|
ميزريات 
كاظم الميزري
( 1 )
كلما ألقاك
يترسب
في فنجاني
دمك
××××××(2)
في هدأة الليل
يتراءى لي وجهك
خارطة العصافير
فاطير بلا رفيف
×××××(3)
السماء قبة دخان
وماؤك ينسل
بين ضلوعي
مثل لص عاشق
××××× ( 4 )
عيونك نواعير
لطوفان حزني
فانتظرني
عند حافة الوهم
(5)
سكب انفاسه
في جدائل الغضب
وراح يتأمل
حرائق ال...
×××× ( 6 )
عناق يتمطى
ورائحة عنان
تتوسد كآبتي
فامطرت الأرض
عطر الأمنيات
××××× ( 7)
غمامة بيضاء
وغيوم من طيور
ارتحلت
فما فائدة البقاء
ساطير
×××× (8 )
تراتيل نزفت
انساغها في قاعات الدهور
وقيثارة تبكي
لحظة النواح
معرض لـ”أعظم
رسامي تجسيد الحرب” في ابوظبي

يُفتتح في المجمع الثقافي في أبوظبي مساء
السبت المقبل، معرض الفنان الألماني الأصل "رولف لوكاشويسكي" ويستمر المعرض
لمدة عشرة أيام، ويعتبر الفنان الذي يحمل لقب "أعظم رسامي تجسيد الحرب"، واحداً
من أبرز فناني المدرسة التجريدية الحديثة الأوروبية.
كما هو الحال لطبيعة الفنانين ذوي التفكير المتحرر من حب الذات والنرجسية، ومن
صميم الواقع الاجتماعي المتجه نحو الملذات والمتعة؛ بوقت يعاني العالم من
ازدياد الفقر والبؤس، ينطلق الفنان لوكاشويسكي برسالته للعالم -كما يقول أحد
النقّاد ـ.
ويعترف الفنان بتأثره الكبير بالفنانين الألمانيين: أوتا ديكس وماكس باكمان،
فبعد أن ولد بمدينة شلوسنغ الألمانية عام 1947م، كانت الحركة الفنية التجريدية
قد أخذت بالاتساع والتأثير الواضح بشتى مدارس العالم الفنية.
وكان لوكاشويسكي أحد أبناء تلك المدرسة الذي ظهرت منذ البداية بصمته الخاصة
فيها.
حين نطالع حياة الفنان الفنية؛ نجده ينهي تعليمه في مجال الفن بمدرسة الفنون
بمدينة "كولون" بدرجة الشرف، وكان له ظهور لامع في العديد من معارض العالم،
وصادف عام 1975م بيع أول لوحات الفنان، ليتواصل بعد ذلك في إقامة معارضه الفنية
بنيويورك وباريس وبرلين والنرويج.
وفي عام 1993م انتقل لوكاشويسكي من ألمانيا ليستقر على شاطئ مدينة جنيف
السويسرية، حيث اتجه حينها إلى رسم العديد من الشخصيات الشهيرة: جيمس دين،
مارلين دايتريش، مارلين مونرو، والمستشار الألماني هلموت كول، والعديد من
الشخصيات السياسية والفنية العالمية، ومن خلال تلك اللوحات التي زاوجت بين فن
البورتريه والتجريد اختط الفنان لنفسه ملامح أسلوب خاص به.
وحظي لذلك بتقدير كبير في الساحة الفنية الأوروبية، فهو في هذه اللوحات يقوم
جاهداً بدمج الشخصيات المعروفة من خلال واقعها مع رؤيته الفنية التجريدية،
ليظهر بعد ذلك هذا الدمج بصورة فنية راقية، وبنفس الخطى يدوّن لوكاشويسكي جميع
الأحداث العالمية وحركات التغيير.
وتعتبر لوحات الفنان اليوم؛ من أبرز مظاهر الفن المعاصر، وهي مميزة ولا تشبه
إلا نفسها، كما أن لوكاشويسكي يُعد مدرسة تجريدية خاصة تتحدى الواقع ولا
تسايره، رغم بعض من لمحات القالب الجمالي اللوني الذي تتسم به لوحاته.
من روائع الشعر
التركي
وطن المعذبين 
للشاعر : عصمت اورخان
ترجمة : كاميل صبري
سدوا علي النور في زنزانتي ...
فتوهجت في قلبي مشاعل …
كتبوا على الجدران رقم بطاقتي …
فنما في زنزانتي مرج سنابل …
أغمدت في لحم الظلام هزيمتي …
وغرزت في شعر الضياء اناملي...
فاذا احترقت في عباءتي …
اصبحت قديساً بزي مقاتل …
وطني .. يا ايها النسر المهيب …
الذي يغمد منقاره اللهيب …
في عيني عبر قضبان سجني...
يا ايها النسر الكبير .. الكبير …
لست جديراً لجناحك ..
انني اوثر اكليل اللهب …
وطني .. انا ولدنا وكبرنا بجراحك
وأكلنا السنين العجاف …
وظلمة الليالي الطوال …
كي نشهد ميلاد صباحك …
يا ايها الظلم وقوة الاضطهاد …
لم يزل منقارك الأحمر في عيني …
سيفاً من لهب محرق …
وأنا لست جديراً بجناحك يا وطني
كل ما أملكه في حضرة الموت …
جبيني ناصع وثورة غضب...
علقوني على خشبة واشنقوني … فلن أخون وطني ..
طني ليس حزمة من حكايات الزمن
وطني ليس قصة أو نشيداً
وطني غضبة الغريب على الحزن..
وطفل يريد عيداً أو قبلة ..
هذه الأرض جلد عظمي
علقوني .. مزقوني واشنقوني …
فلن أطيع المذلة …
لقد حفرت بأسناني رسمك دامياً …
وكتبت أغنية الظلام الراحل ..
الغاضبون على سطوح منازلي …
لم يفتحوا الا وعود زلازلي …
ولن يبصروا الا توهج جبهتي ..
واذا احترقت على خشبة مضطهد
أصبحت قديساً بزي مقاتل …
الزمن
الرقمي...أنت حيث لا مسافة

حين تم اكتشاف الزراعة من قبل الإنسان، حدثت
قفزة نوعية في الحياة البشرية، حيث إنتقل الإنسان من طور نمط الحياة الرعوية
القائمة على الصيد إلى نمط الحياة الزراعية بما يتطلبه ذلك من استقرار وولادة
مفهوم الأسرة والمجتمع الذي بدأت بالتشكل على إثره الحضارة والمدنية وما
استتبعها من ظهور الدولة كمؤسسة رسمية ضرورية للمحافظة على الاستقرار والأمن.
وقد ظهرت العديد من المكتشفات والمخترعات المفصلية في الحياة البشرية بعد ذلك
كترويض الحصان واختراع العجلة، واكتشاف البخار والكهرباء وغيرها من الاختراعات
والإكتشافات التي غيرت شكل الحضارة والتاريخ، وكان لها تأثيراتها الهائلة على
حياة الإنسان على هذه الأرض. ونحن نعيش الآن في زمن مشابه ولحظات مشابهة، ذلك
أننا بدأنا منذ اواخر القرن العشرين ندخل بقوّة للعيش في زمن آخر وفي عصر
آخر... إنّه العصر الرقمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى ما زال غير واضح
للكثيرين، فهناك الآن بيوت تتحدث للحاسبات ومجلات تتحدث للتليفونات اللاسلكية
وسيارات تتحدث للإنترنت، وأصبحت المعلومة في متناول الجميع بعد أنْ كانت حكراً
على بعض البشر، وغدا الكمبيوتر جزءاً أساسياً من متطلبات الحياة التي لا غنى
عنها، وبدأنا نشهد تحولاً في وسائل التعليم وموضوعاته، وبدخول الإنترنت والهاتف
المحمول التغت المسافة أو كادت أنْ تلتغي، وتقارب الزمن حتى كاد أنْ يصبح
واحداً، فلا زمان ولا مكان قادر أنْ يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، حتى أمسى
العالم كله ليس قرية صغيرة كما كان شائعاً في العصر التكنولوجي، بل أصغر من
حجرة صغيرة في بيت، أصبح العالم شاشة...مجرد شاشة زرقاء. لقد ولدت الحقيقة
الأخرى....الحقيقة الغائبة...الحقيقة التخيلية التي هي عين الحقيقة، فانزاح عن
العين ما كان يغشاها فبصرك اليوم حديد. وهذه الحقيقة الأخرى ليست مبنية على
الخيال السلفي الميتافيزيقي، بل هي حقيقة مبنية على الخيال المعرفي العلمي،
حقيقة تعنى بالمستقبل أكثر مما تتباكى على أطلال الماضي، وحقيقة أداتها العلم
ووسيلتها العمل وغايتها الإنسان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. ومن هذه الحقيقة
المعرفية ولد الواقع الاخر...إنه الواقع الافتراضي، وهو ليس بديلا عن الواقع
الكلاسيكي بل هو عين الواقع، ذلك أنه واقع استطاع ولأول مرة في تاريخ البشرية
من كسر حاجزي الزمان والمكان. فإذا كان زمن نيوتن زمنيا جبريا وثابتا في كل
مكان وزمان حسب قانون نيوتن الشهير من أن السرعة تساوي مقدار المسافة المقطوعة
في زمن معين. وإذا كان زمن اينشتاين هو زمن متحرك يعتمد اعتمادا كليا على
السرعة ولا يلغي عامل المسافة، بل يعترف به مقرا بعدم إمكانية إلغائه حين حدد
السرعة القصوى التي لا يمكن تجاوزها بسرعة الضوء، فإن زمن عين الحقيقة/زمن
الواقع الافتراضي (الزمن الرقمي) هو زمن متحرك يسعى للوصول إلى الثبات..إلى
الواحد...المطلق. ما هو الزمن الرقمي؟ هو السرعة حين تقاس فقط بالزمن. في زمني
نيوتن واينشتاين أو في جبرية نيوتن ونسبية اينشتاين كانت هناك ثلاثة أركان بنيا
عليها نظريتيهما وهذه الأركان هي السرعة، الزمن، والمسافة. في الزمن الرقمي
هناك بعدان أو ركنان فقط هما السرعة والزمن، ويغيب بل ينتفي عامل المسافة، فهو
أنت حيث لا مسافة، حيث المسافة نهاية تقترب من الصفر وحيث السرعة تساوي الزمن
وحيث الزمن يساوي واحد، وحيث الرقمان الوحيدان الموجدين هما الصفر والواحد أو
البت والبايت ولا أرقام أخرى. ولأقرب الصورة أكثر، وبكلمات جد بسيطة، كان الزمن
عند نيوتن ثابت، فالساعة في الاسكندرية مثلا هي نفس مقدار الساعة في عمان، نفس
مقدار الساعة في نيويورك، نفس مقدارها في أي مكان في هذا العالم، وقد سادت هذه
النظرية الجبرية للزمن العالم لمدة قرنين من الزمان، فالساعة عند نيوتن تساوي
ستين دقيقة، والدقيقة تساوي ستين ثانية، وهي نفس الساعة...هكذا أينما ذهبت أو
كنت. أما عند اينشتاين فإن مقدار الساعة يختلف فالساعة في الاسكندرية غير
الساعة في عمان غيرها في نيويورك، ومقدار الساعة في كوكب الأرض يختلف عن
مقدارها في كوكب زحل، غيرها في كوكب المشتري وهكذا.... هي النظرية النسبية التي
تعرفونها جميعا ولا داعي للخوض في تفاصيلها. ولاحظوا هنا أننا ربطنا الزمن
بالمسافة، فالزمن يساوي السرعة مقسومة على المسافة...الأركان الثلاثة الشهيرة.
في العصر الرقمي فإن الزمن يساوي السرعة ولا وجود للمسافة، فكيف؟ لنقرب الصورة
بمثل في غاية البساطة، لنفترض أن (س) من الناس موجود في مكان لنسميه (ك) أراد
مخاطبة (ص) من الناس موجود في مكان اخر لنسميه (ع)، وكتب رسالة وبعثها بالبريد
الإلكتروني، ما هو الزمن اللازم كي تصل هذه الرسالة من (س) إلى (ص)؟ إن الإجابة
تعتمد على السرعة، في الوقت الراهن قد تأخذ من دقيقة إلى بضعة دقائق حسب سرعة
الكمبيوتر والانترنت المستخدم، وكلما زادت سرعة الكمبيوتر والإنترنت كلما قل
الوقت الزمني، لاحظوا هنا أننا ربطنا الزمن مباشرة بالسرعة والغينا تماما بعد
المسافة، فلا مسافة، أي أن الزمن يساوي السرعة فقط، وهذا ما قصدناه حين قلنا إن
الزمن الرقمي يساوي السرعة فقط، وما عنيناه من أن الزمن الرقمي هو متحرك يسعى
للوصول إلى الثبات، والهدف هو الوصول إلى سرعة ذات اللحظة... إلى سرعة
الثبات... إلى الواحد...وهو شيء قريب الحصول جدا فسرعة الكمبيوترات تتضاعف كل
ستة أشهر كما لا بد وتعلمون ايضا. هذا هو الزمن الرقمي وهذا هو العصر الرقمي.
وقد يسأل سائل، ما علاقة كل هذا بالأدب، بالكتابة، بالشعر، بالمسرح، بالفن
عموما، بالرواية على وجه التحديد وأنا روائي؟ إن الكتابة عموما تدور ضمن ثلاثة
محاور/ أبعاد أيضا وهذه المحاور الأبعاد هي الزمان والمكان والحدث الذي يجري
داخل بعدي الزمان والمكان، وحتى أكون أكثر تحديدا سأختصر كلامي على الرواية،
فإذا نظرنا إلى تاريخ الرواية منذ بدئها سنجد أنها تدور ضمن هذه الأبعاد
الثلاثة، فأية رواية هي مجموعة من الأحداث التي تحدث في زمن معين ضمن مكان
معين، وهذه الأحداث قد تكون مادية ملموسة أو ذهنية متخيلة وهي على الحالين
محكومة ببعدي الزمان والمكان. فإذا ما تحررنا من بعد المكان ماذا سيحدث
للكتابة... ماذا سيحدث للرواية؟ لقد ولد نتيجة للعصر الرقمي مجتمع جديد ومختلف
هو المجتمع الرقمي، وفي هذا المجتمع هناك أحداث تحدث، وهناك زمان هو الزمن
الرقمي الذي يساوي الواحد كما توصلنا قبل قليل، وهناك مكان هو نهاية تقترب من
الصفر، وهناك إنسان يعيش ضمن هذا المجتمع، وهذا الإنسان هو الإنسان الافتراضي
أو الإنسان الرقمي ابن وبطل المجتمع الرقمي الذي يعيش في الزمن الرقمي. والسؤال
هو: أية كتابة وأية رواية تستطيع أن تعبر عن هذا الإنسان الرقمي الذي يعيش في
المجتمع الرقمي؟ هل هي الرواية القديمة التي نعرفها جميعا؟ أم أننا بحاجة إلى
رواية أخرى، وكتابة أخرى قادرة على حمل المعنى الجديد في المجتمع الجديد؟ ولادة
المجتمع الرقمي والإنسان الافتراضي لقد ولد نتيجة للعصر الرقمي والزمن الرقمي
مجتمع جديد هو المجتمع الرقمي، الذي يعيش ويتفاعل أفراده مع بعضهم البعض في
الواقع الافتراضي. وفي هذا المجتمع هناك اقتصاد جديد هو الاقتصاد الرقمي، وهناك
سياسة جديدة هي السياسة الرقمية، وحروب من نوع اخر،أ شد وأقسى هي الحروب
الرقمية، وهناك ثقافة أخرى، وعلاقات إنسانية وعاطفية متشابكة ومختلفة كل
الإختلاف عما يجري في العالم الواقعي. فعلى صعيد الاقتصاد مثلا، ولد مفهوم
التجارة الالكترونية، حيث أصبح بإمكان الناس أنْ يشتروا أي شيء يريدونه مـن أي
مكان في العالم وفي أي وقت يشاءون عن طريق الإنترنت من دون مغادرة أماكن جلوسهم
خلف الشاشة الزرقاء، وأصبح إنشاء الشركات وممارسة الأعمال لا يحتاج لأكثر من
جهاز حاسوب واتصال بشبكة الإنترنت وعقلية متفتحة لتدخل بقوة إلى عالم تحقيق
الأحلام. أما على صعيد التعليم فقد بدأت تظهر المدارس التخيلية التي ليس لها
وجود مادي على أرض الواقع ولكنها موجودة فقط في اقراص الحاسبات العملاقة ومواقع
شبكة الإنترنت ونظم معلومات التعليم المختلفة، بل إنّ المدرسة الحقيقية العادية
أصبح لها وجه افتراضي إلى جانب وجهها الواقعي فهناك الآن أعداد كبيرة من
المدارس والجامعات التي أنشأت لنفسها مواقع على الإنترنت تقدم خدمات تعليميّة
دخلت في صميم المنهج الدراسي، وأصبحت من الأجزاء الأساسية المكونة له، فهناك
دروس تبث عبر الشبكة وهناك مدرسون افتراضيون يمكن التوجه لهم بالأسئلة والدخول
معهم في حوارات تفاعلية كاملة والأمر لم يتوقف على المدارس فقط بل وصل إلى
الجامعات وخرج إلى دول العالم المختلفة، بحيث أصبحنا نرى الآن خريجين يحملون
الشهادات الجامعية من جامعات موجودة في الخيال فقط. أما على صعيد العلاقات
الانسانية والعاطفية، فقد حدث لها تغيرات هائلة، أحدثت تغيرات أعمق في النفس
البشرية، فهناك الان علاقات عاطفية وجنسية كاملة تحدث على النت، وأصبح مفهوم
الحب الرقمي مصطلحا شائعا جدا بين أفراد الواقع الافتراضي، ولا أريد الاستطراد
أكثر في هذا الموضوع حتى لا اثير حساسية البعض. لقد ولد نتيجة لكل ذلك وسواه
الإنسان الجديد...الإنسان الافتراضي الذي يعيش ويتحرك ويتاجر ويتعلم ويحب في
المجتمع الرقمي الافتراضي. وهذا المجتمع الجديد بإنسانه الجديد بحاجة إلى أدب
جديد ورواية جديدة مختلفة لتعبر عنه، وهذا الأدب هو أدب الواقعية الرقمية
ورواية الواقعية الرقمية على وجه التحديد. هذه هي النظرية الأدبية الجديدة التي
جئنا بها ونسعى إلى ترسيخها ما وسعنا إلى ذلك سبيلا. وكما أن لكل زمان دولة
ورجال، فإن لكل زمان أيضا أدبه وفنه المختلف، والمتسق مع روح العصر الذي ينتجه
كحاجة فنية للتعبير عنه. حين أوجد العصر الصناعي حالة من الظلم الاجتماعي ولدت
رواية الواقعية الاجتماعية، وحين سادت الاشتراكية ثلثي الكرة الأرضية ولد مصطلح
رواية الواقعية الاشتراكية، وحين حاول أدباء أمريكا اللاتينية التعبير عن
مجتمعهم الذي يسوده الظلم وغياب الحرية وسيادة قيم السحر والشعوذة ولد مصطلح
رواية الواقعية السحرية. ونحن الان نعيش في عصر مختلف هو العصر الرقمي، وفي زمن
مختلف هو الزمن الرقمي، وهذا العصر بحاجة إلى أدب جديد ورواية جديدة، وهذه هي
أدب ورواية الواقعية الرقمية. ما هي رواية الواقعية الرقمية؟ الرواية الرقمية
هي تلك الرواية التي تستخدم الأشكال الجديدة التي أنتجها العصر الرقمي، وتدخلها
ضمن البنية السردية نفسها، لتعبر عن العصر الرقمي والمجتمع الذي أنتجه هذا
العصر، وإنسان هذا العصر الإنسان الرقمي الافتراضي الذي يعيش ضمن المجتمع
الرقمي الافتراضي. ورواية الواقعية الرقمية هي أيضا تلك الرواية التي تعبر عن
التحولات التي ترافق الإنسان بانتقاله من كينونته الاولى كإنسان واقعي إلى
كينونته الجديد كإنسان رقمي افتراضي. في رواية ظلال الواحد التي نشرتها رقميا
عام 2001 وورقيا عام 2002م، واستخدمت في بنائها ما يعرف بتقنية النص المتفرع
(الهايبرتكست) وذلك في البنية السردية نفسها، حيث كان النص ينتقل من لينك إلى
اخر في بنية شجرية دائرية، فقد بدأت الرواية على شكل جذر تتشابه اشتباكاته ثم
ساق ثم أغصان ثم كسونا الاغصان ورقا لتكتمل الشجرة، وهذه التقنية في الكتابة هي
نفسها المستخدمة في بناء صفحات الإنترنت، كما استخدمت فيها بعضا من المؤثرات
السمعية والبصرية المستخدمة أيضا في بناء الشبكة. هذا على صعيد الشكل، أما على
صعيد المضمون فقد تم صياغة المعادل الموضوعي للرواية اعتمادا على حسابي التفاضل
والتكامل وقانون حفظ الطاقة بهدف الوصول للتطبيق الفعلي لنظرية رواية الواقعية
الرقمية والفلسفة التي تقف خلفها، وهو ما ذكرناه انفا من أن الزمن ثابت يساوي
واحد والمكان نهاية تقترب من الصفر، حيث كان الزمن الواحد يتفاضل إلى ازمنة لا
حد لها، والأزمنة المتعددة تتكامل حتى تصبح زمنا واحدا، وهناك لينك كامل في
الرواية اسمه "مقام التفاضل والتكامل" وفي هذا اللينك يعيش بطل الرواية الزمان
البشري كله، منذ لحظة ما قبل البدء، حين كانت البشرية وهما غير متحقق في ذهن
الصانع، أو ما يطلق عليه الصوفية عالم الذر، مرورا ببدء الوجود الانساني في هذا
العالم، ثم التاريخ الدموي للإنسان على الأرض، وحتى يوم الدينونة ونهاية هذا
الوجود (الزمان هنا غير الزمن، فالزمن واحد والزمان ظلاله المتعددة)، وسيلاحظ
القارئ أو المتصفح كيف يتفاضل الزمن الواحد إلى أزمنة لا حد لها ثم كيف تتكامل
هذه الأزمنة إلى زمن كلي واحد (الزمان ظل الزمن). وفي الحقيقة فإن همي كان
منصبا أثناء كتابة ظلال الواحد إلى التأسيس للنظرية وتثبيت أركانها والتطبيق
الفعلي العملي لها في فعل الكتابة نفسه. ولهذه الأسباب لم أناقش أسس المضمون
نفسه فيها، بمعنى أنني لم أناقش المجتمع الرقمي، والإنسان الرقمي الافتراضي
الذي يعيش في هذا المجتمع بل اكتفيت بالإشارة إليهما، تاركا هذا الموضوع
لروايتي اللاحقة وهي رواية "شات" التي انتهيت من كتابتها مؤخرا وأستعد لإطلاقها
على الشبكة في الأسابيع القليلة القادمة، وفي الحقيقة فإنني اؤجل اطلاق هذه
الرواية إلى حين إطلاق الموقع الرسمي الدائم لاتحاد كتاب الإنترنت العرب، حيث
يوجد هناك رابط اسمه "مختبر الكتابة التفاعلية" وضمن صفحات هذا المختبر سيتم
إطلاق رواية "شات" وربما قمت بنشرها أيضا وبالتزامن في موقع ميدل ايست اونلاين.
في شات يتم مناقشة المجتمع الرقمي نفسه وبطل هذا المجتمع "الإنسان الرقمي
الافتراضي" وطريقة عيشه داخل هذا المجتمع، كما وترصد الرواية لحظة تحول الانسان
من كينونته الواقعية إلى كينونته الرقمية الجديدة
كل شيء أبيض وأسود
ولا أحد يسأل عن سمير... السينما الأميركية السوداء تكتشف نفسها من جديد

"أنت أسامة" ينادي شابٌ (من اثنين اقتحما
محلاً لبيع المعلّبات والحاجات الصغيرة) موظّف المحل العربي الشاب سمير (بابلو
سيلفييرا). بعد قليل، وحين يسطوان على كل ما في صندوقه يقول له أحدهما: "السود
لا يحصلون على ما يريدون في أميركا، ما الذي يجعلك مختلفاً"، ثم يطلق النار على
سمير فيرديه.
بعد 2001/9/11 هذه إشارة مهمّة. كل عربي يسمّونه أسامة، كما الحال في فيلم
"صدام" حيث في مطلع هذا الفيلم أيضاً، يخاطب رجل أبيض إيرانياً فيسمّيه أسامة
ويغلظ له في الكلام: "أنت ماهر فقط في إرسال الطائرات الى نيويورك"، ما يثير
الإيراني ويدعو ابنته للتعجّب "يحسبوننا عرباً".
كن "أربعة أشقّاء" لجون سينغلتون ليس عن سمير بل عن المرأة البيضاء التي حدث أن
كانت في المحل وقتلها المسلحّان بعد قتلهما سمير. وفي حين أن لا سمير ولا
جـريمة قـتـله يُـذكـران مـرة أخرى، فإن كل الفيلم عن تلك المرأة التي قُتلت
وليس هناك من يسأل عن سمير.
"صِدام" لبول هاغيز (كتب سيناريو فيلم كلينت ايستوود "مليون دولار بايبي" وهذا
أول فيلم له مخرجاً) يضع العائلة الإيرانية في وسط ما تتفاعل به الحياة
الأميركية الحاضرة. وهو يحتوي على بيض وسود ولاتينيين وصينيين أيضاً. قوام
العناصر البشرية التي تتألف منها حياة المدن الأميركية اليوم.
ما هو أفضل: فيلم لمخرج جديد آخر اسمه كريغ برووَر عنوانه "تعنيف وانسياب". هذا
الفيلم لا يتطرق الى شخصيات عربية او إيرانية او إسلامية. بل الى حياة القاع في
مدينة ممفيس وينجز - فنياً - أكثر مما ينجز الفيلمان الآخران.لكن الأفلام
الثلاثة تقول الكثير عن حياة المدن الأميركية. عن البيض والسود وبعض الآخرين،
وعن العلاقات القائمة بين عناصر المجتمع الأميركي. إنها أفلام تتعاطى أيضاً مع
شخصيات أفرو - أميركية إما أُجهضت أحلامها وإما ما زال لديها القليل منها لن
ترتاح قبل أن تحققه.يجمع الأفلام الثلاثة أمران آخران: الأول أن إثنين منها
ينطلقان من سيناريوين صعبي الكتابة. الأمر الثاني أن ممثلاً موهوباً جديداً
يشترك مثل خط وامض فيها جميعاً اسمه ترنس هوارد. وكلمة موهوب لا تستخدم خفيفة
هنا. هذا ممثل يبز معظم من عداه من الممثلين في كل فيلم من هذه الأفلام.واقعي
مثل مايك لي
في "تعنيف وانسياب" حكاية قوّاد (ترنس هوارد) لديه ثلاث نساء يكتشف في نفسه
موهبة تأليف الأغاني وغنائها. إنها ليست أغاني الصول والبلوز التي يسمعها في
راديو السيارة، بل أغاني الراب. كل ما عليه الآن وقد تبلور لديه حلم مفاجئ
بتسجيل أغنية تُبث في كل المحطّات، هو أن يجد من يسجّل له. والذي يتصدّى للمهمة
مسجل أغان كنائسية وأفراح يساعده شاب أبيض يعمل أساساً في تعبئة المثلّجات
وزجاجات الصودا. لكن الطريق بعد ذلك أصعب وتتمحور حول كيف سيصل الشاب الى إسماع
صوته لمسؤولي البرامج الغنائية لتبنّيه وما هو الثمن الذي عليه أن يدفعه.ملخص
عالم دي جي في عنوان الفيلم: إنه قوّاد عليه تعنيف نفسه وغيره في حياة خشنة،
داكنة، يائسة وبائسة، لكنه أيضاً رجل منساب مثل طير في الأفق، حين يستسلم لهوى
ولعه الجديد بالموسيقى. إذ تقع الأحداث في مدينة ممفيس (عاصمة الموسيقى السوداء
في الخمسينات وحتى أواخر السبعينات)، فإن ما يُثير هو معرفة المخرج برووَر
كيفية نقل تفاصيل الواقع بحساسية البريطاني مايك لي ذاتها، من دون أن يكون
مقلّداً او مفتعلاً. الى ذلك، وعوض أن يخلّد الفيلم ثقافة "الراب ميوزك" ليكسب
جمهوراً كبيراً من الهواة، ينغمس في واقعيّته الى حد إنه لا يكترث لما يحدث.
إنها هناك كنتاج عصري وإحدى الشخصيات تذكر، عن صواب، كيف أنها موسيقى منسوجة من
تقليد أسبق هو "البلوز" (الموسيقى - الأصل للصول والروك أند رول من بين ألوان
أخرى
ترنس هوارد هنا نسيج حسّه البالغ. لا يمكن الا أن تشعر به وبعالمه وتتحسّس كيف
يستل سيف موهبته بقناعة كبيرة.أوجاع مجتمع
هو في "صدام" يلعب شخصية مخرج في هوليوود. شخصيته السوداء ضائعة، لكن ليس لونه.
إنه يحاول أن ينتمي الى عالم يقبله على أساس ثقافته لكنه يجد نفسه مشدوداً،
بفعل عنصرية متوغلة خرجت الى العلن ذات مساء، الى منبته ولون بشرته. الفيلم ليس
عنه تحديداً بل هو يحتوي على شخصيات عدة كتبها ورتّبها المخرج هاغيز وفي باله -
أيضاً - وضع العين واليد على أوجاع مجتمع لا يزال عنصرياً في الصميم يحكم على
لون البشرة ويقيّم الناس تبعاً للبلاد التي جاءت منها وعلاقة تلك البلاد
بأميركا. أي أميركا. أميركا البيضاء.
"صدام" يخفق في وضع أولوياته. نعم يتحدث جدّياً عن العنصرية لكنه يرصد ولا
يحلل. يقصد أن يعني ولا يعني تماماً. وإذ يقدّم الشرطي الأبيض مطبوعاً على
عادته (تحسّس زوجة المخرج جيّداً أكثر من اللازم بعدما أوقفها وزوجها فقط لأن
بشرتهما سوداء) ينقلب ليعطيه عذراً بسبب المجتمع المحيط. الإيراني جاهل ويبدو
نشازاً وهمجياً. ابنته هي الأمل الوحيد في الانصهار، لكن زوجته حبيسة تقاليد
مبهمة. الشخصيات السوداء الأخرى تعمل خارج القانون لأنه العمل الوحيد المتاح
الى أن تلهمها الأيام ما هو مختلف، تتصيّده وتتبنّاه. هذا فيلم طموحات ووجهات
نظر وتمنيّات حسناته حبيسة سيناريو ينتقل بين كل هذه الشخصيات بانسياب ولو أنه
يفقد طريقه في النصف الثاني ويتحوّل الى تنفيذ مهمّات."أربعة أخوة" ليس رديء
التنفيذ، انه فقط رديء التوجه وعادي الكتابة. مواقفه البوليسية غير معتادة
لكنها في الوقت ذاته ليست أصلية او مبتكرة. وفي صلب محاولة الأبناء الأربعة
البحث عن قتلة أمهم ومعاقبتهم، يبقى سمير في الفيلم، كما في الحياة، معادلة
مهمّشة تثير في ثوانيها الأولى الانتباه ثم يمضي الفيلم عنها كما لو أنها لم
تكن
فيلم ثان للمخرج
التونسي محمد زرن: ماذا يفعل أميرالحب في زمن الابتذال 
وسط ما تزخر به السينما التونسية من تنوع
مواضيع محوره الواقعية والشارع التونسي، برز مخرجون شباب لم يترددوا في التجذيف
نحو هذه الضفة بصدق يكاد يحاكي الواقع من دون السقوط في شرك التوثيق أو التنميق
الحمالي المجاني. وذلك لترسيخ سينما المؤلف ذات الحمولة الفكرية من العيار
الثقيل. من بين هؤلاء المنصف دويب صاحب "سلطان المدينة"، ومحمد زرن موقع الفيلم
الروائي الشيق "السيدة" سنة 1977.فيلم زرن الثاني المنجز سنة 2004 ويحمل عنوان
"الأمير" عرض في مهرجانات عدة: القاهرة، قرطاج، تطوان... كما حظي باستحسان نقدي
وجماهيري لا يستهان بهما، ما كرس مسار "سينما المؤلف" وعمقه انطلاقاً من أشهر
شارع في العاصمة التونسية: "شارع الحبيب بورقيبة" حيث تتفاعل الأحداث في ديكور
جمالي قوامه الاضاءة الطبيعية في النهار الموشاة بظلال الأشجار، وليلاً الاضاءة
الكهربائية المنثورة أصلاً على جنباته مع التحكم طبعاً في نظيرتها التقنية
المخصصة للفيلم، ثم محلات بيع الورود المستنبتة في فضائه حيث كل مرئي يرفل في
العشق ويعبق بالحب. يسير الفيلم انطلاقاً من قصة شاب من الطبقة التونسية
المتوسطة، لا يملك شهادات عليا... ولا مالاً وفيراً أو نسباً مرموقاً... إنما
هو مثل ملايين شباب المغرب العربي الذي يفعل أي شيء لكسب العيش: بيع السجائر
بالتقسيط - الساعات والنظارات - الزهور في سلة متنقلة أو بكشك خاص بهما كما هو
شأن عادل الذي ساق اليه قدره سيدة جميلة تمر من أمامه الى بنك مجاور تشغل فيه
منصباً مهماً. اسمها "دنيا" وهو يحبها من دون مقدمات... من دون تردد أو تراجع
على رغم علمه بشساعة الفوارق الاجتماعية، الثقافية والمهنية بينهما... ليغدو
بهذا الحب "أميراً".من خلال العلاقة المتوترة خارجياً، والناعمة داخلياً، يهل
خطاب محمد زرن واضحاً جسوراً ليقول ان الحب قيمة انسانية راسخة تتحدى الزواج
والقيود المهنية والايتيكيت الاجتماعي... قيمة وقودها الأمل والتشبث به مهما
كانت الحواجز... لذا من الصعب التنازل عنها لأننا بهذا التنازل نخسر أنفسنا...
وإذا خسرناها، نقرأ عليها الفاتحة ونواريها تراب الذبول... تماماً كتلك الورود
التي تقطف وترص بعناية في محلات بيعها، ولا يقتنيها أحد فتذبل وتموت على وهن.
في حوار بليغ يقول صاحب محل بيع الزهور لمستخدمه عادل وهو يقدم له وردة حمراء:
"ان البائع يمنح الورود فرصة لكي تدخل حياة الناس، بدلاً من أن تذبل وحيدة بين
جدران المحل وأمام نظرات اخواتها اللواتي قد يصادفن حظاً أوفر".فـ "الأمير"
عادل راهن بكل شيء في سبيل حبه الذي قد يبدو للغير مجازفة وأمراً مستحيلاً...
وأصبحت تلك المرأة هي "دنياه" و "نجاته" من عالم الابتذال ولم تثنه لا تنبيهات
مشغله ولا حتى طرده له... ولا رميه أرضاً صحبة ورده من طرف بواب البنك... ولا
الضرب المبرح الذي ناله من أحد زبائن هذه المؤسسة حين علم بسر أكاليل الورد
المغرقة لمكتب الموظفة السامية! ولا تحذير والدته... الوحيد الذي آزره هو صديقه
المثقف الذي يسري الحب والعشق في دمه مثلما يسري الشعر... وبذلك أبى الزرن إلا
أن يطعن الأفكار القائلة بأفول عصر الحب الرومانسي بحلول العلاقات البراغماتية
التي تفل أطرافها بمجرد انتفاء المنفعة المتبادلة .
الى جانب هذه العلاقة المتأججة، عني الأمير بعلاقات وحالات أخرى أذكت الجو
العام الذي أينع فيه حبه على رأسها علاقته بالشاعر المثقف المحبط مع نفسه
ومجتمعه، والذي بدد أمواله لإصدار مجلة ثقافية تنشر أبحاثاً قيمة عن شعر رامبو
وبودلير، ليجد نفسه مقيماً على سطح منزل. ولينتهي به الأمر الى قبول مهنة مدرس
في كندا مضحياً بالوطن الجائر، وبالحبيبة التي قدمت جسدها قرباناً لحبه
وإعجاباً به كمثقف. قبل أن يأفل دوره في واحد من أقوى المشاهد وأشدها مأسوية:
يبدأ بتلاوة قرار إشهار إفلاس المجلة من طرف قزم يرتكب الكثير من الأخطاء
اللغوية الفادحة، وينتهي بموكب جنائزي تشيع فيه كتب المثقف وأدواته، سار هو
وراءه برفقة ثلة ضئيلة من أصدقائه في انكسار بليغ إيذاناً بوأد الشعر العربي
قبل الوقت أو بتعبير مغربي: مغادرة طوعية لحقل الثقافة في الاتجاه المعاكس
الـــدورة الـ62
لمهرجـــان البندقيـــة السينمـــــائي: جائـزة مدينــــة البندقــــية
لعمـــــر الشريـــــف وفيلمــــــان أميركيـــــان يستعيــــدان الأبطـــال

بعد سنتين فحسب من تقليده جائزة الأسد الذهبي
للحياة الفنية يعود النجم العربي الكبير عمر الشريف إلى مدينة البندقية لاستلام
جائزة مدينة البندقية التي ستُمنح له اليوم الجمعة في حفلة خاصة تقيمه المدينة
العائمة ضمن فعاليات الدورة الـ62 لـ مهرجان البندقية السينمائي الدولي.
وبمناسة الجائزة سيُعرض فيلم نار في قلبي من إخراج الإيطالي لامبيرتو
لامبيرتيني. أحداث الفيلم تجري في مدينة نابولي الجنوبية الإيطالية إبان كانت
تحت سيطرة أمبراطورية نابليون. الفيلم من بطولة عمر الشريف إلى جانب النجمة
الهندية سونالي كولكاريني وعدد من الممثلين الإيطاليين.
وعلى رغم اختلاف الشخصية الحالية التي يؤديها عمر الشريف عن فيلمه "السيد
إبراهيم وأزاهير القرآن"، فإن الفيلم الجديد يبدو وكأنه استكمال لذلك الشريط،
إذ يشكل الحوار بين الجماعات المختلفة والمتباينة المشارب والانتماءات الهاجس
الأساسي.
كلوني في أوليمب المخرجين
قلّما شهد البساط الأحمر أمام قصر السينما في جزيرة الليدو بمدينة البندقية،
الاحتفال بنجم كما حدث قبل بضعة أيام لدى استقبال النجم الأميركي جورج كلوني.
فعلى رغم أن التوقعّات بأن يكون استقباله حافلاً كانت قائمة، إلاّ أن الحشد
الكبير الذي تجمّع أمام قصر السينما أدخل تنظيم المهرجان في حال من الارتباك
وأخّرَ عرض فيلم "عمتم مساءً وحظاً سعيداً"، وقتاً أطول من المعتاد.
وعلى رغم أن النتائج النهائية التي ستقرّرها لجنة التحكيم الدولية برئاسة
الأوسكاري الإيطالي دانتي فيرّيتّي، ستعلن يوم غد فإنه ليس مغامرة على الإطلاق
أن نتوقّع بأن يكون كلوني (المخرج) من بين أؤلئك الذين سيحصلون على جائزة الأسد
الفضي كأفضل مخرج، وإذا ما حدث ذلك، فإنها ستكون مستحقّة بالتأكيد.كلوني أنجز
فيلماً ينتمي إلى السينما "الخالصة" أي أنه أنجز شريطاً ينتمي إلى تلك المرحلة
من السينما عندما كانت "الحدّوتة" هي العنصر البطل في العمل السينمائي، وليس
الخدع والفذلكات السينمائية التي باتت تهيمن على كم هائل من الأنتاج الأميركي
وتجاوزت عدواها إلى أماكن أخرى، كما شاهدنا في فيلم "السيوف السبعة" للفيتنامي
الأصل تسوي هارك، الذي عرضه مدير المهرجان ماركو موللر في حفلة الافتتاح.الشريط
يروي قصة بضعة أسابيع من حياة الصحافي التلفزيوني الأميركي المشهور إدوراد
مارّو، الذي يقرر في لحظة ما من حياته، مدعوماً بمنتجه فريد فريندلي، (أداه
بتواضع شديد كلوني نفسه)، أن يقف إلى جانب الحقيقة ويمارس مهنة الصحافة كما هي
في حقيقتها، أو كما ينبغي أن تكون، بمعنى أن تكون شاهداً على الحقيقة وناقلاً
محايداً لتلك الحقيقة من دون الخوف من التعرّض إلى الأذى أو الأقصاء أو حتى
الموت على يد من تُضّر بهم تلك الحقيقة. أجل لقد تمكّن إدوارد مارّو، ومن دون
أية فذلكة سياسية أو لُعب قذرة، من وقف ذلك السيل العارم الذي كان يمثّله
السناتور جوزيف ماكارثي، والماكارثية في شكل عام. ولولاه لما كان في الإمكان
وقف ذلك السيل الذي كان يوشك أن يحرق كل ما تمكّنت الثقافة والديموقراطية
الأميركية من تحقيقه حتى تلك اللحظة. كان ماكارثي يمثل "محكمة تفتيش" في عصر
الديموقراطية، ولأنه كان ينطق بأحكامه من كرسّيه في مجلس الشيوخ الأميركي، فإنه
كان أخطر من محاكم التفتيش نفسها، ذلك لأنه كان يمتطي جواد الديموقراطية وعربة
التلويح بـ"الخطر الشيوعي" ضد أي رأي مخالف لآرائه، ليقيم ديكتاتورية الرأي
الواحد.
قد يقول البعض إن موضوع الصحافة الاميركية ليس جديداً وأن مبدعاً آخر، هو
أورسون ويلز، دنا منه قبل ما يقرب من ثلثي قرن في شريطه الرائع "المواطن كين"
كما أنجز آخرون أفلاماً مماثلة في تلك المرحلة التي كانت عدوى المكارثية والحرب
الباردة لا تزالان قائمتين ونافذتين، إلاّ أنه لم يكن، (وعلينا أن نقول ربما)،
لمبدعين كبار أن يُنجزوا مثل تلك الاعمال، لولا أن صحافيين (وبشراً قبل كل شيء)
مثل إدوارد آر. مارّو كانوا قرروا الوقوف أمام ذلك السيل المرعب الذي كانت
تمثّله أفكار السيناتور جوزيف ماكارثي، ويكفي أن نتذّكر ما حاق بمبدع كبير مثل
إيليا كازان، الذي إنهار تحت مطرقة الماكارثية، فانشغل في "الدفاع" عن نفسه و
"تبرير" كونه "مخلصاً" للولايات المتحدة، ما حرم السينما العالمية ممّا كان
بإمكان هذا المبدع الكبير الراحل إنجازه خلال السنوات التالية. وقد يقول البعض
أيضاً إن من السهل اليوم إطلاق "رصاصة الرحمة" على الماكارثية بعد أن انهارت في
مهدها. ربما كان صاحب هذا الرأي على حق، لكن لا ينبغي نسيان ما تشكّله الصحافة
والإعلام، وبالذات الإعلام التلفزيوني اليوم من معطى مهم وخطير في آن واحد وما
تشكّله من سلطة وأداة لسلطات و"لوبيّات" سياسية وأيديولوجية، وليس ذلك في
الولايات المتحدة لوحدها. لذا فإن استدراج حادثة وشخصية تاريخيتين مثل
الماكارثية و"حفّار قبرها"، أي الصحافة الحرّة، ليس من قبيل رواية التاريخ، بل
هو تأكيد على ما آلت إليه حال الإعلام في واقع اليوم وما حوّرت السياسة من
مواصفات ومزايا هذا الحقل من الإبداع البشري.
ليس شريط جورج كلوني مجرد بكائية على الصحافة الحرّة واحتفاءً بماضيها فحسب، بل
هو دعوة لإيقاظ الضمير الإعلامي لدى الكثيرين ممّن وقعوا في شرك السلطات، وهو
في الوقت ذاته إيذان بازدياد قائمة المخرجين المبدعين في العالم باسم جديد
ومهم.
أفضل مدير للممثلين
وإذا كان كلوني قد ضُمّ، عن جدارة واستحقاق إلى "أوليمب المخرجين"، فإن زميله،
الأكبر سناً منه ببضعة سنين، الأوسكاري المشهور رون هاوارد أكد بشريطه الجديد
"سيندريلا مان" المعروض خارج المسابقة الرسمية، كونه أحد أهم المخرجين
العالميين في الوقت الحالي. فبعد أن كان هاوارد أنجز أيضاً في عام 1999 شريطه
"إيد تي في" وتناول فيه ظاهرة "تلفزيون الواقع" وقدرة ذلك الجهاز على "خلق" و
"قتل" الشخصيات التلفزيونية، وبعد أن حصد جوائز الأوسكار و "غولدن غلوب" عن
شريطه الجميل "بيوتيفل مايند"، يعود في شريطه الأخير إلى واحدة من الحلبات
الأكثر شهرة في السينما الأميركية، أي حلبة الملاكمة وقد فعل ذلك الممثل الذي
يبدو أنه بات نجمه المفضّل، بعد "بيوتيفل مايند" أي الأسترالي الأصل راسيل كرو.
يروي الفيلم قصة مرحلة مهمة من حياة جيم برادّوك الملاكم الأبيض الشاب والواعد
والذي يأمل منه مديروه الكثير ويعلّقون عليه آمالاً واسعة. إلاّ أن جيم، وبعد
سلسلة من الخسارت في الحلبة يفقد رخصة الملاكمة ويُضطر إلى الانسحاب من الحلبة
مواجهاً بذلك مخاطر فقر مُدقع، لأن الولايات المتحدة كانت تمر (إبان أحداث
الفيلم) بالأزمة الإقتصادية التي ضربت العالم وضربتها في نهايات العقد الثالث
من القرن الماضي.
من استحصال فرصة أخيرة لجيم للمنازلة على حلبة ميديسون سكوير غاردن الشهير.
وبدلاً من أن يكون النزال فسحة تدريبية لخصمه وفرصة لجيم للحصول على بعض المال،
فإنه يُفاجئ الجمهور والصحافة ومقرّبيه بأن الخصم، الذي كان يُعد النجم الألمع
في تلك اللحظة، يُردى أرضاً بالضربة القاضية الفنّية. ومنذ تلك اللحظة تبدأ
الانتصارات بالتتالي وبانتصاراته يُدرك أنه أصبح بطلاً شعبياً حتى تبلغ ساعة
الحسم عندما يُوافق "جيم" على نزال خطير ضد ماكس باير. عندما يصعد "جيم" على
الحلبة تبدو احتمالات نجاحه واحداً على عشرة. إلاّ أن حسابات "جيم" تذهب بالضد
من حسابات الآخرين.
زميل ناقد عربي علّق على هذا الشريط وشريط جورج كلوني بقوله "أميركا اليوم تعيش
أزمة أبطال وربما أميركا تبحث اليوم في ماضيها لتصنع أبطالها..." هذا الزميل
على حق بالطبع، وأميركا (السينمائية) لم تفعل طوال عمرها إلاّ هذا، فعلته مع
رعاة البقر ومع "المدافعين عن كوكب الأرض" ضد هجمات القادمين من الكواكب الأخرى
وربما تفعل اليوم باحثة في تاريخها الماضي القريب. وحسناً جداً إذا كان أولئك
الأبطال من نوعية الملاكم "جيم" الذي يمثّل أهمية إصرار الإنسان على عدم
الانهيار أمام صروف الدهر، أو أن يكونوا من نوعية "إدوارد آر. مارّي" الذي
احتفى به، وبشجاعته وبصدق ضميره، الصحافي جورج كلوني في شريطه "عمتم مساءً
وحظاً سعيدا
|