
في
أرْبعينية جمَال الدّين بن شّيخ

يمر الآن أربعون يوماً على وفاة جمال الدين بن
شيخ. في 8 غشت، توفي وقد بلغ الخامسة والسبعين من عمره. الكتابات، التي رافقت
نعْيه، تدل على ما كان لهذا الرجل من فضائل على الثقافتين، العربية والفرنسية،
بل تدل على ما أسدى للعرب في غيبة عن معرفة الجمهور الثقافي الواسع بما كان
يقوم به. وأنا كنتُ أقرأ كلمات وأصمت. لا أقولُ شيئاً. اكتفيْت بتعزية العائلة،
كلودين وإلف.
أربعون يوماً تمر. وطيلة هذه الفترة كان صوتُ جمال الدين بن شيخ يكاد لا
يفارقني. آخر مرة كنّا التقينا، صحبة كلودين، كانت ندوة الرباط عن حوار
الثقافات، التي عقدت قبل سنتين. آنذاك كنّا، كالعادة، ضاحكيْن. نتبادل عبارات
مغربية محببة إلى نفسه. بحركة واحدة تنفجر الكلمات وتنفجر الضحكات. الموسيقى
الأندلسية. المواويل. قضينا ثلاثة أيام من التواصل الشفاف. كان شبهَ متعب ولكنّ
التعب كان يعود للسن وللحالة الصحية التي هي حالته. كلودين ذكرتْ لي أن المرض
كان، هذه المرة، مفاجئاً وكاسحاً. وهو رأى جميعَ أبنائه من حوله. كان سعيداً
برؤيتهم مجتمعين. كذلك قالت لي وأنا أفهم معنى الكلمات، بعد أن رافقته عمراً
طويلاً، بين فرنسا والمغرب.
قضيت أياماً في صمت. لا أعلم هل أنا كنتُ أفضل الصمتَ أم أن الصمتَ كان أكبر من
الكلمات كلها. أكبر وأعْتَى. هي الحياة التي لا يمكن استرجاعُها. لا حياة إنسان
فقط، بل حياة إنسان وثقافة وإبداع أظن أن من الصعب التعريف بها بسهولة. حياةٌ
من طبقات متراصّة. وحياة من صراع معرفيٍّ فريد. وحياة من نُبل فكري وأخلاقي.
كان ذلك متفاعلاً ولا أحدَ يدعي الوفاء به. صعبٌ. صعب جداً. تقولُ لي نفسي.
بماذا يمكن أن نبدأ ونحن نستحضر جمال الدين بن شيخ؟ هذا السؤال، الذي يستوحي
سؤال رولان بارط، إشارة إلى ما كان لجمال الدين من فعْل ثقافي لا ندركه تمامَ
الإدراك. طبيعي ذلك أقول لنفسي. إنه جزائري، مغتربٌ في فرنسا، كاتبٌ بالفرنسية.،
يشتغل في حقل الأدب العربي القديم. كل هذه عوامل تجعله بعيداً عن معرفتنا به
وبما كان يقوم به، في سياق ثقافي فرنسي وعربي، على السواء.
أعود لأتذكر الأربعين يوماً، على وفاة جمال الدين بن شيخ. تمر أربعون يوماً.
وستمر جمال الدين بن شيخ. الأيام القادمة. ونحن علينا أن نبحث من جديد عن الفعل
المستور لجمال الدين بن شيخ. لا أطالب بتكريم ولا بإقامة ندوات، في الجزائر أو
في الدار البيضاء أو في القاهرة أو في بيروت. أخص مدناً بعينها وأنا أعلم أنه
ترك في كل منطقة عربية بركةً ما. من اليمن إلى العراق وفلسطين إلى موريتانيا.
لا توجد منطقة عربية لم تكن حاضرة في حياة جمال الدين بن شيخ. ذلك وحده يمثل
رؤيةً جديدةً في الثقافة العربية الحديثة. إنها بخلاف الرؤية السائدة في
الثقافة العربية المشرقية، التي لا تنتبه إلا لنفسها أو تضع للثقافة العربية
حدوداً تقف عند أسوار القاهرة. تلك علاماته الأولى، وليست بداياته.
في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، ارتفع في فرنسا صوت العنصرية، المنادي
بطرد المغاربيين تحديداً، كرمز للعرب والمسلمين، من الأرض الفرنسية. لوبين،
زعيم اليمين الفرنسي المتطرف وباسْكوا، وزير الداخلية. لكل منهما لغتُه الخاصة
في تبرير الموقف ذاته. آنذاك نشر جمال الدين بن شيخ في جريدة لوموند، يوم
الخميس 8 شباط (فبراير) 1990، نصاً بعنوان «أنا، المهاجر المغاربي العاشق
لفرنسا». هذا النص مرافعة تاريخية واستثنائية عن الحق في الاختلاف الثقافي.
جاءت كتابة هذا النص استجابة لرغبة الجريدة في معرفة وجهات نظر الطرفين
المغاربي والفرنسي بخصوص معاداة الأصول المغاربية للمهاجرين القاطنين في فرنسا
ومعاداة الإسلام. نشرت كلمة جمال الدين بن شيخ جنب كلمة صديقه الكبير الفرنسي
أندري ميكيل بعنوان « أنا، الناطق في الأصل بلغة دوك العاشق للإسلام». في هذا
النص يطرح جمال الدين بن شيخ الخلفية الفكرية والأخلاقية التي كان وفياً لها في
حياته. وهي تخطط لوعي ثقافي جديد في العلاقة بين الطرفين المغاربي والفرنسي.
المسلم العربي الفرانكوفوني
في هذا المرافعة يوضح جمال الدين بن شيخ كيف أنه مسلم حر في تفكيره، وأنه عربي
لا يفرط في حبه للعربية ولا في فكرها وآدابها قديماً ولا حديثاً، وأنه تعلم من
الثقافة الفرنسية من طريق الكتب قيم الحرية والمساواة والأخوة التي لم يكن لها
أثر في سلوك المستعمرين الفرنسيين تجاه الجزائر. «فالغرب، الذي كان يتكشّف لي،
كان يعلمني ألا أكون مخدوعاً بسرابه وأن أبقى كما هو أنا دون أن أكون مخدوعاً
بأهلي». ذلك هو الدرس الكبير الذي نادراً ما تم فهمه من طرف نخبة عربية افتقدت
وعياً نقدياً هو مدخل القراءة الحديثة للعلاقة بين ثقافتين وبين حضارتين. لذلك
فإن بن شيخ كان واضحاً في موقفه. هكذا كتب:» نحن لا نلغي اختلافاتنا التي لا
سبيل إلى التوفيق بينها، بل علينا أن نبني صداقة لا تدين لأي حساب». وينهي النص
بخلاصة تأكيدية، هي بمثابة إعلان صريح عن واقع وعن مستقبل: « إنني، في كامل
وجودي، عربي غير قابل للاختزال، فرنسي غير قابل للاختزال، بهذه الحركة الثنائية
للفكر الذي يختار حريته في ما يحثه على الابتهاج لا في ما يبتره».
أنبه على هذا النص لتفرده في تاريخ الثقافتين العربية والفرنسية. فمن خلاله، لا
نقف عند رؤية مثقف جزائري، يعيش مهاجراً بمحض حريته في فرنسا، بل نطلع على رؤية
يمكنها أن تتسع لتشمل العلاقة الصعبة والمركبة بين الثقافتين العربية والغربية
في عصرنا الحديث. بموقف كهذا، كان جمال الدين بن شيخ يصدر عن معرفة قوية بتاريخ
الثقافتين العربية والفرنسية من جهة، ويصدر عن حياة نضالية في كل من الجزائر في
العهد الاستعماري وفرنسا في آن. إن الصدور عن هذه المعرفة وحده لم يكن كافياً
لولا وجود الخلفية النضالية، التي كانت لجمال الدين بن شيخ، في الحالتين
السياسية والثقافية، على السواء.
نص قصير ولكنه مكثف إلى أعلى درجات التكثيف، مكتوب بفرنسية رفيعة، لا يتقنها
إلا كبار الكتاب الفرنسيين. وجمال الدين بين شيخ كان محباً للغة، العربية
والفرنسية، ولكنه كان يمارس كتابةَ لغة عليا بالفرنسية. وهو ما أعطى لهذا النص
مرتبة استثنائية في جودة الدفاع عن الموقف الذي أراده لا لنفسه فقط، بل لجميع
المهاجرين الجزائريين الذي وهبوا حياتهم لفرنسا دون أن تعطيهم فرنسا شيئاً مما
تنادي به قيمُ الثورة الفرنسية، من حرية ومساواة وأخوة. دفاع فكري وسياسي في آن.
ولكنه دفاع ارتفع إلى مستوى الثقافي والحضاري، عندما أصر على إثبات الحق في
الاختلاف والحق في بناء صداقة لا تتكئ على نفعية كيفما كانت نوعيتها. إنه معنًى
جمعَ فيه جمال الدين بن شيخ بين الشخصي والجماعي، بين المغاربي العربي المسلم
والفرنسي، بين التعلم من الآخر والحرية تجاه الآخر كما مع الذات، بين الحضاري
وبين السياسي. وهو في كل ذلك كان، من حيث يدري أو لا يدري، كان يبني لوعي جديد
ينشأ بين طرفين وبين ثقافتين وحضارتين، أساسه الصداقة.
عندما كنت قرأت هذا النص لجمال الدين بن شيخ، منشوراً جنب نص أندري ميكيل،
أدركت بُعداً آخر من أبعاد الحياة الثقافية والنضالية لجمال الدين بن شيخ. لم
يفاجئني النص في شيء، ولكنني جعلت منه بياناً حضارياً سياسياً لزمن مقبل صعب.
ولم يتأخر هذا الزمن الصعب عن المجيء. لكننا نسيْنا نص جمال الدين بن شيخ. بل
أكاد اجزم بأن لم يكن له أي صدى آنذاك في العالم العربي. ونسيانه، اليوم، يدل
على عدم معرفتنا.
من يطلع على أعمال جمال الدين بن شيخ يفهم معنى هذا النص، الذي يدلنا، هو الآخر،
على طريقة مختلفة في فهم أعماله. لقد جاء جمال الدين بن شيخ إلى الجامعة
الفرنسية من باب الدراسات الاستشراقية، في الحقل الأدبي. ويمثل عمله عن الشعرية
العربية مشروع قراءة نقدية للاستشراق الغربي عامة، والفرنسي خاصة. نقد لم يوله
العرب ما يستحق من العناية. إن جمال الدين بن شيخ اشتغل في مجال لا ترى عن قرب
خطورته، رغم أنه تناول الشعر، الذي هو أكبر خطاب أنتجه العرب. فهو لم يشتغل على
الخطاب الفكري، كما هو حال محمد أركون، ولا على الخطاب الاستشراقي الموسع، كما
هو حال إدوارد سعيد. لذلك لم ينتبه العرب لأهمية هذا العمل. كنت تعرفت على هذا
الكتاب سنة 1974، عندما قصدت جامعة السوربون لتهييء عملي الأكاديمي عن الشعر
المغربي المعاصر. لم يكن الكتاب صدر آنذاك عن دار أنتربوس. كنت اطلعت عليه وهو
لا يزال مرقوناً. وقد توقفت كثيراً فيه عند وعي نقدي لا يتساهل في التفاصيل،
التي لا يوليها الدرس الأكاديمي العربي الاعتبار. لكن ما كان أثارني هو الحوار
النقدي مع الاستشراق الغربي، والفرنسي منه على الخصوص. فلأول مرة أطلع على عمل
عربي مكتوب بالفرنسية ذي نزعة نقدية للاستشراق. وهو، في هذا، بعيد من مؤلفات
عربية جعلت من الاهتداء بالاستشراق طريقها نحو الكلام باسم الثقافة العربية.
مرت فترة وعيني على ترجمة هذا العمل، حتى يطلع العرب على باحث أسدى للثقافة
العربية ما لا يخطر لهم على بال، من حيث المعرفة ومن حيث الجرأة النقدية. وأنا
سعيد بأن أكون حرصت على أن يترجم الكتاب وينشر في المغرب، تحية رمزية لجمال
الدين بن شيخ، ابن مَرْسْ السلطان بالدار البيضاء.
كتاب الشعرية العربية عمل كبير، ولا يمكن للثقافة العربية أو الغربية أن تستغني
عنه لفترة طويلة. على أن هناك ثلاثة أعمال أخرى من أكبر ما أنجز بن شيخ. هناك
جمعه وترجمته لكتاب الإسراء والمعراج تحت عنوانه الأصلي الحلم الوهّاج والحديث
الهيّاج بمعجزة الإسراء وقصة المعراج، الصادر في طبعة فاخرة عن منشورات المطبعة
الوطنية سنة 1988. وهو يضيء الرؤية التي يعتمدها بن شيخ في التعامل الخَشوع مع
الثقافة الإسلامية. ثم ألف ليلة وليلة، الصادر هذه السنة ضمن سلسة لابلياد،
التي هي رمز للأعمال الإنسانية الكبرى. وما كان يهدف إليه بين شيخ هو تحرير هذا
العمل من الرؤية الاستشراقية الاختزالية، ويحرره أيضاً من المحاصرة في الثقافة
العربية، على السواء. ولكن هناك عمل آخر، سيصدر في السنة القادمة عن دار
غاليمار نفسها وضمن السلسلة نفسها لابلياد. إنه مجنون إلزا للويس أراغون. بهذا
العمل يثبت جمال الدين بن شيخ ما صرح به في نصه البيان. معرفة بالثقافة والأدب
العربيين لا تقل عن معرفة بالثقافة والأدب الفرنسيين. واشتغال جمال الدين بن
شيخ على عمل أراغون مجنون إلزا يكمل الرسالة الكبرى التي وهب حياته من أجلها،
رسالة الصداقة. فلديوان مجنون إلزا وضع خاص في أعمال أراغون وفي الثقافة
الغربية عموماً. إنه الوجه المشرق لقراءة مبدعة للثقافة العربية ولتاريخ
الأندلس وللعلاقة بين الشرق العربي والعالم الغربي الأوروبي. ولربما كنا لا
نعثر، اليوم، على كتاب أعمق من هذا الكتاب في نشر رؤية عاشقة للثقافة العربية
وللحضارة الإسلامية الأندلسية. عندما أخبرتني كلودين بهذا النبأ انتبهت إلى أن
بن شيخ أنجز في حياته اكبر ما كانت نفسه تحرص عليه وما كانت تهفو إليه. الشعرية
العربية. الإسراء والمعراج. ألف ليلة وليلة. مجنون إلزا. جميعها ستبقى علامات
على قامة شامخة في الثقافة العربية الحديثة.
هذه الصورة عن بن شيخ هي التي كنــــت منشــدّاً إليهـــا منـــذ البدايات،
عندما تعرفت الى عمله الجامعي وعندما التقيتــــه أول مرة. ما زلت أتذكر. كان
عبدالكبير الخطيبي، وهو الذي كان أشرف على رسالتي الجامعية الأولى عن الشعر
المغربي المعاصر، طلب مني أن أسلم نسخة من الرسالة لجمال الدين بن شيخ قصد
المراجعة، قبل الموافقة على مناقشتها. كنتُ آنذاك متوجها إلى بيروت، من طريق
باريس، لحضور مؤتمر اتحاد الكتاب اللبنانيين. كان استقباله لي مفاجئاً. فوجئت
بأن بن شيخ يستقبلني في بيته وأنه يعرفني معرفة جيدة. كان يقرأ ما كنت أنشر من
قصائد أو دواوين. يتابع مجلة الثقافة الجديدة. وبترحيب قبل مراجعة الدراسة. عند
العودة من بيروت، كان وضع ملاحظاته. وهنا أخبرني بما لم أكن أعرفه. ذكر لي أن
اجتهادي في التعامل مع البنيوية التكوينية قريب مما أقدمت عليه باحثة إنكليزية.
كان يعلم أنني لا اعرف تلك الباحثة ولا عملها. وهو كان يريد أن يشجعني على
المضي في العمل بالحماسة نفسها التي لاحظها في الدراسة وبالصرامة نفسها
المنهجية التي كنت أعثر على نفسي فيها.
تلك الجلسة الأولى، بين ذهاب وإياب، كانت لي درساً لا يتوقف صداه حتى الآن عن
إثارة المشاعر القوية تجاه جـمــــال الدين بن شيخ. ولم أتردد، وأنا أقبل على
تسجيل أطروحتي الجامعية الثانية عن الشعر العربي الحديث، من طلب إشرافه عليها.
قبوله كان من لحظات السعادة. ما كان يهمني هو أن أتعلم منه كيف أتعامل مع ثقافة
شعرية تنتمي لثقافتين عربية وغربية، في زمن بروز العلامات الأولى من الاضطرابات
النظرية والمنهجية في حقل الدراسة الشعرية، على الخصوص. كان اختياراً مُضنياً.
لكنني معه كنت كل مرة أتعرف الى ما لم أكنْ أعرف أو كنت أستفيد من سؤال أو
تحليل أو موقف نظري. جلساتُنا العلمية كانت تطول لساعات، وأنا فيها كنتُ مغتبطاً
بالتعلم. كذلك كنت وكذلك أبقَى. مغتبطاً بالتعلم.
هناك في باريس، في بيته، كانت الجلسات العلمية تمتزج بقراءات شعرية وبحوار يمس
القضية الفلسطينية أو الحرب اللبنانية أو الوضعية المصرية أو الحياة الجزائرية
أو المغربية. نتناول الرواية مثلما نتناول السينما أو المسرح أو الموسيقى.
نتحادث في الأمر الفرنسي مثلما نتعامل مع الأمر العربي. في جلسات كانت مفتوحة
على حرية الاختيار النظري وعلى الثقة المتبادلة.
أربعون يوماً على وفاة جمال الدين بن شيخ. وذلك الصمت الذي لازمني يبقى في
داخلي متكلماً. في داخل داخلي. هناك ما لا أستطيع خيانته. الصداقة والتعلم.
وهما من أنبل ما كان لي مع جمال الدين بن شيخ في زمن عاصف. وفي مكان عاصف أيضاً.
باريس. كلما تذكرت عدت لأصمت. لا أصدق أن قسطاً من حياتي، بل حياتي العلمية،
كانت على الدوام ترافق جمال الدين في المعرفة والسؤال. في الحرية والصرامة. في
الاجتهاد والنشوة. أراه يضحك. ونحن معاً نردد الضحكات. بكلماتنا التي اعتدنا أن
نتبادلها، بين باريس والمحمدية والدار البيضاء والرباط. هناك. كل مرة. صورة
إنسان أحب ثقافته العربية ودافع عنها بالمعرفة والإنتاج مثلما انطلق نحو ثقافة
فرنسية غربية ينتزع منها ما لا تريد هي أن يكون حقّاً لمغاربي، مهاجر، هو اسمُ
كلّ واحد منا.
من روائع القصص
العالمي
أزهـــــــار الخريف

وقف في ذلك الأحد،وهي تحس بقلبها يتوثب
في صدرها كأنها العذراء المراهقة صباح أول موعد مختلس تلتقي فيه بالحبيب،واخذت
من زينتها مأخذاً وأسرفت في تعطرها ، واسترخت في جلستها في الزورق،ودلت ذراعها
في الماء تستطيب ملمسه السريع، واجفانها مسبلة تلتقي ضوء الشمس الغدي،ومن بين
أهدابها تشق ملامح وجه(كينون) وهو يغني اغنية شعبية من أغاني الراين وفوق رأسه
قبعة من قبعات البترول لها ريشة طويلة زادته فتنة فتعودت روزالي ان تلقبه منذ
اليوم بالسلطان،وبدأت تتسلق مع الركب الشاب الربوة المفضية الى القلعة واضف ان
قلبها تسارعت دقاته من اثر الصعود،ومع ذلك ظلت تصعد وثباً حتى لا تتخلف عن
الشاب ،وكينون يحيطها برعايته،ويشدها بذراعه فتقرأ في عينيه الهيام وينتشي
فؤادها وتقول في نفسها:(لم يكذبني قلبي انه يحبني ويحس ان شبابي صنو شبابه ،ومع
هذا سأعرف عن يقين بعد قليل،سأنزع عنه حياءه بغير رحمة كي يهب نفسه للحب من غير
تردد وبدأ الطواف في أرجاء القلعة، وحارسها في ثيابه الرسمية وشاربه الأبيض
يقوم بدور المرشد لجماعات الزوار فتعمدت ( روزالي) أن تتأخر قليلاً عن الركب
الذي يقف فيه أبناها (ووقفت متكئة على ذراعه تكاد تحس بعروقه تنبض من تحت
ثيابه،وامام مرآة ضخمة،وقف الحارس ومديره فضغط زراً انجاب عن تجويف كبير خفي
يقضي الى سلم حجري ضيق هو بداية سرداب سري،ثم ضغط الزر فأغلق الباب وقاد الزوار
الى موضع آخر في القلعة فركعت(روزالي)على الارض كأنها تصلح شيئاً في
حذائها،وركع كينون يساعدها،فخلا المكان الا منهما،وعندئذ نهضت واقفة وانكشف
المخبأ السري،فقفزت الى داخله، وهي تجر كينون من ذراعه جراً ولم تضيع الوقت بل
وضعت كفيها على كتفيه ،وحدقت في عينيه،وقالت له،وهي مبهورة الأنفاس يعلو صدرها
الناضج ويهبط.
لقد أحتلت هذه الحيلة لأنفرد بك أخيراً ، فهل أنت زاهد في هذا الانفراد بي أيها
العزيز الجميل؟؟
وتشبث العزيز الجميل بها وهو يضمها على صدره،فوضعت(روزالي) شفتيها فوق شفتيه
اللتين طال بهما الشوق الى موردها، فغابا في الحال في عناق دافئ ولذيذ وفي
قبلات حارة وطويلة ، ظلا على تلك الحال فترة من الوقت وهي مرتمية في احضانه
الدافئة مسندة راسها فوق صدره،وعيناها تغمران حبيبها بنظرات الحب الملتهبة ،
وتمايلت نفسها فلم تسترسل،وقالت على عجل وهي تجذبه ليخرجا من المخبأ:ـ
ـ لا تبرح مسكنك غداً في الصباح، سازورك هنا فانتظرني يا حبيبي.
قالت ذلك ثم لحقا بمجموعة الزوار واتما التطواف والنزهة الى آخر النهار، وفي
صباح اليوم التالي جلس كينون في مسكنه ينتظر حبيبته الجريئة وطال انتظاره الى
المساء فخرج في الموعد المعتاد ووجهته منزل حبيبته(روزالي) ولكنه لما وصل
المنزل لم يجد فيه أحداً.
في منتصف تلك الليلة. والفرحة تطوي قلب(روزالي) تنقلب فتنشره كالمحمومة مستبطئة
مطلع النهار،فاجأها الم في احشائها لا يطاق،ثم حل بها نزيف حاد فصرخت تستنجد،
واحاط بها والدها والطاهية،ولم يلبث أن جاء الطبيب،وتوالت الأحداث سراعاً فاذا
بها طريحة فراش في المستشفى واذا جماعة من الأطباء تتداول الرأي في أمرها
ويعيدون الفحص بالاشعة،ثم يخلو كبيرهم بابنتها ليقول لها:
يحدث أحياناً أن تصاب احدى الخلايا بالجنون، فتنمو بعد ضمور،ويقترن نموها
بازدهار كاذب في العافية ثم يزداد النمو فيغدو ورماً نعرفه باسم السرطان،وقد
خادعت والدتك في حقيقة حالها بات الأمر ميئوساً منه ولا نستطيع الآن سوى تخفيف
آلامها مؤقتاً(وحين ذهب كينون)الى المستشفى ودخلت الممرضة تستأذن على روزالي
تطرق الأخيرة في مرآتها بأسى وتحسر وقالت في نفسها:( هل يمكن أن يكون هذا الوجه
الذابل وجهها؟؟) هل يمكن أن تكون هاتان العينان الخابيتان الا من لهيب الالم
والجزع والعذاب هما عيناها؟؟) هل من أجل نظرة أخيرة الى فلك الوجه ترتد اليها
بالحسرة والاسى تخسر الكيل المجد الذي ظفرت به حين فتنت بجمالها الناضج شبابه
المتفتح؟؟كلا، لا بد لها أن تبقى الى الأبد في مخيلته وذاكرته كما كانت في أوج
فتنتها ولن تشوه تلك الصورة الرائعة بحطامها المسحوق تحت أقدام المهن،وعضت على
شفتيها وقالت للمرضة(كلا لا استطيع مقابلته)، وقد القت راسها فوق صدر ابنتها
استحلفتها الا تسمح لكينون بأن يراها ولو من بعيد،حتى وهي قائمة أو ميتة.
واغمضت روزالي عينيها وقد نفضت يديها الى الابد من ازهار عينيه نبتت في اوان
الخريف.
من روائع الشعر
التركي المعاصر
خلف أسوارك يا وطني

اني انهض من قاع الأساطير
واصطاد فوق السطوح النائمة
خطوات الأهل والأحباب
اصطاد نجومي القاتمة
اني امشي على مهلي
وقلبي مثقل بآلام الدهور
وأنا اعجب للقلب الذي
يحمل جبالاً من القهروالآلم
كيف لا يسأم حاله؟
ها أنا أنهض من قاع الأساطير
والعب كطير فوق الغصون
واشرب من سحاب عالق
عصارة نخل وزيتون
ها أنا اشتم ريح أحبابي وأهلي
فيك يا ذا العيون السود
على عينيك ما زال بساط السحر
بالوشم الحريري مكوكب
وعلى محياك يا وطني
اقرأ قصص أمجادي الغابرين
عندما أنهار الأحباء الكبار
وامتشقنا لملاقاة الأعداء
سيوف الحقد المشرعة
آه يا وطني..يا مرتع وجودي
يشرب الشارع والملح دمي
كلما مرت على بالي أقمار الطفولة
خلف اسوارك ربيت عصافيري
ونحلي ونبيذي وخميلة
حلمت بعرس الطفولة
حلمت بذات الجديلة
حلمت بنخلة لا تباع
حلمت بأسوارك العتيدة
حلمت برائحة اللوز والزيتون
تشعل حزن الليالي الطويلة
بأهلي واحبابي حلمت
حلمت بليلة صيف حالمة
بسلة تين وجذع نخلة
أموت فيك شوقاً
أموت فيك حرقة
وذبحاً أموت
ولكني لا اقول
بنا مضى وانقضى
حبنا يا وطني لن يموت أبداً
اني احمل مفتاح الأساطير
واجتاز سرداباً من البحور
اني ابحث تحت الأنقاض
عن أبي وامي واخوتي
مزقتهم طائرات العدوان
وشردتهم فعال الطغاة
ماذا فعلوا؟ماذا جنوا؟
ليستحقوا كل هذا الغدر والتشريد؟
ألأنهم يدافعون عنك يا وطني؟
ألأنهم يذودون عنك كيد الأعادي؟
مقومات الأدب
الروائي الملتزم لدى العرب

يمثل الأدب الروائي أمتداداً أدبياً
متميزاً من حيث المضمون والتناسق والأغراض وتتضح صورته القلمية في معالجاته
الواقعية للاحداث الأجتماعية والسياسية ضمن مفاهيمه الرسالية، ان أولى الخصائص
التي يجب توافرها لدى الكاتب أو الروائي هي الموهبة الفطرية كونها تشكل حجر
الزاوية وشرارة الانطلاق الأولى في مسيرة الكفاية الابداعية اضافة الى المعرفة
والعناصر الثقافية والممارسة حيث أن الكاتب الذي يقدم أعماله المنطلقة عن خلفية
ثقافية غنية تأتي نتاجاته متوجة بالفكر الرفيع ومزدانة بالمعرفة الناضجة وتتجلى
مهارته من خلال ما تمتاز به فقرات جمله وعباراته من حسن اختيار للمفردات وفصاحة
في الالفاظ الموصلة الى وضوح المعنى بجمالية الاسلوب دون أن يكون هناك مبالغة
في الصيغة الكلامية أو الاسراف في الصور البديعية،ان للغة السهلة أكثر تاثيراً
في نفس القارئ من المفردات الصعبة أو غير المألوفة مع عدم الاكثار من العبارات
القصيرة التي تدل احياناً على ركّة التعبير كما يرى البعض أما من جهة الحبكة
فهناك نهجان هما نهج التتابع السببي ونهج التطور الجدلي وللحبكة طرائق ثلاث
أولاها أن يستعيد الكاتب حادثاً تقليدياً أو قصة ما من الحياة ، وثانيتها ان
يبدأ الكاتب من ذروة الرواية أي من أهم نقطة فيها ثم يعود الى الوراء شيئاً
فشيئاً.
والأخيرة أن يبدأ من موقف اولي ثم يتدرج في التفصيلات،اما بالنسبة للاسلوب فمن
غير المستحسن ان يعتمد الكاتب طريقة الاسلوب الوحيد ليشعر القارئ باختلافه
وتميزه عن اسلوب الكتاب الآخرين اذ ان سلبيات هذا الاتجاه تفوق ايجابياته منها
ما يتسبب في تقييد الكاتب،والحد من حريته في التعبير وهذا مانراه أحياناً في
بعض روايات آرنست همنغواي لذلك نرى الاتجاه السائد بين المعنيين والنقاد يتعاطف
مع الكتاب الذين يمتلكون ناصية اساليب متعددة في الكتابة فيكتبون رواية باسلوب
وثانية باسلوب آخر وثالثة تكون مزيجاً من أساليب متعددة وعلى كل حال فان معظم
الكتاب يفضلون أن يتميزوا باسلوب خاص بهم يعكس شخصياتهم وطبائعهم كجيمس جويس
مثلاً.
اما بالنسبة للجوانب التي تستقطب اهتمام القارئ وتأثره وبما يحقق التواصل
المستمر بين الكاتب والقارئ فمن واجب القارئ أن يتصدى للقضايا المهمة والجوهرية
المتصلة بحياة الانسان مهما كان موقعه في الحياة ومنزلته في المجتمع،وان يتناول
طموحاته ومخاوفه،آماله ومعاناته،حبه وكراهيته، وذلك من خلال الوصف الحي
المجسد،مع القدرة على نقل أحاسيس الشخصيات وتصوير مشاعرها بشكل يمكن للقارئ من
رؤية ما تراه هذه الشخصيات والشعور بما تشعر به،ومن الشروط الأخرى لشد القارئ
نجاح الروائي في التاليف بين شخصيات الرواية والحبكة ومكان المشهد وزمانه
وصهرها جميعا في بوتقة واحدة وربطها في وحدة متكاملة وتقديمها بالكيفية التي
تكشف عن عالم الكاتب.
ويرى النقاد في تأخير النتائج وتعليقها عنصراً هاماً من عناصر جاذبية
الرواية،فالكتابة الروائية الناجحة في رايهم هي تلك التي يحبس فيها القارئ
أنفاسه ويشعر بأن هناك نتائج مهمة على وشك الانبثاق فكلما اشتد توقع القارئ
وطال انتظاره ازدادت الرواية اثارة ومن الأمثلة على هذا الجانب رواية صموئيل
بيكيت(في انتظار غودو)حيث نجد نموذجا من الترقب المستمر الذي لا ينتهي الى شيء
ولا يسفر عن نتيجة فالايام تنقضي والفصول تتعاقب والأوراق تسقط عن أغصانها ولكن
غودو لا يعود!
والشيء نفسه يحدث في رواية(الايام السعيدة)لبيكيت أيضاً.
ومن الجوانب الفنية الأخرى في العمل الروائي ضرورة اجتناب الكاتب للاخطاء
والزلات التي قد تقع فيها ومنها ركاكة الأسلوب وغثاثة الحبكة وغموض المعاني
والاكثار من الكلمات المجردة بدلاً من الكلمات المحسوسة والاستعمال غير المناسب
للعبارات الاستهلاكية وغياب التناغم اللفظي والايقاع التعبيري والشروح
المستفيضة غير اللازمة التي لا تقل ضرراً عن الشروح الناقصة وكذلك التقصير في
ايراد التفاصيل الوافية القادرة على اثارة خيال القارئ.
وختاماً نرى الكتّاب الذين يكتبون من أجل خير الثقافة وصلاح المجتمع قد نجحت
نتاجاتهم وجاءت مفعمة لصدق الاخلاص والاصالة لتأخذ طريقها نحو صرح الروائع
الخالدة التي يبقى صداها يتردد في الافئدة والعقول مهما توالت الايام وتقادم
الزمن.
أمين الصيرفي:
فنان يعزف على وتر الألوان

عاش الفنان التشكيلى أمين الصيرفى عدة تجارب
تشكيلية ومن خلف الكواليس والمعايشة الحياتية لها استطاع أن يترجم تلك المعايشة
إلى لوحات تشكيلية يعزف فيها على الورق بالألوان والفرشاة، فتجاربه مستقاة من
عشقه لفنون الأوبرا وعالم المهرجين والموسيقى العالمية والشرقية ومسرح الرقص
الحديث، وتتراوح تجاربه التشكيلية ما بين الأعمال الساخرة والتراجيدية، التى
تلعب على أوتار النفس البشرية والغوص فى أعماقها بلوحاته الفنية، كما يقدم من
خلال أعماله فى ذات الوقت لوحات نقدية تترجم هموم المجتمع.
وفى تجاربه الفنية يبحث الصيرفى عن صياغة جديدة لأعماله من خلال تفتيته للأشكال
وصياغة الألوان برؤية تشكيلية جديدة من خلال التنغيم والعزف المنفرد بالفرشاة
والألوان، لتخرج أعماله عن حدود الإدراك الحسى للأشياء إلى المدركات اللاشعورية
وتحويلها إلى مجموعة من المعادلات الكلية فى نظرة شمولية، وكما يعشق الفنون
وترجمتها إلى أعمال تشكيلية فهو أيضاً يعشق التجريد فى محاولاته لإيجاد الحلول
الشكلية فى اللون والخط، كما تتميز أعماله أيضاً بالعفوية والتلقائية. كما ترجم
الأعمال الموسيقية والأوبرالية، فكانت له تجربة فريدة فى ترجمة الأشعار إلى
لوحات فنية، ومن بينها ترجمة قصيدة "شهرزاد" للدكتور أحمد تيمور فى تجربة فريدة
من نوعها، وأيضاً يهتم فى أعماله بالجانب النقدى للمجتمع فهو ناقد جيد لسلبيات
الحياة اليومية من عادات وتقاليد وموروثات شعبية يتمسك بها البعض رغم سلبياتها
المقيتة. حول تجاربه التشكيلية كان هذا الحوار.
شخصية المهرج
* فى وسط أعمالك المتعددة تظهر بوضوح صورة المهرج .. فلماذا اخترته؟
- أثارنى المهرج بشكله وملابسه الرثة وحذاءه الكبير، والألوان المبهرجة الكثيرة
التى تملأ وجهه المجهد، وعندما بدأت ارسم له لوحة تشكيلية أغلقت عينى نصف
إغلاقة فتاهت ملامحه من سراب الألوان خارج حدود جسده النحيل، وتحول إلى لوحة
تشكيلية تلقائية، وتاه وجهه الحزين وسط ضجيج الألوان، وفى تلك اللحظات طارت
الفكرة فى رأسى كعصافير لا تهدأ، تلح على لإخراجها على الورق فى عمل فنى يجسد
معاناة المهرج رغم إبداعه ومحاولاته لرسم البسمة على وجه الآخرين، فشخصية
المهرج تحيرنى منذ زمن بعيد، فهو يجذبنى إليه بقوة المغناطيس عند جذبه لقطع
الحديد المتناثرة هنا وهناك، فهو يبدو بسيطاً للغاية فى مظهره، ساذجاً فى
حركاته وأدائه، لكنه عبقري. إنه تلخيص لكل أخطاء البشرية وحماقاتها.. بكل
سذاجته الظاهرة يتعثر ويسقط على الأرض ليقف برهة ثم يسقط ثانية، وذلك بتحريض من
مهرج آخر شديد البنية مفتول العضلات، ومع ذلك تجد أن المهرج الضعيف ينتصر على
غريمه المفتول فى النهاية.
* هل ترى أن للمهرج فلسفة خاصة فى حياته من خلال معايشتك له؟
- نعم وبالتأكيد فهو يمثل ظاهرة تعالج أمراض المجتمع النفسية -مجتمع المهرجين -
الذين نلتقى بهم فى الشوارع والحارات والدروب والمدن الكبري، وهؤلاء هم الذين
ينطبق عليهم صفة المهرج، بينما هم فى الواقع يرفضون هذه الصفة لذا فإننى أرى أن
هذا المهرج المقهور ينتصر فى النهاية لأنه الأصلح والأنقي، من كثيرين نراهم
يرتدون أقنعة غير أقنعتهم الحقيقية.
* كيف كانت معايشتك للمهرجين داخل الكواليس؟
- عشت وسطهم لفترة قصيرة كصديق وواحد منهم يشاركهم حياتهم وهمومهم ومشاكلهم
اليومية، وعشت معهم لحظات تدريبهم، كما عايشت أحلامهم البسيطة فى الحياة
وآلامهم وأوجاعهم وطموحاتهم، وعندما يبدأ العرض تجدهم ينسون همومهم، ويلقون بها
خلف ظهورهم وكأنهم ولدوا من جديد، من أجل زرع ابتسامة عريضة على وجوه الصغار
والكبار.
* ولكن كيف كانت رؤيتك لهم؟
- عندما بدأ العرض لم أقف معهم خلف الكواليس جلست بين المشاهدين لأعيش معهم
تفاعلهم بعرض المهرج، ولأستمع لتعليقاتهم حتى تكتمل لدى كافة جوانب التجربة
والمعايشة، فعندما جلست فى صالة العرض، وشاهدت المهرج وهو يقدم عروضه، أصابتنى
الدهشة وقد اختفت ملامحه وهمومه الداخلية خلف الألوان الكثيرة التى أخفت وجهه،
فلم تبق منه سوى ابتسامة عريضة صنعها الماكيير فوق وجهه!!
الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية
* لم يكن المهرج وحده هو المسيطر عليك فى أعمالك التشكيلية فقد تأثرت كثيراً
بالأوبرا والسيمفونيات العالمية ويبدو ذلك من تجاربك الفنية؟
- نعم لم يسيطر المهرج وحده على مشاعرى ووجدانى فمن خلال تنوع مشاهداتى
المتتالية للأوبرا والسيمفونيات العالمية، وعروض الفن الشعبى والسيرة الهلالية،
والمسرح التجريبى والرقص الحديث والموسيقى الكلاسيكية والشرقية، من خلال هذه
التجارب والمشاهدات المتنوعة تأثرت كفنان بها جميعاً ويبدو ذلك من خلال أعمالى
التشكيلية المتنوعة حيث تترجم أعمالى التشكيلية تلك المشاهدات أو التجارب التى
أعايشها كل يوم، وربما تكون فى شكل أعمال ساخرة أو فانتازيا وذلك من خلال
مجموعة اللوحات التى ضمت المهرج والعازفين والحواديت والنافذة.
تجربة تشكيلية خاصة
* هل تمثل تجاربك التشكيلية خروجاً عن حدود الإدراك الحسى للأشياء إلى المدركات
اللاشعورية؟
- نعم فى مثل هذه الأعمال تسيطر على حالة وجدانية وشعورية، اعتبرها مجرد ذريعة
للخروج عن حدود الإدراك الحسى للأشياء الملموسة فى الواقع إلى المدركات
اللاشعورية وتحويلها إلى مجموعة من المعادلات الكلية، من نظرة شمولية من شأنها
تفتيت الأشكال وتنقيتها ثم إعادة صياغتها، وهذا يتيح لى قدراً كبيراً من
التنغيم والعزف على الورق بالألوان والفرشاة؟
* هل تطرح أعمالك التشكيلية رؤية خاصة بك؟
- أننى أحاول من خلال أعمالى وتجاربى التشكيلية طرح رؤية فنية خاصة بي، من خلال
الإبحار فى الألوان وتفتيت الأشكال والغوص فى إمكانيات اللون، فتحمل اللوحة
قدرة التعبير وإمكانيات التجريد المطلق.
* هل توصلت فى النهاية إلى حلول تشكيلية جديدة فى اللون والخط والفورم؟
- لقد خرجت من تجاربى الفنية المتعددة بنتائج مبهرة بالنسبة لى على الأقل،
لأننى أعتقد أننى وضعت يدى على مجموعة من الحلول الشكلية فى اللون والخط فى
إطار الشكل الخافت للموضوع المزروع فى الأرضية وهى بعفوية الرسوم التحضيرية
بخصوبتها كى تخرج التجربة كوليد يخرج للنور.
* هل تمثل لوحة "النافذة" حالة نقدية لأمراضنا الاجتماعية؟
- إذا كان هذا المفهوم هو الذى قد وصل إلى المتلقي، فهى بالفعل تعبر عن حالة
نقدية لبعض العادات والتقاليد والموروثات العشبية الغريبة والسلبية والتى لا
زال يتمسك بها البعض حتى الآن، وهى من جانب آخر تعبر من خلال الحاجز الزجاجى
الذى يتطلع من خلفه البعض على حواجز النفس البشرية، ومن خلال هذه النافذة أيضاً
يمكن أن تتحدد صورة الإنسان وطبيعة علاقاته الإنسانية وشكله حسب موقعه بالنسبة
لأحاسيس الآخرين فتلك النافذة هى التى ترى من خلالها الآخر بإيجابياته وسلبياته،
والزجاج فى الصورة يمثل حاجز الضوء المزروع داخل قلوب البشر وأمامهم، وتهدف
الألوان الداكنة فى اللوحة إلى التركيز على الإحساس الذى يظهر فى العيون.
* هل تمثل لك هذه الأعمال مرحلة فنية؟
- تمثل هذه الأعمال والتجارب لى إحدى المراحل التعبيرية الفلسفية التى مررت
بها، وهى مرحلة تعبر عن الإحساس بالوحدة لاختلاف المعايير وتشقق الصلات بيننا
كبشر نحتاج للتواصل كى نعيش.
د. عبد السلام
المسدي رواد النهضة الحديثة لا يعون أن الثقل الثقافي قد تحول من أوروبا إلى
أمريكا

اشتغل بالشأن العام فى توليه لوزارة
التعليم العالى والبحث العلمي، ثم سفيراً لتونس بالعديد من الدول العربية ومنها
المملكة العربية السعودية، إنه الناقد التونسى د. عبد السلام المسدي.التقينا به
فى القاهرة. وكان حوارنا معه حول حال النقد الأدبى فى عالمنا العربي، وعلاقة
الناقد بالأديب، كما تطرقنا إلى ساحة الشعر والرواية ونصيبهما من النقد العربي.
فإلى التفاصيل.
* ما تعليقك على القول بأن قراءة الثقافة العربية جاءت فى مراحلها الأولى مع طه
حسين؟
- فى مفهومى أن القراءة هو مصطلح فضفاض وخاصة القراءة الثقافية والحضارية والتى
بدأت مع أحد رواد النهضة وهو رفاعة الطهطاوى وكان قد أعطى للنقد العربى قراءة
ثقافية عربية أصيلة جمعت بين الثقافية والحضارية، وعندما كتب "تخليص الإبريز فى
تلخيص باريس" كان قد أخذ موقفاً نحوياً بالنقد بشكل عام. لكن مع طه حسين كانت
القضية معه مركزة ومؤسسية على نحو ما. وبدأ فيها القراءة على أساس منهجى بحت.
ثم انتقلت منه إلى جمهرة تلاميذه حيث يلاحظ أن هذه القراءة الثقافية لم تكن
أحادية المسار، فهناك القراءة التى أتاحت للثقافة أن تهيمن على النص، حيث
استجابت نصوصها لهذه الهيمنة، لكن هناك نصوصاً قاومت هذه الهيمنة وتمسكت
باستقلاليتها إلى حد كبير.
علاقة الناقد والأديب
* وما رؤيتك تجاه العلاقة الجدلية التى دائماً ما تؤدى إلى إشكاليات ما بين
الناقد والأديب؟
- هنا فى هذا السياق.. تتعقد القضية والحقيقة والذين يرتكبون الخطأ الفادح فى
هذه المعركة هم الأدباء. فالأديب المبدع دائماً فى حالة تعجل ويريد أن يقرأ
تزكية سريعة من لدى الناقد والناقد فى الحقيقة هدفه أن يبصر القارئ بخصوصية
الأدب لا أن يقدم خطاب مدح أو تزكية للأديب ولو كان الأديب منصفا لترك الناقد
يتحدث للقراء حديثاً حراً ثم يعود من حديثه النفع عليه وعلى كتبه.. وليس نفعاً
مادياً فى رواج الكتب، وإنما معنوى فى الاعتبار.. وهذه مسألة معقدة فى واقعنا
العربى أكثر مما هى معقدة فى الثقافات الأخري.
وفى رأيى أن هناك تفاعلاً جدلياً دائماً بين الأدب والنقد .. وكثيراً ما تحدث
إشكاليات بين النقاد والأدباء مما يحدث فى علاقاتهما أصناف كثيرة من سوء الفهم
والالتباس، والأديب المبدع دائماً ما ينتظر من الناقد أن يكون فى خدمته.. ولكن
الناقد دوره فى الأساس هو التبشير بالإبداع الشعرى والروائى ولذلك فرؤية الأديب
هى رؤية نفعية لدرجة عالية، أما الناقد فيريد أن يتعامل مع النص بصرف النظر عن
صاحبه.
فك الشفرة
* هل استطاع النقد العربى أن يرصد وقائع المجتمع كما رصد وقائع المبدع العربي؟
- رصد وقائع المجتمع ليست المهمة الأولى للناقد الأدبى وإنما هى مهمه الناقد
الاجتماعى والسياسي، ولكن لا يمكن للناقد الأدبى أن يكشف خبايا الأدب وأسرار
النص إلا إذا غاص فى المجتمع وفكك شفرته وأبان عن الحوافز الدفينة التى دعت
الأدب لأن يكتب، والناقد هنا له علاقة بالمجتمع فهى علاقة واسطة وليست علاقة
مباشرة.. فهى علاقة تمربالنص الإبداعي.. وإذا كتب الناقد مقالاً يتحدث فيه عن
إحدى ظواهر المجتمع، فإذا هو يتحول من ناقد أدبى إلى ناقد اجتماعي. والناقد
الأدبى لا يكتسب صفته هذه إلا انطلاقاً من وجود نص أدبى بل ولا بد أن يكون هناك
نص تلقاه الناس على أنه أدب ولا يحكم الناقد وحده على هذا النص، والناقد محكوم
بآليات التلقى لدى الجماعة ومحكوم أيضاً بآليات الجماليات أو منظومة منها وهى
التى يحتكم إليها المجتمع.
* فى رأيك .. لماذا دائماً الناقد يأخذ موقف التعالى على النص الأدبى والقارئ؟
- يجب أن نتفق جميعاً على مستويات الرسالة، التى يؤديها النقد الأدبي. مبدئياً
على القارئ أن يأخذ الكتاب الإبداعى ويقرأه.. لأن القارئ أحياناً يلجأ إلى
قراءة النص النقدى دون أن يقرأ النص الإبداعي، فمثال؛ إذا أقدم القارئ على
قراءة الرواية أو الشعر فيجب عليه أن يتبنى موقفاً، ويأتى ويقرأ النص النقدى
لهذه الرواية أو الشعر فيجب أن يحدد اختياراته فى الأساس إلى أى نص أدبى يذهب.
لأن هناك نصوصاً نقدية يكتبها أصحابها متجهين بها إلى قارئ النص، وإلى مستهلك
الأدب ويبصره بخصائص النص.. ويفسر أسرار الإبداع فى النص، ويعطى تأويلات للغاية
التى ينشدها النص، وهذا مجملات القارئ العادي، لكن هناك حقاً آخر للناقد وهو أن
ينطلق بالنص الروائى أو الشعرى ليعطى مساحة متجادلة مع أخوته النقاد وأن يبنى
رؤى مختلفة فى مستوى النقد، فنجد القارئ العادى للنص عندما يقرأ هذا فأحيانا
يفهم، وأحيانا لا يفهم طبقاً لمستوى النقد الذى تبناه الناقد فغالباً ما يستخدم
الناقد فى الحالة الثانية مصطلحات مفهومة على مستوى الحوار بين النقاد. وحتى
هذا المستوى يمكن أن يرتفع أكثر إلى مستوى القارئ والفاهم لهذه المصطلحات
والحكم على أن الناقد لا يقترب من القارئ هو حكم معمم وظالم لأن على القارئ أن
يحدد اللحظة التى يتجه فيها إلى النص النقدي.
* ما تقييمك لنصيب الشعر والرواية من النقد فى عالمنا العربي؟
- يجب أن نعرف أن الشعر على المستوى الإنسانى وفى واقعنا العربى يمر بأزمة وأن
هذه الأزمة قد طالت.. وتلك الأزمة فى واقعنا العربى هى صورة لأزمتنا الحضارية
العامة وصورة لتأزم علاقتنا مع الماضى والأمر الثانى يتمثل فى أن علاقتنا
بالرواية هى علاقة جديدة. ولذلك فإن تأزم علاقتنا بالشعر هو الذى أتى ببعض
النقاد أن يقولوا بأن عصرنا اليوم هوعصر الرواية وهذا فى الأصل ليس فرضاً مطلقا
للرواية ولكن الرواية تستمد فضلها وقيمتها الآن من الأزمة الخانقة التى يمر بها
الشعر.. ومع ذلك فإن الرواية فى عالمنا العربى الآن ليست متكاملة البناء..فما
زال واقعنا العربى يفتقر إلى السنن الروائية، وإلى تقنيات سردية مستقرة. وما
زلنا نحتاج إلى ثقافة روائية. وكل شعرائنا ينطلقون من ثقافة الشعر لأنها جزء من
تكويننا العربي، لكن كثيراً من الروائيين ينطلقون من اللاثقافة فى الرواية،
فكثير من الكتاب ينطلقون من كتاباتهم للرواية من فن القصة والخبر، أما الرواية
كتقنية سردية، فهى شيء ما زال غائباً عن عالمنا العربى فضلاً عن أننا فى بلادنا
العربية نفتقر إلى القارئ المتتبع فقط للمسلسلات التليفزيونية والذين هم قارئون
افتراضيون للرواية. وفى أغلب الأحيان هم الشريحة العظمى من المجتمع العربى التى
تكتب من أجلهم المسلسلات وهذا الجمهور ما زال يعيش أمية تقنية السرد فى الرواية..
وقد ابتعدت هذه الشريحة عن الثقافة السينمائية الأصيلة التى هى أقرب إلى الحبكة
الروائية.. هذا إلى جانب أن لدينا إعاقة اجتماعية فى عالمنا العربى أننا شعب لا
يقرأ.. مقارنة بينه وبين الشعوب الأخري، ولذلك فإن الروائى فى وطننا العربى هو
مأزوم لأنه فى أغلب الأحيان يكتب وفى ذهنه القراء الذين هم ليسوا عاديين وهم
النخبة الصفوة والنقاد وليسوا من الشعب العام المستهلك للمادة الروائية.
المدارس الغربية
* فى بعض أحاديثك، قلت إن النقد الثقافى أصبح منتجاًِ ونحن على أفاق استشراف
مستقبلى نقدي، لكن هناك خطورة تواجه النقد الثقافى العربي، كيف؟
- فى واقعنا العربى لدينا أزمة فى النقد الثقافي، لأن فرسان البحث قد أضاعوا
جوهره حينما ردوه إلى أشياء سابقة من مقولات، فكثير ما يقولون إن النقد الثقافى
لا يأتى إلا من ثقافتنا وحضارتنا لكن المدارس الغربية عندما عرفت النقد الثقافى
كان لديهم فرسان قدماء كتبوا واحتموا بالثقافة النقدية ولكنهم ليسوا نقاداً
ثقافيين لأن النقد الثقافى له مقولاته ويجب الوعى بها وخاصة عندما يكتب وهذا
غائب عن كثير ممن يكتبون النقد الثقافى فى عالمنا العربي، لأن هناك خللاً
جوهرياً فى نظرتنا للنقد الثقافي
بهدف الحفاظ على
تراثه المسرحى حياً إعادة نشر الأعمال الكاملة لتوفيق الحكيم

بهدف الحفاظ على تراث الكاتب الكبير توفيق
الحكيم "1898 ـ 1987" وخصوصاً تراثه المسرحي، أعادت دار الشروق بالقاهرة نشر
عشرة أعمال بارزة للحكيم ضمن خطة الدار لإعادة نشر أعمال الكاتب الكاملة،
والأعمال العشرة التى صدرت أخيراً هي: "السلطان الحائر"، "الأيدى الناعمة"، "زهرة
العمر"، "عصفور من الشرق"، "أهل الكهف"، "محمد صلى الله عليه وسلم: سيرة حوارية"،
"يوميات نائب فى الأرياف"، "حمارى قال لي"، "فى الوقت الضائع"، "عودة الروح".
وفى مقدمة مشروع إعادة نشر الأعمال الكاملة لـ "أبى المسرح العربي" توفيق
الحكيم، يقول الكاتب المسرحى محمد سلماوى رئيس اتحاد كتاب مصر: كنا نتحدث عن
وضع المسارح فى مصر حين قال لى الأستاذ توفيق الحكيم إنه يتصور أن يخصص المسرح
القومى بتقديم تراث المسرح على مدار العام حتى يظل هذا التراث حياً وحاضراً.
ومضت السنون ورحل توفيق الحكيم، وصارت المشكلة ليست فقط فى عدم إبقاء تراثه
المسرحى حياً على خشبة المسرح، وإنما فى عدم توفره حتى كنص مطبوع. من هنا كانت
سعادتى بمشروع إعادة نشر الأعمال الكاملة لـ "أبى المسرح العربي" توفيق الحكيم،
فالأمم لا تنمو وتزدهر إلا بمقدار ما يكون تراثها ماثلاً فى حاضرها، وإلا انفرط
عقدها وفقدت ماضيها ومستقبلها معاً، فى التاريخ وفى السياسة كما فى الآداب وفى
الفنون .ويأتى إصدار أعمال توفيق الحكيم الكاملة بمثابة إعادة تدوين لحياته هو
ذاتها، باعتبار أن أعماله ترجمة غير مباشرة لحياته، وقد أشار هو نفسه إلى ذلك
الأمر فى مقدمة "يوميات نائب فى الأرياف" إذ يقول: لماذا أدون حياتى فى يوميات؟
هل لأنها حياة هنيئة؟ كلا، إن صاحب الحياة الهنيئة لا يدونها، إنما يحياها. إنى
أعيش مع الجريمة فى أصفاد واحدة، إنها رفيقى وزوجى أطالع وجهها فى كل يوم، ولا
أستطيع أن أحادثها على انفراد. هنا فى هذه اليوميات أملك الكلام عنها، وعن نفسى
وعن الكائنات جميعاً. أيتها الصفحات التى لم تنشر، ما أنت إلا نافذة مفتوحة
أطلق منها حريتى فى ساعات الصيف! . ووفقاً للنقاد فإن توفيق الحكيم هو مؤسس
المسرح المصرى المعاصر، وهو الذى جعل المسرح فى العالم العربى جنساً أدبياً
مرموقاً. وقد اتسمت لغة أعماله المسرحية باليسر والمرونة، وحرص على أن يبرز
فيها روح اللهجة العامية المصرية وبعض تركيباتها. وخلال دراسته الحرة فى
العاصمة الفرنسية باريس "1924 ـ 1928"، انشغل توفيق الحكيم بالتعرف على خصوصيات
ثقافته العربية المصرية، وعلى ما يميزها عن الثقافة الغربية التى كان آنذاك فى
خضم طوفانها، وقد عبر عن هذا الانشغال فى روايتيه "عودة الروح" "1933" و"عصفور
من الشرق" "1937"، ومسرحيتيه "إيزيس" "1955"، و"الصفقة" "1956". وآمن الحكيم
بقدرة الشعب وبقوة بصيرته، فكتب فى كتابه "تأملات سياسية": إن هذا الشعب يعلم
أشياء كثيرة، لكنه يعلمها بقلبه لا بعقله. إن الحكمة العليا فى دمه ولا يعلم،
والقوة فى نفسه ولا يعلم . والحكيم أيضاً فى أعماله يلجأ إلى بصيرته وقلبه
وموهبته الخلاقة، وإلى قدرته على المحاكاة وخلق الصور والشخصيات والمواقف أكثر
مما يلجأ إلى النظريات ومناهج البحث والتحليل، حتى وإن كانت كتاباته فى المجمل
تتصدى لموضوعات كبرى مثل محاولة تفسير وضع الإنسان فى سياق الكون، والزمان،
والمكان، والمجتمع. كما تناولت كتابات الحكيم مفاهيم الجماعة والفرد والقانون
والسلطة والعدل والحب، وأكد مراراً فى هذه الكتابات مفاهيم الحرية الفردية
وعلاقة المواطن بالسلطة وبالمجتمع. وقد عمل الحكيم مديراً لدار الكتب القومية،
ومندوباً دائماً لبلاده فى منظمة اليونسكو، ورئيساً لاتحاد كتاب مصر، وكاتباً
متفرغاً فى جريدة "الأهرام". ومنذ أربعينيات القرن العشرين، دأب الحكيم على نشر
أعماله المسرحية ومقالاته الفكرية فى الصحف المصرية قبل نشرها فى كتب. ترك
الحكيم 100 مسرحية و62 كتاباً، ترجم منها الكثير إلى عدد من اللغات الحية، ومن
أهم ما ترجم له: "أهل الكهف" "1932"، "شهرزاد" "1934"، "السلطان الحائر"
"1960"، "يا طالع الشجرة" "1962" و"شمس النهار" التى كتبها ونشرها فى عام 1965.
وقد حظى توفيق الحكيم بمكانة متميزة على خريطة تطور الكتابة الإبداعية العربية،
فهو كاتب واحدة من أولى الروايات العربية "عودة الروح" "1933"، وهو أيضاً كاتب
أول مسرحية عربية ناضجة بمعايير النقد الحديث "أهل الكهف" "1932". وقبلها، كان
الحكيم قد كتب أولى مسرحياته فى سن مبكرة بعنوان "الضيف الثقيل"، وذلك إبان
ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني. ولا ترجع أهمية توفيق الحكيم إلى كونه صاحب
أول مسرحية عربية ناضجة بالمعيار النقدى الحديث فحسب "أهل الكهف"، وصاحب أول
رواية بذلك المعنى المفهوم للرواية الحديثة "عودة الروح"، وإنما ترجع أهميته
أيضاً، على حد ما يرى الناقد سمير حلبي، إلى كونه أول مؤلف إبداعى استلهم فى
أعماله المسرحية والروائية موضوعات مستمدة من التراث المصري، وقد استلهم هذا
التراث عبر عصوره المختلفة، سواء كانت فرعونية أو رومانية أو قبطية أو إسلامية،
كما أنه استمد أيضاً شخصياته وقضاياه المسرحية والروائية من الواقع الاجتماعى
والسياسى والثقافى المعاصر لأمته. وقد تألق الحكيم واشتهر ككاتب مسرحى بعد
النجاح الذى حققته مسرحية "أهل الكهف" التى مزج فيها بين الرمزية والواقعية على
نحو فريد يتميز بالخيال والعمق دون تعقيد أو غموض، وأصبح هذا الاتجاه هو الذى
يكوِّن مسرحيات الحكيم بذلك المزاج الخاص والأسلوب المتميز الذى عُرف به.
ويتميز الرمز فى أدب توفيق الحكيم بالوضوح وعدم المبالغة فى الإغلاق أو الإغراق
فى الغموض، ففى أسطورة "إيزيس"، التى استوحاها من "كتاب الموتي"، فإن أشلاء
أوزوريس الحية فى الأسطورة هى مصر المتقطعة الأوصال التى تنتظر من يوحدها،
ويجمع أبناءها على هدف واحد.
▲top▲
Iraq
designer

Email:
nana20042005@hotmail.com
|