حسن داوود في (لُعب حي البياض): صورة أمّ راوية مَرويّة

تسرد الأمهات، في العادة، حكايات أبنائهن، وأحياناً يؤلّفنها. فالأم، تعريفاً، صاحبة الحكاية، ترويها للأبناء وهم صغار مستسلمون، ثم تروي حكاياتهم هم مستعيضةً بها عن بلوغهم وتجاوزهم حكاياتها. لكن حسن داوود في "لُعب حي البياض" (دار الآداب، 2005) يفعل العكس تماماً اذ يستحوذ على سيرة أمه استحواذه على صوتها الذي به يروي حكايتها. وهو عمل في أبسطه خيانة وفي أقصاه كفر يلابسه تمثيل الوالد الأكبر. والأم، لغةً وواقعاً، والدة. وربما خوفاً من شيء كهذا، صبغ روبرت بلوخ في روايته، ثم ألفريد هيتشكوك في فيلمه، هذا المحرّم بالرعب الخالص. ففي "بسايكو"، احتفظ الإبن (انتوني بيركنز)، الذي استولى على أمه وصوتها، بهيكلها العظمي. أما محاولة اكتشاف الحقيقة هذه فلم يكن جزاؤها أقل من استحقاق الموت.
هنا لسنا أمام المحرّم. فالأم التي تطالعنا في "لُعب..." يمكن الزعم ان الاستحواذ عليها سهل، وان المصادرة على صوتها غير مكلفة. بل هي أم لا تفيض عن جسدها وعن الرقعة التي يشغلها، بحيث تخالف الأمهات اللواتي مالت المجتمعات الزراعية وطقوسها وشعراؤها الى رفعهن مثالات، والى مساواتهن بالأرض ومماثلة الخصوبة الطبيعية بنهودهن. وليس في وارد حسن داوود أمّ مكسيم غوركي، المناضلة فلاسوفا، التي مطّت عاطفتها الأمومية لتغطي بـها الشعب كله.
فلئن رحنا مع الرفيقة فلاسوفا نتجول بين الأمكنة التي توزّع فيها أدبيات الثورة، ونقترب خطوة خطوة من "الفجر الجديد"، كان للناس والأمكنة قصة مختلفة، عند أم حسن، لا تتعدى تجربتها القليلة وحركتها المُقلّة. وغني عن القول إننا أبعد ما نكون عن كاريكاتور "الأم" التي نصّبها حافظ ابراهيم، ومن بعده كوندوليزا رايس، "مدرسةً اذا أعددتها...".
ذاك أن الأم التي هي صبحية جبروتها كامن في عاديتها حتى ليمكن القول، وفي الخلفية أصداء الأدب الأمومي الفخيم، اننا حيال أم مضادة. فهي بدل ان تصعد من الفردي الى العام، وهو ما يُنسب الى أمهات الأساطير، نراها تهبط من الفردي الى المتذرّر.
فتكاد صبحية لا تملك ما تقول، تتقدم بسيطة مبسّطة منسحبة من عالم مجعول للتنازع الذئبي. وهي لا تداري في هذا ولا تماري فتعلن، منذ الأسطر الأولى للرواية، "ان ربنا، سبحانه وتعالى، أعطى لكل مخلوق شيئاً يحمي به نفسه (...) الا أنا، فقد خلقني هكذا بلا مخلب ولا إبرة ولا شوكة". بيد أنها، الى هذا، مقيمة على نكوص يردّها الى طفولة هانئة مكتفية، سلواها الدمى وخياطة الألعاب مما لازمها طوال حياتها.
فهي، اذاً، منشدّة الى ما قبل الاندراج في اجتماع مؤسس على القوة، فكأنها لا تريد ان تكبر كي لا تغدو "طرفاً" في علاقات روحُها التناحر والغلبة. وهنا ايضاً، كما في سائر المواضع، تصارحنا بضعفها، فتخبرنا انها لا تعرف "إن اندفع أحد لأذيتي، إن كان عليّ ان أرفع يديّ أمامي لأحمي بهما شيئاً فيّ".
وهي، استطراداً، منشدّة الى ما قبل "مؤسسة" الزواج وقد انتزعتها من مصدر نوستالجياها، حيّ البياض، ومن عالم كان واحداً لم ينشطر بعد. والحال ان الحياة بدت هناك، في بؤرة النوستالجيا، متصلة بالمقابر والجن وبطبيعة عذراء الشكل برية. فلم يكن واضحاً تماماً ما الأجسام وما الأرواح، وأين ترتسم الحدود بين الأحياء والموتى.
ولئن بدت الخِياطة مفتاح عالمها، فتلك هي الحرفة التي تُعَدّ تقليدياً حرفة الامتثال النسائي الأولى. لكنها، فوق هذا، خياطة دمى وألعاب وبقايا أقمشة تنقلها من سوية النسائي الى سوية الطفلي. فمتى أقدمت عليها اكتفت بالبقايا والفضلات سبباً لمتعة لا تعتدي بها على أشياء العالم الجاهزة المتكوّنة.
وفي ثنائي كهذا بين النسائي والطفلي ينتصر الثاني دائماً: فحتى البيت الذي يوصف بمملكة المرأة، تؤثر ألا يضمها لأنه يحيل أشياءها الخاصة امتداداً له. فهي كأنها تقيم في تلك الأشياء الخاصة، وفي آلة الخياطة تحديداً، وليس في البيت الذي أمّمها فأحالها "أثاثاً". وكما الاستلاب حيال الأثاث، هناك الاستلاب حيال الأمكنة التي يغدو تنقيلها بُعداً اضافياً عن الزمن الضائع والماضي الأول. فكأنما المكان يحتلها بدل ان تحتله هي فتنقلب، من ثم، علاقةٌ كان الغزو أعلى تعابيرها.
أما "العدوانية" الوحيدة التي مارستها في سنواتها المبكرة، في حي البياض، فالتقليد والمحاكاة. لكن لما انطوى هذان على شيء من الإلمام بـ "الأرواح"، على ما روت أمها، اعتذرت عن طاقة كهذه ردّتها الى الله وحده، "سبحانه وتعالى"، ناسبةً لنفسها طاقة أدنى على فهم أرواح هي، بدورها، أدنى. واذا صدّقنا ولتر بنجامين الذي كتب عن "موهبة المحاكاة"، فإن قدرة البشر عليها أرفع قدراتهم، بيد انها لا تعدو كونها من "رواسب ذاك الاضطرار القسري، في أزمنة سابقة، لأن نصير كأشخاص آخرين، أو نتصرف مثلهم". وكان ثمة من رأى ان السحر انما ابتدأ محاكاةً للأقوياء، طبيعةً كانوا أم بشراً، يمارسها ضعفاء يبغون طرد الخوف منهم.
فهو، إذاً، خوف لا سبيل الى طرده بضآلة الجسم والحضور، ولا بالمؤهّلات التي وفّرتها الشروط المعطاة، كاليتم الذي حف بطفولتها، أو العمى والشلل النصفي مما حل بالأم، ناهيك عن معاناة الأخ أوضاعاً صحية ونفسية لا تُعدّه اعداداً كافياً للحياة. لكن الخوف والضعف اللذين في صبحية لا تشوبها رغبةٌ للتخلص منهما. فهما يرقيان الى جوهر يستحيل التدخل فيه والسعي الى تعديله. فقد ولدت ضعيفة هكذا وهكذا تمضي، تماماً كما ولدت جارتهـــا ورفيقتها هتاف قوية فاعلة. وحتى لو سلّمنا باحتمال التجرؤ على الأقدار، بقيت المعرفة أضعف الأسلحة في المعركة الخاسرة هذه. فصبحية استقت علمها بالعالم المحيط من أم ضريرة مقعدة، ومن عالم النبطية في الثلاثينات والأربعينات حيث التقوى والتسليم والثقافة الراكدة لبيوت المشايخ. ولما كان ما يصيبنا هو ما كُتب لنا، غدت الخياطة مفضّلة على القراءة اذ العكس هبوب في وجه الطبيعة وتمرد على نظام الأشياء.
فالعالم المحيط، كما استقر عليه، لا يعني صبحية الا بالقدر الذي عنى السيد ستيفنز، مدبر بيت اللورد دارلنغتون في روايـــة ايشيغورو "بقايا اليوم" التي جُعلت فيلماً شهيراً. فهذا الانكليزي المواظب علــى أداء واجبه، مما قسّمته له الحياة، مر عليه الحب وموت أبيه وصعود الفاشية وزيارة ريبنتروب للبيت، ثم الحرب العالمية الثانية، مرور الكرام. وفي سوية مشابهة من العزوف عن التناقض يلوح، بقدر من التعويل على الأسطورة، ان ألوان جسمها بقيت على حالها، لم يمسّها مطلق تغيير.
ويجوز القول، والحال هذه، ان حسن داوود كان أباً لأمه، وأبوّة كهذه هي بالضبط ما سمح له ان يستحوذ عليها وعلى صوتها. فالروائي يملك قدرة استثنائية على المصادرة تسللاً الى دواخل البشر البطيئة والكثيفة في وقت واحد، واضعاً يده على التغيير الذي يحصل في ذات الموضوع ولو انعدم التغيير في محيطه الجغرافي أو أحجامه أو تنقلاته في المكان. لا بل، وهنا الامتحان الصعب، يتم تظهير التحول بقليل من السرد الذي يوازي القليل من الحركة في حياة صبحية. لكن داوود، وهذا ما أتاح له ان يكتب قصيدة الحب والحنين التي أهداها لأمه، عنها، يملك انحيازاً للضعفاء لا يفتر. فالمعاق في "غناء البطريق"، والمصابة في "ماكياج خفيف"، وعمال الفرن في "سنة الأوتوماتيك"، والشيخ المسن في "أيام زائدة"، وأقليات زمن الحرب في "بناية ماتيلد"، هم جميعاً ممن أراد ان ينطق بلسان ضعفهم وقربهم من الموت. وهو ما يضعه جذرياً خارج ثقافة القوة والبطولة التي تراءى لها ان عاديات الحياة انما تقع خارج الكتابة.
على ان صاحب "لُعب..." يحفر في المكان نفسه، طارداً الأمكنة الأخرى غير راغب بها، كما لو ان الاحتكاك بها والاحالة اليها يلوّثان الحفرة التي أقام فيها وراح يعمّقها ويعمّقها ويستغني بها عما عداها. وبالمعنى هذا، هو أصولي الحالة التي تستولي عليه فيشتغل عليها. فالخيبة وحدها هي ما سيعود به من ينتظر من داوود إسهاباً في عوالم معتمة للاوعي والرغبة. واذا بدا أمر كهذا طبيعياً في علاقة كهذه، بقي ان الذين يبحثون عما يذكّر بسجالات وأفكار طرحتها الأدبيات النسوية، أو ما يتقاطع معها ويشي بها، لن تمتلئ جعبتهم بالسهام. وبدوره، تفوح من مديح العادي رائحة تسليم بالفطرة، او بحكمة ما تسكنها. وهو أمر ربما وقع وراء ضفاف الرواية، الا أنه يطرح اسئلة تتصل بها ولا تستثير لدى الكاتب، الأصولي في حكايته، والأصولي لحكايته، كبير حماسة. لقد نجح حسن داوود، المحب لضعف الضعفاء والمعجب بقوة خفيّة في ضعفهم، ان يكتب عن عادية الخير التي تقف في مقابل "عادية الشر" مما وصفته هنه أرنت. الا ان العادية، خيّرة كانت أم شريرة، لا تحجب مصادرها المرجعية غير الموعاة غالباً. فأي امرأة غير مريم العذراء هي التي اختارتها الروح نيابة عن جسدها وبديلاً منه (وصبحية، للتذكير، لم ينقصها التحفظ عن الأجسام الضخمة للمحيطين بها)؟ وأي امرأة غير مريم أنتج ضعفُها القنوع والراضي، وسط العالم الجنائزي لفلسطين القديمة، النجلَ الذي نُسب اليه تغيير العالم حتى غدت الأم ابنةً لابنها؟

 

   قراءة فى رواية “ثورة المخمل” للكاتبة السورية كلاديس مطر

عالجت المرأة - الكاتبة - العربية "الروائية والقاصّة" عبر سردياتها المختلفة تعالقات وجودها المأسور بتابوات تأخذ أشكال الأطر الحلقية التى ما أن تتجاوز أحدها حتى تواجه بآخر، ثم آخر، ُثم آخر.. وهلمّ جرا. وكان عليها أن توظّف خضم طاقاتها للمواجهة بغية إدراك تخوم المبتغى وتحقيق ما سُلِبَ منها عبر العصور والحقب تحت وطأة وأثقال وقوانين وضعية جعلت منها عاملاً سلبياً لا ايجابياً فى حركية البُنى الاجتماعية، وأوقِفَت، بل حُنِّطَت فيها كل قدراتها التى من المفترض أن ترفد تقدّم المجتمع من أجل حيازة الجهد الإنسانى الصحيح والامثل.. وإزاء هذا المحك الذى تتجسد أمامه القدرة التحمّلية والانبثاق الذكي، والفعل المنتَج ظهرت ثمة كتلٌ إبداعية نسوية اتخذت ثلاثة اتجاهات. تمثلت الكتلة الأولى فى نَفَسِها المحدود، وباعها المتردد فى السعى للوصول حتى نهاية مطاف تحقق الإرادة، فتلكأت وتعثرت، ومن بعدها انكفأت بإبداعها وبصوتها المُعلَن فتوارت عاجزة، واندثرت. فضاع جهدها، وخبا صوتها، وأفل ضياؤها، وأصبحت فى عداد النسيان. وإذا ذُكِرَت فسيكون ذكرها ذكر المرور السريع البسيط، فيما الكتلة الثانية وهى التى اتخذت من الإرادة الصلبة سلاحاً فى المواجهة، فتصدّت للأصوات الزاعقة، ولم تتوقف، بل وقفت بوجه التهديدات العنفية والهجمات الظلامية ولم تتردد أو تجبن. وراحت تجاهر معتمدة على إرادة لا تلين، وتصميم يُعلن أن الشجاعة لا تقتصر على الرجال إنّما النساء هنَّ مَن منحن الرجال وأرضعنهم إيّاها. أمّا الكتلة الثالثة فكانت لها حضورٌ على الساحة الثقافية، لكنه حضور لم يتخذ من قضية المرأة فعلاً لنشاطها مؤثرةً عدم الدخول إلى التيار "سواء فى السير معه أو الوقوف ضده" فكان التناول فى السرد يتَخذ حركة المجتمع وفيه تتصارع الشخوص بلا هوية جنسية "ذكر أو أنثي" وتتراكم الأحداث حسب احتداماتها. فقد تقف الساردة بجانب رجل ضد امرأة، وقد تأتى الأحداث لتنصف امرأة فى مجرّة صراعها مع القوى المواجهة لها من المدِّ الذكوري. أى دون أن يكون ثمة انحياز إلا بقدر الوقفة التى يستوجبها الموقف فى السرد، ومتطلبات صيرورة الحدث الذى انبثق فتمخَّض. والروائية السورية كلاديس مطر هى مَن جاءت مجاميعها القصصية وكتاباتها الروائية تحمل التوصيف الثالث، منسلخةً من المجموعتين الأولى والثانية

 

 

    القاص المغربى عبد العزيز الراشدي:لا أطلب من النقاد الكثير، ما أحلم به حقا هو قراء كثر  

عبد العزيز الراشدى واحد من الأصوات المهمة فى مجال الكتابة القصصية بالمغرب، أخلص لها وتفنن بلغته الجذابة فى عشقها، ينتمى لجيل التسعينات الذى تمرد على القصة التقليدية وتفنن فى التجريب، والذى يُعرف عنه كذلك انصرافه إلى قضايا الذات وهمها، كما يتسم باستعمال لغة شعرية والانصات للتفاصيل الصغيرة...نشر نصوصه خلال أواخر التسعينات فى كل المجلات والجرائد العربية ويرأس "نادى الهامش القصصي" بجنوب المغرب الذى ينظم كل سنة ملتقى قصصيا يشارك فيه أدباء المغرب المرموقين وسينفتح هذه السنة على التجربة العربية.. وقد قرأت مجموعته الأولي"زقاق الموتي" الصادرة عن "مجموعة البحث فى القصة القصيرة" بالمغرب، بمتعة كبيرة، وأعجبت بطريقته فى تناول المواضيع وبأسلوبه الجميل ولغته الخاصة التى ينتقيها من فضاء الصحراء... الذى أخلص له بإتقان فى المجموعة وتفرد به بين كل القاصين المغاربة. فاز مؤخرا بجائزة اتحاد كتاب المغرب عن مجموعته الثانية "طفولة ضفدع" ويعد عملا روائيا عن فضاء الصحراء. بهذه المناسبة كان لى معه هذا الحوار حول قضايا الكتابة عنده ومواضيع أخري. وقد سألته فى البدايةعن رمزية توظيف القبة المعروفة عند المغاربة كمكان لاستقبال الضيوف فى القرى فأجاب:
- لم تكن القبة فى مجموعة "زقاق الموتي" سوى ذلك المكان الأسطورى الذى تتحلق بالقبر المدفون فيه نساء محملات برغائب ونوايا وهبات. حين يموت رجل له كرامات فى الماضى كانوا يبنون على قبره قبة تصبح مزارا بعد ذلك كما يعرف جميع المغاربة. الآن توقف ذلك لأن البركة طارت "هل ثمة بركة من الأساس"؟.أحببت أن ألامس من خلال هذه القصة جانبا عزيزا على وهو ذلك البرزخ بين الحلم والواقع الذى أتحسسه فى نصوص تدهشنى حين أقرأها وأعتقد أن مهمة القاص تماما هى اكتشاف ذلك البرزخ. أحببت أيضا أن أتحسس بنوع من التفكيك زوايا القبة دون أن أعتنى بطقوس روادها. إنه نوع من الاحتفاء بالفزياء على حساب كيمياء الدجل

 

 

   حلم في ليلة ماطرة  

المطر يهطل بغزارة هذه الليلة، والرياح تلعب بين الأفنان تعزف على أوتارها أنشودة العواصف، والليل غدا حالكاً أكثر بعد أن أردت يد الرياح العابثة أسلاك التيار الكهربائي أرضاً، والوحدة متعبة ومخيفة في مثل هذه المواقف ، حاول أحمد النوم مجدداً شدّ الغطاء فوق رأسه ودثر أحلامه الباردة برودة هذه الليلة.
أنزل الغطاء ثانية وكأن النوم أصبح ضرباً من ضروب المستحيل، أشعل شمعةً من جديد صوت المطر العازف على قسطل المدفأة في الخارج أشعره بالبرد أكثر ، فتدارك المدفأة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة لتتوهج من جديد . أشعل سيجارة وراح ينفث دخانها فوق رأسه دوائر,صامتاً يسترجع المواقف الدافئة التي مرّ بها، يتذكر وجه حبيبته القمر الذي أكثر ما يفتقده في هذه الليلة. وباتت الذكريات تنهش قلبه,قلَّب الأوراق كلها وفكّر بكل الأحلام المؤجلة وبكل ما يقف عائقاً بينه وبين حبيبته ولكنه لم يصل إلى جديد، ربما لأنه فكّر آلاف المرات ولم يتوصل من قبل إلا لنتيجة واحدة وهي الفراق والاستسلام للقدر.
وعلى أي حال فهو لم يمسك خيوط أحلامه ليحلّ عقدتها في هذه الليلة إنما أراد أن يغيّر الجو الذي فرضه عليه الطقس البارد والرياح الهائجة، تفقّد علبة تبغه فوجدها فارغة والشمعة الأخيرة شارفت على الانتهاء، والرياح ازدادت قوة وعنادا, أصبح كل ما حوله يأمره بالاستسلام لشبح النوم..تقلّب في فراشه مراراً تغطى تارة وتعرى أخرى، ولكنه استيقظ مذعوراً فهو لا يعلم كيف تغلب على النوم وصرعه فكيف يستيقظ و في مثل هذه الساعة، وليته أفاق مختاراً إنما أيقظه كابوسٌ كتم على أنفاسه وجثم على صدره... "أستغفر الله العظيم ما هذه الليلة الملعونة ومتى يتنفس هذا الصباح"، ردّد هذه الكلماتُ بصوت متحشرج متقطع الحروف ينخفض ويعلو وكأنه معقود بأنفاسه اللاهثة.
تذكر حلمه المزعج الذي أرعبه, تذكّر تفاصيله كاملة بكل حركاته وهمساته حتى لون ثيابه، وتلك اليد الناعمة كشال من حرير التي داعبتها يداه، والنسيمات المبللة بالعبير التي كانت تحمل أصداء الكلمات الجميلة التي تبادلا حروفها ومعانيها، والنظرات الحالمة التي نقلته على أرجوحة فوق البساط السندسي الأخضر والشجر المتعانق الأفنان، كان منظراً بديعاً لم يرَ مثله بالحلم. كان كل شيء رائعاً إلا أن النهاية بدلت الحلم الرومانسي إلى كابوس, فبعدما جلس إلى جذع شجرة هرمه، وإذ بحبيبته تدوس على كتفه الأيسر وتصعد الشجرة لتتدلى أفعى فاحمه أمام وجهه تفتح فمها الذي أصبح يتسع لرأسه وتهم بابتلاعه, عندها صاح صوتاً اهتزت له الأفنان واستيقظ مذعوراً يتمتم بكل ما يحفظ من آيات قرآنية .
لم يحاول النوم مجدداً لأنه يعلم أن النوم محاولة يائسة, تذكّر جدته وطريقة تفسيرها للأحلام حيث تصور الأفعى بالعدو اللدود للإنسان وكانت تستعيذ كثيراً من أي حلم يروى لها تتخلله كلمة أفعى أو ثعبان. إلى أن ماتت من لدغة أفعى بينما كانت تقيل تحت شجرة الزيتون في صحن الدار، تلك الشجرة ذاتها التي رآها في الحلم وجلس إلى جذعها، وازدادت مخاوفه, أصبحت أوصاله ترتعد برداً وخوفاً وانتقلت آلامه النفسية إلى أعضاء جسده أصبح يشعر بالألم في كل جارحة من جوارحه، والمطر في الخارج يزداد غزارة والرياح تتلاعب بكل ما تمر به، فيسمع سمفونية مزعجة وكأنه عرس جان.
وما هي إلا لحظات حتى سمع أذان الفجر خافتاً من المسجد القريب من بيته، فارتاح قليلاً وشعر أن لهذا الأذان وقعٌ خاص لم يشعر به من قبل. وعلم أن ثمة إنسان مستيقظ يشاركه طقوس هذه الليلة . عندها توضأ وصلى الفجر على غير عادته وقرأ ما تيسر له من سورة الواقعة، ثم خلد للنوم بعد صراع مع الخوف والظلام وكل الحكايات المخيفة العالقة في ذاكرته.
وفي الصباح استيقظ على صوت زقزقة العصافير والشمس التي تطل خجولة من بين الغيوم التي جرت أذيالها مودعة ليلة مفعمة بالصراعات..عندها تذكّر جدته ثانية لأنها كانت تقول إن العصافير لا تزقزق كثيراً إلا عندما ترى أفعى فهي تُنذر الإنسان كي يقتلها، ولم يتذكر من حلم ليلته سوى الأفعى ، وفجأة لمح من بعيد خيال طفلة صغيرة تركض لاهثة نحوه وعندما اقتربت أكثر عرف أنها سلمى شقيقة حبيبته والبريد الذي كان يودعه رسائله لتصل آمنة إلى قلب حبيبته...فقالت له بكلمات مضطربة بعد أن استندت على جذع الزيتون.. أختي تهديك السلام وتطلب منك أن تسامحها وتنساها فالليلة زفافها على ابن عمي الذي أنهى خدمته العسكرية .
ابتسم ابتسامة صفراوية وقرأ الفاتحة على روح جدته التي تذكرها كثيراً في هذه الليلة وشعر برعشة كهربائية تسري في جسده..اتجه نحو غرفته حمل حقيبته المركونة خلف الباب وانتعل حذاءه الجديد ، وحمل صحن الشمع وعلبة السجائر الفارغة و ألقى بهم في الخارج عند شجرة الزيتون وأغلق الباب بإحكام وجرّ خطواته الثقيلة ومشى باتجاه التلة الخضراء البعيدة التي تعانق الأفق والغيوم، نظََر نظرةَ مودعٍٍ إلى البيت وشيّع ذكرياته وتابع خطواته باتجاه المجهول

 

 

    الكهف  

جبار كاصد جلهوم
وسط الهجر …
وبين حجر الجدران المطحون
ومدينتي معصوباً …
امضغ احزاني جسراً
وصرير الصمت الذابح
ذئب يعوي فيّ …
يمزقني يقطع أوتاراً
ما زالت تضخ في قلبي فرح الحياة
حاولت أن أعلن صوتي مع ذاتي
ملهجاً للعصافير
دونك رفقتي
لكنها نفرت عني هاجرة
كذاك جرحي منك
كم عرضته لضوء الشمس
لكنه أبى أن يبرأ
وأنت ما زلت ظالماً
تظن نفسك قديساً
وفي يديك كأس
آه لو علمت شرابه
نسغ فاض من قلبي

 

 

   السجن 

حميد عطوى
متر بمتر كل ما عندي في الدنيا
ردائي صار رثاً
أكلهم يقرف
والدخان
لم يدخل الزنزانة منذ زمان
ومعدتي اوجاعها تقتلني
في كل يوم
لا تلبث ان تعيدني انسان
عيون اطفالي تجيئني دائماً
ترفرف فوق السجن ، ثم ترتمي
راجعة، فهكذا أوامر السجان

 

 

    طنطان .. توظف موروثها الثقافي لخدمة السياحة

أرض قاحلة جرداء ممتدة حتى الأفق وبضع خيام منصوبة هناك وهناك، كل شيء في طنطان يوحي بالجفاف والقسوة، لكن تحت الخيام يبدو الوضع مختلفا.
حياة عائلية استطاعت أن تتكيف مع هذه البيئة الصحراوية لتؤسس لثقافة وموروث إنساني صنفتهما منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" ضمن التراث العالمي غير المادي الذي يعرض في إطار مهرجان طنطان الثقافي والسياحي.
ويعتبر مهرجان أو "موسم طنطان الثقافي والسياحي" في جنوب المغرب تجربة متميزة بالنظر لنوع التظاهرات الثقافية والفنية الموجودة في هذا الموسم الذي بدأت دورته الثانية يوم 14 سبتمبر/ أيلول الحالي وانتهت .
التحكيم القبلي
فالمنطقة التي تقع على بعد 933 كيلومترا جنوبي الرباط وتتعايش فيها القبائل العربية مع البربرية تميزت بثقافة القبائل الرحل التي تركت بصماتها واستطاعت أن ترسخ ثقافة شفوية من شعر وحكي.. وأمثال.. كما لا يزال يعتمد عدد من أفرادها على التحكيم القبلي في بعض النزاعات بدل اللجوء إلى المحاكم.
ويقول الشيخ باه بو جمعة (82 عاما) وهو يقبع في خيمة التحكيم إلى جانب شيوخ آخرين إن الاحتكام إلى الأعراف لفض النزاعات انتهى بعد خروج الاستعمار الإسباني من المنطقة وإقامة المخزن-السلطة بالعامية المغربية- لنظام المحاكم.
ويضيف أن هناك أمورا "حتى اليوم نفضل فيها اللجوء إلى الأحكام القائمة على العرف خاصة عندما يتعلق الأمر بالأرض والإرث والزراعة".
ويمضي بوجمعة قائلا "عاداتنا وتقاليدنا لن نفارقها إلى يوم القيامة.. عندنا أمور نفضل عدم إشراك أحد فيها".
وإلى جانب خيمة التحكيم القبلي هناك خيام أخرى تبرز ثقافة ونمط عيش السكان التقليدية من تعليم وحلي ولباس وطبخ.. تعطي انطباعا أوليا أنها سلمت من تأثيرات العولمة.
إحياء المهرجان
لكن موسم طنطان الذي كانت تحييه قبائل المنطقة الرحل في السابق تلقائيا وجريا على عاداتها وتقاليدها توقف دون سابق إنذار قبل أن يعيد إحياءه المستكشف الإسباني سفير النوايا الحسنة لليونسكو كيتيان مونوز ليأخذ بعدا آخر يتجلى في الشعار الذي اختاره المنظمون لهذه الدورة "التراث الثقافي في خدمة التنمية".
وبلغ عدد الخيام المنصوبة نحو ألف خيمة مقابل 600 خيمة العام الماضي تمثل مجموع القبائل الصحراوية في جنوب المغرب.
وصاحب الموسم الذي يسعى أن يؤسس لنمط خاص من السياحة مشاركة عدد من الفرسان في عروض تقليدية كما نظم سباق للإبل.
ويقول سفير النوايا الحسنة الإسباني مونوز إن هذا المهرجان مهم جدا للسياحة في هذه المنطقة "ولا أرى أن عزلة المنطقة وافتقارها إلى البنيات التحتية شيء سلبي بل هذا ما يصنع جمالها ويجعلها متميزة".
ومعلوم أن طنطان عرفت الاحتلال الإسباني واستقلت سنة 1958 وهي تمتلك ميناء مهما منذ 1982 يعتبر الأول في أفريقيا في مجال صيد سمك السردين. كما أن طنطان قريبة من جزر الكناري التابعة لإسبانيا

 

 

   اختفاء آثار بالمتحف المصري 

نفى الدكتور زاهى حواس الامين العام للمجلس الاعلى للاثار وجود واقعة سرقة بالمتحف المصرى .. مشيرا الى أن القطع الثلاث مختفية داخل بدروم المتحف المصرى الذى يمتلأ بحوالى 65 الف قطعة اثرية . وتوقع الدكتور زاهى حواس أن يتم العثور على القطع الثلاث المختفية فى ظل اللجنة الفنية التى قرر تشكيلها برئاسة الدكتور محمود مبروك رئيس قطاع المتاحف بالمجلس للبحث عن القطع داخل بدروم المتحف . وقال انه حرصا على الشفافية واطلاع العام على كافة الحقائق وتفاصيل الواقعة ، وعند ابلاغه فاروق حسنى وزير الثقافة بالواقعة ، قرر الاخير إبلاغ النائب العام للبدء فى التحقيق وكشف أبعاد واقعة الاختفاء . ونفى الامين العام ايضا ان تكون القطع الثلاث نادرة ، او أن احداها تخص تمثال الكاتب المصرى .. مؤكدا أن تمثال الكاتب المصرى موجود فى المتحف المصرى حاليا وهو متاح لاى زائر مشاهدته والتاكد من عدم اختفاءه على عكس ما تردد فى بعض وسائل الاعلام . وطالب حواس كافة المهتمين والمتابعين للقضية بالتمهل وعدم الاستعجال فى اصدار الاحكام المسبقة انتظارا لما سيسفر عنه التحقيق النيابى ، فضلا عن التحقيق الادارى الذى قرر البدء فيه للكشف عن تفاصيل الواقعة . من جانبه يستبعد الدكتور محمود مبروك شبهة السرقة فى اختفاء القطع الثلاث المختفية ويدلل على ذلك بأن فى داخل المخزن بالمتحف المصرى قرابة 65 الف قطعة اثرية ، منها قطعا نادرة وفى غاية الدقة ، وانه لو كانت هناك شبهة السرقة لتم سرقة قطع اخرى غير القطع الثلاث التى يصفها بالرديئة وحالتها سيئة للغاية . وقال الدكتور محمود مبروك رئيس قطاع المتاحف انه لهذه الاسباب تم استبعاد هذه القطع من عرضها فى معرض الجيزة عبر العصور الذى اقيم فى احتفال مصر بيوم التراث العالمى فى شهر ابريل الماضى .. موضحا ان اللجنة الفنية المسؤولة عن المعرض دعت وقتها بوضع القطع الثلاث فى مخزن المتحف وكان ذلك بتاريخ 18 أبريل اى قبل الاحتفال باسبوع . وتوقع الدكتور مبروك أن يتم العثور على هذه القطع فى ضوء تحريات اللجنة الفنية أسوة بالعثور من قبل على لوحة تمثال المدعو حابى والتى كانت مختفية داخل مخزن المتحف وتم العثور عليها بعدما تردد عن سرقتها منذ عامين تقريبا . ووصف مبروك القطع الثلاث المختفية بأنها عبارة عن تمثال مزدوج لرجل وسيدة ، والثانى لرجل جالس بدون مسند بارتفاع 35 سم ، والثالث تمثال اوزيرى من الطين داخل علبة خشبية .. مشيرا الى أن ظاهرة اختفاء الاثار تعود الى عدم وجود بطاقة تحريك الاثر ووصفه وخطوات العمل به من ترميم او نقل بشكل دقيق . ويعد المجلس الاعلى للاثار حاليا مشروعا لتوصيف جميع الاثار المكدسة فى المخازن ومعرفة تفاصيلها ، خاصة أن بالمتحف المصرى مئات الصناديق التى لم تفتح باعتبارها ضبطيات واحراز قضائية تحت ذمة قضايا لم تغلق بعد . يذكر أن اختفاء القطع الاثرية الثلاث يعيد الى الاذهان من جديد واقعة اختفاء 38 قطعة من المتحف المصرى بالرغم من الاجراءات الامنية المشددة داخل المتحف داخل المتحف لمنع خروج اى مقتنيات ، فيما تتزايد المخاوف من عدم العثور على هذه القطع اسوة بعدم العثور على القطع التى اختفت عام 1994 وتم اعلان اختفاءها منذ اكثر من عام مضى

 

top

   Iraq designer

Email: nana20042005@hotmail.com