خلود الأسطورة وخلود النص (أم النذور) لعبد الرحمن منيف

 برحيل عبد الرحمن منيف يكون الأدب العربي قد خسر روائياً مبدعاً سيظل في أذهان القراء من خلال رواياته التي قدمها في حياته، هذا الروائي الذي وجد العمل الروائي سبباً لحياته. تداول الناس أعماله بمزيج من الدهشة والإبهار، تلك الدهشة التي تكتمل كلما عرفنا حياة منيف الخاصة التي كانت مزيجاً من الحلم العربي المتبدد، حاول خلال حياته الإمساك به دون جدوى. هناك بعض المبدعين يبدأون كباراً وعبد الرحمن منيف أحد هؤلاء الكبار، فمنذ روايته الأولى "الأشجار واغتيال مرزوق" أسس لنفسه نمطاً كتابياً خاصاً به ترك بصماته على عدد من الروائيين. كانت كتاباته مثل السير في حقل من الألغام، فهو يتناول الواقع العربي بكل مساوئه، ويحاول أن يضفي صفة العموم على المجتمعات العربية ، مثلما تتشابه الأنظمة في تعاملها مع تلك المجتمعات.
وإذا كان منيف شغلنا في حياته فهو لا يكف عن ذلك حتى بعد رحيله، فقد صدرت له قبل أيام رواية "أم النذور"، العمل الذي لم يسمع به محبوه، ومثلما يحدث لأي مبدع بعد رحيله حين يصدر له عمل لم يظهر في حياته، فإن الناس ستتساءل لماذا لم ينشر هذا العمل من قبل، هل الدوافع ذاتية؟ أم بموانع خارجية؟ وهو الذي عرف عنه جرأته وتحمله لكثير من المضايقات لما يكتب، كان بعض الأنظمة ترى فيه خصماً لها وفاضحاً لعيوبها، بينما يجد القراء فيه كاتباً معبراً عن وجدانهم. إن ما يتركه المبدع يصبح ملكاً للقراء والاحتفاء بالعمل لا يختلف بوجود المبدع وغيابه، غير أن حسرة تظل حبيسة في النفس لماذا لم ينشر هذا العمل في حياته. يشير الكاتب في رواية "أم النذور" الى أنها كتبت عام 197. عندما كان مقيماً في دمشق، وعلى هذا ستصبح هذه الرواية أسبق من عمله الذائع "الأشجار واغتيال مرزوق" التي كتبها عام 1973
إن الاطلاع على عمل ما لمبدع مبرز مثل منيف ربما لا يضيف الى ابداعه شئ بقدر ما سيكشف عن جهود وظفها هذا الروائي لمشروعه الكبير الذي جند نفسه له. سوف لن يكون كماً مضافاً بقدر ما سيشكل عمقاً أيدلوجياً وابداعياً له. "أم النذور" مثل أي عمل أولي فيه إصرار على الخلق الفني الذي لا يخلو من ارتباك يفسره عدم استقرار الكاتب على الشكل الخارجي للعمل الذي تراوح بين الرواية والسيرة الذاتية، رغم أن كل روائي لابد أن يضع شيئاً من سيرته الذاتية في أعماله ذلك انه لا يكتب من فراغ، وإنما من حياة عاشها أو سمع بها.
في رواية "أم النذور" يتنقل الروائي بين الفتى السارد والراوي الشاهد عليه والمعزز لإرائه. يبني الروائي عالم الرواية بناء حكائياً يقترب من الواقع فنتعرف الى الفتى "سامح" ابن الحاج حسيب الذي يمضي سنواته الأولى في الكتاب، وهنا نجد تماهياً بين البطل والروائي نفسه، فقد أمضى منيف ـ كما يروي في أحاديثه ورواياته ـ شطراً من حياته في عمان حيث التحق بالكتاب، هذا الموضوع الذي سيأخذ حيزاً واسعاً من الرواية.
يمارس منيف سطوة كاملة على شخصياته فلا يتركها تتحرك على سجيتها حتى يبدو أنه يحركهم كما يريد هو ـ الروائي ـ لا كما تشتهي الشخصية نفسها، ويمثل ذلك البدايات التي تحكم الروائي في بداياته فهو يخشى من أن تتمرد شخصياته عليه، بينما لا نجد ذلك في أعماله اللاحقة حتى لتبدو أمامنا الشخصية الروائية وكأنها شخصية حقيقية تتصرف بما يملي عليها وجدانها لا بما يريد لها الروائي أن تتصرف ، وهكذا فإننا لانجد أمامنا شخصية الفتى نفسه وإنما ما أراد لها الكاتب أن تكون، وهي محاولة الروائي في البحث عن الشخصية المثال ، فهي سيرة ذاتية غير واقعية فنياً.
يتنقل الروائي عبد الرحمن منيف بين ضمير المتحدث والغائب ولا أدري هل إن ذلك يفسر قلق الروائي أم تجريبيته أم عدم اكتمال أدواته الفنية في حينها كونها الرواية الأولى، فهو يقول "أحس ان شيئاً في داخلي ينفجر" أو قوله " لم يعد راغباً في شيء، بدت له الدنيا مثل ذبابة، بصق اكثر من مرة وخطر له ان يغمض عينيه ويمشي".يضيق الفتى ذرعاً بشيخه، فيعبر الروائي عن هذا الضيق نتيجة وقوع الفتى تحت ضغوط الدرس الذي لا يشتهيه ومعلم الكتاب الذي يكرهه.
*******
كان التعليم في الكتاب يقوم على مبدأ قبول أهل المتعلم بكل ما يقوم به الشيخ تجاهه "مثل اخويه، اللحم لك والعظام لنا" بهذه الكلمات أسلم حسيب ابنه سامح الى الشيخ الظالم في قسوته على طلابه، وهو ما ولد عند سامح نفوراً منذ دخوله الكتاب.
كان الشيخ يلفظ عبارات لا يرى الفتى مبرراً لها، فما ان التقاه الشيخ وسأله عن اسمه ارتبك سامح في رده فعاجله الشيخ زكي بكلمات ظلت ترن في باله" «ما له هذا الحمار»، كان يسمع عبارات خشنة لا يطيقها من الشيخ وهو يوجهها لطلابه " يا خنزير، يا كلب أعور، يا أعمص، سوف اقطع لسانك، سوف أهري بدنك...." كان الفتى شاهداً على حفلات العنف التي يقيمها الشيخ على طلابه ، وهاله ان يرى الشيخ وهو ينهال على احد التلامذة ضرباً ورفساً وخطيئته انه كان مريضاً ولم يحفظ الدرس، وأمره من ثم ان يقف مقابل الجدار رافعاً يديه ورجله اليمنى "مثل كلب يوشك ان يبول" كان كل ذلك يؤثر في نفسية الفتى حين يرى زملاءه يضربون بقسوة ولا أحد يخلصهم مما هم فيه "شعرت بالألم في يديّ وجنبيّ" أهم شخصيات الرواية "سامح" الفتى وهو محور العمل يظهر راوياً ومروياً عنه، يعبر عن دواخله وعن وجهات نظره مثلما نرصده حين يكون مروياً عنه، أما الشيخ زكي فنتعرف عليه من خلال مرويات الفتى عنه الذي يتحول عنده الى هاجس يؤرقه، وقطعاً انه سوف لن ينقل عنه إلا الصورة السلبية فيكرر أوصافه عدة مرات امعاناً في كراهيته ، فهو " قصير، طوله وعرضه متساويان، وجهه مكتنز غليظ، عيناه تدوران بلا توقف "، تتحول الكراهية عند الفتى تجاه شيخه الى خوف دائم حتى انه " يذهب الى شجرة «ام النذور» ويعلق عليه خرقتي قماش ويلقي قطعة نقود ويخاطب "الشيخ مجيب" الولي الغائب الذي تحمل «التكية» المجاورة للشجرة اسمه: «يا شيخ مجيب... اريد منك ان تكسر عصا الشيخ زكي... ليصبْ اصبعه بالورم حتى يعجز عن الأكل، ليتورّم كله...". ولن يتوانى الفتى عن تسمية الشيخ المعتوه بـ "الكلب".
يعمد عبد الرحمن منيف في رواياته الى نوع من النسيج الذي لايمكن فصل اجزائه، حتى يغدو العمل كلاً متكاملاً، مع ذلك نجد هناك أحداثاً مركزية في اعماله، في هذا العمل نجد المحور يكمن في العلاقة بين الشيخ والفتى ونظرة أحدهما الى الآخر، وهناك حادثة توقف عندها الكاتب كثيراً تلك هي المواجهة بين الفتى الشيخ زكي الذي اراد ان يعاقبه لمشاهدته الرجل السكير والمشرد سالم اليماني الذي تلعنه البلدة وتعدّه «كافراً». وكان الفتى يرفض اضطهاد هذا «الكافر» معتبراً إياه افضل من الشيخ الظالم. وعندما ناداه الشيخ في «الكتّاب» ليعاقبه، وقف الفتى بجرأة تامة صارخاً في وجهه: «لن تضربني، لو متّ لن تضربني، رأيت اليماني...». هجم عليه الشيخ وتعاركا ووقع الفتى ارضاً وتأذى. هذا الحادث الوحيد سيكون مدخلاً الى مرحلة جديدة في حياة الفتى، فهو يتحول فتى متمرداً و «حراً» كما يقول لأمه لاحقاً. فبعد الحادث لا يعود الفتى الى البيت بل يهيم في الشوارع مردداً في نفسه: «أستطيع ان اتخلص من أبي وأمي ومن «ام النذور» القبيحة الجرباء، حتى الشيخ «مجيب» لم أعد أحبه...». وعندما يقترب من نهر البلدة ينزع ملابسه ويلقي بنفسه في الماء. وسيؤدي الماء هنا دوراً رمزيا،ً فالنزول فيه والخروج منه اشبه بولادة جديدة. ويقول الراوي في هذا الصدد: «عندما لامس الماء جسده شعر بالراحة. شعر بأنه تخلص من كل شيء: الشيخ وامه وأبيه. وتمنى لو يبقى في الماء». لقد تحرر اذاً من سلطة العائلة والشيخ والخرافة.
يطرح الروائي الصراع بين القديم والجديد بين القيم المحافظة والمتجددة من خلال رغبة الفتى في دخول المدرسة الحكومية ورفض أبيه لذلك لاعتقاده بأن تلك المدارس تعلم الكفر و المعصية، حتى يكتشف أن الشيخ زكي أرسل ابنه الى تلك المدارس عندها يوافق الفتى في رغبته.
يرسم الروائي صورة قاتمة للموت من خلال تمثلها في صورة الشيخ صالح الأعور المولع بغسل الموتي كان الفتى يخشاه ويخافه لا لشخصه ولكن لارتباطه بصورة الموت، خوفه يمتد الى كل ما يتعلق بالموت من طاولة غسل الموتى الى التابوت الى المقبرة ، في لحظة الحيرة كان يلجأ الى أمه يسألها عن معنى الموت.
"أم النذور" تلك الشجرة الساكنة التي طالما شغلت الفتى كان يحبها لأنها مزروعة في مكان يحبه سكان القرية فهي المنغرسة في باب تكية الشيخ مجيب الذي لا أحد يعرف بالضبط اصله منهم من يقول انه عراقي استقر في البلدة، وكان تقياً وله بركات لا تحصى وقام بغرس الأشجار وشيد المزار الذي أصبح جزءً من معالم القرية المهمة، ومنهم من يقول انه مغربي نشأ في هذه البلدة وأصبح حجة زمانه ولم يتزوج بل انصرف الى العبادة والتدين.
تراءى شجرة أم النذور في عيني الفتى مثل امرأة نفش شعرها لما لكثرة ما ربط الناس بها من خرق ملونة وخيوط وأثواب بالية وممزّقة وأغطية رأس... وكلها مربوطة الى الأغصان بإحكام. ويقول الفتى: «أشجرة هذه ام فزاعة زرع ضخمة؟»، كانت غريبة الشكل، ساقها قصيرة وقد اضحت ناعمة من فرط ما امتدت إليها الأيدي ولامستها الأفواه.لم يتفق أهل القرية على هذه الشجرة مثلما اختلفوا على غيرها من الأشياء، وفيما كان المؤمنون بالشيخ مجيب يسمون الشجرة «أم النذور» كان «أعداؤها» يسمونها «ام الخرق». كان لابد أن ترتبط هذه الشجرة باسطورة ما ترفع من شأنها تقول الأسطورة الشعبية ان الشجرة كانت تحمل ثمراً، وعندما مات الشيخ "مجيب" لم تعد تثمر من حزنها عليه فتحولت ثمارها جذوراً تمتد الى قبر الشيخ. اما النسوة فيروين ان ثمارها كانت اكثر من أوراقها وهي بحجم البيض، تشفي من الأمراض وتعيد المسافرين الى وطنهم وتكشف المسروقات... ولهذا كان اهل القرية يتقدمون بالنذور ويعلقون على الشجرة الخرق والمناديل وسواها.
في مثل هذه الأجواء الأسطورية كان لابد أن تكتمل الصورة فالشجرة والتكية بحاجة الى من يرث الشيخ مجيب ويكمل تواصله بأهل القرية وهكذا يظهر الحاج درويش يخدم هذه التكية والشجرة من خلال غرفة صغيرة يعيش فيها. كان الشيخ درويش كان رجلاً في الخمسين، طويل القامة منحني الظهر، كثّ اللحية، «لم يزر مكة ولا رأى الكعبة»، لكنه يسمى بـ «الحاج» وينظر إليه المؤمنون كأنه وارث الوليّ. لا احد في البلدة يعرف كيف يعيش هذا الحاج في غرفته الصغيرة، وكان الناس يسمعون بكاءه في الليل قبل ان ينام. ومرة نام اربعين يوماً وليلة وكشف بعد هذا النوم عن قاتل ارتكب جريمته قبل سنة. كان الشيخ درويش قليل الاختلاط بالناس، بسبب إصابته بنوبات من الصرع، يذهب خلالها الى عالم آخر، حين ينقلب على ظهره والزبد يتطاير من فمه، وعندما يصحو يلطم رأسه بالأرض ويتمرغ في التراب. هذه الغيبوبة كان ينظر إليها أهل على انها اتصال بالأجداد مما يزيد من احترامهم للشيخ درويش، فيما يعده البعض الآخر «مريضاً ومهبولاً». إلا ان الفضيحة الكبيرة التي سيعلنها الفتى فهي تدور حول نزعته المثلية.
كتابات عبد الرحمن منيف ربما أنا منحاز إليه ، تنساب مثل شلال حتى لأعجب كيف يتمكن من سردها على هذا النحو، فالقارئ يقرأها بلهفة ممزوجة باللذة، لاشك وانت تقرأ تفكر بكيفية كتابة هكذا نص. ليس مهماً أن نحدد نوع الرواية ما إذا كانت سيرة ذاتية أم غيرها ، المهم والمفيد أيضا خلق المتعة عند القارئ وخروجه بقيم ومفاهيم حرص الكاتب على إيصالها إليه.
مات عبد الرحمن منيف وترك خلفه إرثاً أدبياً ما زال يشغلنا به، وهكذا خلد منيف روائياً مبدعاً وهو المتخصص باقتصاديات النفط.

 

  بينالي الشعر العالمي في بلجيكا 

تستقبل مدينة "لييج"، أكبر حاضرة والانية ببلجيكا، ما يناهز 240 شاعر وشاعرة قادمين من سبعين بلدا من مختلف أصقاع العالم. هذه "المدينة المتّقدة" كما يصفها أهاليها ستزيد اشتعالا بلهيب الكلمة ما بين رابع وسابع سبتمبر (أيلول) في إطار الدورة الرابعة والعشرين للبينالي العالمي للشعر. بينالي ضخم ينظمه البيت العالمي للشعر ببروكسل ويستضيفه قصر المؤتمرات بلييج تحت عنوان "الكلمات الحارقة" وتحت رئاسة الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي. البينالي الذي يمر لأول مرة في غياب مؤسسه الشاعر البلجيكي أرتور هولو يختار كل سنتين محورا جديدا ورئيسا مناسبا لهذا المحور. وقد اختار هولو إسناد رئاسة هذه الدورة إلى الشاعر عبد اللطيف اللعبي قبيل وفاته لعدة أسباب من بينها، حسب الشاعر البلجيكي جان لوك ووتيي، اشتراكهما في العيش تحت الاعتقال وخروجهما منه أكبر من ذي قبل. ويذكر أن أرتور هولو التحق بصفوف المقاومة ضد الاحتلال النازي سنة 1940 قبل أن يعتقله الغيستابو في 27 ديسمبر 1941 ليودَع معسكرات التجميع النازية ولم يفرج عنه إلا بتحرير هذه الأخيرة بعد انتصار قوات الحلفاء في الثامن من مايو (أيار) سنة 1945 بعد أن قضى ثلاث سنوات ونصف رهن الاعتقال. هذا فيما حُكم اللعبي بعشر سنوات من السجن أمضى منها ثمانية أعوام ونصف خلال ما يعرف بسنوات الرصاص بالمغرب قبل أن يفرج عنه على إثر حملة دولية للمطالبة بإطلاق سراحه. أرتور هولو، الذي سيتم تكريمه هذه السنة في حفل تأبيني، أراد للكلمات الحارقة أن تلفت الانتباه إلى قوة الكلمات التي عبرت، على امتداد قرون، عن الثورة على كل أنواع القمع من جهة وعلى ازدهار قوى الحب والتضامن من جهة أخرى. فمن الفرحة بالعيش إلى المعارك الأشد ضراوة يؤكد هولو على بقاء الشعر وخلوده في الوعي الجماعي للأفراد والشعوب.
ويشار إلى أن هذا الملتقى الشعري العريق عرف تأسيسه بمدينة "كنوك" الفلامندية في مطلع خمسينيات القرن الماضي على يد الشاعر الراحل أرتور هولو الذي ظل يرأس البينالي إلى غاية وفاته في 24 مايو (أيار) الماضي. وواصل البينالي انعقاده ب"كنوك" الناطقة بالهولندية إلى غاية عام 1979قبل أن ينتقل بسبب مشاكل لغوية إلى "لييج" الفرنكوفونية حيث تدور أشغاله باللغتين الفرنسية والإنجليزية.أشغال تنقسم هذه السنة إلى ورشتين تنشغل أولاهما بمقاربة موضوع الكلمات الحارقة من فرط الفرح والاحتفال والسعادة وتعرف مشاركة الشاعر اللبناني صلاح ستيتيه والناقد التونسي جلال الغربي. فيما يتم بحث موضوع الكلمات الحارقة من الثورة والألم لإعلاء راية الفكر من طرف شعراء ونقاد عالميين تحت رئاسة الشاعر التونسي عبد العزيز قاسم. كما سيتوالى شعراء من مختلف الأعمار والتجارب والأمصار على منصات الشعر العالمي التي تحتضنها ليالي قصر المؤتمرات طوال أيام البينالي. البينالي الذي سيتم افتتاحه بحفل استقبال تقيمه على شرف ضيوف المهرجان وزيرة الثقافة البلجيكية من أصل مغربي فضيلة لعنان.
ويذكر أنه في ختام كل دورة تمنح الجائزة الكبرى للبينالي لشاعر معاصر تتويجا لعطائه الشعري. الجائزة التي سبق ومنحت لشعراء كبار من أمثال الشاعر الفرنسي سان جون بيرس والمكسيكي أوكتافيو باز والسنغالي ليوبولد سيدار سنغور واليوناني يانيس ريتسوس والسوري أدونيس.
وبالإضافة إلى الشاعر اللبناني صلاح ستيتيه والتونسي عبد العزيز قاسم والذين سبق لهما أن ترأسا البينالي، على التوالي، سنة 1988 و 1994 إلى جانب عدد من شخصيات العالمين العربي والإسلامي الأدبية من أمثال المصرية أندري شديد سنة 1984 والسنغالي سنغور سنة 1986 والألباني إسماعيل قدري سنة 1992 وأيضا أدونيس سنة 1996. بالإضافة إلى ستيتيه وقاسم يشارك من الشعراء العرب ضمن هذه الدورة الشاعر الفلسطيني غازي حسين والأردني طاهر رياض والجزائري عبد الرحمان جلفاوي والشاعران العراقيان صلاح نيازي وهاتف الجنابي والمصريان رفعت سلاّم وأحمد بلبولة والتونسيان جلال الغربي ومنصف غشام علاوة على المغربيين حفصة بكري الامراني وطه عدنان. وكان يفترض أن يكون عبدالقادر الجنابي من بين المدعوين لكنه لم يلبي الدعوة لأسباب شخصية

 

 

    العروبة تجمد عضوية اتحاد الكتاب العراقي  

محمد كاديك
احتج الأدباء والكتاب العراقيين على القرار القاضي بتجميد عضوية اتحادهم على الساحة العربية، ولقد جاء البيان شديد اللهجة، ولم يترك لمن يوصفون بـ/الأدباء العرب/ فسحة للتحرك، ولقد ذهب العراقيون بعيدا في نزال المشرفين على المكتب الدائم لاتحاد الكتبة العرب حين أعلنوها صريحة بأن هناك /أطرافا/ تعمل على تهميش العراق، وتراهن على إبعاده من الساحة العربية، لاسباب سياسية محض، لا علاقة لها بالظروف الاستثنائية التي جعلت تجميد عضوية الاتحاد العراقي أمرا موضوعيا..
بيان الاتحاد العراقي اختار طرح /مشكلته/ بطريقة هادئة للغاية، ولكن القارئ يسمع بين سطورها كثيرا من الصرخات التي تنطلق من القلوب العراقية وقد آذاها الزمن بالاحتلال والإرهاب، ولم يكفّ فابتلاها بـ/النكران/ العربي الذي اجتمع عليه المكتب الدائم بسرت الليبية، وزكاه بمواصلة تجميد العمل العراقي..
ولأننا نريد أن نأخذ الأمر مأخذ الجدّ، ينبغي أن نشير في البداية إلى أن الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب ليس غير هيكل خال من الروح، وهو لا يؤثر ولا يتأثر، لذلك نرى أن الإخوان في العراق لم يخسروا شيئا ذا بال بتجميد عضويتهم، فالاتحاد العربي عديم الفاعلية، لا تكاد تجد له وجودا في الشارع العربي، ولقد أصيب بالنكسات المتراكمة حتى انتكس بمؤتمر الجزائر الأخير الذي اخترع منصب الرئيس إرضاء للاتحاد المضيف، وخداعا لمضمون الديمقراطية التي أرغمت على التكيف مع واقع الحال كي تحتفظ بـ "علي عقلة عرسان" أمينا عاما، ولا نستبعد أن تتوصل /ديمقراطية الكتاب العرب/ إلى اختراع وسيلة تجعل من عرسان الأمين العام الأوحد في الدنيا والآخرة..
هذا ما نعرف عن اتحاد الكتاب العرب، قدمناه حتى يطمئن الكتبة في العراق إلى أنهم لم يضيعوا شيئا كبيرا بتجميد عضويتهم، ولكن ينبغي أن ننظر في الأمر كما هو واقعه لا كما نتصور له أن يكون، لذلك وددنا أن نعبر عن استغرابنا من موقف المجتمعين بـ/سرت/ الذين يظنون أنهم يمتلكون مفاتيح الأرض ليقرروا وحدهم أن يمنعوا الاتحاد الفلاني عن النشاط، ويجمدوا الاتحاد العلاني عن العضوية، فالسائد هو أن الناس المحترمين يتخذون القرارات الفردية فيما هو فردي، أما ما هو عضوية اتحاد كامل يعبر عن شعب عربي أكبر من الشعوب جميعا تاريخا وحضارة، فكان ينبغي أن يطرح على جمعية عامة على الأقل، وتستشار فيه الاتحادات الأعضاء بأضعف الإيمان، لأن المفترض هو أن اتحاد الكتبة العرب يتعامل مع أدباء ومثقفين وأساتذة جامعات يمكن اللجوء إليهم وقت الحاجة، والاستعانة بهم والتدرع بآرائهم أو التذرع بأسبابهم، أما أن يجتمع نفر ممن لم ينتخبهم أحد، ولم يعرفهم أحد، ولم يتصل بهم أحد ليفصلوا في أمر أكبر من قدراتهم وذكائهم الخارق، فاسمحوا لنا أن نقول بأن الثقافة لا يمكنها أن تجد لنفسها مساكن في مثل رؤوس هؤلاء..
والحق أن الإخوان في العراق الأشم وعلى رأسهم الأستاذ فاضل ثامر لم يتركوا للأدباء العرب ما يتذرعون به، وقدموا تواريخ الانتخابات التي أجروها بحضور القاضي الشرعي، ورفعوا محاضرها لمسؤولي الاتحاد العربي، واتصلوا، وكثفوا اتصالاتهم، وأرسلوا بالمذكرات للأعضاء جميعا، وسلموا مذكرة بالأمر إلى عز الدين ميهوبي يدا بيد، بصفته رئيسا للاتحاد العربي، وكان الإخوان العراقيون يتلقون المواعيد الخلاب في كل مرّة دون أن يتحقق لهم ما يريدون، ليأتي اجتماع /سرت/ ويمسح الجهود العراقية كلها بجرّة قلم لا نظن أنها دون خلفيات سياسية كما يرى العراقيون، ولكننا نعتقد أن الخلفيات السياسية التي يشير إليها الاتحاد العراقي ليست بالحجم الذي يتصوره، لأننا يجب أن نضع في اعتبارنا في هذا المقام أننا لا نتعامل مع مثقفين عاديين، وإنما هم مثقفون من نوعية خاصة لم يسبق للتاريخ أن عرف أرذل منها، وسنعطي بيانا لما نقول..
لعل الأدباء والكتاب لاحظوا أن الإخوة في العراق ركزوا في دفاعهم عن حقهم في تفعيل عضوية اتحادهم بالحديث عن الانتخابات الشفافة التي أقاموها، وركزوا على سلوكهم الديمقراطي الذي انتهجوه فلم يصيبوا بالإقصاء أحدا، ولم يحاسبوا أيّ عضو لموقف سياسي وقفه مع هذا أو ذاك، ولم يفرق العراقيون بين متحزب وحرّ أو متأدلج ومتدين وملتح وأمرد، ولكنهم برهنوا أنهم جعلوا هاجسهم الوحيد تحقيق الحرية وتوطيد الديمقراطية، ورفعوا كل هذه الفضائل في مذكرات لمسؤولي الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، لتحصل المفاجأة في الأخير، ويتم إقرار مواصلة /التجميد/ فيأتي البيان العراقي، ويفيض بما في القلوب الجريحة من الظلم العربي، ولعل قارءنا الكريم يلاحظ هنا بأن الكتاب في العراق، والكتاب في المكتب الدائم للاتحاد /العروبي/ لا يعزفون على نفس الوتر، فما يراه العراقيون فضيلة يدافعون بها عن عضوية اتحادهم، إنما هو الممنوع والحرام في عرف القائمين على المكتب الدائم، وواضح أن اتحاد عز الدين ميهوبي لن يسمح للعراقيين بالمرور لأنهم ـ بالنسبة لبقية الأعراب ـ يمثلون النموذج السيء الذي يجب أن يزاح من طريق /ديمقراطية الخلاب/، لأنه يفسد عليها الجوّ العام، ولنا أن نتصور إن أصبح العراق فاعلا في المشهد الثقافي العربي، وما سيحدث حين يدعو العراقيون إلى انتخابات نزيهة ربما لا تسمح لعرسان بالعودة إلى موقعه، ولا تسمح لميهوبي أن يبقى ـ مثل ملكة بريطانيا ـ على عرش الكتاب، وهو لا يهش ولا ينشّ..
إننا نعتقد أن حق العراق في تفعيل المشهد الثقافي العربي لا يمكن أن يجمده أحد، والعراق الأشم قادر بأبنائه البررة على أن يكون المنارة الزاهرة للثقافة، فهو أصل الحضارة وهو موطنها، ولا يمكن أن تنال منه ألاعيب أولئك الذين يرفعون لافتات الثقافة، وما زال في قلوبهم بقية شوق إلى موائد صدام حسين العامرة، فيضطرهم الشوق إلى التعلق بأمل خافت تعود إليهم فيه أيام كانوا يتقوتون فيها بـ/الدم العراقي/ على موائد السلطة البائدة، ولعل تجميد عضوية اتحاد العراق ليس أكثر من ربح للوقت يظن بعضهم أن أملهم يتحقق فيه.. ولعل يكون للحديث بقية

 

 

   لا تعْجبي..(قصيدة من عالم آخر بتوقيع )خيّاط محمّد  

خيّاط محمّد النّمس
تعودنا دائماً في هذه المساحة ان نقوم بمجهود للبحث عن قصائد وأشعار متميزة لننشرها لكم في "مختارات من الشعر" وهذه المرة نقدم لكم قصيدة مختلفة..تحتاج لمساحة خاصة من التأمل للشعور بمعانيها العميقة..القصيدة تحمل امضاء شاعر موهوب نستقبل اعماله لأول مرة علي صفحات "محيط" وهو الشاعر المصري "خيّاط محمّد النّمس"..فهل تسمح لنا -عزيزي القاريء- بدعوتك لقراءة القصيدة؟..
لا تعْجبي !!
لا تعْجبي ..
فأنا عليكِ مقدَّرٌ..
منذُ الأزلْ .
وأنا نسيم ٌهادئٌ..
لكِ أنت وحدكِ..
ينتقلْ.
وأنا عرفتك روضةً..
قلبي إليها يرتحلْ.
إني أجاهر أنني ..
للحبِّ فيضٌ متَّصلْ.
لا تعْجبي!!
فأنا عليك ِمقدّرٌ
مثل الهواءْ.
وأنا أراكِ قصةً بدأت..
وليس لها انتهاءْ.
أنا في هواكِ مُسيَّرٌ..
فالقلبُ يعشقُ منْ يشاءْ.
صارَ اختصارُ حكايتي ..
يا مُنيَتي..
حاءٌ..وباءْ.

لا تعْجبي!!
فأنا أراكِ..
في وجوه النَّاسِ حولي .
من ذاك..
يبصرُ طيفَكِ الورديَّ مثلي؟
من ذاكَ أشرقَ حبُّه..
كالشَّمسِ قبلي؟
أنا من يبايعُ قلبَه..
تبًّا لعقلِي!
لا تعجبي!!
فأنا أُحدِّث عنكِ..
كلّ الأصدقاءْ.
ماذا إذا أخبرتُهم؟
هل يعرفُ الحبُّ الخفاءْ؟
أخبرتُ كلّ سحابةٍ..
فتراقصت سحبُ السّماء .
بارزت قيسًا في الهوى..
قيسٌ معي ..
خسرَ اللقاء!!
لا تعجبي

 

 

     عروض سينمائية عالمية وتونسية بمسرح المحاري الحمامات 

 بعد اختتامها للباقة 41 لمهرجان الحمامات الدولى تواصلت العروض السينمائية العالمية بذات الفضاء مسرح المحارى بالحمامات ـ 60 كلم جنوب العاصمة التونسية فى انتصار للفن السابع وفى حضور لأكثر من عشرة أفلام غالبيتها أمريكية جديدة، ليكون الاختتام من خلال سهرة السينما التونسية من خلال شريطين سينمائيين حديثين الأول لمعز كمون كلمة رجال والثانى لمحمد الزرن الأمير
.وهذا دليل العروض السينمائية وخلاصة حكاية كل فلم منها:على شاشة الحمامات"مملكة السماء": الحروب الصليبية بنظرة جديدة لرادلى سكوت شريط غير مسموح لعرضه للأطفال لتضمنّه مشاهد عنف..كثيرة هى الأشرطة السينمائية والأعمال التى تناولت تاريخ الحروب الصليبية الأوروبية الموجهة ضد الاسلام فى بيت القدس ولكنها قليلة هى الأعمال والآثار التى تطرقت لذلك بنظرة قاربت "الموضوعية" أو بينت الوجه الخفى للطمع الأوروبى وفساد الملك هناك..شريط "مملكة السماء "كيندوم أوف هافن" هو شريط المخرج رادلى سكوت القادم بعد غيبة عن عالم الانتاجات الكبرى وقد جمع حوله كل من أورلندو بلوم..إيفاغرين..ليم نيسون جيرومى أيرونر ادوارد لورتن جون فيش غسان مسعود تعود أحداث الشريط الى القرن الثانى عشر..يتناهى الى علم الحداد الفرنسى الشاب باليان بأنه ابن الوجيه غود فروى دوابلان والذى يملك أراض بالقرب مدينة القدس على إثر مشاركته فى أولي الحملات الصليبية هناك وبعد أن خلف والده الذى سقط فى ساحة المعركة يصبح باليان الفارس الشجاع أحد المقربين الثقاة للملك المصاب بالجذام بودوان الرابع..والذى يسيطر الآن على هدنة هشة بين الصليبيين والقادة المسلمين ولكن موت هذا الملك يقوض السلم برمته وينطلق خليفته غاى دولوسنيون فى حملة ضد قوات السلطان صلاح الدين والذى سيتعد لاستعادة المدينة المقدسة..ہ الطيار "أفياتور" سيرة بطل فى الفضاء/أوت فيلم أمريكى يروى قصة حياة الطيار الذى صنع أسطورة ومجد صناعة الطائرات بأمريكا انطلاقا من حلم فتى يافع كعامة الناس فى بدايته.يظهر فى الشريط الذى أخرجه المخرج الشهير مارتن سيكور سينرنى كل من ليوناردو دى كابريو..كايت بلانشات أليك بالدوين ويروى مسيرة أكثر من 20 سنة من الحياة غير العادية للأمريكى هاورد هوغز..رجل الأعمال والصناعى والملياردير ورائد صناعة الملاحة الجوية المدنية والمخترع والمنتج والمخرج السينمائى ومدير استوديوهات التصوير والمغرم بحياة الحب والجمال .هذا المغامر أصبح فيما بعد رائدا فى صناعة الطائرات وإليه تعود الطائرات العملاقة هرقل ..فيلم مليء بالتشويق لهذه الشخصية الاستثنائية حقاہ يوم خطوبة طويل على أودراى توتو/ من بطولة أوراى توتو غاسبار أوليال..وأبرت دوبنتال..تعود أحداث الشريط الى سنة 1919..تبلغ ما تيلدا من العمر 19 سنة وقبل عامين من ذلك غادر خطيبها البلاد للالتحاق بجبهة الحرب. على غرار الملايين أمثاله..تصلها الأخبار بأنه قتل فى ساحة الشرف بل وتناقلتها البلاغات الرسمية للحرب..ولكنها بإحساسها ترفض تصديق ذلك والأخذ بهذه المسلمة فلو كان قد مات سلمت بذلك فى داخلها. ومن ثمة تنطلق وراء حدسها كآخر خيط يربطها بحبيبها الغائب..بل ويخبرها عسكرى قديم فى الجيش بأن خطيبها ماناش قد قتل فى المنطقة المعزولة والمحظورة فى أحد الخنادق المعروف بـ بينغو الغروب رفقة أربعة آخرين متهمين بالتغريب والتمثيل العمدى بالأعداء..ترفض ما تيلد تصديق ذلك وتنطلق فى رحلة البحث وكشف حقيقة الموت من عدمه لخطيبها ماناك كلمة رجال لمعز كمّون و الأمير لمحمد زرن فى ليلة السينما التونسية بعدما تعذّر بدء العروض بكلمة رجال لمعز كمونعلى إثر نزول الأمطار تقرر تنظيم ليلة السينما التونسية فى سهرة 31 أوت يعرض فيها كلمة رجال لمعز كمون و الأمير لمحمد الزرن والأول هو من بطولة جمال ساسى وفتحى مسلمانى وجميلة الشيحى ورمزى عزيز ولطفى الدزيرى ويروى الشريط المصير المأساوى ـ الهزلى لثلاثة أصدقاء: ساسى وعبّاس وسعد..وينتمى ثلاثتهم الى أوساط عائلية متواضعة ومن أصيلى مدينة نفطة بالجنوب التونسي.تنطلق القصة فى السبعينات بنفطة وتثير موضوع طفولتهم طفولة عاشوها فى الدروس القرآنية والألعاب وقصص الحب والتعاهد على الصداقة وخاصة الانبهار الذى يلازمهم حين يرون أناس تونس العاصمة يمرون فى سيارات المرسيدس اللامعة..وهى رمز النجاح والثراء بالنسبة لهؤلاء الاطفال الفقراء والخياليين..وبعد 30 سنة تتواصل الحكاية فى تونس. حيث نرى ساسى وعباس وسعد قد عاشوا بعض المغامرات وتراهنوا فيما بينهم على قصص الحب..ہ الواقع والعلم فى أمير محمد الزرن اختتام العروض أوت مع شريط الأمير لمحمد زرن ويدور موضوعه حول كوميديا واقعية وشاعرية فى الوقت نفسه..تطمح لرسم لوحة لا تشوبها التنازلات حول العلاقات الاجتماعية فى تونس المعاصرة..وقد تم تصويرها كليا فى ديكورات طبية بتونس العاصمة ويغلب عليها الطابع التسجيلى فهى تروى فعلا مغامرات بائع ورود شاب حالم يدعى عادل يسعى لغزو قلب

 

 

   ألف وجه لألف عام - باندواغن لفنسنتي مينيللي: عالم الاستعراض المدهش 

قبل زمن طويل من بروز المخرجين ذوي الأصل الايطالي والمواضيع المتحدث معظمها عن شخصيات و»عائلات» ذوي أصول ايطالية وهويات أميركية، في السينما الهوليوودية، قيض للفنانين الايطاليي الأصل ان يساهموا مساهمة أساسية في بناء صرح البعد العالمي للسينما الأميركية. ولئن كانت هذه المساهمة خفية خلال العقود الأولى من عمر هذه السينما، فإنها تفاقمت بعد ذلك وصارت جزءاً أساسياً، كما هي حال مساهمات ذوي الأصول الألمانية والنمسوية والفرنسية، وغيرهم من الذين كانوا في طريقهم لابداع كوزموبوليتية هوليوود التي نعرفها. ولعل ذكر أسماء مثل فرانك كابرا وفنسنتي مينيللي، يكفي لإعطاء فكرة عما نقول. والغريب في أمر هذين بالتحديد هو ان سينماهما بدت أميركية خالصة في نهاية الأمر، حيث ان كلاً منهما تمكن من التأسيس لتيار سينمائي بدا متفائلاً بواقع أميركا ومستقبلها: سينما الرصد الاجتماعي لدى كابرا، وسينما الكوميديا الموسيقية لدى مينيللي، حتى وان كنا نعرف ان النوعين كان لهما رواد آخرون حققوا الإرهاصات. وكما هي الحال بالنسبة إلى كابرا، الذي واكب تفاؤلية الصفقة الجديدة الروزفلتية من موقع متقدم مروجاً لها، كانت لمينيللي أيضاً فلسفته ونزعاته الضمنية، حتى في أفلام قد لا يشي ظاهرها بوجود مثل ذلك البعد. ومن أفلام مينيللي التي يمكن التوقف عندها في هذا المجال فيلم «باندواغن» (عربة الفريق) الذي عرف فرنسياً وعالمياً باسم «الكل فوق الخشبة».- هذا الفيلم الذي حققه فنسنتي مينيللي (زوج جودي غارلاند ووالد لايزا مينيللي) في العام 1953، حمل من ناحية الفكر – وهو أمر لا نجد بأساً في الإشارة إليه منذ الآن – النزعة التي طغت على أفلام هذا المخرج بشكل عام، ونلخصها بـ «المجابهة بين الواقع والحلم، كما يعيشها شخص مركزي في العمل – هو هنا الفنان -، وذلك عبر ما يمكن تسميته عجزه عن تأقلمه مع الحياة»، بحسب تعبير ناقد فرنسي انشغل دائماً برصد أعمال مينيللي واستخلاص إبعادها. وهذه الفكرة نفسها سنجدها واضحة لو تحريناها، في العدد الأكبر من أفلام مينيللي حتى ولو بدت ترفيهية خالصة في ظاهرها. لقطة من «باندواغن» لفنسنتي مينيللي. - الفنان المعني في «باندواغن» هو نجم الرقص الشهير طوني هانتر (فرد آستر) الذي يقدمه لنا الفيلم منذ البداية مهووساً بنفسه وبنجاحه الماضي، معتقداً ان هذا النجاح لا يزال كبيراً، وان اسمه لا يزال يلمع كالنجوم. وهو الآن، إذ اكتهل بعض الشيء، يقوم بسفر فيه عودة إلى نيويورك، وبخامره طوال الرحلة الانطباع بأن الجمهور سيقف محتشداً في انتظاره ليرحب به، مقدراً عطاءاته الفنية وتجديداته المدهشة في فن الاستعراض. غير ان طوني لا يتنبه إلى ان هذا كله صار من الماضي، ثم لا يتنبه أول الأمر الى ان الجموع المحتشدة عند محطة الوصول، والتي يخيل إليه أولاً انها اتت لاستقباله، انما هي هنا لاستقبال نجمة الموسم آفا غاردنر (وتقوم بالدور آفا غاردنر نفسها). وهكذا إذ يشاهد الجمهور نجمته هذه يلتف من حولها صارخاً مرحباً، من دون ان يلتفت احد إلى صاحبنا طوني. بل، في الحقيقة، يلتفت إليه زوج من الفنانين المعجبين به إلى حد الإفراط هما لسلي وليلي مارتون اللذان اتيا حقاً لاستقباله، ولكن لإقناعه بأن لديهما مشروعاً يؤمن عودته إلى النجاح والنجومية. ييأس طوني أولاً من كل شيء، ولا يجد فائدة في مسايرة الزوجين مارتون في مشروعهما. ولكن بعد حين واذ يقبل المخرج الشهير جيفري إدارة المشروع، الذي هو عبارة عن استعراض مسرحي كبير، يجد طوني ان لا بأس في ان يجرب حظه من جديد، لعل وعسى، خصوصاً ان آل مارتون يبدوان متفانين في خدمته. ويبدأ التحضير الفعلي للمشروع، بعد ان يتم الاتفاق مع نجمة رقص فاتنة وكبيرة هي غابريال جيرارد (سيد تشاريس)، ما يضمن منذ البداية مستوى معيناً وإقبالاً لا بأس به من الجمهور، بدا المخرج متوقعاً له. غير ان سوء التفاهم سرعان ما يسود بين النجمة الصبية المزدهرة، والراقص المكتهل الذي يبدو متمسكاً بقيم «لم يعد لها مكان في هذا الزمن». وشيئاً فشيئاً يبدو الصراع بين نجم الماضي، ونجمة الحاضر، صراعاً لا برء منه، على رغم كل المحاولات التي يبذلها المخرج، ويبذلها معه آل مارتون... ويبدو كل من النجمين غيدا متمسكاً بمواقفه ونرجسيته، ما ينذر بكارثة. وهنا أمام هذا المأزق، يدرك طوني ذات لحظة ان الخلاف والتنافس ربما يكون ناجماً عن أسلوب عمل المخرج، لا عن صعوبة التفاعل بينه وبين غابريال، وهكذا يحدث انقلاباً يمسك بموجبه الأمور بين يديه مغيراً، بشكل جذري، من طرائق العمل وأسلوب الإخراج، ومن التعامل مع المشروع ككل... وذلك استناداً إلى تصوره المعهود لإخراج هذا النوع من الأعمال الموسيقية. وإذ تستجيب غابريال لهذا كله وقد بدأ يلوح عليها، أمام خوض طوني للعمل، بداية تعاطف معه وإعجاب به، تحدث المعجزة: يتحول الاستعراض من عمل ناشف تقليدي لا روح فيه، إلى عمل حي حيوي صاخب. ويتبدى هذا مؤكداً من خلال تفاعل جمهور مدن الأرياف حين يقوم الاستعراض بجولة تمهيدية فيها، قبل وصوله إلى نيويورك. اما الافتتاح النيويوركي فانه يكون رائعاً، حيث يشكل الاستعراض الذي يقدم، مفاجأة فنية حقيقية، تعيد لطوني هانتر اعتباره ومكانته، وتجمع بينه وبين غابريال التي، إزاء هذا كله، تصبح حبيبته. أما الجمهور – جمهور الاستعراض في الصالة المسرحية، وبالتالي جمهور الفيلم في الصالات السينمائية – فانه يسعد حقاً بعمل استعراضي، اعتبره نقاد كثر، ولسنين تالية من الزمن، واحداً من اجمل الاستعراضات التي قدمها فيلم من ذلك النوع.- غير ان متعة الاستعراض هذه لم تكن المتعة الوحيدة التي حظي بها الجمهور.. ذلك ان الأجمل من هذا، والذي شكل جديداً متكاملاً، كان ما أتاحه الفيلم لملايين المتفرجين من ان يلجوا عالم ما وراء الكواليس، والتحضير للعمل الفني: اتى الفيلم أشبه بعمل قيد التحقق، بكل ما في هذا من لذة واستجابة لروح التلصص. فالفيلم، في أجزاء عدة منه بعث كاميراه تخوض في التفاصيل وتصور المساجلات والخلافات وكذلك لحظات الوئام والحنان. زارت الكاميرا غرف الماكياج وغرف الملابس. واكبت القلق المتواصل، وفرح الانتصار النهائي، تفرست في ملامح الممثلين والفنيين، كما بنت أمام أعين المتفرجين حكاية الحب التي راحت، بعد تنافس وخصام – تنمو بين نجمي الرقص على رغم فوارق السن بينهما. على طريقتها إذاً، كانت كاميرا فنسنتي مينيللي عين بصاص حقيقي. ولقد ساهم هذا مساهمة أساسية في نجاح الفيلم وتقبل الجمهور له، ما أسس لمثل هذا النوع الذي عاش عقوداً وعقوداً ولا يزال.- فنسنتي مينيللي (1910 – 1986) عرف في هوليوود، قبل «باندواغن» وبعده بحرفيته المدهشة، وذوقه الفني الرفيع، وبخاصة بمزجه بين أقصى درجات الجدية وأقصى درجات المرح.. من دون ان يخوض دائماً تلك السينما الكوميدية الموسيقية التي ارتبطت باسمه. ومن ابرز أفلامه «أسبوعان في مدينة أخرى» و «نشيد ميسوري» و «جنون زيغفريد» و «القرصان» و «أميركي في باريس» و «بريغادون.

top

   Iraq designer

Email: nana20042005@hotmail.com