|
حافظة
نيلسون كتاب جديد لمارتين دونير
صدر مؤخراً عن دار كورجي كتاب عنوانه "حافظة
نيلسون" لمؤلفه مارتين دونير الذي تعرف أثناء عمله كرئيس لقسم المجوهرات في
سوثبي على أشياء ومتعلقات تنتمي إلى اللورد نيلسون القائد الحربي البريطاني،
وكان قد تركها لصديقه الكسندر دافشين بما فيها حافظة بها بقعة دماء، كان قد
مزقها نيلسون في معركة الطرف الأغر.
يوضح الكتاب أيضا طبيعة وأهمية العلاقات الشخصية في العصر النابليوني. ويرى
المؤلف أن الصداقة في تلك الأيام كانت محملة بمعاني مختلفة عن المألوف لدينا،
لكنه يتساءل ويحقق في أمر دافشين الغارق في الديون وتعاملاته المالية المراوغة،
ورشاويه السياسية ليرسم بذلك صورة واسعة وغنية عن السلطة والشخصية وتأثيرهما في
القرن التاسع عشر
معرض لمروان
قصاب باشي في بيروت

افتتح في العاصمة اللبنانية بيروت معرض الفنان
السوري العالمي مروان قصاب باشي بهدف تكريمه وتقديمه للجمهور وعشاق الفن في
لبنان والعالم العربي، والتعرف على لوحاته التي حازت على جوائز عالمية قيمة
أصبحت تشكل جزءاً من مقتنيات المتاحف العالمية. ويستمر المعرض لغاية 31 أغسطس
2005.حضر حفل الافتتاح العديد من الشخصيات الرسمية والدبلوماسية وكذلك
الأكاديمية والفنية بالإضافة إلى كافة وسائل الإعلام. وكان هذا المعرض هو الأول
من نوعه الذي ينظم لهذا الفنان الكبير في منطقة الشرق الأوسط. كما أنه جاء في
إطار المبادرات التي تتخذها شركة سوليدير منذ إعادة إعمار وسط بيروت لتشجيع
الأعمال الفنية بحيث تستعيد العاصمة اللبنانية دورها الثقافي والفني الذي عرفته
في تاريخها. تجدر الإشارة إلى أن الفنان مروان حاز على أعلى وسام في ألمانيا "وسام
استحقاق الجمهورية الألمانية الاتحادية" منحه له رئيس جمهورية ألمانيا الدكتور
هورست كولر في احتفال رسمي أقيم أخيراً تقديراً لأعماله وإنجازاته في عالم
الإبداع والفن التي وصفت بأنها تشكل جسراً بين الحضارات من الشرق إلى الغرب ومن
الشمال إلى الجنوب. ويعتبر هذا الوسام تكريماً كبيراً لأنه يمنح للمرة الأولى
لفنان عربي
توظيف
الخداع البصري في معرض للفن التشكيلي
تعتمد لوحات الفن التشكيلي علي الوضوح
والمباشرة، فيستطيع الانسان الذي ينظر للوحة أن يتشف مغزاها والمعني الذي يقصده
الفنان منها.
ولكن أن يعمد الفنان علي استخدام الخداع البصري في التعبير عن الافكار والرمز
التي يرغب في توصليها إلي محبي الفن التشكيلي، وعلي ذلك ينجد أن قليل من
الفنانين هم من لديهم القدرة علي تحقيق النجاح في هذا المجال.
وقد تمكن الرسام الاسباني خوان ميرو أن يستخدم تقنية الخداع البصري في التعبير
عن افكاره المختلفة، وحول طرق توظيف ميرو للخداع البصري في الفن التشكيل يقام
حاليا في متحف طوكيو للفنون بالعاصمة اليابانية معرضا بعنوان "ميرو وتقنية خداع
البصر" للرسام خوان ميرو.
يحتوي المعرض علي مايقرب من مائة لوحة توضح كيفية تعامل ميرو مع هذه التقنية
المتفردة وتوظيفها للتعبير عن أفكاره . ومن جهة أخري يقدم المعرض مجموعة من
المقتنيات الشخصية والتذكارية لميرو والتى تعبر عن شخصيته واتجاهه الفكرى.
يستمر المعرض حتى نهاية سبتمبر القادم
محمد علي حاكم
كبير أم ديكتاتور

سلوى اللوباني
في التاسع من يوليو عام 1805 م، تم تعيين محمد علي والياً على مصر مع منحه لقب
باشا، وبمناسبة مرور قرنين من الزمان على توليه الحكم، تتم التحضيرات في
القاهرة وفرنسا للاحتفال بالمئوية الثانية على حكمه، فستقام ندوة دولية في
مكتبة الاسكندرية يشارك فيها العديد من الكتاب والمؤرخين والصحفيين من مصر
وفرنسا، والجدير بالذكر أن الاسرة العلوية التي ينتمي لها محمد علي انتهى حكمها
ونفي آخر ملوكها وهو الملك فاروق بقيام ثورة يوليو عام52.
اختلفت الآراء حول محمد علي باشا وحكمه، فهناك من وصفه بالديكتاتور، والبعض
اعتبره أنانياُ فكان همه فقط اعداد مصر لتكون مملكة له ولاسرته من بعده، والبعض
اعتبره مؤسس مصر الحديثة، اصدر المؤرخين والكتاب العديد من الكتب والمقالات
والدراسات عن محمد علي باشا وفترة حكمه لمصر، ومن بين هذه الاصدارات أحدثها وهو
كتاب " قِسمة القدر العجيب لمحمد علي باشا الكبير مؤسس مصر الحديثة" لنيفين
يسري، رواية تاريخية مؤثرة لشخصية تركت بصمتها على مصر والعالم أجمع، يحتوي
الكتاب على 200 صورة والعديد من الخرائط، تميز اسلوب الكاتبة بالسلاسة فلا تمل
من قراءة الاحداث التي نقلت محمد علي من بلدته قَولَة الى مصر، وتجذبك الرواية
الى آخر صفحاتها لتتعرف على نهاية محمد علي مؤسس مصر الحديثة، أظهرت الكاتبة
العديد من اللحظات والمواقف في حياة محمد علي والتي تقدم للقارئ فكرة عن شخصيته
وروح الشجاعة والمبادرة التي تحلى بهم ليحقق غايته في نقل مصر من مجرد ولاية
تابعة الى الامبراطورية العثمانية الى دولة يحسب لها الحساب، كما ورد في الكتاب
العديد من الكلمات والأسماء التركية/ العثمانية التي لا يزال بعضها مستخدم في
مصر حالياً مثل الحرملك، مولاي، باشا، سيدي، هانم، طوسون، نازلي، قادن، افندي،
سرايا، بك وغيرها. وسنقدم صورة مختصرة للقارئ من كتاب " قِسمة محمد علي" ليتعرف
على بداية ونهاية مؤسس مصر الحديثة بمناسبة مرور 200 عام على حكمه لمصر.
البداية من قَولَة:
أجداد محمد على من مقدونيا في تركيا و استقروا في مدينة قولة الواقعة على بحر
ايجه بين تركيا واليونان، ولد في قولة عام 1769 م، والده ابراهيم آغا رئيس
الحرس المختص بحراسة الطرق ببلده، ووالدته السيدة زينب، كان اكبر اخوانه واخوته،
توفيت والدته بعد فترة من طفولته، وايضاً توفي والده بعد فترة وجيزة لينتقل هو
واخوته للعيش مع عمهم الذي لم يكن لديه الوقت او الدراية في تربية الاطفال،
فوصل محمد علي لسن الرابعة عشر وهو لا يعرف الالف من الباء.
كان شخصية قيادية منذ صغره، شجاع يتميز بروح المبادرة، قرر ان يدخل في مجال
الشرطة، وكانت مهمته القيام بدوريات ما بين قولة والقرى المجاورة للحفاظ على
القانون والامن، وشاعت سمعته بسرعة بين القرى لما تميز به من الشجاعة والجرأة
في كل المنطقة.
تزوج من "أمينة" ورزق بخمسة اطفال، ثلاثة أولاد ( ابراهيم، اسماعيل، طوسون)
وبنتين، وبعد زواجه استقر في مدينة نصرتلي، وكانت تصفه زوجته بانه شخصية ساحرة
يجد الكلمة المناسبة دائماً التي تؤثر في القلب، ازداد نفوذه مع مرور الوقت
وكانت سمعته تسبقه بين القرى، فكان مشهوراً بالقوة والقيادة، ونال احترام الناس
كافة، ولم يكن يتراجع عن واجبه ابداً فلا يتوانى عن الدفاع عن الناس وعن القرى
في اي موقف، وكان طموحه لا حدود له مما بدأ يزعج عمه خوفاً على مكانته.
في عام 1798 قام نابليون بونابرت بغزو مصر، فصدرت الاوامر لجميع انحاء
الامبراطورية العثمانية بتجنيد القوات وارسالها الى مصر، لذلك طلب عمه من
السلطة العليا في تركيا ارسال محمد علي مع الحملة المتوجهة الى مصر ليتخلص منه،
وكان متأكداً بأن محمد علي لن يرفض بسبب ايمانه وتمسكه بالواجب الوطني، ولم يكن
عمه يعلم بأنه قدم لمحمد علي الولاية والمجد بارساله الى مصر، ولعب القدر
العجيب لعبته في حياة محمد علي.
حلم المجد والولاية الذي تحقق:
وقبل الانتقال الى حكم محمد علي في مصر يجب ان نذكر هنا الحلم الغريب الذي رأته
والدته زينب بابنها محمد علي والطريف انها رأت هذا الحلم ولم تكن بعد قد رزقت
هي وزوجها باطفال، "رأيت ابننا يعتلي فرسا ابيض مزينا بغطاء من الفضة، على سرجه
وركابه الفضية تبرق في الشمس مع كل خطوة، وهو يصعد بصعوبة طريقا وعرا شديد
الانحدار، وعندما وصل الى القمة نزل من على فرسه ليصعد اعلى منصة مغطاة بسجاد
أعجمي رائع، ثم جلس واضعا احدى ساقيه تحته في كرسي ضخم مطلي بالذهب ومبطن
بقطيفة قرمزية وممسكا بسيفه بين ركبيته".
وصل محمد علي بالقوات العثمانية على شبه جزيرة ابي قير في الاسكندرية، واصطدم
مع الجيوش الفرنسية في موقعة ابي قير، انهزم فيها الجيش العثماني، ولكن بعد
عامين كانت الجيوش الفرنسية تغادر الاراضي المصرية، كان محمد علي يزداد شجاعة
بالاضافة الى روح المبادرة وفي المقابل كانت تزداد شعبيته ونفوذه مما جعله
يرتقي الرتب، وكان لديه القدرة على قيادة الرجال فرشح لمنصب رئيس القيادة
العامة وقائد حرس القصر لدى الحاكم العام، هذا المنصب اعطى محمد علي سلطة كبيرة
في القاهرة مما سمح له بالتعامل مع القيادات المصرية والدينية وعلماء الشريعة
الاسلامية، والمدرسين ورؤساء الشركات اي مع جميع الفئات المؤثرة في سياسة مصر،
وكان مصمما على اعادة التنظيم والادارة في مصر. محمد علي والي على مصر:
كانت تلك الفترة في تاريخ مصر مليئة بالفوضى والبطش والتنافس على السلطة، فحاكم
مصر كان غير قادر على السيطرة على زمام الامور، والمماليك بطشهم يزداد،
بالاضافة الى اطماع بريطانيا وفرنسا لنهب خيرات مصر، فاحتج العلماء والمشايخ
والجنود في المجتمع المصري على تدهور الحالة وكان محمد علي الداعم الاكبر لاهل
مصر بأخذ حقوقهم والوقوف الى جانبهم، فأعلنت الثورة في مصر ضد المماليك ولعزل
حاكم مصر وتم تعيين محمد علي مكانه، ورحب الشعب المصري بمحمد علي، واصبح تعييته
رسميا بعد ان ارسل السلطان من تركيا مرسوماً بتعيين محمد علي والي على مصر عام
1805 مع منحه لقب باشا، وتذكر محمد علي حلم والدته التي كانت تحدثه عنه دائماً
وهو يعتلي منصة العرش عند القلعة بعد ان سار به موكب عظيم في القاهرة، ذلك
الحلم الذي رأته والدته قبل ولادته.
انجازات محمد علي في مصر:
قدم محمد علي الكثير لمصر، فعندما تولى حكم مصر كانت لا تزال تابعة للدولة
العثمانية قرابة 3 قرون، وتتنازع عليها الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا، كما
كان المماليك ينشرون فيها الفساد ويبطشون بأهلها، وعند توليه الحكم استطاع
التخلص من كل هؤلاء وقضى على أعدائه في مذبحة المماليك المشهورة، وحصل لمصر على
كيانها واستقلالها. اولويات الحكم عند محمد علي كانت السيطرة على زمام الامور
في مصر، فقام بتكوين جهاز مباحث سرية مكنه من التحكم في مجريات الامور وضبط
البلد، وكان يتمتع كما ذكرنا بالروح الوطنية والقومية التي وجدها عند اهل مصر،
لذلك بدل تدريجيا اللغة التركية التي كانت سائدة في مصر الى اللغة العربية
واصبحت اللغة الرسمية في الحكومة والادارة.
وقد عانى محمد علي من الامية فقد تعلم القراءة عندما بلغ سن الاربعين، فكان ذلك
حافزا له ليدرك مدى اهمية التعليم فأمر بانشاء عدد كبير من المدارس، وأنشأ
وزارة التربية والتعليم وتدريجيا كانت المدارس الجديدة تفتح يوم بعد يوم،
بالاضافة الى مبادرته لتعليم الفتيات التي تحسب له في تلك الفترة، فلقد واجه
معارضة شديدة من الجميع بسبب العادات والتقاليد، كما أنه كان يرسل المتفوقين في
بعثات الى اوروبا لاستكمال علومهم، وعند عودتهم كان عليهم ترجمة ما تعلموه الى
اللغة العربية ثم تدريسه في المدارس.
ثم أنشأ كليات الزراعة والطب البشري والبيطري، والفنون الجميلة، وكان فخورا
بمستشفى ابو زعبل التي أنشأها، ثم امر بالتوسع في زراعة القطن، وادخال زراعة
القنب والكتان، واشجار الزيتون، أنشأ اول مصنع نسيج، كما اسس عدد من الكليات
الحربية وطور الجيش المصري، و أمر المهندسين بتاسيس نظام عبقري للري عن طريق
انشاء شبكة قنوات وسدود وقناطر خيرية تقوم بحجز مياه النيل ثم توزيعها الى كل
الاتجاهات، وامر بتنظيف الطرق وتجميل الشوارع فتمت زراعة الاشجار، بالاضافة الى
بناء مسجده الرائع في القلعة، الذي قام بتصميمه المهندس التركي يوسف بوشناق،
وكان تحفة معمارية، لم تكن مصر موطنه الاصلي ولكن مع مرور الزمن اصبحت مصر
طفلته بالتبني كما وصفته الكاتبة.
نهاية مؤسس مصر الحديثة:
عندما بدأت بوادر الشيخوخة تظهر على محمد علي باشا كان قد بدأ يعاني من حالات
توهان جعلته غير قادر على اتخاذ القرار وادارة مصر، فبدأ ابنه ابراهيم بادارة
مصر، وكان يدير الحكم دون ان يجرح مشاعر والده، فكان حريصا ان يشعره انه هو
الحاكم الناهي، بدأت حالته الصحية تسوء عندما فقد زوجته أمينة، ومن ثم ابنين
هما طوسون واسماعيل، وكانت الصدمة الكبرى في وفاة ابنته توحيدة بسبب مرض الدرن،
واختلفت الاراء في تشخيص حالته، فكان البعض يرى ان حالته سببها الديزنطاريا،
والبعض قال سببها عامل السن وسوء تغذية المخ بالدم، او بسبب دواء مهدئ الاعصاب
الذي كان يتناوله، واكثر من مرة كانت حالة محمد علي الصحية تسوء ويعتقد من حوله
انها النهاية ولكنه يستمر ويقاوم، ومن مفارقات حياة محمد علي باشا ايضا ان ابنه
ابراهيم توفي في حياته، ولكنه كان في شبه عزلة عن العالم من حوله فلم يجرؤ احدا
على اعلامه بخبر وفاة ابنه، ولكنه شعر بذلك بعد فترة وقال لمن حوله " ابننا
ابراهيم باشا قد توفى، انهم يدفنونه الان"، ونصح الاطباء باقامته في الاسكندرية
ليتمتع بهوائها النقي، وبعد ست سنوات اصيب قلب محمد علي بخلل وسبب اضطرابا في
الدورة الدموية مما ارهق عضلة القلب واصبح التنفس صعباً، وفي الساعة الحادية
عشرة من صباح يوم الخميس في الثاني من اغسطس عام 1848 م ، الموافق الثالث عشر
من رمضان عام 1265 هـ توفي محمد علي باشا الكبير، ونقل الجثمان الى المركب الذي
سينقله الى القاهرة وتجمع اهالي الاسكندرية لتوديعه، لف الجثمان بشالات اعجمية
ووضع على عربة مدفع يسبقها كتيبة من المشاة يتبعهم ضباط يحملون وسادات من
القطيفة الحمراء عليها اوسمة والي مصر، اقيمت صلاة الجنازة في مسجد السيدة زينب
ثم سار الموكب الى ان وصل الى مسجد محمد علي بالقلعة، ودفن في المقبرة التي
اعدها لنفسه داخل الجامع.
امتد عصر محمد علي من 1805- 1848 م، وبالرغم من اختلاف الاراء حوله ولكن لا
يستطيع احد ان ينكر انه حفر اسمه وانجازاته لمصر على الساحة العالمية ، ولا
يمكن لاي مؤرخ او كاتب ان ينكر دوره في مجال تقدم مصر، والمفارقة هنا ان حلم
والدته قد تحقق لان اسمه وانجازاته محفورة للابد في سجلات التاريخ، رحل محمد
علي باشا عن مصر بعد ان وصل اليها قبل 51 عاما وهي ولاية عثمانية انهكتها
الحروب والفوضى وتركها وهي ارقى موانئ البحر المتوسط
الموجة الجديدة الفرنسية: خلط اليمين باليسار وأخلاقية روسيليني بدينامية
هيتشكوك
على عكس ما قد يخيل الى كثر من الذين يتحدثون
عن ( الموجة الجديدة) في السينما الفرنسية، لم يكن هذا التعبير، حين ظهور
السينما التي انتمت الى هذا (التيار)اسماً رسمياً له، بل كان اسماً عاماً
أطلقته الصحافية فرانسواز جيرو في مقال لها في مجلة (الاكسبرس) على كل ما هو
جديد في نتاجات الأجيال الشابة في الميادين كافة. أما حين طبق التعبير على
السينمائيين الطالعين حديثاً في ذلك الحين، فإنه استخدم للسخرية منهم لا أكثر.
ولكن حدث له، مع مرور الزمن أن ترسخ وصارت تعرف به تلك الأفلام التي ولدت في
فرنسا خلال النصف الثاني من سنوات الخمسين.واليوم، طبعاً، صارت (الموجة الجديدة)
جزءاً من تاريخ السينما، وثمة في العالم كله سينمائيون يعلنون، في شكل أو آخر،
انتماءهم الى هذه الموجة... ولكن، غالباً، في خلط تام بين الموجة، كتيار
سينمائي شكلي وتقني، وبين المجلة التي كانت وراء ذلك كله: مجلة (كراسات السينما)...
ذلك ان القسم الأكبر من السينمائيين الذين حققوا أول أفلامهم خلال النصف الثاني
من سنوات الخمسين، كانوا إما نقاداً يكتبون في هذه المجلة، وإما قـراءً لها
متحمسين، وإما من حواريــي النــاقــد الكبــيــر أندريـــه بازان، الذي كانت
كتاباته، منذ أواسط الأربعينات، تحض على ابداع سينما جديدة، بأساليب جديدة
وأفكار جديدةالجزائر منطلقاً في هذا المعنى وفي الكثير من التفاصيل، تكاد (الموجة
الجديدة) الفرنسية تكون شبيهة بـ (الواقعية الجديدة) الايطالية... لكن الفروقات
بين التيارين كبيرة، حتى وإن كان كل منهما ولد من رد فعل على حرب ما: الحرب
العالمية الثانية بالنسبة الى التيار الايطالي، وحرب الجزائر بالنسبة الى
التيار الفرنسي. ولنقل هنا ان في رأس الفروقات، ان سينما (الواقعية الجديدة) في
ايطاليا ولدت من رحم العامل الاجتماعي وفي انطلاقة سياسية يسارية واضحة،
ولأهداف ايديولوجية لا لبس فيها. أما (الموجة الجديدة) في فرنسا، فهي – على
يساريتها – كانت أقرب الى نزعة فوضوية انسانية عامة، تجد جذورها في السينما
الأميركية نفسها، ولا سيما في سينما هوارد هاوكس وألفريد هتشكوك
. ثارت السينما على الفاشية وعلى تاريخ يزيف الواقع. أما في فرنسا فإنها ثارت
على بلادة سينمائية مستشرية، كما على سلطة سياسية يمارسها آباء هزموا ولا
يعرفون ان العالم يتغير ونبض الشارع يتغير. واذا كان السينمائيون الايطاليون
انطلقوا وهم يعرفون ماذا يريدون... فإن زملاءهم الفرنسيين انطلقوا وهم يعرفون
فقط ماذا يرفضون. أولئك جاءوا من السياسة والمجتمع والنضال الايديولوجي. وهؤلاء
جاءوا من صراع الأجيال والإرث السينمائي العالمي نفسه. ومهما يكن من أمر، فإن
حياة «الموجة الجديدة» كانت، وللأسباب نفسها، أطول كثيراً وأقصر كثيراً من حياة
«الواقعية الجديدة». فإذا كانت هذه الأخيرة دامت عقداً من السنين، فإن «الموجة
الجديدة» كتيار لم تدم أكثر من نصف دزينة من السنين... لكنها كأفراد دامت طويلاً
وهي في بعض الحسابات لا تزال مستمرة الى اليوم. ذلك، خصوصاً، أن ثورتها
الشكلانية، وكانت أهم ما فيها، عرفت كيف تعم سينمات العالم كله وتغري سينمائيين
كثراً فيه، وقد ساعد تطور التقنيات وانتشار اللغة التلفزيونية على ذلك.نظرية
وتطبيق والحقيقة اننا بقولنا هذا، نكون قد لامسنا جوهر الموجة الجديدة، كما
تجلت، أواسط الخمسينات، في سينمائيين أتوا من مصدرين مختلفين انما غير متناحرين:
الأول هو الفيلم التسجيلي القصير، والثاني الحركة النقدية، تجمع بين الاثنين
حركة نوادي سينما كانت واسعة الانتشار وحصناً للتقدم الفكري في فرنسا، عند زمن
الانعطاف بين الجمهورية الرابعة ومفاسدها، والجمهورية الخامسة (جمهورية شارل
ديغول) ووعودها. وازدواجية المصدر هذه، هي ما جعل المؤرخين يتحدثون عن تضافر
بين النظرية (الحركة النقدية) والتطبيق (حركة السينما التسجيلية)، لإيجاد سينما
كان – على أية حال – منطلقها الأساس تمكّن كلود شابرول من تحقيق فيلم أول هو «سيرج
الجميل» بكلفة ضئيلة جداً – حصّل المبلغ من ميراث زوجته -، وصلت الى أقل من 15
في المئة من كلفة أي فيلم فرنسي في ذلك الحين. وكان فيلماً صوِّر في أماكن
حقيقية ومن دون نجم شباك، وفي لغة تقترب من حدود استخدام الكاميرا كقلم للكتابة
(بحسب تعبير شهير لألكسندر استروك)، ما أتاح مجالاً للارتجال... وكأن الفيلم
صار شريحة من الحياة نفسها. وقد حقق الفيلم حين عرض نجاحاً جماهيرياً، وردود
فعل نقدية، كشفت لبعض المنتجين المغامرين امكانات واسعة، فراحوا يوظفون أموالاً
زهيدة – آملين، عن صواب، أن ينالوا في مقابلها دعماً حكومياً مماثلاً، ما جعل
بعض الأفلام يحقق أرباحه حتى قبل أن ينتج! -، وتتالت الأفلام تباعاً، وبعضها
متجاوزاً، فنياً وتقنياً، لـ «سيرج الجميل» من بعيد جداً: «العشاق» (1959) للوي
مال، «الضربات الـ 400» (1959) لفرانسوا تروفو، «على آخر رمق، (1960) لجان -
لوك غودار، «لولا» (1960) لجاكديمي، وأيضاً «أبناء العم» (1959) لشابرول نفسه...
ويمكننا أن نضيف الى هذه الأسماء المؤسسة: «هيروشيما باجي» (1959) لآلان رينيه،
و «انا... أسود» لجان روش (1957) وأفلاماً لآنييس فاردا... وغيرها.لغة تجديدية
طبعاً هذه الأفلام ليست كل أفلام «الموجة الجديدة» بل هي ارهاصاتها الأولى...
ولعل من الأفضل القول انها الأفلام التي أسست ووضعت القواعد، لأن ما تلا ذلك،
مع بداية سنوات الستين، واذ راحت ثورة الأجيال الشابة تتحرك في كل القطاعات في
فرنسا، انتقلت الموجة الجديدة من شكلها التأسيسي الجماعي، الى أشكال أكثر فردية،
ظلت دائماً على علاقة بالاندفاعات الأولى – وأحياناً عمقتها كما لدى آلان رينيه
الى حين، وجان – لوك غودار دائماً -، ولكن كي تخلق توجهات جديدة، دائماً في
مجال اختيار المواضيع الأقرب الى الحياة، ولكن في أغلب الأحيان في مجال ابداع
لغة سينمائية تجديدية (مثلاً في مجال التعبير عن العواطف الانسانية والعلاقات
كما لدى تروفو، أو في مجال خلق رؤية جديدة لسينما التشويق المستمدة مباشرة من
هتشكوك، كما لدى شابرول، أو في الامعان تعمقاً في النضال السياسي، كما لدى
غودار).منذ البداية، اذاً، لم يخفِ أصحاب «الموجة الجديدة» تعلقهم بأنواع معينة
من السينما الأميركية، وهو ما عبرت عنه بوضوح مجلة «كراسات السينما» التي
اكتشفت وأعادت اكتشاف سينمات، كانت تعيش في الظل وعلى الهامش في هوليوود (سينما
دلمر دايفيز، جون هسنون، بعض أفلام مانكفتش... وصولاً الى فرانك كابرا) أو ألقت
أضواء تفسيرية جديدة على سينمات معروفة، انما غائمة المعنى في هوليوود، تحت
وطأة الأبعاد التجارية، واستنكاف الأميركيين عن أي تحليل أو تفسير عميق.ولكن،
ألا يضعنا هذا كله، أمام خلطة غريبة بعض الشيء؟ وطالما اننا نتحدث هنا عن ثورة
في الشكل تستوحي أصلاً سينما أميركية كانت «مشبوهة» في ذلك الحين تحت ربقة
هيمنة النقد اليساري، أَفَلَسنا كمن يحكم على التيار حكماً مسبقاً؟ على الاطلاق...
فإذا كانت «الموجة الجديدة» خلطت ثورة الشكل بثورة المضمون، ووحدت في ثورة
تجديدية الى الأمام «سينمائيين يساريين ويمينيين، فإنها عرفت في الوقت نفسه كيف
تقيم تناسقاً، في أفلامها، بين أخلاقية تقدمية مستقاة من سيد الواقعية الجديدة
الايطالية، روبرتو روسليني، وديناميكية ماكرة مستمدة من سيد تقنيات التشويق في
السينما الهوليوودية ألفريد هتشكوك.والمدهش أن هذه الخلطة المزدوجة نجحت، وحتى
باعتراف الناقد ميشال سيمان، أحد أقطاب النقد المضاد في مجلة «بوزتيف» التي
كانت المنافس الرئيس لـ «كراسات السينما»، وبالتالي بكرت في فتح النار على «الموجة
الجديدة»، اذ ان سيمان سيكتب في العام 1983: «لن يكون في وسعنا أبداً التقليل
من أهمية ظاهرة الموجة الجديدة (...) اذ لا مراء في أنه كان لها صدى كبير في
أرجاء العالم كافة، حيث لم يكن له شبيه بعد الحرب، اذا استثنينا الواقعية
الجديدة في ايطاليا. فالموجة الجديدة حررت عدداً من السينمائيين الشبان. واذ
أقول هذا، لا بد من أن أشير أيضاً في الوقت نفسه الى ان هذه الموجة بدت كوكباً
من الصعب الاحاطة به. لكن من المؤكد أنها كانت ظاهرة صراع أجيال، وسيطرة على
السينما الفرنسية، أكثر منها حركة ايديولوجية أو جمالية».ومن الواضح هنا أن
سيمان يعبر في هذا الموقف عن حيرة الحياة الثقافية الفرنسية ازاء هذا التيار.
فإذا كان النقد اليساري مال في البداية الى اعتبارها ثورة بورجوازية صغيرة، لن
يفوتنا أن نتذكر ان جورج سادول وسارتر اليساريين تحمسا لها. أما لويس اراغون
فإنه أعلن دائماً تعصبه الحقيقي لسينما جان - لوك غودار. «سيرج الجميل» لشابرول:
الفيلم الأول. - «على آخر رمق» لغودار: نبض الشارع. - «جول وجيم» لتروفو: سينما
النضوج. - «هيروشيما ياجي» لآلان رينيه
معرض الرسامة غادة
جمال الطبيعة أرض انتماء 
قد تكون العلاقة بالأمكنة سراً من أسرار توجّه
الرسامة اللبنانية غادة جمال لمخاطبة المناظر الطبيعية، التي أخذت تترسخ في
انتاجها منذ العام 1990، أثناء اقامتها في كاليفورنيا، واستمراراً مع عودتها
الى لبنان، حتى بات المنظر بوجهيه المديني – الاغترابي أو الانتمائي المستوحى
من الطبيعة اللبنانية، هو موضوعها الأثير الذي يشغل أحلامها اللونية. والمعرض
الجديد الذي تقيمه في غاليري أجيال، متضمناً 27 لوحة (أكريليك وزيتيات وغواش)
يسعى الى التوفيق بين الواقع والتجريد، على مستويات متنوعة من التجارب
والتمارين اللونية، من دون التخلي عن الجمالية التي ترضي الذائقة البسيطة لعين
المتفرج، كما ترضي الباحث عن خصائص تميز مناظر غادة جمال عن سواها من رسامي
الطبيعة الكثر في زمن رواج المنظر الطبيعي في المعارض البيروتية.فالتحرر في
التجريب هو سمة من سمات ريشة الرسامة وأسلوبها التلويني المتعدد الطبقات
والمراحل. ذلك ما يعطي صفة الدينامية لضربات اللون التي تتحرك على المساحة
بطلاقة، في انهاض المشهد اللوني الذي ينبثق أشكالاً مموهة لجبال وسهول وآفاق
ومنحدرات صخرية. فالتلوين ينطوي على اتجاهين: اتجاه يعمل على بسط اللون على
المساحة، والاتجاه الثاني هو كل ما يأتي بموازاته من التعقيبات الانفعالية
للضربات اللونية التي تقلّم وتشذب وتخطط وتظلل، فتُحدث في شتى تحركاتها
واتجاهاتها، أنواعاً من الزيوح والمنحنيات والأقواس، التي من شأنها ان تهب
المساحة الصماء شكلاً من حيوية نبض الحياة الموجودة في تكاوين الطبيعة.فالتأليف
الذي يحلم بالمساحات الشاسعة، هو أفضل ما تبوح به المناظر الآخذة الى وهج
الأحمر. والأحمر ما هو الا غطاء رقيق يشف عن الوردي، ويتفيأ الأصفر – الترابي.
فالرؤية البانورامية تسعى لاختزان مكونات المنظر، من الزاوية الرحيبة التي تسمح
بتوسيع آفاق المشهد اللوني وتطويره، ما بين القريب والبعيد، في مسافة تقطعها
العين بسهولة وتتجول في أنحاء حقولها المشعّثة كي تخرج من مسارب اللون الى
أماكن الضوء. ولئن كانت المناظر تميل الى التعبير عن خط الأفق للفصل بين الأرضي
والسماوي، فإن ملوانة غادة جمال تجاور بين درجات اللون الواحد، ثم تضيف اليه ما
يقابله أو يكمله أو يناقضه بأقل ما يمكن من الضربات أو اللمسات المسطحة.تشيّد
غادة جمال مناظرها من الذاكرة، المستلهمة في شكل أساس من تكاوين الطبيعة
بهيكليتها الخطوطية ومساحاتها اللونية. فالطبيعة لها هي فضاء لون، ومساحات
مأهولة بالتضاريس والأخاديد، وكذلك هي خط أفق، وأرض وسماء وكثافة وأثير ولون.
فهي تهمل من الواقع تفاصيل الأشكال، مما يقرب مناظرها من المناخات التجريدية.
وهذا الخيار لم يأت عبثاً، بل جاء بعد تقصيات الرسامة في سنوات تكوينها الفني،
وتمرسها في رسم المناظر الطبيعية من المواقع في الهواء الطلق. فالطبيعة تنسجها
بألوان قوية ساطعة ووحشية أحياناً، غير انها على النقيض من ذلك تذهب الى التقشف
في استخدام الألوان المخففة الرقيقة، وتبالغ في التشفيف لإيجاد النور الذي
ينبثق من سراب الطبيعة الصخرية الجرداء الحالمة
تاركوفسكي.. رحلة إلى عالمه الداخلي
"كان تاركوفسكي أشبه بمعجزة.. أحسست فيه بمن
يشجعني ويحثـني, بمن يعبّر عما كنت أريد أن أقوله دائمـاً، ولكن من دون أن أعرف
كيف أقوله.. تاركوفسكي، بالنسبة لي، هو الأعظم.. لقد إبتدع لغـة جديـدة.."
باخمـان: وددت في البدء أن أسمع إنطباعاتك عن العمل في الخارج.. اركوفسكي: فيلم
"الحنين" هو أول فيلم وبداية أول تماس لي بطقوس العمل في الخارج. إن عملية
تصوير فيلم هو أمر عسير في كل مكان بلا شك، لكنني أظن أن الصعوبات يمكن أن
تتغير. أصعب مأزق هنا في الغرب، وعلى الدوام، هو شحة التكاليف المالية لإنتاج
فيلم، كذلك ضيق الوقت. الجانب المالي، على وجه الخصوص، يضع عراقيل كثيرة في
طريق إنتاج العمل الإبداعي. وبسبب شحة التكاليف المالية وعدم كفايتها في تغطية
العمل الفني، تبرز معضلة عدم كفاية الوقت. كلما صوّرتَ كثيراً، كلما زادت
الكلفة. المـال هنا في الغرب، يلعب دور المستبد. في بلادنا لم أفكر مطلقاً في
شيء إسمه الكلفة!. حين وجّهت شركة التلفزيون الإيطالية دعوة لي لتصوير فيلم في
إيطاليا، كانت متعاونة معي، ولكن في كل الأحوال، كانت الميزانية المرصودة
لإنتاج الفيلم تكاد تكون شحيحة. فضلاً عن ذلك، لم تكن لديّ أية خبرة مسبقة
للعمل خارج البلاد. كل ماكنت أملكه، هو موافقتي على العمل فقط. كان المشروع
يحمل صفة ثقافية وليس صفقة تجارية. إن العمل مع فريق التصوير الإيطالي، ترك لديّ
إنطباعاً طيباً، وخصوصاً العمل مع الفريق التقني. إنهم فنيون محترفون وأصحاب
خبرة، وفي أغلب الظن، أن عملهم في فيلمنا منحهم إرتياحاً كبيراً. لا أريد هنا
أن أقارن بين أساليب عملنا وأساليب العمل في الغرب.إن تصوير فيلم، هو عملية
عسيرة وشاقة في كل مكان، بغض النظر عن الظروف. لقد إقتنعت أن ثمة تبعية
إقتصادية مباشرة هنا في الغرب، وإذا ما سادت هذه التبعية، فإنها ستكون ذات
نتائج خطيرة على مستقبل السينما وشكلها الفني.باخمـان : إن فكرة النزاع العنيف
بين الإنسان والعالم المحيط به، تشكل محتوى أفلامك الخمس، التي أخرجتها خلال
مايقارب العشرين عاماً. فهل تتجلى هذه الفكرة أيضاً في فيلم "الحنين"؟تاركوفسكي
: على العموم، وكما يبدو في النتيجة، فإن النزاع دائماً هو أقوى من الإنسان.
الأبطال الرئيسيون يكاد يكونوا غالباً، هم الناس الضعفاء، أولئك الذين يتفجر
الجبروت من ضعفهم. النزاع بين الإنسان والمجتمع قائم على الدوام بين مزايا هذا
الإنسان ومحيطه. بمعنى، أن ثمة علاقات متناحرة تسود بينهما بإستمرار، تلك التي
نسميها "النزاع". وفي حالة غياب تلك العلاقات المتناحرة فلا وجود، في هذه الحال،
لشيء إسمه النزاع . إنني أشعر بمتعة هائلة في العمل مع أبطال كهؤلاء، تكون
علاقاتهم بالمجتمع وإرتباطاتهم به، هي الصفة المميزة لهذا النزاع. إنهم يعيشون
في هذه الظروف العاصفة، المحيطة بواقعهم، وبناء على كل ذلك، يبرز لديهم النزاع
مع محيطهم. بودّي دائماً أن أرصد، وبإستمرار، على أي نحو يحسم هؤلاء البشر
نزاعاتهم. هل سيرضخون، أم سيظلوا أوفياء لمبادئهم وقيمهم. باخمـان: هل لك أن
تحدثنا عن كيفية ظهور فكرة فيلم "الحنين". تاركوفسكي: لقد قمت برحلات وجولات
إلى إيطاليا، وفي عام 1980 عزمت أن أعمل فيلماً، سوية وصديقي الكاتب والشاعر
والسيناريست الإيطالي تونينو غوييرافي هذا الفيلم، أردت أن أوظف مجمل إنطباعاتي
عن تلك الرحلات، لهذا الفيلم . البطل الرئيسي "غورتشاكوف " الذي لعب دوره أوليغ
يانكوفسكي، هو مثقف روسي يسافر في مهمة إلى إيطاليا، وتسمية الفيلم جاءت من
كلمة " نوستالجيا " أي، الحنين. وهذه الكلمة لاتعني بالضبط، الشوق إلى ذلك
العالم الذي يقف بعيداً عنا، والذي لم نستطع أن نتوحد فيه، وإنما تعني أيضاً،
ذلك الشوق إلى الوطن الأم، إلى منزل الطفولة النائي، إلى إنتمائنا الروحي.لقد
أجرينا تطورات جوهرية على الحدث ولمرات عديدة في مرحلة كتابة السيناريو وفي
مرحلة التصوير. أردت أن أعبّر في هذا الفيلم، عن إستحالة العيش في عالم منفصل.
غورتشاكوف، أستاذ تأريخ ذي شهرة عالمية ومعرفة بتأريخ الآثار الإيطالية، تتاح
له ولأول مرة، إمكانية مشاهدة الأبنية المعمارية والآثار الإيطالية، تلك التي
أصبح خبيراً بها من خلال الصور الفوتوغرافية والرسوم فقط. إلا أنه، وبعد وقت
قصير من وصوله إلى إيطاليا، بدأ يدرك إستحالة أن يكون الإنسان وسيطاً أو مترجماً
أو مختصاً بالإنتاج الفني، مالم يكن هو نفسه جزءاً من هذه الثقافة التي أبدعت
وخلقت هذا الإنتاج الفني .إن هدف رحلته إلى إيطاليا، على وجه الخصوص، هو العثور
على أثر لأحد الموسيقين الروس القليلي الشهرة، والذي عاش في القرن الثامن عشر،
وهو قن سابق تابع إلى كونت روسي، كان قد بعثه إلى إيطاليا ليتعلم هناك موسيقى
البلاط . لقد درس ذلك القن في الكونسيرفاتور " معهد عال للموسيقى " عند جان
بلتيستي مارتيني، وأصبح في ما بعد موسيقاراً شهيراً، وعاش في إيطاليا حراً
طليقاً . إن أحد المشاهد الهامة في الفيلم، هو المشهد الذي يُطلع فيه غورتشاكوف
مرشدته الشابة، والتي تنحدر من أصل سلافي، على الرسالة التي كتبها ذلك
الموسيقار وبعث بها إلى روسيا، وفيها يعبّر عن شوقه وحنينه إلى الوطن . قال
الجميع في ما بعد، أن ذلك الموسيقار عاد إلى روسيا، لكنه أصبح مدمناً على
الكحول ومات منتحراً. إن تأريخ إيطاليا وفتنتها فجّر عند غورتشاكوف إنطباعات
مذهلة، فأصبح يعاني من عدم القدرة على أن يوحّد في نفسه بين إيطاليا ووطنه
روسيا. كانت الإنطباعات الأولى التي منحتها إياه إيطاليا تحمل طابعاً معرفياً،
لكنه سرعان ما أدرك بأن عودته إلى الوطن ستضع نهاية لهذه المعرفة، وإن ما
سيتبقى منها هو قشرتها الخارجية فقط
|