|
أمينة
قطب.. شاعرة الشهادة والمعتقل
أبصرت أمينة قطب النور في قرية موشا بمحافظة
أسيوط في مصر، ونشأت في أسرة كريمة متدينة. وكان والدها الحاج قطب إبراهيم على
حظ من الوعي والمعرفة والتنوُّر، وكان متديناً ووجيهاً في بلده. وكانت أمها
امرأة فاضلة ومتدينة، وكان القراء يرتلون القرآن في دارهم طوال شهر رمضان. وبعد
وفاة والدها الحاج إبراهيم، غادرت أسرتها القرية إلى القاهرة واستقرت فيها.
اتصفت أمينة بالعديد من الصفات الطيبة، فهي امرأة فاضلة، داعية وأديبة وشاعرة،
كانت مهتمة بالأدب، وخاصة في مجال كتابة القصة القصيرة، وقد نشرت عدداً منها في
المجلات الأدبية التي كانت تصدر في القاهرة، مثل مجلة الأديب، ومجلة الآداب،
ومجلة العالم العربي، وذلك في سنوات 1947م إلى 1954م.
تجربة المعتقل
ولجت المعتقل مع العديد من أفراد أسرتهاوظلَّت رهن الاعتقال في السجن الحربي
فترة من الزمن، وتزوَّجت أمينة من المجاهد "كمال السنانيري"، وما لبثت أن فقدته
شهيداً.
كانت أمينة في مطلع شبابها شغوفة بقراءة الشعر وحفظه، حتى إنَّها كانت تترك ما
عليها من واجب دراسي وتسهر إلى وقت متأخر من الليل لتحفظ قصيدة أعجبتها. وكان
الجو من حولها يغذي ذلك الشغف بالشعر.. فكان شقيقها الكبير العائل والموجه
شاعراً وكاتباً، وكان الشقيق الثاني شاعراً وكاتباً أيضاً.
كتبت أمينة بعد قراءة جيدة للشعر عدَّة أبيات تعبِّر فيها عن عواطفها وأحاسيسها،
لكن تلك الأبيات لم تكن شعراً، وبعد عدَّة محاولات لم تصل في نظم الشعر إلى شيء،
واتجهت إلى كتابة القصة القصيرة، لكن قراءتها للشعر ظلت مستمرة، وقد شجعها
شقيقها الكبير "سيد" على المضي في هذا المجال، حيث كان ينقد لها ما تكتب
ويبصرها بمسالك الدرب الذي رأى أنها تملك السير فيه، ووجهها ووجه باقي إخوته
وهو بين جدران السجن، أن تأخذ كتابتهم الطابع الإيماني، وأن يكون تصورهم
وأحاسيسهم ومشاعرهم بعيدة كلها عن تصورات الجاهلية واتجاهاتها في التعبير، في
النثر والشعر، ومن ثم كانت مجموعة أقاصيصها الثانية "في الطريق" محاولة أولية
لإيجاد قصة نظيفة تأخذ طابعاً إنسانياً.
رباط داخل السجن
وفي تلك الأثناء كان قد تمَّ الرباط بينها وبين المجاهد كمال السنانيري وهو
داخل السجن، وكانت التجربة عميقة مثرية للأحاسيس والخيال والمشاعر. وكانت كل
زيارة تقوم بها أمينة للسجين المجاهد الصلب، تثري خيالها ومشاعرها بألوان
الأحاسيس، فتضمنها قصة أو رسالة من رسائلها إليه، أو تضع الأقاصيص في مخابئها
حتى يأذن الله بالخروج.
وكتبت أمينة مجموعتين قصصيتين هما "تيار الحياة" و"في الطريق"، ولم تتجه إلى
كتابة الشعر إلا بعد أن ارتبطت بالمجاهد السنانيري وهو في السجن إثر إحدى
الزيارات التي كانت قد تأثرت فيها من كلام زوجها لها بأنَّ لها الخيار في
اتخاذها موقفاً تراه مناسباً وتتجه لمستقبلها؛ لاحتمال أن يطول مكثه في السجن،
والذي آلمها لقصر مدة الزيارة، فبدأت بكتابة رسالة إليه تعتب فيها على "ذلك
الحديث وذلك التفكير في أمر فك ارتباطهما" وهنا كما توضح أمينة وتقول: "وجدت
كلماتي تخرج منظومة على غير تدبير مني".
زوج الشهيد!!
وكانت أمينة قد كتبت عدة أبيات أعجب بها زوجهاً إعجاباً شديداً، وربما كان لذلك
تأثير في معاودة نظمها الشعر، لا سيما أنَّ المناسبة تستدعي ذلك.. ومنذ تأثرها
بكلام زوجها أخذت أمينة تنظم الشعر وتجيده.
وجاءت سنة 65 و 1966م لتحمل المصاب الجلل، وكان فيها من الأهوال ما يعجز الشعر
والنثر عن وصفه أو التعبير عنه. كانت تجربة عنيفة هائلة، صمتت فيها كل أوتار
النفس، ولم تعد تملك الحديث..
وخرج شريك حياتها من السجن، ثم اعتقل مرة أخرى، ثم كان استشهاده الذي عُد
انتصاراً له على الباطل، ومناراً للسالكين طريق الحق. أما الزوجة الصابرة
"أمينة" فكان هذا الحادث شديد الوقع عليها، عميق الأثر في القلب والشعور، فكانت
قصائدها صورة من صور التعبير لهذا الابتلاء، ولوناً من ألوان المعاناة لهذا
الفراق.. جاءت لتبرز قضية خالدة على مدى الزمان.. قضية الإيمان في مقابل
الضلال، قضية العباد الذين يفردون الله سبحانه بالطاعة والعبادة، ويأبى عليهم
إيمانهم أن يحنوا رؤوسهم لغير الله..
تزهر الأرض بالحق!
أمينة شاعرة إسلامية عانت الألم الذي يواجه دعاة الإسلام، وكان في أسرتها
المعذب والسجين والشهيد، فجاء شعرها صورة لآلامها.. في ديوانها "رسائل إلى
شهيد" صرخة استنهاض في وجه من تسميهم بالخانغين أو القطيع، أولئك الذين رضوا
بالذلة والهوان.. وفيه مجموعة من القصائد جاءت كأنها رسائل وجهتها إلى الزوج
الشهيد، وإلى السائرين على درب الحق رغم أشواك الطريق.. ففي قصيدة "في دجى
الحادثات" تصف لقاء كيانين ألّفت بينهما العقيدة ووحَّد بينهما الإحساس المسؤول
بثقل الرسالة وجسامتها ليتحركا في صبر الأباة المجاهدين صوب الهدف الذي أملاه
الواجب الشرعي، تقول:
أو لم نمضي على الحق معا كي يعود الخير للأرض اليباب
نتحدى ظلمات وطغاة عبَّدوا الناس بإذلال الرّقاب
أبعدوا الدين سلوكا وحياة وأرادوه سطورا في كتاب
فمضينا في طريق شائك نتخلى فيه عن كلّ الرّغاب
ونعيش العمر ألوان عناء في سجون قد أُعدت للعذاب
وفي قصيدة "من المنفى" كتبت أمينة عن الزوج الحبيب الشهيد، وتغنَّت بفرحة
اللقاء قائلة:
شاقني صوتك الحبيبُ على الها تف يدعو ألاّ يطول غـــــيابي
شاقني أن تقول لي: طال شوقي قد غدا البيتُ موحشاً كاليباب
شاقــني ذلك النـــــداء حـــــنوناً فلتعـــــــودي لعالم الأحــــباب
شاقــــني أن تقــــول: حُبك بعداً
لا تعــيـــدي بواعث الأســباب
عيـــد ميلاد
البـطريــق

في مطار هيثرو، على مشارف لندن، تستقبلك مكتبة
«بوكس إيتسيترا» أي «كتب الخ»، وهذا هو اسم المكتبة، بمساند عدة تحمل كراسات
صغيرة وفي الزاوية العليا من كل كراس رقم 70 حيث ينتصب الـ 7 إلى جانب بطريق
صغير كامن في فراغ الصفر. وإذا ما انتقلت إلى وسط لندن فسوف ترى الكراسات نفسها
توزعت مكتبات سميث وأندورز الكبرى في محطة فكتوريا وشارع اكسفورد.
هذه الكراسات هي نماذج صغيرة من كتابات لمؤلفين معروفين تنشرها دار بنغوين
بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيسها. إنه عيد ميلاد البطريق الجميل الذي، على رغم
بلوغه السبعين من العمر، لم يزل صغيراً، وقد أفرد جناحيه الصغيرين ورفع صدره
وأدار وجهه إلى جهة اليمين. جناحان أسودان وصدر برتقالي في دائرة متطاولة. إنه
شعار دار بنغوين للنشر.
من منّا لا يملك في مكتبته مؤلفات صادرة عن هذه الدار؟ وإذا تعذر ذلك، لجهل
أحدنا باللغة الإنكليزية، فمن منّا لم يصادف هذا البطريق في المكتبات في أية
بقعة زارها من العالم؟
الحال أن دار بنغوين شكلت ما يمكن اعتبارها ذاكرة القرن العشرين. فقد شيدت
عالماً معرفياً هائلاً بدأ يترسخ في العالم كله منذ ثلاثينات القرن العشرين.
من لندن، قلب الحاضرة الإمبريالية، إلى أقصى بلدة في بنغلادش أو جزر القمر يمكن
العثور على البطريق الوديع على أغلفة كتب أنيقة يمكن أي شخص أن يشتريها
لأسعارها المتهاودة إلى حد كبير.
العالم مكتبة، بورخيس قال. هذا بالضبط ما فعلته دار بنغوين. حوّلت العالم إلى
مكتبة كبيرة وجعلت متاحاً الدخول في متاهات كافكا وبورخيس وجورج أورويل وعوالم
د. هـ. لورانس... فضلاً عن كلاسيكيات العالم القديم من بلاد الإغريق وبين
النهرين والصين واليابان. إلخ.
انطلقت الفكرة في رأس آلن لين. كان آلن يزور آغاتا كريستي في نهاية الأسبوع.
وجد نفسه في محطة اكستريت يبحث عن شيء يقرأه أثناء عودته بالقطار إلى البيت.
ولكنه لم يجد سوى المجلات الشعبية وطبعات من الروايات الفيكتورية.
قرر آلن أن يعمل شيئاً ليجعل متاحاً للقصص القصيرة والروايات والأشعار أن تملأ
الواجهات ليس فقط في المكتبات التقليدية بل في محطات القطارات ومحلات بيع التبغ
والفواكه. هو أراد أن تكون الكتب جادّة، رصينة، غنية المضمون. ولكن أنيقة
ورخيصة الثمن أيضاً بحيث لا يتجاوز ثمن الكتاب سعر علبة الدخان. أراد أن يؤسس
داراً للنشر وحين مرّ بحديقة حيوان وأبصر البطريق تيقن أن الدار ستحمل اسم
بنغوين وأن صورة البطريق الصغير ستكون على كل الكتب.
ستحمل اسم بنغوين وأن صورة البطريق الصغير ستكون على كل الكتب.
في صيف 1935 ظهرت القصص الأولى عن الدار. قصص لأرنست هنمنغواي وأغاثا كريستي.
منذ تلك اللحظة تبدلت نظرة الناس في الشارع الإنكليزي، وفي العالم من بعده، إلى
الكتب بوصفها حاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها ويمكن شراؤها باللهفة ذاتها
التي يشتري بها المرء غذاءه وشرابه. لقد بدأت إذ ذاك ثورة الكتاب الرخيص،
الأنيق.
خلال أشهر عدة باعت دار بنغوين ثلاثة ملايين نسخة من الكتب ذات الأغلفة الورقية.
كان أصحاب دور النشر القديمة، التقليدية، نظروا بعين الشك والاستخفاف الى مشروع
دار بنغوين. كان عليهم أن يغيروا رأيهم خلال وقت قصير.
في عام 1937 انتقلت الدار إلى مقر جديد، أوسع، في هارموند سورت، غرب هيثرو (حيث
المطار الحالي). وسرعان ما توسعت دائرة النشر لتشمل الروائيين والمسرحيين
والشعراء وكتاب التاريخ والسياسة والفن والعلم.
وأنشئت أسماء جديدة كفروع للنشر ضمن نطاق الدار الأم. ظهرت سلسلة بوفين للأطفال،
عام 1940، التي انطلقت كسلسلة غير قصصية، ولكن النجاح الهائل الذي حققته دفع
بالمشرفين عليها إلى خوض تجربة العالم القصصي المصور أيضاً. ثم أنشئت سلسلة
كلاسيكيات بنغوين عام 1946 بترجمة الأوديسة، من قلم إي. في. ريو. لقد دُشن عصر
جديد من الانفتاح على ملاحم وأساطير وكلاسيكيات الحضارات القديمة من جلجامش إلى
«طيران فوق عش الوقواق».
العالم القصصي المصور أيضاً. ثم أنشئت سلسلة كلاسيكيات بنغوين عام 1946 بترجمة
الأوديسة، من قلم إي. في. ريو. لقد دُشن عصر جديد من الانفتاح على ملاحم
وأساطير وكلاسيكيات الحضارات القديمة من جلجامش إلى «طيران فوق عش الوقواق».
واعترضت مسيرة الدار العقبات والمشاكل. تمثلت العقبة الأولى في الاصطدام بجدار
القوانين المحافظة. ففي عام 1960 رفعت بحق الدار دعوى بتهمة نشر الإباحية
وإفساد الأخلاق وذلك بعد نشر رواية، د. هـ. لورنس «عشيقة الليدي تشاترلي».
وخاضت الدار غمار هذه الحرب الأخلاقية ووقفت تدافع عن حرية التعبير وحصانة
الإبداع ورفعة الأدب وربحت المعركة، وكان ذلك إيذاناً بإحداث نقطة انعطاف حاسمة
في قوانين المنع والرقابة. تشكلت طوابير طويلة لشراء الرواية وفي غضون ستة
أسابيع بيع منها مليون نسخة. وحدث الأمر نفسه مع رواية «يوليسيس» لجيمس جويس.
وفي عام 1980 أعاد التاريخ نفسه. فقد اصطدمت الدار، هذه المرة، بجدار الدين
والتزمت العقائدي حين نشرت رواية سلمان رشدي «آيات شيطانية». ووجدت الدار نفسها
في أتون معركة رهيبة تضافر فيها الخوف والتزمت والتهديد والمنع وفرض الرؤية
الواحدة وإخضاع الأدب لمقاييس من خارجه. وفي عام 2000 تصادمت الآراء والمواقف
من جديد ورفعت الدعوى ضد الدار هذه المرة من جانب المؤرخ دافيد ايرفنع الذي كان
نشر كتاباً يشكك فيه بالهولوكوست وحاججته ديبورا ليبستاد بكتاب «إنكار
الهولوكوست». وربحت الدار المعركة. وفي عام 2002 نشرت الدار كتاب المخرج
السنمائي الأميركي مايكل مور، المثير للجدل، المعنون «الرجل الأبيض الغبي» على
رغم محاولات حثيثة من الولايات المتحدة لمنع الكتاب.
ليبستاد بكتاب «إنكار الهولوكوست». وربحت الدار المعركة. وفي عام 2002 نشرت
الدار كتاب المخرج السنمائي الأميركي مايكل مور، المثير للجدل، المعنون «الرجل
الأبيض الغبي» على رغم محاولات حثيثة من الولايات المتحدة لمنع الكتاب.
أسست الدار ما يمكن تسميتها بـ «الجمهورية الديموقراطية للكتاب» حيث الكلمة
حرّة لايعترض طريقها معترض.
مسيرة جبارة تلك التي بدأتها الدار منذ بدايات القرن السابق ولم تزل تمضي إلى
الأمام تواكب العصر وتبدلاته وأذواقه وتحرص على السير بمحاذاة القارئ تحثه على
القراءة وتزوده الجديد في ميادين الإبداع.
وراء هذا الإنجاز الحضاري يقف الرجل العصامي آلن لين، الذي توفي عام 1970 وترك
كنزاً من البهجة البشرية في كلمات مطبوعة على الورق يسعى الناس إلى قراءتها
بشغف.
كان آلن ترك المدرسة في سن السادسة عشرة. ومع أنه لم يكن مولعاً بالقراءة سحرته
على الدوام فكرة الكتب وفضاء المكتبات. كان يتمتع بحس دقيق إزاء كل ما هو
مكتوب، وهو شعر في نفسه بالحاجة إلى اقتناء كتاب جميل ورخيص الثمن كلما واتته
الرغبة في ذلك. كان ذلك وراء إقدامه على إنشاء دار بنغوين وإطلاق الطائر الصغير
ليكون علامة على عصر لعبت فيه الأفكار والروايات والقصص دوراً هائلاً في صوغ
ذاكرة الناس وأذواقهم الأدبية والفنية.
جنـــــايـــة زوج 
ذات مساء جميل، كان الهلال بدراً يبهر العقل،
احتفل الأقارب والأحباب والأهل بزواج (محمد وأمل)...
كانت تلك الليلة من أروع الليالي التي مرَّت على محمد، كان ينتظرها بكل لهفة
وشوق، فقد قطع على نفسه عهداً بأن يجعل (أمل) أسعد زوجة في العالم... وبعد
يومين من الزواج قرَّر (محمد) أن يقضي مع زوجته مايسمى بشهر العسل في إحدى دول
أوروبا لينعما بالسعادة والراحة، ويتمتَّعا بالطبيعة الخلابة والأجواء
الجذَّابة..
وفعلاً تمَّ له ماأراد، وسافرا إلى دولة أوربية، واستقرا في أفخم فندق فيها،
وقضيا فيه أول ليلة من رحلتهما.
كانت تبدو على (محمد) علامات السعادة والسرور، بينما (أمل) يروادها شعور بالخوف
من بلاد الغربة وإحساس بعدم الأمن، كانت
تنظر إلى الباب في توجس وخيفة بين الفينة والفينة..
بعد ساعتين من استقرارهما في غرفتهما استأذن (محمد) ونزل إلى مطعم الفندق ليحضر
لزوجته الغالية وجبة عشاء تليق بمقامها كعروس.. استغرق ذلك من (محمد) وقتاً ليس
بالقصير.. بعدها حمل العشاء بين يديه وانطلق بسرعة كي لاتقلق زوجته الحبيبة
عليه، وعندما وصل إلى باب الغرفة وجد الباب مفتوحاً على مصراعيه، خاف على
عروسه، وتبادرت إلى ذهنه أفكار مخيفة وهواجس مرعبة، فبادر بالدخول، والرعب يملأ
قلبه، وأخذ يبحث عنها ويلتفت يمنة ويسرة فلم يجدها.. طأطأ رأسه من فرط الحزن
والألم، ثم فجأة صرخ بأعلى صوته: ياللهول؟
لقد رأى عروسه سابحة في بركة من الدماء، تئن من فرط الألم، ملابسها قد مُزَّقت،
مجوهراتها قد
سُرقت.وقف صامتاً لايُحرك ساكناً، أصابه الذهول من هول مارأى...
حاولت المسكينة أن تحرك أطرافها.. حاولت أن تقف على قدميها.. بل حاولت أن ترفع
رأسها.. كانت تريد النهوض لتنتقم لنفسها ممن كان السبب فيما جرى لها، لتأخذ
الثأر ممن أطفأ سراج عمرها وقوض مسيرة حياتها وضيّع زهرة شبابها.. ولكن جميع
محاولاتها باءت بالفشل...
بََيْدَ أنها لم تيأس بل عادت مرة أخري بعزيمة قوية وجهود مُضْنية، تحاول أن
تتشبَّث بحافَة السرير ليها يَدُ الجاني لتمسكها وتقيد حركتها... حاول الجاني
أن يُثَبِّط عزيمتها ويحبط آمالها، ويكبت جماح مشاعرها الثائرة...
علَّها تستطيع النهوض لتحقق رغبتها الجامحة في الانتقام... ولكن امتدت إليها
يَدُ الجاني لتمسكها وتقيد حركتها... حاول الجاني أن يُثَبِّط عزيمتها ويحبط
آمالها، ويكبت جماح مشاعرها الثائرة...
أرادت المقاومة والإصرار على موقفها، ولكن هيهات.. هيهات فقواها خائرة، وجسدها
لايقوى على الحراك..
استسلمت له على مضض وتجرعت آلامها، وكتمت عبرتها لأنها أرادت أن تواجه الموقف
ببسالة، وتُظْهِر له شجاعتها، ولكن دموعها خانتها، وأخذت تنساب على وجنتيها
لتزيل ماعلق على وجهها الجميل من آثار تلك الجريمة البشعة..
رمقت محمد بعينيها الغائرتين، وقلبها يعتصر ألماً وحرقة.. قالت له في كمد وغيظ:
لقد اغتلت أحلامي، ووأدت سعادتي، لقد حكمتَ عليَّ بالإعدام..
قاطعها بسرعة وقد بدت عليه علامات الدهشة والاستغراب وقال لها ببراءة متناهية:
ماهذا الذي أسمعه؟!! هل كلامك هذا موجَّه
لي؟! لالا؟!! أعتقد أن حالتكِ قد أثرت على قواكِ العقلية، فأصبحت لاتميزين من
يقف أمامك..
أنا زوجك وشريك حياتك، كيف تقذفينني بتلك التهم؟!
لقد أحضرتك إلى هنا في أرقى دول أوروبا لتستمتعي بأجمل أيام عمرك؟!!!
صرخت في وجهه بأعلى صوتها المتحشرج: أستمتع؟!! أيُّ استمتاع هذا الذي لايوجد
إلا في بلاد الكفار؟! بلاد الإجرام والدمار؟! ياليتني حكَّمتُ عقلي قبل أن
أُقدم على هذه الخطوة.. ليتني لم أوافقك على ذلك.. أنت من أدخل رأسي في حبل
المشنقة. لقد جعلتني فريسة سهلة في أيدي الوحوش المفترسة.. ولقمة سائغة في فم
المجرمين القتلة..
فأيُّ استمتاع هذا؟!!
لاسامحك الله... لاسامحك الله... لاسامحك الله..
ثم انقطع صوتها وهي تردد هذه الكلمات... وأسلمت الروح لباري الأرض والسموات
تاركة لزوجها الذكرى المؤلمة
غطـــرسة أم
جهــل أم لا مبــالاة: نجـــوم اليـوم يخافون الثقافــة؟

تكاد تجف أقلام النقاد نقداً، وتنتهي
كلمات الشعراء سخرية، وتختفي عبارات الكتاب استياء... لما يقدَّم اليوم، وفق ما
يرونه، من فن ضعيف لو ظهر في أيام عمالقة ايام زمان لاعتزل هؤلاء الفن وتبرأوا
من عالمه.... "راحت أيامك يا أم كلثوم"، "الله يرحم ترابك يا عبدالوهاب"، "ذهب
العندليب وذهبت الأصوات"، "أين أنت يا وردة"، "لو تعود أيام فيروز"... هذا اكثر
ما تسمعه اليوم إن قررت متابعة مقابلة لشاعر، أو قراءة مقالة لناقد، أو سماع
تعليق لأديب.. يُسأل عن فنون اليوم وعمالقته، ومن بين اكثر ما يثير حشرية
القارئ أو المشاهد أو المستمع هو ذلك الانتقاد اللاذع الذي يوجه هؤلاء لثقافة
الفنانين ونشاطاتهم العلمية كالمطالعة وحضور الندوات وغيرها... قد يكون النقاد
في موضع طرح تلك المسائل، خصوصاً أن الثقافة تلعب دوراً أساسياً في تعزيز
الفنون، وتطوير شخصية الفنان وما يقدمه.ولكن ماذا لو عُكس الأمر؟ وسأل
المنتقدَين عن رأيهم في المنتقدِين؟ لا سيما حول أعمالهم؟ ومن هو المثقف بنظرهم؟
وهل من دور للكتاب في حياتهم الفنية؟
بين الغرور والغطرسة
التحقيق للأسف أخذ منحى مختلفاً حينما بدأ التنفيذ. وفي وقت كان من المقرر أن
يكشف دور الثقافة في حياة الفنان، عمل التحقيق على "فضح" عيوب أساسية يعاني
منها هؤلاء، ألا وهي الغرور والعجرفة والغطرسة.
فالمحاولات الفاشلة، وعمليات الاتصال المستعصية وتفضيل بعض الفنانين عدم
الإجابة، نظراً الى كون الموضوع لا يقدم أي خدمة ترويجية لصاحبه، كانت خير دليل
على المستوى الفني الذي وصلت اليه أغنية اليوم.
خطوط هواتف الفنانين مقفلة في معظم الأوقات، وقد يكون الحظ حليفك فيرنّ الهاتف
من دون إجابة أو يردّ عليك أحدهم ليعتذر، "فالفنان مشغول أو متعب أو مسافر"...
بعد أن جمعت أرقام الفنانين الأوسع شهرة في العالم العربي إذا صح التعبير، بدأت
مرحلة الاتصال بهم. ففي اليوم الأول، كانت معظم الخطوط مقفلة، فالجميع كان في
حاجة لراحة نفسية بعيداً من رنين الهاتف وكلمات المتصل.
هاتف الفنان عمرو دياب ضاق ذرعاً وهو يرنّ وتمنى لو ترفع سماعته ولو لحظة
ليرتاح، فقد أبى صاحبه الإجابة على رغم تكرار الاتصال يومياً تقريباً. وعلى خط
موازٍ، ما زال وعد مدير أعمال الفنان حكيم قائماً بمعاودة الاتصال ومشاركة
الفنان حكيم! أما رامي عياش وفي كل مرة كان هاتفه يطلب تسجيل رسالة صوتية كونه
غير موجود، وكانت الرسالة تسجل. ألا يعقل ألا يكون قد سمعها على الأقل ثلاث
مرات ولم يهتم بالموضوع.
الأطرف في الموضوع هي حال نجم "ستار أكاديمي -2" السعودي هشام عبدالرحمن الذي
اعتاد الجمهور على خفة دمه وقدرته على زرع الابتسامة اكثر ما اعتاد على صوته
وأدائه، طلب إرسال أسئلة الموضوع عبر SMS واجداً في الأمر وثيقة تضمن صحة ما
سيقول.
وفي تحديد موعد مع الفنانة نانسي عجرم، طلب مدير أعمالها جيجي لامارا معاودة
الاتصال به بعد ساعة من الوقت لضرورة العمل، بعد أن استفسر جيداً عن الموضوع
وعرف طبيعة السؤال. وهكذا حدث إلا أن جيجي أبى الإجابة وأقفل الخط وهو يرنّ...
وحددت الفنانة شيرين وجدي موعداً بعد أسبوع من تاريخ الاتصال بها عبر مدير
أعمالها، وبعد أسبوع أُقفل الخط وهو يرنّ.
وحتى لا يظهر الأمر تكراراً للحالات ويصبح مملاً على رغم تشابهها على ارض
الواقع، يمكن تخيل الأمر مع كل من الفنان ايهاب توفيق ومحمد المازم وعبدالله
رويشد ووائل كفوري وغيرهم.
مطالعة أي شيء
في النهاية، أجابت الفنانة باسكال مشعلاني وأدلت برأيها، فاعتبرت "أن المثقف هو
الذي يرى ابعد من الإنسان الطبيعي، لديه سعة خيال ورؤية فنية كبيرة". وأضافت: "انه
أيضاً ذاك الذي يهوى مطالعة أي شيء". وتابعت رأيها بأنها "ضد القول أن ليس هناك
من شعراء وكتّاب قيمين أو انه لم يعد هناك من شباب مثقفين، بل العكس هناك دفعة
كبيرة محبة للعلم والثقافة..." من ناحية أخرى، لا يزال الكتاب افضل رفيق
لباسكال، فهو "غذاء لروحها تلجأ إليه عندما تطلب الراحة"، على رغم اعتبارها "انه
فقد رونقه ولم يعد له قراء بسبب الإنترنت والفضائيات". وتقول مشعلاني إنها لم
تقرأ للكتّاب اللبنانيين، إنما قرأت لجبران خليل جبران وطه حسين وإحسان عبد
القدوس ومخائيل نعيمة! ولكاتبة جزائرية أهدتها مجموعتها الأدبية إلا أن اسمها
غاب عن ذاكرتها أثناء الإجابة.
ولا يقل دور طلاب "ستار أكاديمي" كثيراً عن الفنانين الذين سبقوهم في تحديد فن
عصر اليوم. فهؤلاء نجوم أيضاً وربما منافسون. وعلى ما يبدو أن مسيرتهم الفنية
المبتدئة نوعاً ما، لم تسمح لهم بالتعرف جيداً على المبادئ المهنية والفنية
لفناني اليوم. فالتونسية أماني السويسي، خريجة "ستار أكاديمي -2" لم تتردد في
المشاركة، واجدة في المثقف "ذلك الذي يملك مبدأ في الحياة، وليس بالضرورة أن
يكون مطالعاً أو متعلماً". أما عن رأيها في الكتّاب والشعراء، فاعتبرت أماني أن
"ميول الوقت الحالي متجه نحو الكلمة التي لا معنى لها. إنما هذا لا يعني أن
الفن الحقيقي القيم انقرض، فمن يبحث عنه يجده". وتحب أماني القراءة كثيراً وتصب
اهتماماتها على الروايــــات القديمة اكثر من الجديدة "كونها تتحــدث عن حياة
لم نعشها ولا نعرفها"... ولكثرة ما قرأت وجدت صعوبة في تحديد اسم معين لإحدى
رواياتها المفضلة.
أما زميلتها السورية ميريم عطالله خريجة "ستار أكاديمي 1"، والمتواجدة في بلدها
سورية. فرأت في المثقف "الشخص الذي يستفيد من دروس الحياة اكثر من دروس الكتب،
وهو ليس فقط من يقرأ ويطالع. لأن كثراً هم من يقرأون من دون إفادة". وكأن
بإجابتها ترد ميريم على النقاد الذين يعتبرون فناني اليوم غير مثقفين ولا
يهتمون إلا بـ "الفقش والرقص". وأكثر ما يجذب ميريم في كتابات الشاعر نزار
قباني، هو قدرته كرجل يدخل أعماق امرأة ويعيش في أفكارها وأحاسيسها. كما أن
رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي لقيت أثراً عميقاً في نفسها. وفي ما يتعلق
بشعراء الأغنية وكتّابها الحاليين تقول ميريم: "إن الكلمة البسيطة لم تكن في
يومها بشعة، فمن اجمل من الصبوحة حين غنّت "عالبساطة البساطة"، فالكلام بسيط
والمعنى والجمال عميق".
وبالنسبة الى الفنانة اليسا فقد كان الأمر مختلفاً كونها كالعادة، "لا تشارك في
أي نوع من التحقيقات".في المحصلة، قد لا يبدو الأمر مهماً بالنسبة الى الفنانين،
أو انه ليس من حقنا معرفة رأيهم، فهم يتعاطون شأناً ترفيهياً مختلف الطابع
والمضمون
|