|
كالفينو:
الوصايا والإبداع
الرواية؛ مغامرة إبداعية في أرض مختلفة،
واستثمار للممكن الإبداعي بوسائل لا يتيحها ألا المجال الحر، الفذ، والاستثنائي
لهذا الجنس الأدبي.. وكما يقول كونديرا فان "السبب الوحيد لوجود الرواية هو
اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه. إن الرواية التي لا تكتشف عنصراً
مجهولاً في الوجود هي رواية لا أخلاقية.." وكثيرٌ هم من جربوا كتابة الرواية،
لكن قلة من هؤلاء استطاعت اكتشاف ما هو خاص بالرواية، أي خلق عالم روائي يشتغل
في إطار ما تقترحها الرواية من قوانين سردية، وفي الوقت نفسه لا يشبه أي عالم
آخر. والروائيون الكبار هم أولئك الذين شيّدوا عوالم روائية ميـّزتهم من غيرهم،
وبوأتهم مكانة عالية في دنيا الأدب.
وعلى وفق هذه الأطروحة فان الروائي الإيطالي(ايتالو كالفينو) هو واحد من هؤلاء
الكبار، وعالمه هو نتاج لغة راقية، و أسلوب جذاب وساحر، ورؤية عميقة للوجود
الإنساني وخيال خصب، خلاق، على الرغم من اتهام بعض النقاد له بأن كتبه ذات كمال
شكلي وتفتقر إلى اللمسة الإنسانية.
ينشئ كالفينو في كتاب(مدن لا مرئية) مدناً تناظر مدن العالم الواقعي وتفارقها
أيضاً.. إنها مدن يعبر القارئ الواحدة منها إلى الأخرى مشدوهاً لينجز سفراً
زمانياً ومكانياً إلى زمان ومكان آخرين، قائمين بقوة التخيل. وفي روايتي (ماركو
فالدو) و(السيد بالومار) يقدم لنا كالفينو روايتي سيرة لشخصيتين من ذلك النمط
الذي كتبه هيرمان هسة كروايات(سدهارتا ـ كنولب ـ دميان) مع تباين في الأسلوب
والأفكار والمقاصد. إن كالفينو في الروايتين الأخيرتين يفصح لنا عن المعنى
القلق والمحرج لوجود الإنسان في عالمنا المعاصر، ومأزقه وهو يحيا، ويقيم
العلاقات، ويسّمي الأشياء ويفسرها، ويعود لينظر إلى دخيلة نفسه. فالسيد
بالومار، مثلاً، ((إنسان عصبي المزاج يعيش في عالم متشنج ومحتقن. لذا يريد أن
يقلل علاقاته بالعالم الخارجي، ولكي يحمي نفسه من الانهيار العصبي يحاول أن
يسيطر على مشاعره قدر ما يستطيع))
خاض السيد بالومار تجربته الفريدة والمؤسية والممتعة وهو يراقب موجودات الكون
بدءاً من الأشياء الصغيرة للإمساك بكينونتها الخفية وشعرية وجودها. فهو يبحث عن
تلك النظرة الصافية البريئة التي لا تختلف، على سبيل المثال، عن نظرة البجعة
والنورس إلى الجسد البشري الأنثوي العاري المستلقي على ساحل البحر، غير((أن
وطأة التقاليد المتزمتة تمنع الناس من فهم أكثر النوايا وضوحاً.. هذا ما
استنتجه بالومار بمرارة)) وهو يرى المرأة العارية تغطي نفسها وتبتعد متذمرة وقد
فسرت خطأ نظرته الملحاح إليها.
وفي رواية((قلعة المصائر المتقاطعة)) تتعزز نباهة القراءة وفراسة القارئ..
القارئ، هاهنا، هو الراوي الأول الذي يلج القلعة في وسط الغابة بعد عناء ويجد
نفسه على طاولة مع عابرين آخرين تقاطعت طرقهم فالتقوا ليحكوا بعضهم لبعض
حكاياتهم، إلا أنهم جميعاً يفاجأون بفقدان مقدرتهم على الكلام فيلجأون إلى
أوراق التاروت ـ أوراق لعب ـ فيلقون بهذه الأوراق باختيار حاذق فيحدث نوع من
القراءة السيميائية للصور المرسومة على الأوراق والتي بتتاليها تتصاعد أحداث
الحكايات.
إن القصة تروى لا شفاهاً، ولا من طريق الكتابة، ولكن من خلال رصف الأوراق بعضها
إلى جانب بعض.. ولاشك أن القراءات تتعدد بتعدد الجالسين حول الطاولة. وفي
النهاية نكون إزاء قراءة أولى هي قراءة الراوي الأول، والتي ينقلها لنا
((كتابة)) فنغدو في مواجهتها قراء خارجيين نحلل ونؤول ونفكك، ليست الكلمات
المكتوبة وحدها ـ بل الصور وقد صفـّت على صفحات الكتاب مثلما صفّها رواة
الحكايات على الطاولة في تلك القلعة العجيبة(قلعة المصائر المتقاطعة) لتجري
وقائع أكثر من لعبة: لعبة الورق التي تحكي، ولعبة قراءة الراوي الأول وهو يؤول
علامات الورق ويرسلها لنا كتابة، ولعبة قراءتنا ونحن نشهد احتمالات شتى
وتأويلات مختلفة في أثناء هذه القراءة((فالأشياء والمصائر منثورة أمامك،
المتغير منها وما لا يتغير. وقد ضل من يعتقد بأنه يحسم أمراً)). والسؤال الذي
يفرض نفسه علينا هو، هل أن ما يفعله كالفينو هو محض مناورات شكلية، وأنه يبرز
لنا فسيفساء من الحكايات المتداخلة التي لها جمالها الخاص وتفتقر إلى الحس
الإنساني؟
أظن أن الإجابة هي ؛ كلا، ذلك أن كالفينو وهو يسرد حكاياته من خلال رواته
العديدين إنما يظهر جغرافيا متشعبة ومعقدة الوجود الإنساني وعلاقات الإنسان
وصراعاته ومواجهاته لنفسه ومصيره،ه مشتغلاً على الموضوعات الأساسية لذلك الوجود
وهي؛ الحب والحرية والحرب والألم والموت … الخ.
أن كل راو يسعى الى تأصيل حكايته في ذاكرة الآخرين أملاً الحصول على التفهم
والمواساة.
أن كالفينو وهو يعرض أوراق التاروت مع تأويله لها أنما يمنحنا فرصة أن لا نكتفي
بتأويله ذاك، ويكون من حقنا أن نقرأ ونؤول الصور مثلما نرى ونشاء، تترى مالا
تحصى من الحكايات أمام عين مخيلتنا. تتشابك الحكايات، ويتبارى الرواة للحصول
على الأوراق فتتشكل خريطة معقدة على الطاولة، وبذلك تتحقق التقنية السردية التي
تشبه الى حد ما التقنية التي استخدمتها شهرزاد وهي تروي حكاياتها لشهريارـ
الملك ـ..فتتفرع الحكايات ثم تلتقي فتستقل كل حكاية بذاتها على الرغم من
التقائها مع الحكايات الأخرى. يجعلنا كالفينو نبصر العالم في رواية(قلعة
المصائر المتقاطعة) من خلال مرايا. وهذه المرايا ليست مستوية، وبذا يظهر العالم
بأبعاد هي غير أبعاد العالم الواقعي في ظاهره، مانحاً ايانا رؤية أشمل وأعمق
لأشياء الكون والوجود والوجود الإنساني. فعالم كالفينو عالم متعدد باحتمالات
تكوينه، واختلاف تلويناته، ومساراته، فهو عالم لانهائي، دقيق وواضح ومتسق،
أيضاً، خفيف وسريع.. أي أن وصايا كالفينو التي تركها للألفية الثالثة قبل وفاته
وضمنها في كتابه((ست وصايا للألفية الثالثة ـ محاضرات في الإبداع)) هي في حقيقة
الأمر خلاصة رؤيته للعالم (الحقيقي والمتخيل).. للذات الإنسانية والوجود
الإنساني والإبداع. وقد عمل على تجسيدها في نصوصه.. يقول في فصل التعددية : (من
نحن، من هو كل واحد منا أن لم نكن مركباً من تجارب ومعلومات وكتب قرأناها
وأشياء متخيلة ؟ كل حياة هي موسوعة، مكتبة، مخزن، أشياء، سلسلة من الأساليب،
ويمكن أن يستبدل كل شئ باستمرار ويعاد تنظيمه بكل طريقه يمكن تصورها..).. ألا
يبدو أن كالفينو في هذه المقاطع أنما يتحدث عن رواية (قلعة المصائر المتقاطعة).
استهوت اللعبة كالفينو حينما راح يكوّن من أوراق التاروت قصصاً فكتب جزءاً أول
بعنوان (قلعة المصائر المتقاطعة) وعثر على نوع ثانٍ فكتب(نزول المصائر
المتقاطعة) استحوذت عليه فكرة كتابة جزء ثالث فراح يبحث عن أوراق التارو من نوع
مختلف.. يقول في ملاحظاته الأخيرة في كتاب(القلعة)" "نشرت هذا الكتاب لأتحرر
منه، فقد تملكني سنوات، بدأت بمحاولة لتتبع أوراق من التاروت دونما أنتقاء كي
أرى أن كنت مستطيعاً قراءتها. برزت لي حكاية (المتذبذب) وشرحت بكتابتها. بحثت
عن صلات، ترابطات أخرى في الورق من النوع نفسه، فأدركت أن مجموعة التاروت هذه
ما كنة لصنع القصص، ففكرت بكتاب..". تنتهي رواية (السيد بالومار)حين يقرر
بالومار أن يبدو ميتاً ليرى كيف يسير العالم من دونه ((من قبل كان يعني
بـ(العالم) العالم زائداً نفسه؛ المسألة الان نفسه زائداً العالم ناقصاً هو.))
بيد ان رواية(قلعة المصائر المتقاطعة) تنتهي نهاية مفتوحة كما لو أن الحكايات
التي رواها نزلاء (القلعة) و(النـُزل) هي أرهاصات أولى لحكايات ممتعة كثيرة
يستطيع القارئ المتروي والذكي الاسترسال بصياغتها حالما يفرغ من قراءة الكتاب
عودة إلى
الصورة... تقدم إلى الفكرة

إبراهيم غرايبة
قد يكون موضوع الصورة والفكرة مدخلاً للتفكير في السياسات العالمية التي نتجادل
فيها اليوم، وقد وصف بول وولفويتز نائب وزير الدفاع السابق في الولايات المتحدة
الأميركية والرئيس الحالي للبنك الدولي الحرب الدائرة في العراق بأنها حرب
أفكار، والواقع أنه توصيف بالغ الدقة، فلعلها الحرب الأولى في التاريخ والتي
تؤدي فيها الأفكار ووسائل الإعلام والاتصال الدور الأكبر في مسار الحرب
ونتيجتها.
وتبدو موجة المعلوماتية والاتصالات كأنها تسير بالإعلام والسياسة والثقافة
والحياة بعامة في اتجاه متسارع، الصورة بهيمنتها الأسطورية وإغرائها وتأثيرها
المبهر، وعلى نحو فيه كثير من الإغراق والإسراف، فيتدفق عبر الفضائيات
والإنترنت والهاتف الخلوي والإعلانات طوفان من الصور والمؤثرات البصرية كأنما
تعود بالمجتمعات والناس إلى مرحلة سابقة قبل قرون طويلة عندما كانت الصور
والتماثيل تجسد الوحي والخلود، وترمز إلى التواصل مع الكون والحياة وأسرارها،
وكأن الحكمة حلت في الصورة، وما يحتاجه الناس هو التوجه إليها في المعابد
والبيوت والجبال والكهوف لأجل الفهم والنصر والتحرر من ثقل الجسد والواقع
وقوانين الجاذبية والفضاء.
كانت الصورة حيلة للخلود يتمكن بها الإنسان الفاني من التحدي، فتبعث الحياة في
صورته التي صنعها، وكانت أيضا تحمل أسرار التواصل مع الأسرار والحكمة.
ثمة اتجاه في الفتوى الدينية الإسلامية لتحريم الصورة سواء كانت تمثالاً مجسماً
أو رسماً باليد أو بالتصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني، أو تحريم بعضها، وبعيداً
من مناقشة الفتوى منهجياً وعملياً فإنها تعبر عن إدراك على نحو ما لفلسفة في
الحياة والصراع تعتقد بها الحكومات وهيئات الإعلان والتسويق والاستثمار
والترفيه، وهي أن الصورة تقدم الواقع أو تزينه أو تشوهه، ولكن يمكن تطوير
المقولة إلى استراتيجية أخرى، وهي أن ثمة صورة مطلوبة ومرغوباً فيها، وهنا يجب
أن يغير الواقع أو يعرض على الأقل في نحو يجعله متطابقاً مع الصورة المرغوبة أو
قريباً منها.
ويُجرى التأكيد على هذه الصورة باعتبارها الواقع حتى يُرى العالم رغباً أو
رهباً أو اعتقاداً صنعه الإغراق الإعلامي الواقع كذلك، وفي السياق نفسه يجري
إغفال كثير من الحقائق والوقائع ونسيانها والتأكيد على هذا النسيان حتى يكون
تصوير الواقع أمراً صعباً، أو شيئاً عزيز المنال، ويكون متاحاً في الوقت نفسه
سيل دافق كالطوفان من المعلومات والأخبار والصور والأفلام والمسلسلات والندوات
والمؤتمرات والدراسات العلمية والمقابلات والمجلات والصحف ومواقع الإنترنت التي
تجعل الواقع يبدو مطابقاً للصورة المطلوبة، ويصبح من يعرف الحقيقة أو يؤمن بها
منبوذاً، ويبدو كالمجنون، ولا يجد سبيلاً سوى الصمت أو الموافقة والمشاركة في
المهرجان.
ولكنها (المعلوماتية) تبدو أيضا متجهة وعلى نحو مدهش لجيلنا (العقد الخامس) على
الأقل، نحو مرحلة حضارية واجتماعية تعلي من شأن المعرفة والفكرة، وتحولها إلى
مورد عظيم، لعله أهم مورد في الاقتصاديات العالمية والوطنية، وتفعل مداخل
المعرفة والتعليم، وتتحدى كل أوعية التلقي والمشاركة الفكرية والثقافية السابقة
بقدر من الفرص والتسهيلات والثراء والإتاحة، تجعل من المدارس والجامعات
والمراكز والمؤسسات الثقافية والتعليمية جميعها عرضة للزوال، ليس من أجل
التلاشي ولكن بسبب الإغراق الهائل في المعلومات والمعرفة الذي يجعل المعلمين
والمناهج والمكتبات وكل مصادر المعرفة شيئاً ضئيلاً بالغ الضآلة.
فأنت عندما تتصل بشبكة الإنترنت، بتكاليف قليلة نسبياً، تستطيع قراءة معظم إن
لم يكن جميع الصحف في العالم بأسره وقبل صدورها وتوزيعها في السوق، وتطالع
إصدارات مراكز الدراسات ودور النشر، وتتابع عروض الكتب والأفلام والبرامج
التلفزيونية، وتستدعي إلى جهاز الكمبيوتر بلاحدود من الكتب والدراسات والتقارير
والملخصات.
وتمضي إلى الجامعات ومراكز التدريب وتعلم نفسك وتتلقى الدروس والمحاضرات
والدورات، وتشارك برأيك وتعليقك في مواقع المؤسسات الإعلامية الكبرى كـ «بي بي
سي، و«السي سي إن».
والمعرفة المتدفقة اليوم بسهولة، والقدرة على الإحاطة والتراكم المعرفي يفترض
أن تتيح لمعظم الناس، إن لم يكن جميعهم، أصحاب المهن والحرف والطلاب والباحثين
والمسوقين والتجار ورجال الأعمال والسياسة والحكم القدرة على تطوير مهنهم
وخبراتهم وتجاربهم وإتقانها بتزايد متواصل، أن يطلعوا على ما يلزمهم من معارف
وتجارب معلومات وأخبار يواكبون بها أولاً بأول كل مستجدات المهن والعمل
والمعرفة وبقدر من السهولة والإتاحة لم يجعل الارتقاء والتنمية حلماً بعيد
المنال.
للوهلة الأولى تبدو هذه الموجة ساحة للفيديو كليب والترفيه أو الاستعراضات
السياسية والإعلامية، وفرصة للعنتريات المتطرفة السمندلية (السمندل ذلك
الديناصور المتبقي في الكهوف البعيدة) ولكنها مقولة على صحتها تحجب قدراً
كبيراً مما يجري ويمكن أن يجري أيضاً من تحولات معرفية وحضارية واجتماعية.
لا تقل لي مخطئة

سهاد كاظم السراج
لا تقل لي مخطئة
أنت بتقييمي مخطئة
دعني اراك كما اتصور
دعني أعيش لحظات محدودة
كبيوت الرمل قبل أن تتدمر
دعني اطير بجناح واحد
وأحلق باعلى ما اقدر
دعني احلم بالحرية
وقيدي اقوى من أن يكسر
دعني أموت بقربك لحظة
فالموت بقربك لن يتكرر
الموت بقربك لن يتكرر
ياعطر

جاسم زبون الشويلي
اوسمة انتصاراتي ..
صهرتها مع النسيان
امتعتي تركتها خارج القطار
اوردتي ضفرتها جدائلا
هدية لسيفك
ياصحبة الجلادين
* * *
قميصي ورائحة العرق الحلو
لوحة سفر
دموعي وقصائدي ورقة سيجارة
من يذكرني:
من يحزن على بقايا دخان؟
اتفهمين قولي؟
لا.. ماذلك العطر
فما سمائي هي تلك
ولاارضي هي هذي
العطر .. هو العطر
وانا فاقد لرائحة الشم
فما بالك ياعطر
تمازحني!
**********
حقيقة حلمي
هناك في اعالي جبالك
تنتحر الغزلان
وتصعد المنابر بنات التابين
هناك
في قاعة (س) اقف
القي شعرا كان منك
واضيع مع التصفيق حسرة
* * *
كما كنت الثم كل جبهات قتالك
وارضع كل رصاصة بنادقك
حتى مواضعك القيظية
ارضعها رغم حلمتها الرملية
ساعود واحمل حقائقي
واسافر اليك بلا واسطة نقل
اني احلم ياحقيقة حلمي..
فل نعلم نفسنا من
اخطائنا

إن خشيتنا المبالغ فيها، من اننا معشر
المؤمنين بالتسامح قد نصبح نحن أنفسنا لا متسامحين، هي التي أدت بنا الى الموقف
الخطأ والخطير الذي بات يوجب علينا ان نتسامح مع كل شيء، وربما مع أعمال
العنف(...) وان هذا الموقف مفهوم بل مثير للإعجاب بطريقة من الطرق، وذلك لأنه
ينبع من تلك النظرة التي تقف في أساس التسامح كله: النظرة التي تقول إننا كلنا
قابلون لأن نخطئ ولأن ننادي بارتكاب الخطأ، النظرة التي تقول إنني قد أكون على
خطأ وقد تكون أنت على صواب، وانه ينبغي علي أن أعلم نفسي كيف لا أنخدع بذلك
الشعور الغريزي الخطير، أو تلك القناعة التي تملي علي بـ "أنا من هو على صواب
دائماً". فإن علي أن أحذر هذا الشعور مهما كانت قوته. وذلك لأنه كلما كان أكثر
قوة، كلما كان الخطر الكامن في إمكان أن أخيب ظن نفسي بنفسي أكبر... ومعه خطر
ان أصبح أنا نفسي متعصباً غير متسامح".
هذا المقطع الذي قد يبدو مكتوباً في أيامنا هذه، والذي يشكل في جوهره ما يشبه
فعل ايمان ديموقراطي بقضية التسامح، أعيد النظر فيه في الغرب، حامله وصانعه،
منذ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)2001، كتبه فيلسوف كبير من كبار مفكري النصف
الثاني من القرن العشرين، حدث له أن رحل عن عالمنا قبل سنوات من اندلاع تلك
الأحداث التي أعادت النظر كلياً - للأسف - في مفاهيم، مثل التعصب والتسامح
وضرورة قبول الآخر ومحاورته. ذلك ان احداث أيلول الكارثية تلك قلبت العالم في
شكل بات فيه أي كلام عن التسامح مضيعة للوقت. ومع هذا، من المؤكد ان صاحب هذا
الكلام، وهو الفيلسوف كارل بوبر، لو كان حياً، وشهد ما حدث، وعايش ما كان من
ردود فعل عليه، لما غير أبداً من فعل إيمانه، ولظل التسامح دعوة يطلقها.
ذلك ان التسامح، في رأي كارل بوبر وغيره من الفلاسفة الأخلاقيين، ليس "موضة"
عابرة ترتبط بزمان معين أو مكان معين، بل هو الشرط الذي لا بد منه لإنسانية
الإنسان. وما أعداء التسامح سوى أعداء الإنسان.النص الذي منه الفقرة التي
ذكرناها هنا يحمل بالتحديد عنوان "التسامح والمسؤولية الفكرية"... وهو نص كتبه
كارل بوبر منطلقاً من كتابه الأشهر "المجتمع المفتوح وأعداؤه"... ويقول فيه انه
اذا كان للديموقراطية (الغربية) من أساس فإن هذا الأساس يحمل اسماً واضحاً:
"التسامح"، حيث يقول ان "التسامح لا يبدو للوهلة وكأنه يشكل معضلة، وعلى الأقل
في البلدان الديموقراطية في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية واستراليا
ونيوزيلندا"، مستطرداً: "ففي مجتمعات الغرب المفتوحة، أو التي تكاد تكون
مفتوحة، من الجلي أن كل فرد يجد نفسه موضع تسامح كل فرد آخر، وكل شخص، تقريباً،
يؤمن بالتسامح، وربما بأقوى مما يؤمن حتى بالديموقراطية". وقبل أن يصل كارل
بوبر في ختام هذا النص الى النتيجة الحتمية بالنسبة إليه حول مسألة التلاقي بين
التسامح والديموقراطية، يستطرد في صفحات بالغة العمق كل المسائل المتعلقة بهذا
الموضوع وذلك على ضوء نظرته الى مسألة المجتمع المفتوح الذي يشجع انفتاحه،
اعداءه على النيل منه. في الاستنتاج الأخير لنصه، إذاً، يرى بوبر ان "الغاية
الأساسية هي التمكن من العثور على الأخطاء وتصحيحها بأسرع ما يمكن، أي قبل أن
تتسبب في المزيد من الضرر. من هنا تكون الخطيئة الوحيدة التي لا تغتفر هي خطيئة
التستر على خطأ من الأخطاء. وعلينا أن نزيل الدوافع التي تؤدي الى مثل هذا
التستر. وهذه الدوافع كانت قوية جداً بفعل تأثير الأخلاق القديمة". "علينا أن
نتعلم ان النقد الذاتي أفضل" يقول بوبر مضيفاً ان "النقد المتبادل الذي نحتاج
اليه على الدوام، لكي نتعلم منه كيف ننتقد أنفسنا، لا يقل جودة عن نقد الذات
تقريباً". أما نهاية النص ففقرة ذاتية يقول فيها كارل بوبر تحديداً: "أنا، اذا
كنت أحلم بيوتوبيا ديموقراطية، فإنني أحلم بيوتوبيا (مدينة فاضلة) يمكن فيها
للمرشح لمقعد نيابي أن يأمل في الحصول على أصوات الناخبين عبر إعلانه بفخر عن
كيف انه اكتشف خلال العام المنصرم واحداً وثلاثين خطأ ارتكبها هو نفسه، وسعى
الى تصحيح ثلاثة عشر منها. هذا بينما اكتشف منافسه سبعة وعشرين خطأ وحسب، حتى
ولو كان صرح بدوره بأنه قد صحح ثلاثة عشر خطأ منها. ولست بحاجة الى القول إن
مثل هذه اليوتوبيا ستكون بالتحديد يوتوبيا التسامح". واضح هنا ان كارل بوبر اذا
كان يختتم نصه على مثل هذه الشاكلة يبدو كمن ينفخ في قربة مثقوبة، لا سيما اذا
قرئ من قراء في بلدان مثل بلداننا... غير ان هذا البعد اليوتوبي لخاتمة دراسته،
لا تمنع واقعية متن النص نفسه، هذا النص الذي يشكل التسامح أساساً له، والمنطلق
على أي حال من نص لفولتير يقول بوبر انه لم يقرأ في هذا المجال ما هو أروع
تعبيراً منه: "ما هو التسامح؟ يسأل فولتير... ويجيب: إنه نتيجة ملازمة
لكينونتنا البشرية. اننا جميعاً من نتاج الضعف: كلنا هشون وميالون لارتكاب
الخطأ. لذا دعونا نسامح بعضنا البعض، ونتسامح مع جنون بعضنا البعض في شكل
متبادل. وذلكم هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة. المبدأ الأول لحقوق الانسان
برمتها". والحال ان كارل بوبر، انطلاقاً من قولة فولتير هذه، وتمهيداً للخاتمة
التي أنهى بها دراسته، يقترح ثلاثة أسس أو مبادئ ترتبط جميعها بالعلاقات بين
البشر، وتنتشر من حول مفهوم التسامح:
- المبدأ الأول فحواه: "قد أكون أنا على خطأ وقد تكون أنت على صواب".
- المبدأ الثاني فحواه: "عبر تفاهمنا حول الأمور في شكل عقلاني، قد نصل الى
تصحيح بعض أخطائنا".
- أما المبدأ الثالث ففحواه: "إذا تفاهمنا على الأمور في شكل عقلاني، قد ندنو
معاً من الحقيقة".
> وانطلاقاً من هذه المقدمات والمبادئ - الأسس يصل كارل بوبر في هذا النص، الى
ما يسميه "الاخلاق المهنية الجديدة" والتي يقسمها بدورها الى ستة اقتراحات:
اننا نعرف فقط في شكل ظرفي، أكثر بكثير مما يمكن لأي شخص أن يعلم علماً كلياً -
ويسري هذا حتى على أولئك الذين لا يزالون يعتبرون أنفسهم أختصاصيين. وذلك لأن
أي اختصاص صار من الممكن أن يتفتت - ان معرفتنا، بالتالي، لا يمكن إلا أن تكون
ظرفية أي غير يقينية، وذات حدود، جهلنا وحده هو، بالضرورة، لا نهائي. الآن فقد
بدأنا نعلم قلة حجم ما نعلمه... ونمو وتطور المعرفة يبرهن لنا كم ان سقراط كان
على حق - ان الاخطاء ترتكب في كل يوم وفي جميع الحقول. والفكرة القديمة القاتلة
ان صاحب السلطة في إمكانه ان يتفادى ارتكاب الخطأ، بل ينبغي عليه ذلك، فكرة بات
لا بد من الاقرار بخطئها... - من هنا، انطلاقاً من اقرارنا في إمكان ارتكاب
الأخطاء يمكن لنا أن نبدأ عملية اصلاحنا الاخلاقي (...) - وبالتالي، يقول كارل
بوبر: "أقترح أن تكون الوصية الأولى بين وصايا أخلاقنا المهنية الجديدة: علم
نفسك من اخطائك... وبالتالي، أيضاً، دعونا جميعاً نتعلم من اخلاقنا". في هذا
المعنى كان كارل بوبر (1902 - 1994) واحداً من كبار فلاسفة التسامح والحرية
والانفتاح الاجتماعي في القرن العشرين. وكان من أبرز كتبه، اضافة الى "المجتمع
المفتوح وأعداؤه"، سيرته الذاتية بعنوان "المسعى غير المكتمل" و"منطق الاكتشاف
العلمي" اضافة الى كتاب مهم في عنوان "المستقبل مفتوح" نشره في العام 1990
شراكة مع كونراد لورنز
|