هاملت بين القطّ وجبرا
طفل يؤدي التحية لثدي أمّه قبل أن يرضع

الفقرات التالية مستلّة من مقالة أطول، تحاول التعرّف على بعض تقنيات شيكسبيرالتأليفية، وكيف يتسنّى توظيفها في الترجمة. تقضي النظرة المبسّطة السابقة، أنْ يتمتع المترجم بتضلّع من اللغة الأمّ، والإلمام الكافي باللغة المترجَم عنها. إلاّ أنّ الترجمتيْن اللتيْن قام بهما جبرا إبراهيم جبرا وعبد القادر القطّ لهاملت، تبطل تلك المقولة. لماذا فهّتْ ترجمتهما، وبدت في أجزاء كثيرة منها، منعثلة وباردة؟
يبدو أنّ معرفة التقنية من أهمّ شروط الترجمة، وعلى الأخصّ ترجمة شيكسبير. المعروف أنّ كبار شرّاح هاملت من المتخصصين الإنكليز يسترشدون بآراء مَنْ سبقهم، وبطروحات معاصريهم، قبل أن يجتهدوا. لذا فالطبعات الكثيرة لهاملت بمحررين مختلفين تتنافس فيما بينها بالشروح والهوامش للأخذ بيد القارئ الإنكليزي، مثقفاً كان أم قارئاً عاديّاً أم تلميذاً.
المترجمان العربيّان لم يأخذا بيد أحد. تجاهلا تقنيات شيكسبير، في التأليف المسرحي وفي القول الشعري. هل عن لا دراية؟ مَنْ يدري! جاءت اجتهادات جبرا على وجه الخصوص، مثيرة للاستغراب. مثيرة للحيرة. ربّما اعتمد على معرفته الأدبية للغة الإنكليزية وتصوّرها كافية لتعريب شيكسبير. لو استشار المصادر الإنكليزية المتخصصة لجاءت ترجمته أكثر مقبولية.
اللغة الأدبية وحدها مضللة في ترجمة شيكسبير، لأنّه شاعر مفاهيم، وكلماته مصطلحات. لا عجب إنْ صدر كتاب كبير عن دار بنغوين بعنوان "ألفاظ شيكسبير".
باللغة الأدبية تلك راح القطّ وجبرا يترجمان هاملت كلماتٍ وجملاً منفصلة، وليس تأليفاً سمفونياً، تكمّل آلاته بعضها بعضاً. على سبيل المثال، لم يلتفت المترجمان إلى أهمية تكرار الكلمات والصور، وما دلالاتها.
ما يفعله شيكسبير في هذه التقنية، أنّه يضع كلمة – مصطلحاً على لسان أحد الأبطال. تعود الكلمة – المصطلح على لسانه أو على لسان بطل آخر، في مشهد آخر، وكأنّها صدى، ولكنّه سرعان ما يصبح هو صوتاً ذا دلالة مختلفة. بهذه الطريقة يبدو النصّ متواشجاً عضويّاً، وينمو نموّاً داخليّاً. يشير معظم الشرّاح الإنكليز إلى المرات التي ذُكرتْ فيها الكلمات المعادة، إلاّ أنّ جون أفْ أندروز، وهو من أهم محرري هاملت، أكثرهم تفصيلاً. لم يلتفتْ جبرا ولا القطّ، ربّما بتأثير عقليّتنا التجزيئية، إلى تقنية تكرار الكلمات. ألأغرب أنّهما ترجما حتى الكلمات المعادة بكلمات هي غير ما ترجموها في المرّات السابقات. على أيّة حال، قد يكون من المفيد توضيح التقنبات و كيفبة ترجمتها من خلال النظر في بعض النماذج المترجمة. قبل كلّ شئ، لنقرأْ المقطع التالي، كعيّنة للترجمة التي درج عليها جبرا إبراهيم جبرا في ترجمته لهاملت:
"إن هوى الرجل العظيم حسبنا عليه
ما دنا منه حتى ذباب
والحقير إذا علا، انقلب العدوّ صديقاً
فالحبّ من خدم الزمان
…ومن يختبرْ في الفاقة خلاًّ أجوف في الحال يجدْ فيه عدوّاً" هذا المقطع ترجمة لـ :
The great man down, you mark, his favourite flies
The poor advanc'd makes friends of enemies
And hitherto doth love on fortune tend
… And who in want a hollow friend doth try
Directly seasons his enemy.

ما الاختلاف بين الترجمة والنصّ الأصلي؟
1- أين "حتى"؟ وأين "ذباب" في النصّ الإنكليزي؟ يبدو أنّ جبرا تصوّر : FLIES تعني : ذباب. كيف خطرت بباله هذه الفكرة؟
يقول BERNARD LOTT ، وهو أحد محرري هاملت: FLIES بمعنى يهرب أو يتخلى عن.
2- أين الحقير؟ هل هي ترجمة لـ :POOR ؟ أي الفقير.
3- أين الزمان؟ هل هي ترجمة لـ :FORTUNE أي الحظ، وهو من الثيمات المهمّة التي يعالجها شيكسبير في هذه المسرحية وفي مسرحية مكبث.
4- أين الخلّ الأجوف؟ هل هي ترجمة لـ:HOLLOW FRIEND ؟
يذكر هارولد JENKINS : وهو محرّر هاملت – طبعة آردن : أنّ هذا التعبير يعني : عدوّ محتمل. ويذكر جون أفْ. ANDREWS أنّ معناها: رجل لا أهمية له. أمّا في قاموس ألفاظ شيكسبير SHAKESPEARE’ S WORDS فمعناها: فارغ، زائف، غير وفيّ.
يرد هذا التعبير في مسرحية هنري السادس – الجزء الثاني حينما تخاطب الملكة، الملك:
" المعروف عنّا أننا صديقان غير وفيين"
إذا صحّت الاعتراضات أعلاه، أو بعضها، فكيف نتوقّع من المترجم أن ينقل الأسلوب الشيكسبيري، لغةً
وتراكيب وموسيقى، لا سيّما وأنّ لغة شيكسبير لغة تلميح لا لغة تصريح؟ كيف يمكن له أن يحافظ على توقيتات شيكسبير ، وهي من أهمّ مهاراته التأليفية؟ المقصود بالتوقيتات، تزمين وقوع الأحداث وتزمين توظيف الكلمات بحيث تنسلخ عن قاموسيتها وتتخذ هويّة موسيقية ولونية خاصةّ. خشية أن يضيع منّا الخيط والعصفور، أو رأس الشليلة كما يقال بالعراق، لنركّز اهتمامنا على الفصل الخامس من مسرحية هاملت. كان هاملت وصديقه هوراشيو، يسيران في مقبرة فإذا بهما وجهاً إلى وجه مع حفّار قبور. كان منهمكاً في حفر قبر جديد، وفي الغناء. يرمي الحفار بجمجمة إلى خارج القبر. يرفعها هاملت، ويقول:
Why, e’en so, and now my Lady Worm’, chopless,
And knocked about the mazard with a sexton's spade.
جاءت ترجمة جبرا على الوجه التالي:
"وهنا الآن جمجمة سيدتي المصون دودة وقد سقط شدقها
وضُربَتْ هامتها بمسحاة دفّان…
ثمّ يغنّي المهرّج الأول (أيْ حفار القبور)
"هاتوا مسحاة وفأساً
كفّنوا الآن حطامي
واحفروا لي في التراب
حفرة فيها سلامي"
ما الغرابة في هذه الترجمة؟
أوّلاً إنّ الجمجمة التي كانت بيد هاملت هي جمجمة آدميّ، وليستْ جمجمة دودة. وقد سقط فكّ الجمجمة الأسفل وليس فكّ الدودة، وضُربت هامة الجثّة، وليست هامة الدودة.
كذلك من أين جاءت كلمة مصون؟ وهي صفة بشرية أصلاً، ولا يمكن وصف دودة بها؟
نعود إلى الترجمة وننظر إليها من زاوية أخرى. عبارة: LADY WORM ، تعبير تشاؤميّ ساخر من نهاية الإنسان، مهما كان شكلاً أو منْزلة، وهي إحدى ثيمات شيكسبير المفضّلة.
لو أردنا المحافظة على تلك السخرية، لكان، ربّما من الأفضل، ترجمتها حضرة الدودة أو جناب الدودة وهي إحدى صيغ السخرية الشائعة في اللهجة العراقية. المعنى العام هي أنّ الديدان ستمتلك الجثث، مهما كان أصحابها من ذوي الشأن.أما ترجمة الأغنية أعلاه فلا يمكن التساهل معها حتى لو كانت من تأليف المترجم، وهي لا ريب ركيكة،
معنى ووزناً.
أوّلاً ليس في النصّ الإنكليزي فعل أمر. بينما الترجمة العربية تضمنت ثلاثة أفعال بصيغة الأمر: "هاتوا" و"كفّنوا" و"احفروا". وإذا كان الميت ميتاً فعلاً فكيف يخاطب الآخرين؟ لا سيّما وأنّ حفّار القبور ما أن ينتهي من الأغنيّة حتى يرمي الجمجمة إلى خارج القبر. من الجدير بالذكر أنّ الأغنية أعلاه هي واحدة من ثلاث أغنيات يغنيها حفّار القبور. والثلاث اقتباس محرّف ومشوّه لقصيدة مشهورة لتوماس لورد VAUX 01510 -56) المعنونة: العاشق العجوز يتبرّأ من الحبّ". وفي نسخة خطّية للأغنية تقدمها على أنّها تمثّل "صورة الموت". أمّا النصّ الأصلي، (المقطع الثامن) فهو: "فأسٌ ورفش
بالإضافة إلى كفن
بيت من الطين يُبنى لضيفٍ كهذا، ملائم جدّاً"
من نافلة القول إنّ مسرحية هاملت هي عدّة مسرحيّات في مسرحية واحدة ومشاهدها متداخلة. الحياة كلّها تمثيل بتمثيل. نحن لسنا نحن، وإنما ممثلون نؤدي أدواراً. وأمواتنا من أكثر الممثلين تأثيراً. يتناوب على إخراج فصول هاملت من داخلها مخرجون أساسيون ثلاثة:
كان المخرج الأوّل في بداية المسرحية، بولونيس مستشار الملك، وهو أكبر شخصية فارغة في تاريخ الجعجعة والبلاغة العقيمة. كان هو الذي يدير دفّة الإخراج وطوع يديه في التمثيل: الملك والملكة و ابنته أوفيليا. المخرج الثاني هو هاملت نفسه. وقد أثبت خلال المسرحية بأنه جمع إلى دور الإخراج: التمثيل والتأليف، أيْ أنّه يؤلّف، ثمّ يخرج ما يؤلف، وبعدئذٍ يمثل ما يخرج. هاملت - كما لا يخفى- هو ابن الملك القتيل.
المخرج الثالث هو عمه الملك كلوديوس الذي قتل شقيقه واغتصب عرشه وزوجته أي أمّ هاملت.
أمّا المخرج الرابع، وهو الأقوى والأهم، و اللاّ مرئي، فهو الموت الذي اتخذ في هذه المسرحية دورين أساسيين هما: أوّلاً السخرية من الإنسان متمثَّلاً بالجمجمة والدودة، وثانياً القصاص العادل وكأنما تقمّص دور العدالة الإلهية، على الأرض.
من الشخصيّات الأخرى المنفوخة بالتورّمات البلاغية، شخصيّة تُدعى "اوْسْرك" وهو أحد أفراد الحاشية في البلاط. أرسله الملك ليتفاوض مع هاملت لترتيب مبارزة مع لَرْتيس شقيق أوفيليا. في هذه المبارزة يكون الملك قد جهّز "لرْتيس" بسيف مسموم، وأعدّ لهاملت كأسا مملوءة سمّاً. هكذا يكون الملك قد اتخذ الآن دور المخرج، وبيده مصائر أبطال المسرحية، ولا سيّما مصير هاملت.
في المقطع التالي يضحك هاملت على لغة "أوسرك " المكتظّة بالزيف، ويعتبرها بمثابة خلقة وُلِدتْ معه، ما دام قد وُلد في كنف البلاط. يقول هاملت:
A did comply with his dug before a suck it
Thus has he- and many more of the same bevy that
That I know the drossy age dotes on - …

جاءت ترجمة جبرا على الوجه التالي:
"لا ريب إنّه تمسّك بالآداب إزاء ثدي أمّه قبل أن يرضع منه! إنّه وأمثاله من
هذا الفصيل ممن يعشقهم زمن الحثالات هذا، لم يكتسبوا إلاّ نبرة العصر ومظاهر اللقاء والتحيّة…"
أمّا ترجمة عبد القادر القطّ فجاءت على الوجه التالي:
"لا شكّ إنّه كان يؤدي التحيّات لثدي أمّه قبل أن يرضعه. هكذا هو وكثيرون
غيره من هذا الطراز فمن أعلم أنهم أصفياء هذا العصر المأفون ليس لهم من العصر إلاّ أهواؤه ومظاهره…"
هل الترجمتان أعلاه كلام عربي؟ومفهوم؟
المشكلة عند التفاضل بينهما ليست أيهما أفضل بل أيّهما أسوأ ؟
كيف جوّز جبرا لطفله أنْ يتمسّك بالآداب إزاء الثدي قبل أن يرضعه؟ وكيف شوّش (من شاويش) عبد القادر القط طفله ليؤدي التحيات (لا تحيّة واحدة) للثدي قبل أن يرضعه؟
ما أراد هاملت أن يقوله في المقطع أعلاه إنّ الذين ينشأون في محيط البلاط يتكلمون بهذه اللغة العقيمة مذ كانوا في بطون أمهاتهم مجازاً، أي قبل أن يرضعوا، وكأنما يرثونها أو تنحدر إليهم بالفطرة. ( يقال بالعاميّة العراقية: فاسد من بطن أمّه). ويُقال أيضاً: "الديك الفصيح من البيضة يصيح"، ويقال: "فرخ البطّ عوّام"، وكلّها مجازات تشير إلى الوراثة بالطبيعة وليس بالاكتساب. أكثر من ذلك فقد وردت، في المقطع أعلاه، كلمة: "Bevy". ربّما من المفيد التوقّف عندها، فقد تكون مفتاحاً مهمّاً نستدلّ به على الكيفية التي يترجم بها كلّ من جبرا والقطّ.
ترجمها جبرا: "فصيل"، وترجمها القط: "من هذا الطراز"، وقد يترجمها ثالث:"من شاكلته" أو "مجموعته" كلها صحيح أدبياً، وكلها قاصر نصّياً.
لماذا اختار جبرا: فصيل من كل المعاني الأخرى في القاموس، كجماعة وفوج وفئة وسرب…إلخ؟
لماذا اختار القطّ: "هذا الطراز" من المعاني الأخرى أعلاه؟
هذا بالضبط ما يجدر التنويه به، فقد يكون هذا سبباً رئيساً في تضعضع ترجمتهما في أكثر من مفصل.
أوّلاً؛ نظر المترجمان إلى الكلمة في النصّ الشيكسبيري نظرة أدبية، وليس نظرة إصطلاحية أو مفهوماتية. على هذا اختار الأوّل: فصيل، و الثاني: من هذا الطراز، اختياراً عشوائياً، أو اختياراً ذوقيّاً في أحسن الاحتمالات.
ثانياً؛ يبدو أنهما ترجما الفقرات جملة جملة بمعزل عمّا سبقها. أيْ أنهما لم ينظرا إلى النص نظرة استشرافية ، وكوحدة موضوعية متضامة، يكمّل بعضه بعضاً، كما تكمل أجزاء الإنسان جسده.
قد يكون الأقرب إلى المنطق، ترجمة Bevy بـ: السرب، للأسباب التالية:
أوّلاً؛ شبّه هاملت هذا الشخص أوْسْركْ، بأنّه في مداهناته وبلاغاته الرغويّة المنحدرة إليه وكأنْ بالفطرة، بطائر السقساق أو الزقزاقLapwing . الغرابة في هذا التشبيه، أنّ فرخ هذا الطائر ما أن يخرج من البيضة حتى يركض بلا دورة حضانة. صوّر شيكسبير هذا الفرخ بصورة حاذقة:
"هذا فرخ طائر السقساق يفرّ وقشرة البيضة
التي خرج منها ما تزال على رأسه"
ثانياً؛ ثمة مثل إنكليزي Birds of a feather وهو شبيه بالمثل العربي: "إنّ الطيور على أشكالها تقع".
ثالثاً؛ ذكر شكسبير في هذا الفصل،( الخامس) قبل التشبيه بفرخ طائر السقساق، طائرين آخريْن: غراب الزاغ، ودجاجة الحرش. كان المشهد معنيّاً بالطيور ، لذا فالسرب أحقّ من غيرهاالفقرات التالية مستلّة من مقالة أطول، تحاول التعرّف على بعض تقنيات شيكسبيرالتأليفية، وكيف يتسنّى توظيفها في الترجمة. تقضي النظرة المبسّطة السابقة، أنْ يتمتع المترجم بتضلّع من اللغة الأمّ، والإلمام الكافي باللغة المترجَم عنها. إلاّ أنّ الترجمتيْن اللتيْن قام بهما جبرا إبراهيم جبرا وعبد القادر القطّ لهاملت، تبطل تلك المقولة. لماذا فهّتْ ترجمتهما، وبدت في أجزاء كثيرة منها، منعثلة وباردة؟
يبدو أنّ معرفة التقنية من أهمّ شروط الترجمة، وعلى الأخصّ ترجمة شيكسبير. المعروف أنّ كبار شرّاح هاملت من المتخصصين الإنكليز يسترشدون بآراء مَنْ سبقهم، وبطروحات معاصريهم، قبل أن يجتهدوا. لذا فالطبعات الكثيرة لهاملت بمحررين مختلفين تتنافس فيما بينها بالشروح والهوامش للأخذ بيد القارئ الإنكليزي، مثقفاً كان أم قارئاً عاديّاً أم تلميذاً.
المترجمان العربيّان لم يأخذا بيد أحد. تجاهلا تقنيات شيكسبير، في التأليف المسرحي وفي القول الشعري. هل عن لا دراية؟ مَنْ يدري! جاءت اجتهادات جبرا على وجه الخصوص، مثيرة للاستغراب. مثيرة للحيرة. ربّما اعتمد على معرفته الأدبية للغة الإنكليزية وتصوّرها كافية لتعريب شيكسبير. لو استشار المصادر الإنكليزية المتخصصة لجاءت ترجمته أكثر مقبولية.
اللغة الأدبية وحدها مضللة في ترجمة شيكسبير، لأنّه شاعر مفاهيم، وكلماته مصطلحات. لا عجب إنْ صدر كتاب كبير عن دار بنغوين بعنوان "ألفاظ شيكسبير".
باللغة الأدبية تلك راح القطّ وجبرا يترجمان هاملت كلماتٍ وجملاً منفصلة، وليس تأليفاً سمفونياً، تكمّل آلاته بعضها بعضاً. على سبيل المثال، لم يلتفت المترجمان إلى أهمية تكرار الكلمات والصور، وما دلالاتها.
ما يفعله شيكسبير في هذه التقنية، أنّه يضع كلمة – مصطلحاً على لسان أحد الأبطال. تعود الكلمة – المصطلح على لسانه أو على لسان بطل آخر، في مشهد آخر، وكأنّها صدى، ولكنّه سرعان ما يصبح هو صوتاً ذا دلالة مختلفة. بهذه الطريقة يبدو النصّ متواشجاً عضويّاً، وينمو نموّاً داخليّاً. يشير معظم الشرّاح الإنكليز إلى المرات التي ذُكرتْ فيها الكلمات المعادة، إلاّ أنّ جون أفْ أندروز، وهو من أهم محرري هاملت، أكثرهم تفصيلاً. لم يلتفتْ جبرا ولا القطّ، ربّما بتأثير عقليّتنا التجزيئية، إلى تقنية تكرار الكلمات. ألأغرب أنّهما ترجما حتى الكلمات المعادة بكلمات هي غير ما ترجموها في المرّات السابقات. على أيّة حال، قد يكون من المفيد توضيح التقنبات و كيفبة ترجمتها من خلال النظر في بعض النماذج المترجمة. قبل كلّ شئ، لنقرأْ المقطع التالي، كعيّنة للترجمة التي درج عليها جبرا إبراهيم جبرا في ترجمته لهاملت:
"إن هوى الرجل العظيم حسبنا عليه
ما دنا منه حتى ذباب
والحقير إذا علا، انقلب العدوّ صديقاً
فالحبّ من خدم الزمان
…ومن يختبرْ في الفاقة خلاًّ أجوف في الحال يجدْ فيه عدوّاً" هذا المقطع ترجمة لـ :
The great man down, you mark, his favourite flies
The poor advanc'd makes friends of enemies
And hitherto doth love on fortune tend
… And who in want a hollow friend doth try
Directly seasons his enemy.

ما الاختلاف بين الترجمة والنصّ الأصلي؟
1- أين "حتى"؟ وأين "ذباب" في النصّ الإنكليزي؟ يبدو أنّ جبرا تصوّر : FLIES تعني : ذباب. كيف خطرت بباله هذه الفكرة؟
يقول BERNARD LOTT ، وهو أحد محرري هاملت: FLIES بمعنى يهرب أو يتخلى عن.
2- أين الحقير؟ هل هي ترجمة لـ :POOR ؟ أي الفقير.
3- أين الزمان؟ هل هي ترجمة لـ :FORTUNE أي الحظ، وهو من الثيمات المهمّة التي يعالجها شيكسبير في هذه المسرحية وفي مسرحية مكبث.
4- أين الخلّ الأجوف؟ هل هي ترجمة لـ:HOLLOW FRIEND ؟
يذكر هارولد JENKINS : وهو محرّر هاملت – طبعة آردن : أنّ هذا التعبير يعني : عدوّ محتمل. ويذكر جون أفْ. ANDREWS أنّ معناها: رجل لا أهمية له. أمّا في قاموس ألفاظ شيكسبير SHAKESPEARE’ S WORDS فمعناها: فارغ، زائف، غير وفيّ.
يرد هذا التعبير في مسرحية هنري السادس – الجزء الثاني حينما تخاطب الملكة، الملك:
" المعروف عنّا أننا صديقان غير وفيين"
إذا صحّت الاعتراضات أعلاه، أو بعضها، فكيف نتوقّع من المترجم أن ينقل الأسلوب الشيكسبيري، لغةً
وتراكيب وموسيقى، لا سيّما وأنّ لغة شيكسبير لغة تلميح لا لغة تصريح؟ كيف يمكن له أن يحافظ على توقيتات شيكسبير ، وهي من أهمّ مهاراته التأليفية؟ المقصود بالتوقيتات، تزمين وقوع الأحداث وتزمين توظيف الكلمات بحيث تنسلخ عن قاموسيتها وتتخذ هويّة موسيقية ولونية خاصةّ. خشية أن يضيع منّا الخيط والعصفور، أو رأس الشليلة كما يقال بالعراق، لنركّز اهتمامنا على الفصل الخامس من مسرحية هاملت. كان هاملت وصديقه هوراشيو، يسيران في مقبرة فإذا بهما وجهاً إلى وجه مع حفّار قبور. كان منهمكاً في حفر قبر جديد، وفي الغناء. يرمي الحفار بجمجمة إلى خارج القبر. يرفعها هاملت، ويقول:
Why, e’en so, and now my Lady Worm’, chopless,
And knocked about the mazard with a sexton's spade.
جاءت ترجمة جبرا على الوجه التالي:
"وهنا الآن جمجمة سيدتي المصون دودة وقد سقط شدقها
وضُربَتْ هامتها بمسحاة دفّان…
ثمّ يغنّي المهرّج الأول (أيْ حفار القبور)
"هاتوا مسحاة وفأساً
كفّنوا الآن حطامي
واحفروا لي في التراب
حفرة فيها سلامي"
ما الغرابة في هذه الترجمة؟
أوّلاً إنّ الجمجمة التي كانت بيد هاملت هي جمجمة آدميّ، وليستْ جمجمة دودة. وقد سقط فكّ الجمجمة الأسفل وليس فكّ الدودة، وضُربت هامة الجثّة، وليست هامة الدودة.
كذلك من أين جاءت كلمة مصون؟ وهي صفة بشرية أصلاً، ولا يمكن وصف دودة بها؟
نعود إلى الترجمة وننظر إليها من زاوية أخرى. عبارة: LADY WORM ، تعبير تشاؤميّ ساخر من نهاية الإنسان، مهما كان شكلاً أو منْزلة، وهي إحدى ثيمات شيكسبير المفضّلة.
لو أردنا المحافظة على تلك السخرية، لكان، ربّما من الأفضل، ترجمتها حضرة الدودة أو جناب الدودة وهي إحدى صيغ السخرية الشائعة في اللهجة العراقية. المعنى العام هي أنّ الديدان ستمتلك الجثث، مهما كان أصحابها من ذوي الشأن.أما ترجمة الأغنية أعلاه فلا يمكن التساهل معها حتى لو كانت من تأليف المترجم، وهي لا ريب ركيكة،
معنى ووزناً.
أوّلاً ليس في النصّ الإنكليزي فعل أمر. بينما الترجمة العربية تضمنت ثلاثة أفعال بصيغة الأمر: "هاتوا" و"كفّنوا" و"احفروا". وإذا كان الميت ميتاً فعلاً فكيف يخاطب الآخرين؟ لا سيّما وأنّ حفّار القبور ما أن ينتهي من الأغنيّة حتى يرمي الجمجمة إلى خارج القبر. من الجدير بالذكر أنّ الأغنية أعلاه هي واحدة من ثلاث أغنيات يغنيها حفّار القبور. والثلاث اقتباس محرّف ومشوّه لقصيدة مشهورة لتوماس لورد VAUX 01510 -56) المعنونة: العاشق العجوز يتبرّأ من الحبّ". وفي نسخة خطّية للأغنية تقدمها على أنّها تمثّل "صورة الموت". أمّا النصّ الأصلي، (المقطع الثامن) فهو: "فأسٌ ورفش
بالإضافة إلى كفن
بيت من الطين يُبنى لضيفٍ كهذا، ملائم جدّاً"
من نافلة القول إنّ مسرحية هاملت هي عدّة مسرحيّات في مسرحية واحدة ومشاهدها متداخلة. الحياة كلّها تمثيل بتمثيل. نحن لسنا نحن، وإنما ممثلون نؤدي أدواراً. وأمواتنا من أكثر الممثلين تأثيراً. يتناوب على إخراج فصول هاملت من داخلها مخرجون أساسيون ثلاثة:
كان المخرج الأوّل في بداية المسرحية، بولونيس مستشار الملك، وهو أكبر شخصية فارغة في تاريخ الجعجعة والبلاغة العقيمة. كان هو الذي يدير دفّة الإخراج وطوع يديه في التمثيل: الملك والملكة و ابنته أوفيليا. المخرج الثاني هو هاملت نفسه. وقد أثبت خلال المسرحية بأنه جمع إلى دور الإخراج: التمثيل والتأليف، أيْ أنّه يؤلّف، ثمّ يخرج ما يؤلف، وبعدئذٍ يمثل ما يخرج. هاملت - كما لا يخفى- هو ابن الملك القتيل.
المخرج الثالث هو عمه الملك كلوديوس الذي قتل شقيقه واغتصب عرشه وزوجته أي أمّ هاملت.
أمّا المخرج الرابع، وهو الأقوى والأهم، و اللاّ مرئي، فهو الموت الذي اتخذ في هذه المسرحية دورين أساسيين هما: أوّلاً السخرية من الإنسان متمثَّلاً بالجمجمة والدودة، وثانياً القصاص العادل وكأنما تقمّص دور العدالة الإلهية، على الأرض.
من الشخصيّات الأخرى المنفوخة بالتورّمات البلاغية، شخصيّة تُدعى "اوْسْرك" وهو أحد أفراد الحاشية في البلاط. أرسله الملك ليتفاوض مع هاملت لترتيب مبارزة مع لَرْتيس شقيق أوفيليا. في هذه المبارزة يكون الملك قد جهّز "لرْتيس" بسيف مسموم، وأعدّ لهاملت كأسا مملوءة سمّاً. هكذا يكون الملك قد اتخذ الآن دور المخرج، وبيده مصائر أبطال المسرحية، ولا سيّما مصير هاملت.
في المقطع التالي يضحك هاملت على لغة "أوسرك " المكتظّة بالزيف، ويعتبرها بمثابة خلقة وُلِدتْ معه، ما دام قد وُلد في كنف البلاط. يقول هاملت:
A did comply with his dug before a suck it
Thus has he- and many more of the same bevy that
That I know the drossy age dotes on - …

جاءت ترجمة جبرا على الوجه التالي:
"لا ريب إنّه تمسّك بالآداب إزاء ثدي أمّه قبل أن يرضع منه! إنّه وأمثاله من
هذا الفصيل ممن يعشقهم زمن الحثالات هذا، لم يكتسبوا إلاّ نبرة العصر ومظاهر اللقاء والتحيّة…"
أمّا ترجمة عبد القادر القطّ فجاءت على الوجه التالي:
"لا شكّ إنّه كان يؤدي التحيّات لثدي أمّه قبل أن يرضعه. هكذا هو وكثيرون
غيره من هذا الطراز فمن أعلم أنهم أصفياء هذا العصر المأفون ليس لهم من العصر إلاّ أهواؤه ومظاهره…"
هل الترجمتان أعلاه كلام عربي؟ومفهوم؟
المشكلة عند التفاضل بينهما ليست أيهما أفضل بل أيّهما أسوأ ؟
كيف جوّز جبرا لطفله أنْ يتمسّك بالآداب إزاء الثدي قبل أن يرضعه؟ وكيف شوّش (من شاويش) عبد القادر القط طفله ليؤدي التحيات (لا تحيّة واحدة) للثدي قبل أن يرضعه؟
ما أراد هاملت أن يقوله في المقطع أعلاه إنّ الذين ينشأون في محيط البلاط يتكلمون بهذه اللغة العقيمة مذ كانوا في بطون أمهاتهم مجازاً، أي قبل أن يرضعوا، وكأنما يرثونها أو تنحدر إليهم بالفطرة. ( يقال بالعاميّة العراقية: فاسد من بطن أمّه). ويُقال أيضاً: "الديك الفصيح من البيضة يصيح"، ويقال: "فرخ البطّ عوّام"، وكلّها مجازات تشير إلى الوراثة بالطبيعة وليس بالاكتساب. أكثر من ذلك فقد وردت، في المقطع أعلاه، كلمة: "Bevy". ربّما من المفيد التوقّف عندها، فقد تكون مفتاحاً مهمّاً نستدلّ به على الكيفية التي يترجم بها كلّ من جبرا والقطّ.
ترجمها جبرا: "فصيل"، وترجمها القط: "من هذا الطراز"، وقد يترجمها ثالث:"من شاكلته" أو "مجموعته" كلها صحيح أدبياً، وكلها قاصر نصّياً.
لماذا اختار جبرا: فصيل من كل المعاني الأخرى في القاموس، كجماعة وفوج وفئة وسرب…إلخ؟
لماذا اختار القطّ: "هذا الطراز" من المعاني الأخرى أعلاه؟
هذا بالضبط ما يجدر التنويه به، فقد يكون هذا سبباً رئيساً في تضعضع ترجمتهما في أكثر من مفصل.
أوّلاً؛ نظر المترجمان إلى الكلمة في النصّ الشيكسبيري نظرة أدبية، وليس نظرة إصطلاحية أو مفهوماتية. على هذا اختار الأوّل: فصيل، و الثاني: من هذا الطراز، اختياراً عشوائياً، أو اختياراً ذوقيّاً في أحسن الاحتمالات.
ثانياً؛ يبدو أنهما ترجما الفقرات جملة جملة بمعزل عمّا سبقها. أيْ أنهما لم ينظرا إلى النص نظرة استشرافية ، وكوحدة موضوعية متضامة، يكمّل بعضه بعضاً، كما تكمل أجزاء الإنسان جسده.
قد يكون الأقرب إلى المنطق، ترجمة Bevy بـ: السرب، للأسباب التالية:
أوّلاً؛ شبّه هاملت هذا الشخص أوْسْركْ، بأنّه في مداهناته وبلاغاته الرغويّة المنحدرة إليه وكأنْ بالفطرة، بطائر السقساق أو الزقزاقLapwing . الغرابة في هذا التشبيه، أنّ فرخ هذا الطائر ما أن يخرج من البيضة حتى يركض بلا دورة حضانة. صوّر شيكسبير هذا الفرخ بصورة حاذقة:
"هذا فرخ طائر السقساق يفرّ وقشرة البيضة
التي خرج منها ما تزال على رأسه"
ثانياً؛ ثمة مثل إنكليزي Birds of a feather وهو شبيه بالمثل العربي: "إنّ الطيور على أشكالها تقع".
ثالثاً؛ ذكر شكسبير في هذا الفصل،( الخامس) قبل التشبيه بفرخ طائر السقساق، طائرين آخريْن: غراب الزاغ، ودجاجة الحرش. كان المشهد معنيّاً بالطيور ، لذا فالسرب أحقّ من غيرها.

 

   ميزريات

حين يحترق
قصب الروح
تتصاعد
آلاف النجوم
وتتساقط الشهب
قطرات دموع
* * *
في مرآة عيني
كانت عارية
لامستها الريح
فارتدت ثوب الخديعة
* * *
النخيل الذي استطال
كالظل
تشابكت شماريخه
لتنحت
ضفائر من رطب
تغازل صبيه تداعب شعرها
* * *
العتمة التي ارتوت
من ضوء روحي
رقصت
على زيت احتراقي
* * *
الطيور البيضاء
ليلة عرس
تنفض ريشها
* * *
الصمت الذي
اصابني
اخرس ابا لهول
فاحتشرت
الالسن الثرثارة

 

 

      قصص...قصيرة...جداً 

-1-
رغيف
من فرط ما اوهمه الجوع بالخبز، رسم يده رغيفا، وأفرغ ذاكرته وسط المزابل وابتلع رغيفه.
-2-
موت سعيد
مات سعيداً جداً جداً، لأنه لم يبصق في وجه النهر.
-3-
مغادرة
ذات مرة تبولت في اذن الحائط القريب جداً من جدار حديقتنا ذات صباح وانا اتطلع من الشرفة لم أرَ الحائط.
-4-
رسام
رسم جداراً عالياً وسط اللوحة، لم تكتمل اللوحة لأن فرشاته اصبحت لاتصل الى الجهة الثانية لعلو الجدار.
-5-
دماغ
سقطت جريدة... وكذلك اصابعه وقلمه وحتى ربطة عنقه... لم يعبأ لذلك ولم يهتم... صاح الكل... اوراقك، جريدتك، قلمك... أيها الـ... لكنهم لم ينتبهوا الى شيء رمادي التصق بالرصيف يسيل كالماء المخاطي... لقد ترك دماغه وسط الطريق.
-6-
حالة
اوهمني الحب... وانا خدعته بالالوان..
-7-
سقوط
طارت اليه كحمامة غرقى بالالوان والحب... سقطت على الارض لأن روحه كانت دون اغصان...
-8-
ماء الوجه
ترك لون وجهه الممقوت هذه المرة خلف ابواب الفندق الذي يسكن فيه تركه تحت وسادته القذرة... التي لم يلامسها الماء، فقط لعاب النزلاء الذي يسيل من افواههم المتعبة... بهذه الوفرة من التناغم التي هبطت عليه بين نفسه والواقع... قرر ان يباشر الحياة دون لون لوجهه...
-9-
دخان
فتح باب الدار الخارجي... وأطلّ يقبل الصباح بوجهه الضحوك... تراجع ادراجه بسرعة بعد ان اكل وجهه دخان متصاعد من آلية عسكرية مرت مسرعة أمامه...
-10-
بائع الجرائد
يحتضن جرائده بقوة... صحف مفرطة بالوهم والخيال... يصيح اخبار اليوم... زيادة في رواتب المتقاعدين... أحدهم... هل هناك اخبار عن المجاهدين؟... أي مجاهدين! قل ارهابيين... لم يسمع منه كلمة واحدة سوى صوت الاطلاقات التي اسقطته قتيلاً... تناثرت جرائده على الارض مختلطة اخبارها بدمه... كان لا يعرف بأنه يكلم ارهابياً.
-11-
محاولة
قميص يرتديه... قميص دون ازرار... يبحث عن اتجاه... يحدق في محلات الخياطة... يقيس ابعاد جسده بيده... حدق بالاسعار... ولحظة... انحنى ببطء يلتقط حصى من الطريق... مد أصابعه نحو جسده مكررا محاولة قياس أبعاده... حدق هذه المرة بالحصى وأرسل بصره نحو قطعة انيقة... خياطة الامراء... قذفها بالحصى بقوة وفر مسرعاً يبحث عن خياطة للفقراء.
-12-
المشهد الاخير
أشعل سيكارته الاخيرة وهو يشاهد المشهد الاخير... أقتلها أيها الامير انها لاتستحق أن تعيش اقتلها... نعم سأقتلها ياكبير الاساقفة... صفق الكل الاّ هو راح يجهش بالبكاء... لأنها كانت تشبه وجه أمه...
-13-
الشيخ والبحر
عندما افاق وجد نفسه وسط البحر وحيدا... لم ييأس وانتظر شيخ همينغواي...

 

 

     الكتاب في بغداد

قبل أعوام جمعتني جلسة إلى الكاتب التركي أورهان باموك والمستشرقة الألمانية الراحلة آنا ماري شيمل التي قدمته في أمسية أدبية بمناسبة صدور الترجمة الألمانية لروايته: "اسمي أحمر"، بالإضافة إلى مجموعة من الأصدقاء الألمان والعرب والأكراد.
أخبرني الكاتب التركي بأنه لم يشاهد ولو نسخة واحدة من الترجمات العربية العديدة غير المأذونة لرواياته، ورغم الوعود التي تسلمها من هناك وهناك إلا أنها بقيت وعوداً فقط. أما المستشرقة الألمانية المعروفة فقد شكت لي بأن أصدقاءها العرب لم يهتموا بترجمة كتبها إلى العربية، فقط "ترجمة هزيلة" لبعض محاولاتها الشعرية المبكرة، تصوّر!
باموك حدثني عن روايته التي ستصدر قريباً وهي رواية حظيت بالاهتمام الواسع في اللغات الأوروبية، وطبعتها التركية الأولى التي صدرت قبل عامين تقريباً كانت في حدود 100 ألف نسخة بيعت كلها خلال فترة قصيرة، واتفقنا على نشرها ترجمتها العربية ( الرواية هي: "ثلج" وقد صدرت ترجمتها العربية تواً عن منشورات الجمل). ولكن الكاتب التركي أصرّ ليلتها، حينما علم بوجود نسخ من الترجمات العربية المقرصنة من رواياته في مكتبتي، على مرافقتي إلى بيتي لكي يصادرها أخوياً من مكتبتي.. ووافقت عن طيبة خاطر.
بينما اكتفيت مع المستشرقة الألمانية الراحلة آنا ماري شيمل على خط لترجمة بعض كتبها إلى العربية، وبناءاً على رغبتها بدأنا بترجمة كتابها: "أحلام الخليفة" الذي صدرت ترجمته العربية أيضاً في هذه الأيام، على أن تصدر بقية كتبها الأخرى تباعاً في الأشهر أو السنوات القادمة.
لكن فيما بعد، وحينما كنتُ أسير ببغداد، في شارع المتنبي تحديداً، فكرت في المصير الذي ينتظر هذه الكتب الجميلة حينما تصدر ترجمتها العربية، فقد كان عليّ أن أرى العديد من الكتب التي نشرتها معروضة بطبعات مزورة تختلف في جودتها، لكنها تتوحد بأسعارها الزهيدة، فالكتب التي تم تزويرها في إيران تضاهي في الطباعة والتجليد الطبعات الأصلية، أما التي تم تزويرها في العراق، الأردن، سوريا وحتى لبنان، فهي مختلفة وأغلبها سىء.
كلّ هذه الطبعات والمؤلف لا يدري والناشر لا يعلم.. ولم يكن حتى بإمكاني حمل نسخ شخصية من هذه الطبعات المزورة أو الإضافية والتي تحمل أسماء مؤلفين كمعروف الرصافي: الشخصية المحمدية، رشيد الخيون: الأديان والمذاهب بالعراق، مهدي حيدر: عالم صدام حسين، سلام عبّود: ثقافة العنف في العراق، هاينس هالم: الغنوصية في الاسلام، وحتى رواية ألمانية جيدة، ولكنها بالكاد تبيع هي: دماغ لينين من تأليف تيلمان شبنغلر وقد ترجمها الشاعر فاضل العزاوي.
المزوّر الأول ببغداد، مثلما في بقية البلدان العربية، هو صاحب الحق الأصلي في النشر، أي في التزوير.. أي أنه يحلّ محل الناشر الأصلي ببغداد ولا يحقّ بالتالي لأي كان منافسته في نشر الكتاب.. ولا حتى وزير الثقافة العراقي الحالي، رغم كونه ضابط شرطة متقاعد...
أصحاب المكتبات في حيرة من أمرهم اليوم، خصوصاً بعدما تم تفجير مكتبة من إحدى مكتبات شارع المتنبي.. فمقهى الشابندر أخذت تغلق أبوابها يوم الجمعة عندما يلتمّ شمل الكاتب والقارئ والمهتم لأي سبب كان بالكتاب، خوفاً من عملية تفجير لا تعرف مصدرها، فأعمال "المقاومة الشريفة" لا تستثني أحداً من عمليات القتل، خصوصاً الكتاب وأصحاب الكتاب، حتى لو كانوا من المزورين!
الكتاب الحي يسلك إلى بغداد جميع الطرق، يرسله الناشر، يشتريه صاحب المكتبة، يقتنيه القارئ والمزوّر، يتنقل من هنا إلى هناك، لكي يشكل للقارئ العراقي المهموم لحظات سعادة لا تضاهى، في لحظاته الأساسية والنادرة ربما، خصوصاً حينما يحل الظلام وتكون الكهرباء صدفة، حاضرة كعروس قراءة واكتشاف وسفر وتوهم بعالم بلا قتلة.. لكن هذا الأمر يتطلب أيضاً قانوناً وحماة له، قانوناً لحقوق الملكية الفكرية في العراق الموجود على الورق كما أعتقد في أروقة وزارة الثقافة العراقية، لكنه متروك هناك لغاية في نفس أحد ما، أحد ما، لا نعرفه حقاً.

 

 

     انطلاق الدورة الـ 62 لمهرجان البندقية السينمائي..مناكدة صينية لهوليوود وترقّب لشريط جورج كلوني مساء الخي 

لأسماء على الورق لا توحي بكون الدورة الـ 62 لمهرجان البندقية السينمائي والتي انطلقت بالفعل مساء الأربعاء الفائت، تحمل في طياتها مفاجآت في إمكانها إحداث تغيير ما في المسار العام للسينما العالمية. أسماء مثل البرتغاليين جواو بوتيّو ومانويل دي أوليفييرا، أو الإيطاليين الثلاثة بوبي آفاتي وكريستينا كومينتشيني وروبيرتو فايينتسا، أو الفرنسي باتريك شيرو، لا يُنتظر منها أن تأتي بجديد يتجاوز ما أنجزوه في السابق. إنهم ينتمون إلى تلك السينما التي حددت هويتها بتقديم قصص أناس يعيشون في هذا العالم بأكثر الأشكال السينمائية كلاسيكية، لذا فإن البحث في أعمالهم سيجرى في هذا الإطار بالتحديد وليس في إطار التجريب والتحديث الذي يُفترض أن تكون مهرجانات سينمائية مثل كان و البندقية و برلين المختبر الأساسي لها
ا إلاّ أن المنطق يدعو إلى عدم استباق التقويمات وانتظار ما سيرتسم على شاشات الليدو لتحديد ما إذا كانت اختيارات المدير الفني لأعرق مهرجان سينمائي في العالم تمكّنت، على رغم الجدب الكبير في إطار الأفلام المثيرة لـ «انقلابات» سينمائية، من إنجاز برنامج سيهيمن لأسبوعين على الصحافة السينمائية والإعلام في العالم. ليس علينا الحكم على الاختيارات من خلال الأسماء فحسب، ويكفي أن نذكر ما حدث مع الدورة الأخيرة لمهرجان «كان» السينمائي الدولي، فقد كانت الأسماء على الورق توحي بما يشبه «الألعاب النارية» في ليالي «الكروازيت»، إلاّ أن ما قدمه مخرجون كبار مثل فيم فيندرس وديفيد كروننبورغ وجيم جارموش ووودي آلن وغوس فان سانت لم يرقَ حقاً إلى مستويات الترقّب.مهما يكن من أمر فإن الدورة الـ 62 لـ «البندقية»، وهي الثانية تحت إدارة ماركو موللر، تحمل في طيّاتها مفردات عدة ستتضّح في شكل أكبر خلال الأسبوعين المقبلين من خلال عروض شاشات الليدو.
مناكدة صينية
المفردة الأولى، والتي فتح بها ماركو موللر بوّابات شاشاته لهذه السنة جاءت من الصين وهونغ كونغ وكان اسمها «السيوف السبعة» للمخرج الفيتنامي المولد تسوي هارك (1950)، وهو الفيلم الذي قدّم في حفل افتتاح المهرجان في الصالة الكبرى في جزيرة الليدو.يروي الفيلم واحدة من قصص الصراعات الكثيرة على السلطة في الصين في القرن السابع عشر عندما بدأت سلالة «كوينغ» بالتشكّل. فلكي يتمكّن الحاكم الجديد من فرض الهيمنة على الدولة المترامية الأطراف وبسط سيطرته عليها وحتى يحقق مآربه يعلن تحريم تقاليد الفرسان وتعليم الفنون الحربية. يستعين الحاكم الجديد بزعيم عصابة من المرتزقة اسمه «ريح النار» الذي يستغل الوضع لمصلحته الشخصية أيضاً فارضاً إما الإتاوة على كل رأس أو الموت المحتّم لكل من يقف ضد مرسوم الحاكم، وضد رغباته هو.الهدف النهائي لـ «ريح النار» هو إخضاع وتركيع قرية عُرفت بكونها مدرسة الألعاب الحربية وفنون الفرسان اللاعبين بالسيوف. غير أن تلك الرغبة تُواجه بعناد شديد من جانب «فو كينغ» الذي يستعين بستة فرسان آخرين ويوقف زحف عصابات «ريح النار» وذلك بعد أن يستعين بالمايسترو الشيخ «صدى الظل» الذي يسكن قمم جبل «جبل السماء»، والذي يسلّم الفرسان السبعة سبعة سيوف تحمل تاريخاً رائعاً، لا تُخطئ ولا تخون من آلت ملكيتها إليه.وهكذا وبعد أن يتمكن الفرسان السبعة من إبادة «ريح النار» وحماية أطفال القرية والمرأة الوحيدة التي بقيت فيها ينطلقون إلى رحلة أخرى لإكمال المهمة الجديدة التي تنتظرهم. وربما ستكون تلك الرحلة مادة «السيوف السبعة 2» كما هي العادة في السينما الأميركية.وليس التسلسل المحتمل هو الشبه الوحيد ما بين هذا الفيلم والسينما الأميركية. فقد تمكّن المخرج هارك من الإفادة الكاملة من دراسته في تكساس في عام 1977، من الدروس الكثيرة لأفلام رعاة البقر الأميركية ووضعها جميعها في هذا الشريط مازجاً بين مفردات أفلام الفرسان وأفلام رعاة البقر ومستبدلاً البنادق والمسدّسات بالسيوف والحراب.وقد يبدو هذا الفيلم أيضاً مناكدة جديدة من جانب السينما الآسيوية للسينما الهوليوودية، أي التأكيد بأن الصين (والشرق الآسيوي في شكل عام) لم تقتصر في منافستها للولايات المتحدة والغرب في إطار صناعات النسيج والصناعات التحويلية، بل بدأت بمنافسة الولايات المتحدة في إطار صناعتها الأولى، أي السينما. فبعد أن أطلق المخرج المبدع «زهانغ ييمو» في العام الماضي الإشارة الأولى (الأساسية) في هذه المنازلة السينمائية من خلال فيلمه الممتع «منزل السكاكين الطائرة» ها هو «تسوي هارك» يخطو الخطوة التالية في إطار الخدع والحيل السينمائية جاعلاً كل كلمة نطق بها خيال الحكّائين الشعبيين الذين رووا عن بطولات خارقة لفرسان القرون الماضية تتحول إلى صورة لم تخل من إثارة للمتعة، وللضحك البريء أيضاً في القاعة بلغ حد التصفيق من جانب البعض من «النقّاد» الذين اكتظت بهم «قاعة غاليليّو» في جزيرة الليدو ولا يُستبعد أن تتحوّل حالات الإعجاب تلك دفقاً جديداً لمئات الآلاف من المشاهدين صوب الصالات السينمائية التي ستعرض «السيوف السبعة» ابتداءً من نهاية هذا الأسبوع.المناكدة الصينية (أو بالأحرى جنوب آسيوية، إذا أخذنا في الاعتبار أن الفيلم من إنتاج هونغ كونغي، صيني - كوري مشترك) لا تتوقف عند إبراز العضلات فحسب بل تتجاوز ذلك إلى الإطار السياسي، فإذا اعتبرنا الدروس التي تُطلق داخل الفيلم، كالبسالة في الدفاع عن الأرض، والذود عن حياض الوطن وقيم الصدق والإخلاص والعفّة جزءاً من تقاليد هذه السينما. فإن المناكدة الصينية تذهب أبعد من ذلك من خلال قلب صورة الصراع الذي عرضته أفلام رعاة البقر الأميركية عندما قدّمت العسكر حاملين للواء المدنية والحضارة والهنود الحمر كعقبة كأداء لا بد من إزالتها أمام زحف المدنية.«السيوف السبعة» يقلب الصورة مقدّماً العسكر في أبشع الصور وأكثرها إثارة للتقزّز ويقدّم الفرسان على صورة إنسانية وبطولية ومثيرة للمتعة، وأكثر من كل هذا، يقدّمهم منتصرين في النهاية وسائرين في طريق تحرير الأجزاء الأخرى من الأرض. ولا يكتفي المخرج في تشبيهاته بين فرسانه السبعة والهنود الحمر في حالة والصراع التي يقدّمها بل أعطى للفرسان السبعة ولمدافعين ضد زحف الجيوش أسماءً شبيهة بتلك التي كان الهنود الحمر يُطلقونها على أنفسهم وأبنائهم، وهي صفات دالّة على الشخصية أو المكان أكثر من كونها أسماءً تعريفية فحسب، إنها أسماء من قبيل «ريح النار» و «صدى الظل» أو «جبل السماء».ومن دون الرغبة في تحميل هذا الشريط أكثر ممّا يحتمل، لا مناص من الربط بينه وبين ما يجري في هذه المرحلة من مراحل السياسة في العالم. إنه شريط يبدو وكأنه يرفع يافطة تحذيرا ذلك الشرق مهما بدا واهناً ومنزوياً في تقاليده، فهو قادر على المواجهة المحتملة.
ممثلون مخرجون
وفيما تعيش السينما الهوليوودية (والولايات المتحدة) هذه المواجهة عن بعد مع السينما الشرق آسيوية، فإنها، أي سينما هوليوود تبدو في هذه الدورة من مهرجان البندقية الثاني والستين، مشغولة بالمواجهة مع السينما الأوروبية وقد أنزلت في ليدو فينيسيا 11 شريطاً تشترك في برامج المهرجان المختلفة، هو ثاني أعلى حضور (بعد السينما الإيطالية ربّة الدار في المهرجان وحيث تقدّم إيطاليا 14 شريطاً).غالبية الأفلام الأميركية المعروضة في المهرجان تشهد عرضها الدولي الأول، وهذا ما يؤكد الاهتمام البالغ لدى منتجي هوليوود الذين خصصوا لـ «البندقية» في السنين الثلاث الأخيرة اهتماماً خاصاً لمناكفة «كان» وفرنسا وحكومة جاك شيراك التي وقفت بالضد من حرب الولايات المتحدة في العراق.إلاّ أن ما يميّز الحضور الأميركي في المهرجان ليس العدد الكبير للأفلام التي ستُعرض في الليدو، بل تميّز هذا الحضور من خلال نجمين كبيرين قررا الوقوف خلف الكاميرا لينجز كل منهما شريطاً خاصاً جداً به. هذان النجمان هما جون تورتورّو، الذي سيعرض «رومانس وسجائر» وجورج كلوني الذي سيعرض «مساء الخير وحظاً سعيداً»، والفيلمان يُعرضان في المسابقة الرسمية، ما دلّل على الاهتمام الذي يوليه النجمان لهذا الحضور مع الأخذ في الاعتبار أن الكثير من الانتاجات الأميركية، وبالذات تلك التي تُعرض للمرة الأولى على الجمهور تتردد في دخول المسابقات خشية تعرّض الفيلم لهجوم النقد ما قد يسبب للشريط اشكالات في مرحلة التوزيع الجماهيري.الترقّب والفضول كبيران لمشاهدة هذين الفيلمين، ويزيد ذلك في حال شريط جورج كلوني، ليس لأنه يقدّم تجارته الإخراجية الثالثة والأهم منذ عام 2002، بل لأن الموضوع الذي يتناوله في «مساء الخير...» يتواجه مع مفردة مهمة للغاية في عالم اليوم، أي حريّة الصحافة وحرية الرأي. الشريط محاولة لقراءة الواقع الإعلامي الحالي من خلال كوة يفتحها كلوني على المرحلة المكارثية في منتصف الخمسينات. سنرى ما أنجز كلوني.

 

 

   إلى متى يستمر حرمان الساهر من الغناء في الأوبرا؟  

منذ أكثر من 3 سنوات وما زال كثير من المصريين يتساءلون إلى متى «يُحرمون» من غناء نجم الأغنية كاظم الساهر على مسرح دار الأوبرا، نتيجة قرار لا يستند إلى عقد ولا يتوافق مع قيمة أو أهمية صرح ثقافي كبير.وكان سمير فرج، رئيس دار الأوبرا المصرية السابق اتخذ قراراً بمنع كاظم الساهر من الغناء في دار الأوبرا بعد أن اعتذر الساهر لظروف خاصة عن عدم الغناء في مهرجان الموسيقى - ولم يكن يومها وقع عقداً أو أبرم اتفاقاً.ويحرص الساهــر كل عــام على الغناء لجمهــوره في مصــر «مجاناً» لأنه يدرك أن هناك مســـؤولين «على غير قدر المسؤولية» ومثــل هذه الأمور «لا تفرق عنده». فالمهم والأساس دائماً جمهوره، يغني لجماهيـــره في أي مكان، لأن الغـــناء ليس بالمكان وإنما بالمكانة التي يحملها في قلبه لجمهوره، وهذا ليس غريباً أن يكون هناك «شبه» اتفاق دائم بين كاظم الساهر وإدارة التلفزيون المصري عبر سنواتها على إحياء حفل سنـــوي في المكان الذي تختاره إدارة التلفــزيــون لأنه يلمس منهم «تقديراً له»، وهو من جانبه لا تكون له مطالب مادية ولهذا تخرج حفلاته مميزة تنظيمياً وغناء.وعلى رغم تحقيق الساهر نجاحات دائمة في حفلات «ليالي التلفزيون»، فإن السؤال الكبير الذي يطرحه جمهوره: إلى متى تستمر ثقافة «العقاب الأبدي» من مسؤولي وزارة الثقافة المصرية، وهم يدركون أن الساهر قدم أجمل الحفلات وأرقاها على مسرح الأوبرا. فهو غنى أمام السيدة الأولى سوزان مبارك في حفل خصص لمصلحة مشاريع خيرية وإنسانية وغنى أكثر من مرة في مهرجان الموسيقى·ومن جهة ثانية يغني الساهر مساء اليوم في سورية ضمن فعاليات مهرجان «حمص» وسيكون لقاؤه مع جمهوره المصري ضمن حفلات ليالي التلفزيون مساء 28 آب (أغسطس) الجاري في قصر المؤتمرات

 

 

   عبدالستار ناصـر يحاكــم نفســه أمام قرائــه 

بعض الكتّاب يمتلكون قدرة عالية في اغواء القارئ والسيطرة على وجدانه، سواء كان ما يكتبونه سرداً أو مقالاً أو مذكرات، ولا أشك في أن الكاتب الروائي والقاص العراقي عبدالستار الناصر، واحد من هؤلاء الذين يأسرون القارئ ويحكمون سيطرتهم عليه. قرأته – للمرة الأولى، منذ فترة لم أعد أتذكر زمنها – في قصة له «مقهى لبَّاس»، شكّلت هذه القصة مفاجأة لي ولعدد من الزملاء وصار من يومئذ كاتباً مفضلاً لدي أتتبع كل أعماله القصصية بشغف يزيد مع الأيام. وظل عبدالستار لفترة طويلة كاتب قصة قصيرة في المقام الأول قبل أن يجذبه عالم الرواية.«مقهى لبَّاس» الذي يحمل عنوان القصة المشار اليها، واحد من أشهر مقاهي القاهرة في السبعينات، وموقعه في قلب القاهرة بالقرب من ميدان سليمان باشا وميدان التحرير وفيه كان يلتقي يومياً عدد من الأدباء والشعراء المقيمين في القاهرة والزائرين لها وفيه أمضيت أجمل الأوقات مع الشاعر الكبير عبدالوهاب البيّاتي وشهدت لقاءاته مع عدد من الشعراء أمثال نزار قباني ومظفر النواب، وأحمد عبدالمعطي حجازي، وأمل دنقل وغالي شكري، وحميد سعيد وغيرهم من شعراء وكتَّاب ونقَّاد، لذلك فقد كانت قصة عبدالستار عن ذلك المقهى وبالأسلوب الذي كتبها به مدخلاً بديعاً ودعوه الى متابعة بقية أعماله.قرأت له مرة طرفاً من اعترافاته منشورة في مجلة «الأقلام» فزادتني تلك الاعترافات به صلة وإعجاباً. تواصلاً مع تلك الاعترافات يأتي كتابه الجديد «حياتي في قصصي» الذي يوجز فيه تجربته عن كتابة القصة والرواية والذي يصفه بأنه «وحده كتابي هذا – دون بقية أعمالي – من يكشف الجزء الخفي من حياتي وحياة عائلتي وأصدقائي وحبيباتي ومن عاش معي... كما يفضح – من دون خوف أو مواربة – ذلك الجانب السري البعيد من أخطائي وأسفاري وطفولتي وصباي وجرائمي الصغيرة منها والكبيرة، والكثير من حسنات ي وعيوبي في وقت واحد». (ص 7).يفرد الكاتب الصفحة الخامسة من هذا الكتاب لكلمة مضيئة أطلقها ذات يوم رجل كبير ذو تاريخ انساني مشرق، هو ابراهام لنكولن الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأميركية. تقول الكلمة: «صحيح أنا أمشي ببطء، لكن لم يحدث أبداً أنني مشيت خطوة واحدة الى الوراء». وهذه الكلمة توجز – من وجهة نظري – المسيرة الابداعية لعبدالستار ناصر، هذا الكاتب الذي ينظر الى الغد دائماً ويجدد مياه كتابته كما تفعل الأنهار التي لا تعرف التكرار والاستقرار. وعبدالستار محارب عنيف في ساحة الكلمة، لكنه محارب نبيل لا ينح ني ولا يتجنى ولا يشارك في الخصومات الصغيرة وما أكثرها في زمن غياب المروءة والأعداء الرائعين.لا يمكن أن يكون من يكتب هذا الكلام عن (أخطائه) و (جرائمه) سوى عبدالستار الناصر، هذا الواضح الشفاف الذي يكره التصنع والتمويه على النفس، كما يكره التصنع والتمويه في الكتابة. لذلك فهو يقدم نفسه الى الآخرين انساناً لا ملاكاً، مع قدر غير قليل من المبالغات الخيالية لا تخفى على القارئ عندما يعمد الى رصد أخطائه التي لم تحدث وعيوبه التي لا وجود لها على الأقل بالصورة المضخمة التي أتى بها، وذلك ما يقوله أصدقاؤه الذين يعرفونه عن قرب والذين يرون فيه كاتباً جريئاً متمرداً على تقاليد الكتابة وعلى الواقع الذي عاشه ساخطاً غاضباً غير قادر على التصالح معه.وهو في الجزء الثالث من الكتاب – وفي عذابه الممتع مع الكتابة – يرثي لحال الأديب العربي – والعراقي بخاصة – ذلك الذي «يعيش ويكتب عن ليل ميت ونهار مقتول وبشر محاصرين وشوارع مزدحمة بالقاذورات، عن حدائق جرداء وعن بيوت أنيقة بلا حياة يكتب عن امرأة لم يرها وأجساد لم يقترب منها». (ص 84).وفي الموضع ذاته من الكتاب يحلم عبدالستار بأن تكون له ولأشقائه المبدعين العرب حياة تشبه حياة الآخرين من أدباء العالــم هؤلاء الذين يمارس الواحد منهم «حياته كما يشتهي، بلا رقيب ولا رقابة، لا يحتاج الى موافقة الدوائر الرسمية على سفره ولا يستجدي رأي أمانة العاصمة في دائرة الطابو على انشاء غرفة مدورة أو شراء تمثال نصفي أو زرع شجرة ممنوعة من النمو، لا رقيب عليه اذا ما اختار صورة هتلر وعلَّقها على جدار غرفته في باريس... انه ينام وقت يشاء ويصحو وقت يشاء، يتعرى في نصف ثيابه ويمشي حافياً اذا أراد، يمارس العيب والأخطاء والسيئات كلها شرط ألاّ يعتدي على حرية غيره». (ص 85).الساخر الرافضعبدالستار ناصر، في بعض كتاباته، ساخر لاذع الكلمة، وفي بعضها الآخر، فنان وشاعر ناعم الكلمات. ومن المؤكد أن الوجه القصصي والروائي قد غطى على ملامح الكاتب السياسي الساخر الذي عكست كتاباته الناقدة تحولات المرحلة – عراقياً وعربياً – بكل ما حفظت من انكسارات وحنين الى زمن جميل قد يأتي وقد لا يأتي وكتاباته السياسية شأن كتاباته الابداعية تقدمه واقعياً في همومه وأسئلته. وكان يبدو لي من بعيد – عبر كتاباته طبعاً – انساناً رافضاً مرفوضاً يحب الخصومات ويبحث عنها حين لا تكون موجودة، وهو خيار صعب على الكاتب أن يتحمل نتائجه الايجابية والسلبية بكل الشجاعة والرضا والصراحة الشديدة التي تصل أحياناً الى درجة الحدة والعنف. وعبدالستار لا تنقصه الشجاعة والصراحة، أو هما بعض ما جعلا كتاباته مقبولة ومتابعة.في الجزء الخامس من كتاب «حياتي في قصص» يقدم عبدالستار نفسه على هذا النحو المثير «أخبرتكم ذات مرة بأن ثلاثة علموني الكتابة، هم: الفقر، وسوء تربيتي، ومحلة (الطاطران) التي نشأت فيها وعشت أولى أيام صباي بين ممراتها وشعابها وأوجاعها وبين أولادها الوقحين... زقاق الطاطران، طوله لا يزيد عن تسعين متراً، وعرضه ثلاثة أمتار، زوايا بيوته وبطونها تدخل في بعضها، والسطوح أرض حرة. ليس ثمة أسرار، يبدو أن الفقر الموجع يكسر أسرار البيوت، فهذا (فرّاش) في مدرسة الأشبال الابتدائية للبنين، وذلك (رزّام) في وزارة البلديات/ شعبة المجاري، والجار الثالث (ركاع) أحذية في ساحة الوصي». (ص 123).لعل أجمل ما في هذا الاعتراف أن عبدالستار ناصر، يرى أنه من دون النشأة الشعبية في هذا الزقاق ما كان من الممكن أن تكون له بداية مع الكتابة القصصية وكأنه استوعب في هذه البيئة من النماذج والصور ما جعله يمتلك مخزوناً لا ينفد، يضاف الى ذلك أنه لم يفعل كما فعل آخرون من الكتّاب الذين يتنكرون لمراحل حياتهم الأولى ويذهبون الى الكذب على القارئ بأنهم نشأوا في أرقى الأحياء، وأنهم ينتمون الى سلالات عريقة يصعد نسب بعضها الى السماء السابعة. وتلك ميزة تعود عند عبدالستار الى شجاعته التي من شأنها أن تضع يد القارئ على مكونات شخصية الكاتب والظروف القاسية التي تجاوزها وانتصر عليها بالكتابة، وتشديداً على أهمية زقاق النشأة فقد وصفه بمنزل الكتابة الأول.وهو لا يكتفي بالحديث عن سنوات طفولته في ذلك الزقاق المعتم الضيق الذي لم يدخله أحد من المسؤولين سوى نوري السعيد «لكنه دخله جثة تسحبها الجماهير بالحبال، أذكر صوتاً سمعته يومذاك بين موجة الغضب العارمة وهو يقول: دعوه يرى المكان الذي نعيش فيه»!! وربما كان الأجمل في حديث عبدالستار عن سنوات طفولته وزقاق نشأته هو هذا الوفاء البديع الذي يجعله يتمنى سنة واحدة أو نصف سنة أو بعضاً من سنة من الطفولة يرجع بها الى زقاق الطاطران «سنة واحدة أتنازل بعدها عن أكذوبة اسمي الذي يحسدني عليه أقراني،

top

   Iraq designer

Email: nana20042005@hotmail.com