(احتمال جزيرة) ظاهرة روائية مصطنعة: ميشال ويلبيك الناسخ – الممسوخ زاده الحقد والعنصرية

 قبل أسابيع، من توزيع رواية ميشال ويلبيك الأخيرة "احتمال جزيرة"، وضعت دار فايار للنشر بالاتفاق مع الكاتب قائمة بأسماء الكتاب والصحافيين والنقاد الذين منحت لهم حق السبق في قراءة الرواية والتعليق عليها، بصفتهم قاعدة التأييد ورأس الحربة في المواجهة المعلنة مع فصيل الإعلام المناهض. وهذا ما حصل فعلاً. فقبل صدور الرواية رسمياً، تلاحق الإطناب والمديح، بعد أن مهدت أسبوعية "ليزانروكيبتيبل"، في مقابلة مع الكاتب في إحدى القرى المعزولة في الجنوب الإسباني، فيما طلع الروائي النافذ فيليب سوليرز بـ "فتوى" مفادها أن لجنة الغونكور مجبرة هذه المرة على منح ويلبيك الجائزة، وإلا فهي سترتكب خطأ لا يغتفر! ومتكئاً على هذا الحكم، خرج الروائي والأكاديمي فرانسوا نوريسييه عن عرف المؤسسة ليعلن في مقاله الأسبوعي في "الفيغارو ماغازين" بأنه سيصوت لمصلحة ويلبيك يوم مداولات الأكاديمية. الكاتب الإسباني أرابال أصدر مؤلفاً نصّب فيه ويلبيك على رأس قائمة أهم الكتاب الفرنسيين اليوم والذين تربطهم به قرابة الفكر والروح. وفيما شاعت التخمينات وتسرب بعض الشذرات من الرواية إلى الصحف والأسبوعيات، وانتظمت جوقة المدائح، علت أصوات مناهضة ومنددة بـ "سفسطة" الكتاب وبعنصريته ومرضه النرجسي.
وفي هذا الصدد صدرت ردود فعل في الصحافة مثل المقال الصادر للروائي أنجيلو رينالدي في "الفيغارو الأدبي" والذي أشار فيه إلى أنه عثر على مخطوط الرواية على كرسي شاغر في إحدى حدائق المقاطعة الثالثة في باريس، وكان القارئ الذي ترك المخطوط قد خربش على صفحة بيضاء هذا التعليق "ما هذا البعر؟". ولما قرأ رينالدي الرواية فوجئ بالمستوى الفج والسخيف والمفتعل للرواية، وخلص إلى أنها ليست فعلاً سوى بعر من علم الخيال.
ومن النصوص القادحة: "النجدة، ويلبيك آت من جديد" للناقد إيريك نولو. في هذا النص يشير الناقد إلى أن ويلبيك لا يعدو كونه نسخة من جيرار دو فيلييه صاحب روايات التجسس، والمعروف بعنصريته وحقده على المسلمين... "السيرة الذاتية المحظورة"، من توقيع دونيه دومبيون، الصحافي في أسبوعية "لوبوان"، والكتاب تحقيق في سيرة أدخل عليها ويلبك الكثير من المحسنات بل الكثير من المساحيق. ولما سأل دومبيون معارف ويلبيك وأصدقاءه، وقف عند أكاذيبه: سنة الميلاد، اسمه المستعار (اسمه الحقيقي هو ميشال توماس)، تصريحاته عن وفاة والدته وهي لا تزال على قيد الحياة، إذ صرحت هذه الأخيرة بأن ابنها يشاطر اليمين المتطرف أفكاره ومعتقداته.
من جهة أخرى، احتدم السجال حول المبلغ الذي تقاضاه ويلبيك، مقابل توقيعه وهو يبلغ مليوناً ونصف مليون يورو، مع الناشر فايار الذي يعتبر إضافة الى كونه ناشراً، أحد مصدري السلاح ممثلاً في شركة ماترا. إلى هذا المبلغ يضاف مبلغ مليون وثلاثمئة ألف يورو لتغطية مصاريف إخراج الفيلم المستوحى من الرواية والذي يشرف على إخراجه ميشال ويلبيك نفسه! هذه الأساليب ناجحة ويجري العمل بها في مجال كرة القدم وكرة السلة، فلم لا تنجح في مجال الأدب والكتابة؟
طرحت إذا رواية "احتمال جزيرة" في سحب أول بلغ خمسمئة ألف نسخة، وبلغ معدل المبيعات يومياً 150 نسخة وهو رقم قياسي لم تبلغه رواية "شيفرة دا فانتشي". وحتى كتابة هذه السطور، بيع من الرواية مئتان وعشرون ألف نسخة. ومثل الكثيرين من الصحافيين المعتمدين لدى دور النشر، الذين تصلهم المخطوطات قبل أن توزع في السوق، لم تصلني الرواية. وعليه قررت عدم شرائها (22 يورو)، بحجة أن ويلبيك لا يستحق ولو سنتيماً واحداً. استعرتها إذاً من صديقة، علماً بأن النساء وهن كثيرات. تربطهن مع ويلبيك علاقة معقدة ومبهمة، هي خليط من الكراهية والغواية. "غالباً ما تفتقد النساء حس السخرية، لأنهن ينظرن إليها كإحدى صفات الفحولة..." يقول أحد أبطال الرواية. تأخذ القارئات عليه عنصريته ولكن يعترفن بإبداعيته! وعليه أرجأت النقاش مع هذه الصديقة حول الرواية إلى أن أخلص من قراءتها.
في "احتمال جزيرة"، يلعب ويلبيك على أكثر من سجل لبناء عالم يتماهى فيه الواقعي بالافتراضي، الأصل والنسخة، الحق والباطل، يصبح فيه الماضي مستقبلًا، والحاضر ماضياً: "يبدأ الإنسان حياته وهو ابن خمسين ربيعا، لكن في الأربعين يكون كل شيء قد انتهى" يقول دانيال رقم واحد وهو البطل - الأصل للرواية. هكذا يحاول تحويل المستحيل عبر مسلسل الاستنساخ شيئاً ممكناً، تجسده الجزيرة كمثل أعلى هو من إنجاز صفوة طائفية سرمدية لا تعرف الفناء. نقرأ في مستهل الرواية: "مرحباً بكم أعزائي في حياة الخلود... ولكن من منكم يستحق هذه الحياة؟".
نهل ويلبيك من الفلسفــــة الرائجة للداعيــة رائيل. وكان هذا الأخير صحافياً قبــــل أن يتحول داعية يناضل من أجل الاستنساخ بهدف خلق إنسان كامل - سرمدي.
استنسخ ويلبيك تيمات السرد وتقنياته التي صنعت شهرة أفلام أميركية مثل فيلم "ماتريكس"، وبخاصة "تيرميناتور". في الحلقة الأولى والثانية، وبالخصوص الثانية، من الفيلم الأخير، ينزل من السماء كائنان من فولاذ: الأول لينقذ الطفل - البطل الذي يقف عليه خلاص البشرية، فيما يسعى الثاني الى قتله حتى تحكم الآلات سيادتها على العالم. في الرواية تتداخل الأزمنة وتلغى الاستمرارية: الماضي ينتظرنا مستقبلاً، المستقبل الذي فات والحاضر الذي ما فتئ يمر وينفرط...

أبطال مستنسخون
يسرد دانيال رقم واحد قبل وفاته سيرته أو حياته. إنه البطل الأصل، بملامح عربية، ("لا أعرف من أين ورثت ملامحي العربية... وماذا لو كان والدي عربياً في اسم مصطفى، بل، وهذه فرضية أخرى، يهودياً؟" يسأل دانيال). هذه الحياة تلخصها محطات باهتة: أرقام بهلوانية، أولا في أندية سياحية في تركيا، حيث كان يهرج كل مساء في اسكيتشات تضحك سائحين ألماناً أغبياء. بعد حصوله على الباكالوريا، تابع دروساً للممثلين، ليصبح فكاهياً محترفاً لا تفلت من أرقامه لا العائلة، ولا صحافيو جريدة "لوموند" ولا تفاهة الطبقات الوسطى ولا الفلسطينيون... يتزوج دانيال رقم واحد، مرتين ويقول: "يستحيل علي اليوم أن أتذكر لماذا تزوجت من امرأتي الأولى... لو صادفتها في الشارع، لتعذرت علي معرفتها... هجرتها وهي حامل...". ينجب ابناً يحقد عليه من صميم القلب، فينتهي هذا الأخير شانقاً نفسه. يتمكن من دانيال رقم واحد بؤس جنسي قاتل إلى جانب زوجته. دانيال رقم واحد شبيه ويلبيك، في الوقاحة والتشاؤم والغطرسة ذاتها. وطوال صفحات، تصف لنا الرواية العالم كحديقة حيوانات مريضة بما أنتجه البشر من ملذات مصطنعة عابرة، كالجنس والمال وهي عناصر ساهمت في وقوع الواقعة بعدما مهدت لها. والأفراد قبل أن يستنسخوا، يخضعون لتعاليم قاعدة تقوم على أن يترك كل واحد قبل وفاته، انتحاراً، سيرته الذاتية وخلية من خلاياه الجينية.
أربعة قرون في ما بعد، بعد وقوع الواقعة، يقرأ دانيال رقم 24، ثم في ما بعد دانيال 25 سيرة سلفهم دانيال رقم واحد. تقضي الكائنات المستنسخة معظم وقتها في قراءة حياة الأسلاف، فيما تتيه في أدغال نيويورك ومدريد كائنات بربرية. البؤس الجنسي، الخوف من الشيخوخة، العزلة والتشاؤم من حاضر الإنسانية ومستقبلها، فضح أكذوبة الحداثة الديموقراطية، الثقة في العلم ومنجزاته حتى المحرم منها، القدح في الديانات (الإسلام ثم المسيحية الآن)...إنها بعض التيمات التي تغذي مناخات الرواية. مطمح ويلبيك هو أن يعترف به صنواً للكاتب لوي فيردينان سيلين. لكن هذا الأخير أبدع نتاجاً روائياً في انخراطه وتورطه جسدياً ونفسياً في براثن الحروب والانهيارات التي عصفت بالغرب، وليس عبر الاعتزال والخلوة في غرف الفنادق كما هي حال ويلبيك، الذي يعرف اليوم مجداً مصطنعاً وعابراً، لأن قوامه الماركيتينغ والسهولة، الحقد والعنصرية

 

   رواية الواقعية الرقمية ..وفرضية المُفسد الرابع!!

ليس من السهولة بمكان التبشير بمغامرة قادمة ، والأصعب من ذلك هو المضي قدما في التأسيس لمذهب جديد لا يريد أن يتصالح مع ما قبله ، بل هو هنا يعتقد أن كل ما في العالم يتغير ، يتسارع ، وبذات المقياس ، يكون الإنفجار الكوني لإعادة بناء كل الأشياء حولنا على ذات النسق ، في محاولة لخلق عالم جديد بكل أدواته ، وهذا ما يفتح بوابة الحوار باتجاهه ، الروائي محمد سناجله ، في كتابه المختلف ، والجرىء الذي عنوانه رواية الواقعية الرقمية ، الصادر حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر .. هل نقرأ ما يكتب السناجله ، أم نفعل مثلما فعل البعض في بدايات تحمسه لهذا المشروع ، حين رفضوه ، واعتبروه من الخوارج المارقين على عرف
الكتابة ، ومسطرتها ؟!
في الكتاب نفس جرىء ، وروح فدائية ، انتحارية ، في محاولته نسف ، وتلغيم كثير من ثوابت الكتابة التي ، حتى في بعضها ، أنفاس حداثوية ، وهنا يطرح محمد سناجله نفسه ليس بوصفه ناقدا كلاسيكيا ، ولا كاتبا تقليديا ، بل هو منظر لفعل ابداعي جديد ، منبثق من واقع حياتي جديد ، وهنا البوح ليس عن أية حياة ، انه يرى العالم بعيون جديدة ، وبرؤى جديدة ، وبمفاهيم جديدة ، يعمل على هضمها وتقديمها في البدء لنفسه ، وقد فعل حين كانت روايته هي مختبره الخاص ، وهو كمنظر لهذا النسق من الإبداع ، غامر قبل سنوات في اصدار ظلال الواحد لتكون أول رواية رقمية ، وهي بالفعل كذلك ، وعلينا أن لا نبخسه الإعتراف له بفضل السبق ، وبفضل المغامرة ، وكأنه آثر أن يضع نفسه قربانا على مذبح ( أول مرة ) ، وإن كان هناك اختلاف أو اتفاق معه ، ففي ذلك جانب صحي ، وهو يعترف بتلمسه للجديد الذي يبشر به ، ولا يدعي العلم الكامل بهذا المضمار ، وقد صرح بهذا في تقديمة لكتابه: ( أعرف أني قد جئت ببدعة جديدة لم تكن من قبل ، لكن وكما اتضح لي فإن كل بدعة مرفوضة حتى تترسخ وتثبت أقدامها على الأرض فيتبعها حتى أشد معارضيها .. وكل بدعة بحاجة الى من يدافع عنها ، وقبل كل شىء أن يعطيها اسما تعرف به ، وقد أطلقت على هذه البدعة اسم " رواية الواقعية الرقمية" وهذا الكتاب هو للتعريف بهذه الرواية ) .. وإذا كان قبل تقديمه لمغامرته ، قد آثر أن يتبع نهج تجميع زخم من المريدين الداعمين ، فهو قد حظي بهذا قبل أن يصدر الكتاب ، حين كانت رواية ظلال الواحد احدى محاور ندوة مكتبة الاسكندرية حول الكتاب الرقمي ، إضافة الى التبشير من خلال كتابة محمد سناجله بميلاد أدب عربي جديد ، وقد جاء هذا على لسان أحمد فضل شبلول الذي كتب مقدمة الكتاب ، الذي يشير ، ببعض التحفظ الى تلك الصعوبات التي ستواجه المنظرين في العالم العربي لهذا الفن الجديد ، ومنهم السناجله ، فهو يقول : ( وأعجبت به ، وبأفكاره الجديدة المطروحة بداخله ، وبموضوعاته غير التقليدية التي تبشر بميلاد أدب عربي جديد من خلال التقنيات الرقمية الجديدة التي لم تعد حلما ، لأنها موجودة الآن بين أيدينا ، ولكن يعوزها أفكار جديدة ، بل ذهنية غير تقليدية ، تؤمن بمسيرة التقدم العلمي وإخضاعه للرؤية الأدبية ) . ولكن تلك المغايرة لا تجعله يتراجع ، بل تشحنه إصرارا أكثر ، هو ومن ناصره ، على المضي في الكتابة ، ونبش المخبوء عن هذا العالم الجديد ، الإفتراضي ، هذا النمط الإبداعي الذي هو مؤهل للتعبير عنه ، وبأدواته الرقمية الإفتراضية .إن تسلسل السناجله في طرحه لفكرته ، حول رواية العصر القادم ، محبوك ، ومنسوج ، بتدرج يجعل من البساطة تتبع مساره في تطور الرواية ، لتصل الى هذه المرحلة ، مثلما هو الحال في النقلات المفصلية للكون البشري في نقلاته وثوراته التي تجعل بالفعل هناك حدا فاصلا بين عهد وآخر ، ليس لوتيرة جريان الزمن فقط ، ولكن لوجود فعل حقيقي وراء هذا الإنقلاب ، يتدخل حتى في تراتبية تفاعل حالة الوعي مع الخيال ، ومثلها تعامل مع الزمن والجغرافيا ، ولهذا فالفصل الأول من الكتاب يحتاج رغم بساطة صياغته الى عقل غير تقليدي لتتبع نقلاته ، مع الأمثلة الذكية لتدرج الحالة الذهنية لمثل هذا التنظير ، والذي دخل فيه السناجله من بوابة التغير العام في العصر بأكمله ، موضحا أثر تكنولوجيا المعلومات في تحويل العالم من قرية صغيرة كما كان يوصف في العصر التكنولوجي ، الى " أصغر من حجرة صغيرة في بيت ، أصبح العالم شاشة ، مجرد شاشة زرقاء " ، ويعطي أمثلة على التعليم ، والتجارة الالكترونية ، كمفتتح لإشاراته على تغير العالم ، وأعرافه ، وقيمه ، ليصل الى مفهوم الحياة الرقمية ، والواقع التخيلي ، والإنسان الإفتراضي ، ومنه ينطلق الى السؤال الذي يبدأ به حفره في مسألة الرواية ، وهو " هل الروائي بأدواته الحالية المستهلكة قادر على أن يبقى روائيا ؟ " ، وكأنه يجهز بذلك نعيا جماعيا لمن تُسوّل له نفسه بالإبقاء على ذهنيته الكلاسيكية خارج حفرة الشاشة ، بعوالمها الرقمية .. وفي ذلك طرح جرىء ، ودخول الى صلب الاستشراف لما هو آت ، في المستقبل ، وتساؤلاته حول امكانية استمرار الاساليب التقليدية في الكتابة ، والرواية هي إحدى أجناسها ، كما هو السؤال المشروع حول امكانية استمرارية الحياة ، والبشر ، خارج اطار الحتمية الرقمية التي ينادي بها أنصار هذا الاتجاه ، ومنهم محمد سناجله الذي يعود بعد فيض الاسئلة التي يدسّ في طياتها إشاراته نحو خلخلة لثوابت الواقع ، ثم يعود الى تاريخ الرواية والتي يعتبرها منذ سرفانتتس ، وما قبله ألف ليله وليله ، وحتى فوكنر ، كلها سلفية ، طحلبية ، تقتات على ما سبقها من فعل ، بينما هي لم تستشرف المستقبل ، ولم تصنعه ، كما هو الحال بالنسبة للرواية الرقمية ، رواية المستقبل .. واذا كان السناجله في بحثه هذا يسترسل في تفسير جدل المعرفة مع الخيال بدءا من أينشتاين الذي أمسك الزمن ، الى بيل جيتس الذي اخترع الزمن ، فهو ينتصر للأخير معتبرا إياه نبي الدعوة الرقمية لأنه قاد ثورة على الجغرافيا ، أي على المكان وعلى المسافة وعلى الواقع الذي نفاه ، ثم خلق جغرافيا وواقع آخر هو الواقع الافتراضي ، والذي هو خيال واقعي ، خيال معرفي . ويكمل بعد ذلك ربطه بحس ذكي تلك الثورة التي قام بها جيتس بما جاء به المتصوفة ، خاصة ابن عربي قبل ألف عام في حديثه عن الظاهر والباطن ، والحقيقة وعين الحقيقة ، رابطا بين الخيال المتصل والواقع الحقيقي ، موضحا أن الخيال المنفصل عند ابن عربي يقابل الواقع الإفتراضي عند جيتس ، وهنا يصل السناجله الى أنه بحاجة الى رواية أخرى جديدة ومختلفة لتعبر عنه وعن واقعه الجديد ، وهذه الرواية هي رواية الواقعية الرقمية ، ذلك أن "الرواية جاءت لتعبر عن العالم سواء رفضا أو ايجابا ، ولتستشرف المستقبل ، والروائي مكتشف قبل كل شىء لأن له عينا ثالثة ليست لدى الآخرين – الروائي المبدع لا المقلد- وهذا الروائي معني تماما بالزمن .. الزمن القادم ، وبالجغرافيا الأخرى .. الجغرافيا القادمة .. " . يواصل الكتاب بحثه وتنظيره في الرواية الرقمية التي تنطلق من المعرفة ، وهي مغامرة في الزمن الرقمي الإفتراضي ، وفي المكان الرقمي الإفتراضي ، وفي الواقع الرقمي الإفتراضي ، فالرواية زمنها الإفتراضي ثابت وما تبقى ظلاله ، ومكانها افتراضي هو نهاية تقترب من الصفر .. الرواية هنا مساوية للمالا نهاية ، المستحيل اللمتناهي الذي تحاول الرواية الرقمية الوصول اليه متوحدة مع الخيال المعرفي المطلق .
ولكن هل هناك رواية بلا موضوع وبلا شخصيات ؟
هنا يكون الجواب في رسم حالة ذاك الإنسان الإفتراضي الذي ستتمحور حوله الرواية الرقمية ومنه ينبثق موضوعها ، ذاك الإنسان الشبيه بالبرنامج
الإلكتروني ، والذي قد يتم حقنه بالكمبيوترات داخل جسمه ، فتتحرك كل حياته في اطار هذه المنظومة الرقمية المفترضة حتى في مسائل التسوق والأكل ، والحياة الإجتماعية ، والجنس ، فيكون لكلمة "كليك" فعل كلمة "كن" الأسطورية ، وعلى هذا الإختلاف ، أو الإختلال ، بحسب موقف المتلقي ، سيعاد بناء منظومة القيم والحياة في فضاء رقمي بحت .. وسيكون هناك مجتمع آخر هو المجتمع الرقمي ..
لكن ماذا على صعيد لغة الرواية الرقمية ؟
هنا الكتاب يتحدث عن معنى اللغة ، وهدفها الأساسي في التواصل ، كونها ظاهرة اجتماعية ، ثم يدخل في أمثلة على ثورات قامت في النهوض باللغة ، ودلل على ثلاثة نماذج ، سماهم الكاتب ، بالرجوع الى المجتمعات التي رفضت ثوراتهم ، بالمفسدين ، كونهم خرجوا على خط اللغة العام ، وهم أبي تمام ، وابن عربي ، وأدونيس ، حيث جاء الأول بالبديع ، واكتشف الثاني الإمكانات المختزنة في علاقة المضاف والمضاف اليه ، بينما الثالث اشتغل على ميكانزم الكلمات وعلاقاتها ، وبعد الدخول في عوالم هؤلاء المفسدين يكون الإجتهاد في معرفة سمات اللغة الجديدة ، , وهذا يقودنا الى افتراض مفسد رابع يضع على كاهله وزر التبشير بتلك اللغة الجديد ة والرواية الحاملة لها ، وبالتحديد تفصيل لغة الرواية الرقمية التي يفترض السناجله أن تكون فيها الكلمة جزء من الكل الذي قوامه أيضا الصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة ، ثم هناك دور مضاعف على الكلمة التي عليها أن ترسم مشاهد ذهنية ومادية متحركة ، اضافة الى ضرورة أن تكون اللغة في الروايةالرقمية سريعة ، مباغتة ، بحيث ان حجم الرواية فيها لا يتجاوز المئة صفحة ، بلغة مختصرة وسريعة ، كما أنه على الروائي نفسه أن يمتلك أدوات هذه اللغة التي تعتمد على مفردات أخرى غير الكلمات ، وبالتالي هي تحتاج الى تدريب فني من نوع خاص للروائي الرقمي من برمجة وإخراج سينمائي ، ومعرفة بكتابة السيناريو والمسرح وفن المحاكاة

 

 

    لحظات   

( 1 )
في هذه اللحظة ..
جاءتني .. تطرق قلبي
تسألني عن حب ينمو مثل الشجر
يمتد الى روحي كشعاع الشمس، يعانق صبحي
يشرب من وجدي
من شوقي
المنقوشين على أنفي
( 2 )
في هذه اللحظة
أغمض عيني
أغفو
وأغور بعيداً بين الأحراش
أبحث عن قلب مصلوب بهواها
(3)
في لحظة حب اخرى
جاءتني تحمل في يدها
وردة
قالت لي
خذ .. هي ذي عربون هوانا
ذكرى تجمع قلبينا
خذها
لا تتركها حائرة وسط الريح
تبحث عنك
قد لا تلقاها ثانية
في بحر مودتنا

 

 

   الملامح والسمات المقارنة في موازين النقد الأدبي  

اتى على العصور الأدبية أزمان قويت فيها الروح المعنوية للنصوص العربية فسالت كما يسيل الماء الصافي فلم تكترث للفظ وغطت الفكرة على كل شيء فكانت قوية قاهرة وهّاجة تعنو لها الجباه ويقدرها النقاد ثم اتى على اللغة العربية حين آخر خبا فيها شعاع هذه الأفكار فعمد الكتاب الى المساحيق والطلاء ليخفوا ضعف افكارهم بالمحسنات اللفظية غير المألوفة ومع أننا في النقد الحديث نستحسن الفكرة القوية الساطعة الا اننا مع ذلك
نقدر كل التقدير المعنى الغالب الذي تتحلى فيه الفكرة ، اذ ان توافقهما ان يخرج الاسلوب الحسن المناسب المتسم بحسن الاداء فكلما كان الاسلوب محسناً في جماليته كلما صمد لمعاول النقد الأدبي .. فهناك عناصر كثيرة تكون ذلك الاسلوب وتطبعه بطابع خاص ، فهناك شخصية الكاتب التي تفيض في اسلوبه وهناك ملامح تلك الشخصية التي تتجلى في استعمال الفاظ مناسبة نتوقعها كما نتوقع الدقة الموسيقية دليل الانسجام ومن يقرأ اسلوب الكاتب الانكليزي ( تشارلز ديكنز ) يصادف ذلك النوع من خفة الروح وعذوبة الالفاظ ورصانة التراكيب تميز اسلوبه تمييزاً تاماً عن غيره من الكتاب .
هناك اذن عوامل شتى تتجمع فيما نسميه الاسلوب وتتألف من شخصية الكاتب ومن بيئته ومن الافكار المتعارفة في وقته ومن مجريات الحوادث السياسية والاجتماعية المعاصرة له .
فلا شك أن لكل قطعة ادبية جميلة الاسلوب سحرها الخاص ثم هناك سياقها اللفظي المنسق نسق المعاني في مضمونها وايقاعها وقد نقف احياناً مكتوفي الايدي أمام القطعة الشعرية فلا يمكننا أن نعبر عن الجمال الروحي الذي تتضمنه فنقول انه ملك علينا مشاعرنا فحسب وانه حاز رضانا واعجابنا فضلا عن تجاوزه لمديات حواسنا الخمس الى الشعور الباطن للجمال وتأثيره في النفس البشرية .
فيمكننا أن نقول ان القطعة الأدبية تدخل في نفوسنا السرور عن طريقين : أولهما عن طريق العين والمرئيات فهي ترسم لنا صورة بارزة وأخيلة قوية ناطقة ، وثانيهما عن طر يق الاذن من خلال العذوبة والانسجام وسحر ايقاعها الاخّاذ ومن خلال ما تقدم يمكننا تلخيص القواعد الأساسية عن النقد الأدبي : اولاها : اختيار الالفاظ المؤدية للمعنى المقصود في اتساق تام حيث يقال لشاعر أو كاتب كبير انه لو انتزع لفظ من كلامه لما امكن وضع بديل عنه يؤدي نفس المعنى في نفس المكان .
يلي ذلك اختيار الكلمات وتنسيقها وخير مثال لذلك قوله تعالى ( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) فنرى فيها الانسجام اللفظي البديع الذي لا يتأتى لأي تنسيق سواه أن يرتفع اليه فقوله تعالى أكملت يتردد في لفظ أتممت وفي لفظ ( الرضى ) الالهي حيث يتردد ايقاعه العذب في الاسماع فهذا اكمال الدين من جانب البشر يقابله اتمام النعمة من جانب الله تعالى وينتج عنه الرضاء .. أما الناحية الثالثة فهي الوزن والقافية في الشعر فهما حكما الشعراء قروناً طويلة من الزمن بسجن البحور التي وضعها الفراهيدي والتي تلزم الشاعر ترتيباً من الافكار قد يختل فيه الانسجام ويضيع عنده الجمال فلذلك ظهر الشعر الحر محرراً من الاوزان والقوافي ومعتمداً للايقاع بين مقاطع ابياته ثم المجاز والتشبيه وهما ركنان بلاغيان ينبغي ان نجعلهما يخدمان الفكرة لا ان تخدمهما ، وهناك وقفات تحتاج فيها الى التشبيه ولا يمكن فهمها بدونه خاصة اذا كان المعنى المراد تأديته انما يقرب للذهن اذا البسناه صورة خاصة من الشبه.
يبقى أخيراً لدينا الاثر الاجمالي للعمل الادبي وهو ما يعرف بالتأثير الفني الاجمالي فهو يعكس التناسب بين أجزاء القطعة أو العمل الادبي في رص متناسق من الجمال والابداع المتجدد في الفهم فقد يقرأ القارئ قطعة ثم يعود اليها فيفهم منها غير ما فهمه في المرة السابقة .. ولشكسبير بعض القطع التي كلما قرأتها تبين لك منها معنى جديد فكأنما الكاتب قد ملك ناحية المعاني وهو يكتب من علياء بيانه فتقرأ تعبيره يوماً ثم تدور بك الايام دورتها الى الوقت الذي فيه تقع في نفس الظروف والملابسات التي حدثت لذلك الكاتب فتتذكر اللفظ الذي كتبه وترى معنى جديدا فلنا أن نقول ان للناقد مهمة صعبة يؤديها لكنها لا تتفق وهشاشة القاعدة التي يرتكز عليها ..

 

 

    قصـــة قصيرة الـــــــــزورق  

استجمع الزورق قواه ، ليتحرك من شاطئه الملوث ، على الساعة التاسعة صباحاً ناحية ( الصحين ) ، وكلما امعن الزائر ( دخيل) في التوغل بزورقه ، تضاعف انين المحرك ، مخلفا وراءه سحابات من الدخان الداكن ، وسعلات متلاحقة من صدر المفتش كمال النقشبندي ، وهو يتحصن بمظلته المعهودة ، التي تكاد تفقد بريقها ، لكثرة مشاكستها لاشعة الشمس ، وسكبات المطر ، ولكن اسراب الخضيري المزهوة بالوانها وام سكه الموشحة بالسواد ، الفارة من تلك ( الترترة ) والضجيج ، سرعان ما عادت الى مسرحها تحت ظرف الحاجة لتتعقبه اسراب سمك الزوري الخائف الواثب يمينا يساراً للنجاة من المناقير النهمة .
ولولا نباهة الزائر دخيل وفراسته في القيادة لانغرست في وحول الطمى اللزج المحيط باكداس الحلفاء وقصب البردي الشامخ بعد زوال الشدة ، واعتدال المزاج ، ساله المفتش كمال : كم بقي من الوقت للوصول الى المدرسة ؟ عفوا استاذ اجاب دخيل : اظن بانها ساعة على الاقل ، حسنا الم يحن الان وقت تناول الشاي ؟ اوه قالها الزائر : كمن تذكر شيئا عزيزا عليه ! وهنا تلمست انامله مكان ( البراد) ، ليعطيه للاستاذ كي يملا القدحين ، بعدها تمدد النقشبندي وكان تناول الشاي فرصة اتاحت له التدخين .
اما الاستاذ باقر فقد كان مشغولا مع ( ارحيمة ) حارس المدرسة والصياد في ان واحد ، لاعداد الجلسة التي يحتاجها ، كلما اشتدت عليه وطاة الغربة وتذكر الاهل والاحباب في مسقط راسه ( الحلة ) ، فهو قد سرح الطلاب ليتمتعوا بعطلة على هواه ومزاجه ، مستغلا يوم الخميس والجمعة ، والطلاب يفقهون ذلك كله كلما شاهدوا ( اليشماغ) الاحمر معلقا على السارية المتداعية ، بدل العلم ، ارحيمة ارحيمة ناداه المدير : هل ان كل شيء على مايرام ؟ اجابه بلى استاذ وكان وقع هذه 0 البلى ) على روحه الملتاعة ، قطعة موسيقية رخية مجتزاة من مقطوعة يعشقها قبل الشروع في النوم ، على المسجل الذي اهداه المرحوم الوالد ، اثناء تخرجه ، وهي بحيرة البجع ، لجايكوفسكي ، فالموسيقى ضالته الوحيدة وشاطئه الحالم المورد مبددة الم الغربة الموجع ، فالسمكة المصطادة ( البنية) التي يستطعم مذاقها ، وارغفة السياح الرقيقة وهي جاهزة مع قنينة الشراب الملعون ، التي يعزف عنها حينا ، ويعشقها احياناً ، العائمة وسط ماء الهور للتبرد ، فكلاهما مربوطتان بخيط مشدود بالودة الناتيء من شباك البردي المطل على الهور ، وبينما هو يستعرض ذلك في ذهنه وارحيمه يتابعه ويصفن عليه ، اذا بـ(ترترة) ،تهادت من بعيد ، اصاخا عليها يسترقان السمع مرة ، مرتين ، ثلاث ، ثم نهض ، ليتاكدا من مصدر ذلك الصوت لكنه كان بعيدا مشتتا ، وهنا داهمته الظنون : ايعقل ان زوجة الشيخ عجيل اصابها العسر في الولادة ؟ واستدعي الحكيم دون علمه ، ام ان احد اولاده قد ابتلى بمرض مفاجىء كالزائدة الدودية ، فمن هو ياترى القادم ؟ اذا لم يكن هذا الامر او ذاك فما عسى ان يكون ؟ اخذا يضربان اخماسا باسداس لعلهما يصلان الى علة تفسر لهما عن القادم ؟ ولغز ذلك السواد الذي بدت ملامحه تتوضح على صريخ الربان وهو يردد رباه الترترة هي ترترة الزورق العجوز والمظلة هي مظلة النقشبندي ، ياالهي كيف ساجمع الطلاب ؟ وباية وسيلة ؟ ملتمسا المساعدة حتى ان الصياد لم يعد بوسعه التفكير ؟ وامام هذا الامر ، لم يتورع الا ان يكرر صراخه مستنجداً ارحيمه ارحيمه ..نـ....نـ.. نعم هات لي علبة كبريت فوراً مع سعفة يابسة ..حـ..حـ.. حاضر استاذ ، وما هي الا لحظات حتى كانت السعفة بين يديه ، وعلى اول قدحة اشتعلت النيران فيها بشوق ، وكانها على انتظار ، لتكتسح السقف الاول والثاني ، والاستاذ باقر يتطلع بعينين قلقلتين على المسافة التي بدات تضيق اذا اصبح الزورق اسرع من الشيطان نفسه لكن تجمع الطلاب وابائهم وصراخهم مع حرارة اللهب ونجدات المدير واستغاثة الصياد منع كل ذلك ، اقتراب الزورق العجوز ، لكنه ظل مصراً على الدوران يحوم عن بعد حذر وحول المدرسة لايعرف اين هو المرفأ الذي يستقر فيه؟

 

 

   أصالة تغني في الأوبرا من أجل المرأة المعيلة في مصر 

احيت الفنانة اصالة حفلا غنائيا في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة لصالح صندوق نادي «ليونز غاردن سيتي» الذي يرعى بدوره العشرات من المشروعات الخيرية مثل اعانة المرأة المعيلة. وحضر الحفل نخبة من الفنانين ورجال الأعمال وسيدات المجتمع، وكانت الدكتوة عواطف سراج الدين رئيسة مجلس ادارة النادي وعدد من اعضائه بينهم بهية محمد وحازم خليل وسميحة حافظ في استقبال المدعوين. تخلل الحفل الذي دعمه عدد كبير من الشركات الكبرى في مصر عرض ازياء ومجوهرات، وشاركت في العرض ملكة جمال مصر ميريام جورج وعدد من ملكات جمال الجامعة الأميركية واميركان سيتي كولدج. قاد الفرقة الموسيقية المايسترو الدكتور خالد فؤاد وغنت أصالة 18 اغنية منها «قلبي بيرتاح لك» و«قد الحروف» و«خليك شوية». كما غنت لعبد الحليم «صافيني مرة» و«نعم يا حبيبي نعم.

 

 

   محمــــــــــــــــــــــــــد …مسرحيـــــــــــــــــــــــــــة حــــــــــــــــاول كتابتهـــــــــــــــــــا برنــــــــــــــارد شـــــــــــو 

ولد برناردشو عام 1856 م في أسرة بروتستنتية، وكانت أمه في مبدأ حياتها تعيش مع عمة لها حريصة على أن تغذيها بمبادئ الدين المسيحي، لكنها لم تعن بأن ترى جورج برناردشو على ما تعلمته، بل آثرت أن تعلمه الموسيقى، وكانت تحسب أن ذلك خير له وأجدى. وكان أبوه متلافأ سكيرا لا يعني بالدين إلا قليلاً، وكان له خال يصرح بعدائه للدين، ولم يكد شو يبلغ الحلم حتى هجر الكنسية وعزف عن أنواع الطقوس التى تقام فيها.كان ذلك في مكان اسمه توركاهل حيث كان يقضي الصيف، وكان يسير عند الغروب على التلال الجرداء، وكان الجو جميلاً والسماء صافية وأضواء النجوم والكواكب قد بدأت تتألق، فظل الفتى يمعن في التفكير كلما أمعن في السير، وجرد من نفسه حكماً على نفسه.
كان إلى ذلك اليوم حريصاً على أن يذهب إلى الكنسية في كل يوم أحد. وكان حريصاً على أن يصلي صلاة لله كلما استقبل فراشه، ولكنه في ذلك اليوم وجد أن الصلاة لم تكن إلا عادة، وكذلك وجد الفتى برنارد شو نفسه في محنة عقلية حيرته وزعزعت إيمانه.
وكان في التاسعة عشرة من عمره حين هبط دبلن بعض الدعاة الدينيين، وعقدوا في بعض المعارض اجتماعا دينياً حضره كثير من أهل المدينة، وعلقت الصحف عليه واجمعت على أنه كان اجتماعاً ناجحاً، وأنه دليل على ما كان للشعور الديني من مكانة في أ فئدة الناس، وعلى ما كان لهذه الجماعة الدينية من تقدير في النفوس، ولكن الفتى برنارد شو يخرج على الناس بخطاب يحاول أن يحلل فيه العوامل التي دفعت الناس إلى هذا الاجتماع الديني، فهو يعزو الأمر جميعه إلى أسباب لا تمت إلى الدين بصلة! وهو يرى أن الناس قد اجتمعوا لأن حبهم للاستطلاع دفعهم لرؤية هؤلاء الدعاة الدينيين، ولأنهم كانوا يريدون أن يروا العرض من دون أن يستمعوا إلى الوعظ الديني، وهذه الحادثة تمثل لنا برناردشو في حياة النضال والمعارضة التي عاشها، وسيحاول في قصصه ومقالاته ورواياته أن يسخر من الشكليات التي يحسب الناس أنها هي الدين، وما هي عنده بالدين.
المثل الأعلى
أما المثل الأعلى للشخصية الدينية عنده فهو محمد صلى الله عليه وسلم، فهو يتمثل في النبي العربي تلك الحماسة الدينية وذلك الجهاد في سبيل التحرر من السلطة، وهو يرى أن خير ما في حياة النبي أنه لم يدّع سلطة دينية سخرها في مأرب ديني، ولم يحاول أن يسيطر على قول المؤمنين، ولا أن يحول بين المؤمن وربه، ولم يفرض على المسلمين أن يتخذوه وسيلة لله تعالى، ولسنا ندري على التحقيق في أي الكتب درس برنارد شو تاريخ النبي، ولا التطور العقلي الذي درج فيه حتى وصل إلى هذه المبادئ، ولكن لعله قد نقل الفكرة- أول ما نقلها- عن توماس كاريل حين اتخذ حياة النبي مثلاً لبطولة الرسل والأنبياء، ولعله بعد ذلك قرأ عن النبي في بعض ما كتبه المستشرقون، على أن شيئاً واحداً يثبت عندنا من كل ذلك، هو أنه قرأ القرآن الكريم قراءة الفاحص الدارس، وتشبع بروح القرآن الكريم في كثير مما كتبه عن النبي وعن الإسلام.
الحياة الجهاد
كان برنارد شو معجباً بالنبي، وكان يرى في حياة الجهاد التي عاشها النبي شبهاً بالحياة المثالية التي أراد هو نفسه أن يعيشها، وبلغ به الإعجاب أن حاول قبل سنة 1910م أن يكتب مسرحية عن "محمد"، إنه يعلم أن التمثيل أقوى أنواع الدعاية، وأن كتابة المسرحية أسمى أنواع الفن، فلا عليه بعد ذلك إذا حاول أن يصور بطله الديني في مسرحية عامة، ثم هو يعلم أيضاً أن المسرحية لا تكتب لتمثل فقط ولا ليراها الناس فحسب، بل هو يعلم إلى ذلك إنه سيكتب للمسرحية مقدمة، وسينشر في هذه المقدمة آراءه الدينية من حيث الكفاح في سبيل حرية الرأي، ومن حيث الخلاص من التعصب الأعمى، ومن حيث التحرر من استبعاد السلطة، لقد أراد أن يكتب مسرحية "محمد" ليلقي بآرائه هذه في صعيد واحد.
الرقابة ترفض
وحينما بدت منه هذه الرغبة جبهته التقاليد التي درجت عليها إنجلترة في مسائل المسرح، ففي إنجلترة وظيفة ورثها البلاط الإنجليزي من عهد الملكة إليزابت، وعلى صاحب هذه الوظيفة أن يقرأ كل مسرحية قبل تمثيلها، وعليه بعد ذلك أن يصادق عليها أو يلغيها، وتقدم برنارد شو برغبته في كتابة مسرحية عن "محمد" إلى صاحب هذه الرقابة، لكن صاحب الرقابة رفض التصريح له بذلك، وقال في رفضه: إنه لا يجوز أن يمثل النبي العربي على خشبة المسرح، فقد يحتج على ذلك السفير التركي، وقد يؤدي ذلك إلى الجفوة بين إنجلترة وتركيا، ولعل السفير التركي هو الذي أبدى امتعاضه لمجرد التفكير في تمثيل النبي، لأنه أسمى من أن يكون موضوعاً للتمثيل.
جان دارك
ومهما يكن من شيء فإن هذا يدلنا على مبلغ الإعجاب الذي يكنه برناردشو لمحمد صلى الله عليه وسلم، على أنه حين رأى أنه من المحال أن يكتب تمثيلية عن محمد، كتب بعد ذلك بعشرة أعوام تمثيلية عن "جان دارك"، وفي هذه القصة حاول أن يصور الفتاة الفرنسية في صورة القديسة التي تؤمن بالوحي الإلهي؛ ثم أن يجعلها في موقف تدافع فيه عن الفكرة لا بلسانها فحسب، ولا بقلبها فقط، ولا بيدها لا غير؛ بل تدافع عنها بكل ذلك وبحد السيف أيضاً، ألست ترى في ذلك تحايلاً على تصوير الجهاد الديني في سبيل الفكرة؟ ثم ألست تراه جهاداً يشبه ذلك الذي قام به النبي؟ كل ذلك كان بعض ما عالجه في الرسائل والمقالات التي أنشأها من قبل ومن بعد، والعلاقة واضحة بين اختياره موضوع النبي وبين اختيار موضوع جان دارك، وهي واضحة من الفقرات الكثيرة التي يتحدث فيها النبي في محاكمة جان دارك.
محاكم التفتيش
كانت جان دارك-عند برنارد شو- مؤمنة إيماناً قوياً، كانت تدعو إلى إنقاذ فرنسا فلبت النداء، لكنها في جهادها ارتطمت بكثير من أنواع السلطة، فماتت شهيدة وهي تجاهد في سبيل الإيمان، لقد ارتطمت بسلطة الكنيسة ومحاكم التفتيش من ناحية وارتطمت بسلطة الأمراء الإقطاعيين من ناحية أخرى، وارتطمت بسلطة القومية الإنجليزية الناشئة من ناحية ثالثة، وعلى الرغم من أن هذه السلطات كانت كلها متضاربة متخالفة، فإنها اجتمعت على الفتاة فخرت صريعة في سبيل الإيمان، كانت كل سلطة من هؤلاء تريد أن تثني جان دارك عن مثلها الأعلى، وأعدت كل واحدة منها وسائل التعذيب والتشهير، لكنها ظلت مؤمنة لا تميل ولا تنثني. عرض عليها المطران صاحب محاكم التفتيش أن تستغفر حتى تؤوب ثانية إلى كنيسة الله، وعرض عليها القائد الإنجليزي أن تتخلى عن فكرة تحرير فرنسا، ثم لما رأوا أنه لا سبيل إلى شيء من ذلك أحرقوها، فاحرقوا منها الجسد، لكن روحها هي التي لا تزال تسري إلى اليوم؛ لأنها روح الفكرة، والفكرة خالدة لا يعمل فيها الحديد ولا النار، وكذلك ترى في هذه التمثيلية شعور برنارد شو، وتحس موجدته على رجال الدين وسخريته بأنواع الذرائع التي اتخذوها ليقرروا إحراق الفتاة الشهيدة.
تلك لمحة في آراء برنارد شو فيما يتصل بالعلاقة بين الدين و المتدينين، إنه يكره من الدين إذن هذا التحايل من أجل إدراك السلطة، وهو يكره القسوة التي تقترف باسم الدين، فثار برنارد شو على كل ذلك، ولم يستطع أن يقر أهل الدين على ما ذهبوا إليه، ولعل في قصة جان دارك مثلاُ للقسوة التي أراد أن يثور عليها، وشيء آخر أثار برنارد شو على أهل الدين في عصره، ذلك هو التعصب، لقد احترف التفكير، وكان في تفكيره يميل إلى النقاش وقرع الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، وكان يتخذ في تدليله طريقة سقراط في تفنيد كل رأي حتى يصل إلى الرأي الأخير، فإذا هو وصل إليه لم يكن هناك بد من أن يدلك على مواطن الضعف في رأيه هو نفسه، فهو يضيق بالتعصب مهما تكن دوافعه، ويرى أن التعصب آفة الدين والعلم معاً، ونريد بعد كل هذا أن ندرس قليلاً مما كتبه عن "محمد" نريد أن ندرسه حتى نصور لأنفسنا ما عسى أن يكتبه برنارد شو لو اتيح له أن يكتب مسرحيته التي أرادها والتي لم يسمح له بها الرقباء. قلنا: إن هناك تشابها كثيراً بين مسرحية "جان دارك" والمسرحية التي فكر فيها عن "محمد"، وقلنا إنه حاول أن يضمن الأولى بعض الأفكار التي حاول تصويرها في الأخرى، على أنه في "جان دارك" ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات في معرض كلام طويل عن الأنبياء الذين يوحى إليهم، وكيف يلقون الصعاب والعقبات لأن الناس لا يؤمنون بهم، وهاك حديثاً بين كوشون- وهو أسقف بوفيه الفرنسي- وبين ورك وهو نبيل إنجليزي يستدل منه على الفكرة القومية التي كانت تملك على النبيل الإنجليزي كل نشاطه، وا لتي أتاحت له أن يكون متسامحاً في أمور الدين حريصاً على أمور الدنيا، وهو نقاش بعد ذلك بين عقلية متعصبة عمياء مثل عقلية كوشون وعقلية سمحة لا تتعصب للدين مثل عقلية ورك.
"كوشون" إن الكنسية ذخيرة من علم وحكمة وخبرة تجمعت على السنين والقرون، وبها مجالس من حكماء علماء بررة وأتقياء، فماذا يكون حال هذه الدنيا إذا ألقي بكل هذا التراث في المزارب والمزابل، كلما قام عامل أجير جاهل، أو قامت فلاحة حلابة بقر نفخها الشيطان بالغرور الفادح فألهمها أنها يوحى إليها من السماء؟....كيف يكون الحال إذا خالت كل فتاة أنها (جان دارك) وخال كل رجل أنه (محمد)؟ أنها حال تفزعني فزعاً لا فزع فوقه، حال حاربت كل حياتي لاتقائها، وسأحارب لاتقائها ما بقي من أيامي، أنا نغفر لهذه المرأة كل خطاياها إلا هذه، فهي خطيئة، في حق الروح القدس، إنها إذا لم تتنصل من دعواها، ,إذا لم تستغفر منها على الملأ وأنفها راغم، وإذا لم تخرج عن كل قيراط من روحها إلى الكنيسة، إذا هي لم تفعل كل هذا فإلى النار مأواها لو وقعت في يدي.
ورك- أنا رجل حرب لا رجل دين، وقد حججت إلى بيت الله المقدس، ورأيت بعضا من أتباع محمد، فلم أجدهم من سوء الأدب بالمكانة التي أفهمونيها قبلاً، بل وجدت لهم أدبا لا يقل من بعض الوجوه عن أدبنا.
كشون- إن الجندي الصليبي يعود من الشرق وهو نصف شرقي مسلم، دع أن الإنجليز جميعاً زنادقة من يوم يولدون.
ورك- إنك ما كنت لتقول هذا لو أنك شهدتنا نتجادل في الدين يا مولاي، وإنه ليعروني الأسف أن تظن بي الزندقة أو الغباوة، لا لسبب سوى أ ني طوفت في البلدان، فعرفت فيما عرفت أن أتباع محمد يحترمون المسيح احتراماً ظاهراً شديداً، وأنهم في تسامحهم أقرب أن يغفروا لبطرس القديس أنه كان سماكاً، من أن تغفر أنت يا مولاي لمحمد أنه كان جمالاً، أكثير يا سيدي أن أطلب منك أن تأخذ على الأقل ما نحن فيه الآن من غير تعصب وضيق ذهن.
-كوشون- إن الرجل إذا سمى غيرتي الكنسية وحميتي المسيحية تعصباً فقد تحللت في أمره وظننت به الظنون".
كذلك ترى ذلك الكفاح بين التعصب الأعمى وبين التسامح الديني، وكذلك تستطيع أن تلمح وأنت تقرأ جان دارك أن وراء ما يكتبه برنارد شو أفكاراً تروح وتغدو، فهناك الثورة على السلطة التي يدعيها رجال الدين فتلك فكرة أولى، وهناك فكرة التسامح الديني، وهذه فكرة ثانية، وهناك فكرة الجهاد- حتى بحد السيف- في سبيل الإيمان، وهذه فكرة ثالثة، وهناك فكرة الوحي الإلهي الذي يدفع المختارين من عباد الله إلى الجهاد، وهذه فكرة رابعة، وتستطيع أن تتخيل بعد ذلك أي مسرحية كان برنارد شو يكتبها لو أتيح له أن يكتب مسرحية عن "محمد"، فلا شك أنه كان يبرز هذه الأفكار الأربع، الواحدة تلو الأخرى ليؤلف بينها نسقاً واحداً عن حياة النبي العربي.
لقد ثار محمد على قريش، وأنكر السلطة الدينية التي كان يدعيها أصحاب الكعبة وسدنتها، ثم حطم الأصنام، ودعا إلى دين جديد، وجاهد في سبيل فكرته باللسان والبيان وبحد السيف، ثم إنه كان يفعل ذلك بوحي يتنزل عليه من عند الله تعالى، وكل هذه سلسلة متصلة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكن أن تبرز لقراء اللغة الإنجليزية لو صاغها برناردشو في أسلوبه المسرحي

 

 

   مثل الجنة يتفوق على اميلي روز ويحتل قائمة إيرادات السينما الأمريكية 

 محققا مبيعات تذاكر قدرها 16.5 مليون دولار احتل الفيلم السينمائي الرومانسي الجديد "مثل الجنة تماما" قائمة ايرادات شباك التذاكر في امريكا الشمالية.تقوم ببطولة الفيلم ريز ويزرسبون التي تجسد دور طبيبة ماتت لكن روحها تطارد الشخص الذي يسكن شقتها في سان فرانسيسكو .قام بإخراج "مثل الجنة تماما" مارك ووترز، وتكلف انتجاه 58 مليون دولار .وتراجع فيلم الرعب "اميلي روز" خطوة للوراء و احتل المركز الثاني محققا ايرادات قدرها 15.3 مليون دولار.وتدور احداث الفيلم الذي تكلف اقل من 20 مليون دولار حول محاكمة قس يلعب دورة الممثل توم ويلكنسون متهم بالتسبب في موت فتاة اثناء محاولة اخراج الارواح الشريرة من جسدها.وتلعب الممثلة جنيفر كاربنتر دور الفتاة بينما تجسد لورا ليني دور المحامية.واحتل المركز الثالث فيلم نيكولاس كيدج الجديد "سيد الحرب" محققا ايرادات قدرها 9.2 مليون دولار.يلعب كيدج في الفيلم دور تاجر يتفوق على جميع اقرانه في مهنة تجارة السلاح الا انه وبعد ان يصل الى القمة يواجه ضميره الا ان التوقف ليس سهلا.بينما جاء في المركز الرابع فيلم "تجربة رجل في الاربعين" -محققا مبيعات تذاكر قدرها 5.8 مليون دولار.والفيلم بطولة ستيف كارل الذي يقوم بدور موظف في متجر للالكترونيات لم يسبق ان كان له علاقة بالجنس الناعم. وبعد الحاح من اصدقائه يقابل امرأة يعجب بها وتنشأ بينهما علاقة على ألا تشمل ممارسة الجنس.وفي المركز الخامس جاء فيلم الرعب الجديد (صرخة الذئب) محققا ايرادات تذاكر قدرها 4.6 مليون دولار.يدور الفيلم حول مجموعة من المراهقين ينشرون شائعة بشأن العثور على جثة شخص قتله سفاح بالقرب من مدرستهم الا ان الشائعات تتحول لحقائق وتبدأ "الضحايا" المزعومة في الاختفاء

 

top

   Iraq designer

Email: nana20042005@hotmail.com