلك ظلّ محتوماً على فنّ عارف الريس ألا يقف عند أسلوب واحد أو قناعات تشكيلية نهائية، بل أن يتبدل بجرأة وأن يتطوّر، وفق ذلك الدافع الداخلي وتبدّل ما يمرّ به ويطرأ عليه من تجارب. إلا أن الذي لم يتبدّل عند عارف الريس هو هويته الفنّية المتجذّرة في البقعة المشرقية التي عاش عليها من الأرض، والباقية في روحها المشرقية على ما انفتحت عليه واستفادت به من تجارب في سائر التراث العالمي.
هذا الفنان الذي أبدع بالريشة والإزميل أبدع بالقلم أيضاً، وبين أيدينا اليوم كتاب غني وشيق وجميل له هو «متاهات جميلة» صدر قبيل وفاته هذا العام. في هذا الكتاب رسم لنا الفنان ـ الكاتب مدينة فاضلة شيدها عبر ما طفحت به صفحاته من رؤى أخلاقية وفلسفية، تعبر عن فهم عميق للإنسان والحياة. كانت الشخصية المحورية في الكتاب امرأة أزلية اسمها «جميلة»، كلف حب الكاتب لها أن تطلقه زوجته. و«جميلة» كما تصورها حروف الريس تبني القصور، ومعها نحلق في الآفاق لنرقد معها على وسادة من قش أو حرير، لا تعبأ بالرفاهية و بالمظاهر إنها كالسّر ـ حميمة تقبل الظل ـ وكثيراً ما تختفي في ظلمة النفس القلقة والروح المتمردة ـ تتآخى مع كل الحالات ـ من الحزن العميق إلى السعادة. رقيقة، صادقة، لا تخون، تلبي استغاثة المنادي، وتنهض مع الناهضين، كأنها جسد كل إنسان على حالته الآنية.
جميلة ـ جميلةٌ لا يمل من رفقتها أحد.
جميلة تردد دوماً :«للحرية حدود»، ولكنها لم تكشف عن حدود هذه الحدود. وجميلة كما يقول عنها النص «لا تنصاع بسهولة إلى المفروض في الحياة العامة، تقاوم، وتطلب التوضيح.. وتقترح الأصح وفق رؤيتها للأمور السائدة. كثيرة التطلب من نفسها ومن الآخرين. تقول إنها عاشت أجيالاً وتتجدد حياتها مع كل جيل، وتقدم خدماتها بدون حساب للوقت أو للطبقة التي تولد فيها من جديد. تشعر في أعماقها أنها تنتمي إلى جميع الطبقات.. لها مزاجها مع من يفهمها ويحسن التعامل معها، وهي تحترم هذه الفئة من الناس الذين يكونون فئة المبدعين والمفكرين والشعراء، لما في أرواحهم من خصب، وما في عقولهم من تنوّر، وما في أعمالهم من مثل عليا. تهبهم ثقتها وحبها ليطمئنوا إلى وجودهم مع وجودها. تتنزه معهم في حدائق الخيال. يقول المؤلف: «جمال جميلة أنها تمثل الفرح والغضب، والمدح والهجاء، والغناء وطقوس الحزن. عشقت جميلة وعشقي لها كارثة». تستمر هذه الانثيالات وغيرها، مجسدة جمال ومحاسن جميلة، على مدى مائة صفحة من الكتاب، يظل ينمو في ذهن القارئ عبرها فضول لمعرفة هذه المرأة الفاتنة الساحرة الملغزة، ولكن القارئ يكتشف فقط على الصفحة الأخيرة من الكتاب أن جميلة هي ليست امرأة في جسد إنساني، بل إنها الكلمة التي نردد بها صلاتنا وابتهالاتنا إلى الله. الكلمة التي نتفاهم عن طريقها، وندون بواسطتها تاريخنا وإبداعنا وكل ما يتعلق بأمور حياتنا. تتحاور الكلمة ـ جميلة في النصف الثاني من صفحات الكتاب مع ثلاث شخصيات فقط حوارات مكثفة، تصب مداليلها في الاتجاه الأخلاقي والإنساني النبيل الذي وظف المؤلف هذا النص السردي الجميل لخدمته. ومن هذه الشخصيات شخصية بهلول أفندي، التي تلخص قولاً وسلوكاً الكثير من الحكم الحياتية، فهذا الحكيم ضائع في تساؤلاته وافتراضاته. أنه لا يكشف النقاب عن مشاريعه، حرصاً على عدم إزعاج الآخرين، وانطلاقاً من مقولة إن لكل إنسانٍ مشاغله وقناعاته. يحافظ بهلول على استقلالية تضمن له الطمأنينة. الكلمات بالنسبة إليه، متفجرات لا يعرف الإنسان أضرارها ولا منافعها، إلا بعد انفجارها، وقد تكون النتيجة مفجعة فيتجنبها. أفكاره جارية كمياه الجداول، والحياة بالنسبة إليه تجري حافلة بانسيابيتها، ومكتظة بالدروس والحكم والمفارقات، فهي ساحة مفتوحة لامتحان الإنسان واكتشاف قدراته في الإيمان والصبر والإبداع والتمسك بقيم الخير والفضيلة.
لقد لخص الكتاب تجربة غنية في الحياة، وجاء مكتنزاً بالإيماءات الفلسفية والأخلاقية والإنسانية بأسلوب واضح وعميق وشفاف يندرج بجدارة تحت لواء ما اصطلح على تسميته «الأسلوب السهل الممتنع». وقد جسد المؤلف على لسان الكلمة وبواسطتها قيماً فذة تكرس السمو الأخلاقي والروحي والإخاء البشري وفق قيم المحبة والعدالة والخير والحق والمساواة.

هل تسبب حكايات (ألف ليلة وليلة) حرجا للعقلية العربية؟
ناقد وناقدة من السعودية يختلفان حول (سكوت شهرزاد عن الكلام المباح) 

 ألف ليلة وليلة حكايات نسجتها الشعوب العربية شفهيا، بدءاً من عصور الإسلام الأولى، وحتى ما بعد القرن الرابع عشر، حيث بدأت ترجمتها للغات العالم ونقلها، كي يزدادوا بها شغفا، وهم يبطنون داخل جسد السرد نوايا إصلاح سياسي كما هو حال شهرزاد في مواجهة شهريار. لكن شعوبنا توقفت عن نسج ليالي جديدة منذ القرن 16، حيث بدأ تدوينها، فهل انتهى زمن حكايات ألف ليلة وليلة أم أن العقلية والسلطة العربيتين هما اللتان وضعتا نقطة النهاية؟
الناقدة السعودية سهام القحطاني تقول «ما تزال حكايات ألف ليلة وليلة تمثل حرجا لعقلية السلطة العربية، لأنها تصطدم بالمناطق الأكثر حساسية وهي السياسة والجنس والمرأة، وهذا مبرر كاف لقمع الخطاب الإصلاحي للحكايات في بعض المجتمعات العربية، أما البعض الآخر الذي يدعي حقوق حرية الرأي، فقد عمد إلى تحويل الخطاب السياسي الإصلاحي للحكايات إلى نصوص من نوع الحكي الغرائبي والعجائبي». وتتابع حديثها «هذا ما يفسر لنا تعريف جمال الدين بن شيخ للحكايات بأنها نصوص خرافة، وهو ما دفع شيوخ مصر إلى طلب إحراق النسخ الأولى للحكايات، لأنها تحتوي وفق اعتقادهم على الخرافة والمجون. وهذا التعريف القاتل، والتقييم الأخلاقي، جرد الحكايات من خطابها السياسي، وأدخلها نطاق المحرم، لتضمن السلطة قتل الأثر الأدبي».
وتقول القحطاني، قصدية الحكايات واضحة من حوار شهرزاد مع أبيها حين تقول: «إني مطالعتك على ما في سري.. أشتهي منك أن تزوجني إلى الملك شهريار، إما أنني أتسبب في خلاص الخلق وإما أموت وأهلك». ترى القحطاني من خلال هذا الخطاب تجوهر حكايات شهرزاد وفق مرتكزات تتمثل في إعلان فعل المقاومة ضد استبداد الحاكم الظالم شهريار، وتفعيل صوت المعارضة ضد العنف الجنسي والعنف السياسي، الذي كان يمارسه في تصفية وقتل عذراء كل ليلة. وواضح ايضاً في الحوار رغبة الإصلاح وتفقيه السلطان الجائر بأصول العدل. «هذا ما نجحت به شهرزاد حينما قال لها شهريار بعد تفوقها: لقد زهّدتني يا شهرزاد في ملكي وندّمتني على ما فرط مني في قتل النساء والبنات». وتتابع قحطاني مستشهدة بما قالته الدكتورة فاطمة المرنيسي «شهرزاد رائدة ثورة تحفز الضعفاء على التمرد».
وتقول القحطاني «هذه الرسائل المشفّرة في الحكايات، لا شك أنها تهدد ثوابت العقلية العربية الذكوريّة في أصلها، وتجعلها كائنا سياسيا ثوريا ماركسيا، لذلك استحقت النفي خارج وطن التداول، ومنعت شهرزاد من الكلام المباح».
أما الناقد السعودي والشاعر حامد بن عقيل فيختلف مع القحطاني في رؤيتها لأسباب سكوت شهرزاد عن حكاياتها ويجد أن عملية التدوين تعني المكتبة أي الذاكرة الإنسانية، فحين يتم تدوين »ألف ليلة وليلة« فمن الطبيعي أن ننظر للجانب الإيجابي المتمثل في حفظها، لكن هناك جانب سلبي آخر يتمثل في قطع الطريق على الرواة الذين كانوا يتناقلونها، فكون المكتبة حصيلة منظّمة من المعرفة يعني إتكاءها على العمل الناجز الذي لا يمكن تحويله أو الإضافة عليه أو الانتقاص منه. ويقول بن عقيل «هنا، يمكن الجزم بأن التوقف الذي أشرتِ إليه طال العمل الأدبي»ألف ليلة وليلة« فقط، والشعوب العربية لازالت تنتج سيرها الخاصة تحت عناوين مختلفة، ولكن في ضوء لبس كبير يخترق ما يسميه ميشال أوتن «ميثاق القراءة»، ويعني به وجوب توجيه الانتباه من قِبل الكاتب إلى الجنس الأدبي الذي سوف يطالعه القارىء. وما يحدث الآن هو تحوّل من طريقة التآليف الجماعية إلى طريقة التأليف الفردي، وهي عملية استدعاء لذاكرة لا يمكن استدعاؤها مطلقا من جهة معرفية».
ويرى بن عقيل أن ما يحدث الآن هو استدعاء فردي من قِبل كتّاب يزعمون أنهم يكتبون «رواية» دون امتلاكهم لأي تصور يحدد لهم معنى وتقنية الرواية ويقول «هنا يحدث اختراق الميثاق القرائي، لنجد أن محتوى كثير من الروايات ـ خصوصا لدينا في المملكة العربية السعودية ـ يتقاطع مع ألف ليلة وليلة في الكثير من خصائصها الفنية» ولذلك يؤكد أن علاقتنا بالموروث المعرفي، يخضع لعمل الذاكرة من خلال مفهومين يحددان علاقتنا بالماضي، «أولهما: ما يمكن تسميته بالعادة، وثانيهما: هو الماضي المتمثّل ذهنيا». ولهذا يبدو صعبا جعل الذاكرة المعرفية المتمثلة ذهنية معنية، قادرة على العمل في المستقبل إلا لدى قلّة من الكتّاب الذين يستطيعون إحياء ألف ليلة وليلة في إطار أصيل من خلال إخضاع محتواها المعرفي، وكذلك إخضاع طرائق كتابتها الأسلوبية لتقنية سردية تجعل منها ذاكرة عاملة وفاعلة في المستقبل، فهل تحيا شهرزاد من جديد؟ ولمن ستوجه خطابها ومن سيساعدها في سرد الحكايات؟؟.

أيمـــن زيدان : أنا راضٍ عــما حققته وطموحاتي لا تتوقف عند حد معـيّن 

 نهاية رجل شجاع)،(أخوة التراب)،(يوميات مدير عام)،(تاج من شوك)،(هوى بحري)،(هولاكو)،(زمان الصمت)،(حصاد السنين)،(الدغري)،(اختفاء رجل) ،وأعمال كثيرة حقق فيها الفنان أيمن زيدان حضوراً ملفتا للانتباه كممثل، كما خاض تجربة في الإخراج التليفزيوني من خلال (ليل المسافرين) و(طيور الشوك) ،ومع بداية هذا الشهر الفضيل سيعود بعد غياب سنوات عن الأعمال التاريخية لتأدية دور الشاعر والأمير المعتضد في المسلسل التاريخي (ملوك الطوائف) بالإضافة إلى عدة أعمال كوميدية.. إنه الفنان السوري أيمن زيدان. لنبدأ بالحديث عن الأعمال التي يشاهدك بها الجمهور خلال شهر رمضان .
**بعد غياب طويل عن الأعمال التاريخية أعود للمشاركة في مسلسل "ملوك الطوائف" تأليف وليد سيف إخراج حاتم علي، وفي هذا العمل أؤدي دور الشاعر والأمير المعتضد، مع الإشارة إلى أن آخر عمل تاريخي شاركتُ كان مسلسل "هولاكو" إضافة إلى أعمال أخرى كوميدية شاركتُ بها منها "جوز الست" وهو مسلسل كوميدي اجتماعي ساخر، وفيه أؤدي دور الزوج الموظف في مؤسسة تديرها زوجته كمدير عام والعمل من تأليف زياد الريس وإخراج سيف الدين السبيعي وتقوم بالبطولة النسائية الفنانة سوزان نجم الدين، أما في مسلسل "أنا وأربع بنات" تأليف محمود الجعفوري إخراج رضوان شاهين فأودي دور أب من الجيل القديم يتولى مسؤولية تربية بناته الأربع بعد وفاة زوجته، وهناك عمل أيضاً بعنوان "أمهات" وهو دراما اجتماعية معاصرة، مع الإشارة إلى أن مسلسل "ملوك الطوائف" من إنتاج شركة سورية الدولية، أما الأعمال الأخرى فهي من إنتاج شركة الشام الدولية .
* هل تعتبر الإخراج بالنسبة إليك عملاً أساسياً أم أنه قد يدخل في باب الاستثناء؟
**عملتُ في الإخراج المسرحي عندما تخرجت من المعهد العالي للفنون المسرحية، مع أن دراستي الأكاديمية هي التمثيل، وبالنسبة للإخراج التلفزيوني ونتيجة أعمالي المتعددة مع أهم المخرجين في سورية نجدت أنزور وباسل الخطيب، فأصبح لدي خبرة في الإخراج، وعندما أقدمتُ على هذه التجربة كان همي تقديم شيء مختلف بطريقة مختلفة، وكمخرج استفزني نص "طيور الشوك" كثيراً ووجدت نفسي فيه مخرجاً أكثر مني ممثلاً فكانت التجربة الثانية بالنسبة لي .
*حدثنا عن علاقتك مع المخرجين نجدت أنزور وباسل الخطيب .
**نجدت أنزور مخرج متميز استطاع أن يحرك المياه الراكدة في الوسط التلفزيوني السوري، ففي مسلسل (نهاية رجل شجاع) قدم شكلاً فنياً جديداً مختلفاً عما كان سائداً واعتُبِر هذا المسلسل أول وأهم إنتاج في الفورة الإنتاجية السورية، وقد تكررت تجربتي معه في عدة أعمال وأنا أحترم علاقتي معه، أما المخرج باسل الخطيب فأراه المخرج الذي يحقق التوازن في عمله بين الشكل والمضمون وهو الأقرب إلى رؤيتي الفنية وإلى النوع التلفزيوني الذي أحبه، كذلك يجب ألا ننسى تجربتي مع المخرج الأهم في الكوميديا السورية هشام شربتجي . *كمخرج كيف يتم اختيارك للممثلين؟
**اختيار الممثل بالنسبة لي الخطوة الأولى لنجاحي كمخرج، ودائماً أسعى لاختيار الممثل المناسب للدور المناسب بعيداً عن أية اعتبارات أخرى .
*فيما يتعلق باختيار الطاقم الفني ما الفرق بين أن يكون المرء مخرجاً أو منتجاً؟
**بالتأكيد عندما أكون منتجاً فإن اختياراتي ستكون محدودة لوجود مخرج يملك حق اختيار الممثلين أكثر، أما عندما أكون مخرج العمل فاختياراتي تكون كاملة دون تدخل من أحد .
*تحرص دائماً في أعمالك على اكتشاف وجوه فنية جديدة.. لماذا؟
**لأنني أؤمن بضرورة وجود وجوه شابة جديدة ترفد الحركة الفنية ويساهمون من خلالها بالتجديد في الأشكال والموضوعات المطروحة وأعتقد أن هؤلاء بحاجة إلى من يدعم مسيرتهم ويقف إلى جانبهم .
*كيف تحصّن نفسك ضد الوقوع في فخ التكرار؟
**أبحث دوماً عما هو جديد وأبتعد عن الأعمال المتكررة التي لا تضيف لمسيرتي شيئاً وهذا يأتي من خلال خبرة الفنان وقدرته على الحفاظ على ما وصل إليه .
*لك تجربة حديثة مع الفنان باسل الخطيب من خلال فيلم "الرسالة الأخيرة".. ماذا عن هذا الفيلم الذي سمعنا عنه فقط؟ وماذا عن تجربتك السينمائية بشكل عام؟
**عملتُ في السينما السورية من خلال أربعة أفلام عندما كانت الأفلام السورية في مرحلتها الذهبية، من خلال أفلام "أحلام المدينة-الشمس في يوم غائم-الليل-الطحالب" وللأسف أن السينما السورية وعلى الرغم من كل الجهود المبذولة لتحسين أوضاعها إلا أنها تعاني من مشاكل كثيرة، وهي مقتصرة اليوم على تجارب لبعض المخرجين من خلال فيلم أو فيلمين في السنة، أما فيلم "الرسالة الأخيرة" للمخرج باسل الخطيب فقد كان الهدف منه محاولة تقديم فيلم بمواصفات عالية وجيدة بعيداً عن شروط السوق في القطاع الخاص، فهو أول إنتاج لشركة خاصة (شركة الشام) وقد جرت عملياته الفنية في اليونان وعُرِض في مصر فقط .
*ما السبيل لتجذير النجاح الذي حققته الدراما التلفزيونية السورية؟
**المطلوب مجموعة شروط يجب أخذها بعين الاعتبار، منها قناعة المؤسسة السياسية بأن الدراما تساهم في الدخل القومي، فهي صناعة قائمة بحد ذاتها، ولتكون صناعة فعلاً تحتاج لتسهيلات وإنشاء بنوك إعلامية وتوفير الشروط الموضوعية لتحقيق قفزات نوعية على صعيد الإنتاج التلفزيوني .
*هل أنت راضٍ عما حققتَه حتى الآن؟ أم أن الطموحات عند الفنان لا تنتهي؟
**نعم أنا راضٍ وأتمنى دوماً أن أحظى بفرص جديدة أساهم من خلالها في تطوير الحركة الدرامية في سورية..الطموحات كثيرة وهي فعلاً لا تنتهي

 افلام المحمول

 افتتح في باريس قبل أيام مهرجان سينمائي لأفلام الهاتف المحمول. ويتخصص المهرجان في عرض الأفلام التي صورت بالهواتف المحمولة المزودة بكاميرا، ويأمل منظموه أن يؤدي «إلى إبراز فن ناشىء والتساؤل بشأن تأثيره على التيارات السينمائية الرئيسية» يأمل أيضا رعاته الرسميون (نوكيا وشركة فرنسية مشغلة للخطوط المحمولة) بأن يكون دعاية جديدة لهواتف الجيل الثالث وتطبيقاتها. ما يجذبنا نحو الموضوع أكثر في الحقيقة هو أن هذا ليس المهرجان الأول من نوعه. تايوان نظمت في سبتمبر الماضي مهرجانا مشابها، بينما قام مهرجان صندانس الأميركي في السابق بتوزيع جوائز خاصة لأفلام المحمول. وما يميز مهرجان باريس الأخير هو أن منظميه جادون فعلا في قضية تأثير أفلام المحمول وهو ما جعلهم يقيمون عدة جلسات حوارية لمناقشة هذا الفن الجديد ومستقبله، ردا على انتقادات بأن أفلام المحمول لا تعدو كونها مجرد أدوات ترفيه. وتقول مديرة المهرجان لورانس هيرسبيرغ بأن السينما الرقمية على سبيل المثال رفضت في البداية من قبل مخرجين كبار كثر، ولكنها الآن تلقى قبولا واسعا. ويبدو أن حماس السيدة هيرسبيرغ لأفلام المحمول (تنوي إقامة المهرجان بشكل سنوي) قد جعلها تخلط وبشكل غير مقبول بين أفلام المحمول وبين السينما الرقمية، فالقبول الواسع الذي تحظى به السينما الرقمية الآن يرجع لكونها في الحقيقة وسيلة رخيصة وعملية لتصوير الأفلام دون إخلال كبير في طبيعة الصوت والصورة (الحقيقة أن معظم رافضي السينما الرقمية لا يرفضها لأسباب تقنية، وإنما لأسباب تتعلق بطبيعة الفيلم الخام (كيف يمكن أن يكون لديك فيلم دون فيلم حقيقي؟) وأكثرهم كانوا من الجيل القديم الذين تعودوا على شرائط السليلويد ولا يعرفون لها بديلا). حالة السينما الرقمية هذه لا يمكن أن نطبقها على وضع أفلام المحمول، وهي وإن كانت رخيصة بالفعل لكنها تواجه مشاكل تقنية بصرية وصوتية بشكل يجعلنا نستبعد أن تتحول إلى فن المستقبل.

ادباء سوريون في رمضان 

 كيف يصوم الأدباء والكتاب في بلاد الشام، هل ينقطعون للعبادة بعيداً عن التأليف والإبداع أم أنهم يجمعون بين الصوم والإبداع والتأليف ، وما هي ذكرياتهم.. في هذا التحقيق نبحر معا في أجوائهم ونستطلع طقوسهم الرمضانية تأمل وتزكية
الشاعر صالح هواري يقــول: أعتبر شهر الصوم شهر عبادة وتأمل وراحة نفسية وروحية لأنه شهر يشعرني بالصفاء أكثر من باقي شهور السنة، ولهذا فأنا أعتقد أن الصوم يصون النفس عن شهواتها والقلوب من الحقد والبغض وذلك بالإكثار من تزكية النفس ، والله سبحانه وتعالى يقول(قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها)والشاعر شأنه شأن كل إنسان مرهف وحساس يشعر حلاوة الأوقات في رمضان حيث يصل إلى حقيقته فيدرك معنى ذاته، فيتوجه إلى أعمال البر والخير والفضيلة، متجنباً كل ما يسيء لهذه الذات، وقد عرف الشعراء بنرجسيتهم وتضخم الذات لديهم ، ولهذا فإن الصيام يشعر الإنسان بأنه ضعيف أمام الله؛ وعليه أن يتواضع لله وهذا الطريق الطمأنينة الروحية والنفسية، أما عن ذكرياتي فأنا أتذكر في رمضان كيف كنا نحرص على التجمع بعد صلاة العشاء مع أبناء الحي، ونقضي الوقت بالأحاديث المسلية، أو تقديم الهدايا أو الحصول عليها من بعض وجهاء الحي، ونشعر كل يوم كأننا في عيد طوال الشهر المبارك، ونحن نشعل الشموع على اضرحة الأولياء..
صلاة واستغفار
أما القاصّ والأديب عبد اللطيف أرناؤوط فيقــول: رغم أنني أخصص جزءا كبيراً من يومي في رمضان للصلاة والاستغفار إلا أنني أخصص جزءا من الوقت لمراجعة وترتيب أوراقي، وإعداد كتبي ومخطوطاتي بشكلها النهائي قبل تقديمها للطباعة، فالنهار كله طويل، ولا يشغلني شيء، سواء للطعام أو الشراب فأشعر بأنني أكثر نشاطاً للقيام بالكتابة والتأليف، لأن الطعام أحياناً يضعف الهمة والعزيمة، وأنا أعتبر الصوم مدرسة يعتاد الإنسان على زيارتها بعد انقضاء شهر الصوم ، حيث ألزمت نفسي بصيام عدد محدد من الأيام في الشهر طوال العام بعد أن أدركت فائدة الصوم للبدن والنفس والجوارح وهو يسمى صيام التطوع على قدر الاستطاعة ، وأقوم بعد رمضان بأداء (النوافل) لأني أجد فيها تقرباً من الله تعالى . أما عن ذكريات رمضان، فقد كنا كأولاد في عائلة كبيرة (عائلة الأرناؤوط) نذهب مع الوالد والوالدة كل يوم لنفطر في بيت من بيوت الأرناؤوط ، فنشعر بالتماسك العائلي، كما كنا نولم لجيراننا على السحور وهم يفعلون معنا بالمقابل نفس ما نقوم به فيدعوننا للسحور ، ونظل ساهرين حتى مطلع الفجر لنصلي جماعة يؤمنا الوالد رحمه الله ، وأتذكر أنه كان يقرأ لنا بعد الصلاة صفحات من كتب التاريخ، ويشرحها لنا بأسلوب مبسط وسهل..
تسبيحات وابتهالات
الشاعرة هنادة الحصري تقــول: إن رمضان يذكرنا بالكرم والجود والموائد الرمضانية التي يقيمها الشاميون أمام المساجد عند الفطور والسحور، ويأتي إليها الفقراء والمعوزون ليطعموا منها وأحياناً يأتي من الأغنياء ليأكل من الفقراء سواء ليحس هو بالمساواة وهو يعتبر ذلك قربة وعبادة لله. كنت في صغري أساعد والدي بإعداد وتجهيز مثل هذه الموائد الرمضانية حيث كان والدي يجهز لها ويعد لها قبل دخول الشهر المبارك من الأرز والسكر والبقوليات حتى إذا ما حل رمضان قام بتجهيز أكثر من مائدة رمضانية -على حسابه- حيث ينشرها عند أكثر من مسجد وجامع..
إنها عادة جميلة مازالت حتى الآن في أكثر من مدينة في سوريا، يتعلم فيها الإنسان أن رمضان هو شهر الجود والكرم.. أما عن الشعر والكتابة فإنني أكتب في شهر رمضان تأملات وتسبيحات وابتهالات لله عز وجل تعبداً وتقرباً..
ألفة أسرية
أما الشاعر عبد المجيد عرفة ، فيقــول: شعوري في رمضان يكون مرهفاً جداً، ويمر الوقت سريعاً، وفيه أنشط في الكتابة والتواصل الاجتماعي واعتبر ذلك جزءًا لا يتجزأ من معاني شهر رمضان، البعض يسترخي ويتكاسل بحجة الصوم وعدم الشراب والطعام وهذا غير صحيح بل على العكس ، فإن الصيام يخلص الجسم من السموم المتراكمة فيه، ولهذا ينشط الجسم في الأسبوع الأول من بدء الصوم؛ ويظل هذا النشاط طوال رمضان وما بعده بشهور..ثم إن الحياة الاجتماعية تنشط في عائلتي الممتدة بين دمشق وحماه لذلك استعيد في رمضان ذكريات الألفة بين الأهل والسعادة الغامرة التي تملأ بيوتنا ونحن نجتمع على الفطور أو السحور، والصلوات فبين الفطور والسحور، والمرح البريء الذي يملأ هذه الدور والبيوت..
شهر للبراءة والمحبة
الأديبة الدكتورة سلوى الديري من جهتها تقــول: أعتبر شهر رمضان شهراً مثالياً للبراءة والطهارة والمحبة والتكافل الاجتماعي والأمل والتفاؤل. وعادةً ما أسافر في هذا الشهر من دمشق إلى مدينة أخرى حيث لي أخوات وإخوة أقضي عندهم جزءاً من العبادة بينهم، لأني أفهم أن رمضان هو شهر صلة الأرحام والأهل والأقارب وأحس أن هذا الشهر المبارك فيه نفحات خاصة ، وإشراقات تفيض في القلب والروح والجوارح ،لذا فأنا شديدة الحرص على التقاط هذه الإشراقات والنفحات الأهلية والكتابة عنها، ذلك لأن رمضان يجعلني أقف بصدق أمام ذاتي ببراءة وعفوية ، ومع ذلك كتبت بحثاً عن المنعكسات الاجتماعية والترابطات الأسرية التي تجري في شهر رمضان تطرقت فيه إلى التغيرات النفسية والجسدية والصحية التي تطرأ على الإنسان وأسرته وتفاعلهما مع المجتمع ، وأنا أعتقد أن طريقة تفكير الإنسان يطرأ عليها تغيير في أيام الصوم، مما ينعكس إيجابياً على سلوكه ونفسيته..
مصالحة مع الذات
الشاعر مهيدي عبد القادر يقول عن شهر رمضان: ما يهمني شخصياً من فضائل هذا الشهر المبارك هو الجانب الروحي ، وأعتبره فرصة للمصالحة مع ذاتي ، فأتوقف عن أي شيء أشعر أنه كان يأخذني عن التفرغ للعبادة والتأمل في معنى وجودي ومعنى الوجود والخلق بشكل عام..
وقد كتبت عدداً من التأملات الفلسفية الروحية ، وتخلصت من متاعبي وثوراتي الحياتية في هذا الشهر المبارك الذي يفيض علينا لطفاً وقربى من الخالق العظيم بقدرته خلقنا وخلق كل شيء.. وكم من مرة سامحت في رمضان من أساء إلي وفتحت صفحات جديدة مع أناس جرحوا مشاعري أو أساؤوا لي ، لذا أنا أسمي شهر رمضان بشهر الصحة النفسية والذي يعني لي المثالية والبراءة لأ، المناخ العام الذي يفيض به شهر الصوم على الجميع يجعل الإنسان أقرب إلى الطفولة وبراءتها وأبعد عن الشرور وارتكاب الآثام.. لذلك نجد كثيراً من الناس يعودون أنقياء شفافين لأنهم بفضل رمضان يعودون إلى براءة طفولتهم ، لذا لو كانت شهور السنة كلها(رمضان) إذاً لتخلص الإنسان من كل ما ينغص حياته وعيشته

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة العراق اليوم 2005

Iraq designer  : nana20042005@hotmail.com