|
في
ذكرى فرمان والهم العراقي
فالح الحمراني
في 17 اغسطس عام 1990 شاع نبأ محزن في موسكو عن رحيل غائب طعمة فرمان. لقد رحل
غائب ودُفن في عاصمة الثلج بعيدا عن بغداد الدافئة التي حملها خارطة واحداثا
وشخوصا، اصدقاء واقرباء في قلبه وفي ذاكرته. كانت بغداد ضجة في روحة يناجيها
وربما تناجيه حينما يمسك القلم لرواية جديدة تدور احداثها في حاراتها. لقد رايت
غائبا في الايام الاخيرة من حياته متالما ومعانيا من حدث غزو نظام صدام للكويت
(كان متالما لوضع العراق عموما، كان العراق همه الشخصي)، وكانه قد تنبأ بان
العراق الذي سكن في روحه، يقف على عتبة ازمان صعبة وفواجع لاسابق لها.
لقد ادرك ان العراق تلقى طعنة نجلاء في الصميم. فلم يستطع الصمود. فماذا لغائب
بعد ان يموت العراق. لقد وظف غائب ادبه للعراق. للعراق الذي يتلظى بالعذابات
والمشحون في الوقت نفسه بالامل. العراق الذي تطل الابتسامه على قسماته رغم
الفاجعة. لقد ظهرت في الاونة الاخيرة دراسات كثيرة وتناولت رسائل اكاديمية بما
في ذلك في الجامعات العراقية، ادب غائب طعمة فرمان القصصي، ولابد ان بحوثا اخرى
ستظهر مع عمق استيعاب مناهج البحث الحداثية وادوات النقد المتجددة. ان الادب
القصصي بالنسبة لغائب طعمة فرمان باعتباره ادبا مؤسسا، سيظل محط اهتمام مؤرخي
ادب القصة العراقية ونقاده، دون ريب. لكن شخصية فرمان ظل في منأى عن متناول
دراسة جادة. لقد عرفت بغائب من خلال متابعتي لتطوره ككاتب قصة ولقاءاتي العديدة
له في موسكو بانه من قلة الادباء العراقيين الذين كرسوا جهودهم لادب القصة
وتعاملوا بجد مع ادواته. ان القصة كادب كانت مسكونه في غائب، وكانت همه اليومي
وعذابه الحياتي ( الوجودي)، كان كل شئ في حياته اليومية في علاقاته الشخصية بل
والعائلية موظفا لولعه بكتابة القصة. وفي ظروف السكن الضيقة، كان غائب يوميا
يستفيق في الخامسة فجرا، عندما كانت موسكو تغط في نومها في الشتاء القارس،
ويستحوذ الهدوء عليها ويمسك بيراعه ليخط لنا قصة جديدة. وكتب غائب في هذه
الاجواء اغلب روايته. وبالتاكيد عن العراق. كان يطمح منها ان تكون محاولة لكي
ترسم لنا صورة عنا نحن العراقيين. عن حقيقتنا، عن همومنا ومتاعبنا. عن كل ما
لدينا من تطلعات وترسبات. غائب كان بالنسبة للعراقيين الذاكرة الجمعية. فروايته
تعبق برائحة الشواء والمسقوف وضجة شارع الرشيد، وعموم الطبقات الشعبية وسعيها
للخروج من وضعها الى حالة افضل ولو بطرق غير شرعية. هناك من يصل الى الشاطئ
الاخر بامان واخر من بتعثر فيسقط. وكان يتابع الادب القصصي في العراق، ويطالع
كل ما يقع في بديه. لقد كان هم غائب الكبير ان تصل رواياته للقارئ العراقي في
الوطن. وحتى انه يقدم تنازلات في سبيل ذلك. فغائب قبل شرط صاحب دار تشر الاداب
الاديب اللبناني سهيل ادريس بتغيير اسم روايته "ام الخنازير"، "للمركب". فكان
ادريس يتصور ان "ام الخنازير" هي شتيمة (خنازير) ولايعرف انها منطقة جغرافية في
العراق. ومع كل التفسيرات اصر على تغيير اسم الرواية" للمركب" حتى لاتثير حفيظة
الرقابة البعثية وتمنعها من دخول العراق. ووافق فرمان لاجل ذلك، ووافق على اخذ
مبلغ زهيد لقاءها من الناشر. فقط من اجل ان تجد الرواية طريقها للقارئ العراقي
في الوطن. لقد ظل غائب مخلصا ليس لحزب او لايديولوجية متحجرة، بل لادبه،
وبالذات لادبه القصصي. وكان دائما بعيدا عن الالتجاء لخيمة غريبة عن عالمه. قد
يعكف للتفئ للحظات لاخذ فنجان قهوة تحت هذه الخيمة او تلك، لكنه يظل وفيا لذاته
لادبه القصصي. وكل مرة يعرف فيها ان هناك عائدا او قادما من بغداد يسعى
للالتقاء به، رغبة في معرفة حالة بغداد واهاليها ويروح بمطره بالاسئلة عن
الاماكن والحارات والبارات والجسور ودور السينما ومخازن الكتب والمقاهي التي
كان يرتادها. وكان يتلذذ بسماع اللهجة العراقية، ويصغي لها بانتباه، كان مهتما
بالشخصية العراقية للتعرف بميولها بتركيبتها بطبيعة تركيبها. فالقصة بالنسبة
لغائب كانت حقل معرفي، لعكس الواقع بطرق فنية وجمالية. لقد اخذ احد الكتاب
العراقيين على غائب انه لم يتناول في روايته شخوص سياسية، مثلما تناولها هو في
رواياته. ان الادب الصادق يرفض الوصفات الجاهزة، والقواعد الموضوعة مسبقا، انه
رؤية عميقة وعملية تمثل معقدة للواقع. وروايات غائب حالة حتى بغياب السياسي او
المتسيس فيها، فانها ترسم حالة اجتماعية واسعة النطاق، نستمع من خلالها اصداء
بعيدة المدى وخلفيات متعددة اللون، فيها كل الوان الطيف الاجتماعي. ان غائب نظر
للواقع العراقي من نافذة اوسع، فجاءت روايته حافلة بالشخوص المتنوعة التي تحمل
كل منها شئ منا نحن العراقيين.
وربما ستفرد في يوم ما دراسات عن غائب طعمة فرمان مترجما. فغائب ترجم العشرات
من امهات الادب الروسي في القرنين التاسع عشر والعشرين. بما في ذلك لبوشكين
وتولستوي والكسي تولستوي "دروب الالام" وبطرس... وعادة ما يضفي غائب على العمل
المترجم روحه وشاعريته وثروته اللغوية. ورغم ان غائب كان يشكو من عمل الترجمة
في دار التقدم ( برغريس) السوفياتية لانها كانت تفرض العمل واسلوب الترجمة، الا
ان ترجماته كانت دائما متالقة، ونجحت في بعث الاجواء التي سعى الروائيون الروس
لخلقها.
وكان غائب في طروحاته وتصوراته للعالم والنظام السياسي عموما ديمقراطي النزعة،
رفض تعامل النظام النظام الروسي مع المعارضة الذين اطلق عليهم المنشقين، بما في
ذلك مع المنشق ذو التوجه الغربي اتدريه ساخوروف، وادان بحدة النظام الديكتاتوري
البعثي في العراق، ورفض اغراءات التعامل معه، فحرموه من راتبه التقاعدي المشروع.
وكان ايضا ديمقراطيا في علاقاته مع الاخرين ودودا ولطيفا
قصة قصيرة الغيرة

يا له من شرير... ومكّار .. هل يستحق ان اطلق
عليه لقب (حبيبي)؟ وهو يتسكع مع النساء ليل نهار، يمد ذراعيه على متكىء المقاعد..
ليحتضن ذوات اللحوم البيضاء.. ويقهقه ضاحكا.. على نفسه؟.. ام عليهن؟.... ام على
الدنيا؟.. لا احد يعلم!.. وتفوح منه رائحة الخمر..
لكن!!.. هناك من تشغله اكثر من هؤلاء النسوة فانا اعلم انهن لسن سوى متعة ساعات
كالخمر تماما.. فما يغيظني اكثر هي تلك التي يأتي اليها متلهفا بخطوات مسرعة
وان لم يجدها!.. ليذهب لإحضارها.. دون تردد وفي اي وقت.. ثم يجلس ويحتضنها بقوة
بأصابعه المتحجرة ويستنشق عطرها وكأنه يعطيه الخلود مغمضا عينيه سارحا.. ثم
يزفر عطرها الى الاعلى وكأنما ازاح جبلا من الهموم من على كتفه ثم يسترخي..
آه.. يا ليتني مكانها يحتضنني ويتنفس عطري لأحرق بين يديه كالسكارة فهي حبيبته
الاولى التي عرفها قبل ان يعرفني.
حلم خمسيني

كاظم الميزري
حلمت بـ..
عشت الـ..
ومازالت العصافير
على حبل الغسيل
تزقزق للصباح
كبرت..
كهلت..
ومازالت تلك الاحلام
تراود رآسي
الآن
بعد ان
شارفت على الخمسين
ها انا
اقف احدق
في مرآة العمر
راميا بوصلتي
حالما مرة اخرى
بالعصافير التي اختفت
هوامش للكتابة:
"القنفذ”

جابر عصفور
ثلاثة أسئلة ضرورية، متفاوتة في الأهمية، تخطر على ذهن القارئ المتابع لزكريا
تامر بعد عمله الأخير "القنفذ" الذي يعد إضافة دالة في امتداد المجرى المتميز
الذي حفره هذا الفنان الأصيل، بدأب وإخلاص، في مسارات السرد العربي الحديث،
وذلك حتى من قبل أن ينشر عمله - العلامة "دمشق الحرائق" في بيروت سنة 1973،
ويتبعه - بعد خمس سنوات تقريباً - بمجموعة "النمور في اليوم العاشر" التي لفتت
الانتباه - مع "دمشق الحرائق" - إلى زكريا تامر وأسلوبه الرمزي الفريد وكتابته
الأليغورية التي تنطق على نحو مراوغ المسكوت عنه من المقموع الاجتماعي والسياسي.
وظل زكريا تامر يواصل حفر المجرى المتميز لإبداعه، عبر المجموعات المتتابعة
التي جعلت من حضوره الإبداعي علامة فارقة في فضاءات السرد المحدث، ونموذجاً
عملياً للصنعة التي تخفي الصنعة وتحقق "السهل الممتنع" بأكثر معانيه شمولاً
ودقة.
وقد لفت انتباهي عمله الأخير "القنفذ" وأثار في نفسي، بعد الفراغ من قراءته،
وعلى التعاقب، سؤالاً أولياً حول "النوع"، وثانياً حول دلالة العنوان، وثالثاً
عن علاقات البناء السردي الذي يضيف إلى ما سبق، ولا ينقطع عن الخصائص التكوينية
المائزة لكتابة زكريا تامر التي تنوس ما بين الرمز والتمثيل الكنائي
(الأليغوري) ولكن من دون أن تفارق البراءة الطفلية التي اكتسبتها الصنعة من
التمرس اللافت في الكتابة للأطفال. وهي الكتابة التي لا يتعارض عمقها وتعدد
أسطحها الرمزية مع بساطتها وشفافية لغتها التي تقول بأبسط وأقل الكلمات ما يقال
- عادة - بكلمات كثيرة، كبيرة ومعقدة.
أما سؤال النوع فلأن زكريا تامر أطلق على عمله "قصة" ووضعها بخط لافت على
الغلاف، كما لو كان ينبهنا إلى أن عمله ليس "رواية" ولا مجموعة قصص قصيرة،
وإنما قصة. وهو الأمر الذي تصادق عليه قراءة العمل الذي يتكون من لوحات سردية
متتابعة، مروية بضمير المتكلم الذي يؤكد حضور الراوي - البطل الذي تدور به
وحوله كل المشاهد السردية التي ينفرد فيها جميعاً بالخطاب الذي لا يفارق ذات
المتكلم إلا ليعود إليها.
وليس من الغريب - في سياق كتابة زكريا تامر - أن يكون الراوي البطل - لكل
اللوحات السردية - طفلاً نرى العالم بعينيه، ونتحرك معه، عبر مدركات الوعي، من
البسيط إلى المركّب، ومن الفردي إلى الجماعي، ومن المتعين إلى التجريدي الذي
يلامس المعضلات الوجودية والكيانية، وذلك بأسئلة المصير التي تقتحم "الأيام
السعيدة"، تاركة طعم "الملح"، كاشفة عن "أسرار الرجال" ومفارقات الحضور التي
تربك مدى المنظور الطفلي للمقلتين اللتين تريان، بسبب براءتهما، أوسع مما نرى،
فيظل المعنى الذي يرتسم في مدى منظورهما أشبه بهذه "الهوية المؤجلة" أبداً،
قريباً نائياً في آن، متعدد المستويات على امتداد الغوايات السردية التي لا
تتردد في الاستعانة بالموروث الشعبي، والتناص معه، كما في قصة "الحقيبة" التي
تتناص - على سبيل المثال - مع حكاية الرحلة الخامسة من رحلات السندباد السبع،
حيث يلتقي السندباد و"شيخ البحر" الذي يتكشف عن شيطان مريد لا يفترق جذرياً في
صفاته عن العجوز التي يقابلها الأخ، حاملة حقيبة ثقيلة تنوء بها، فتأخذه الشفقة
بها، ويحمل عنها الحقيبة التي تزداد ثقلاً، وتغدو عبئاً مرهقاً كالمرأة التي لا
تتركه، وتدور به من حارة إلى حارة حتى آخر النهار، إلى أن يفرّ الأخ هارباً،
تلاحقه لعنات العجوز الشيطانية التي لم يقتلها الطفل البريء - وهل يقتل طفل
بريء؟! - كما فعل السندباد مع شيخ البحر.
وأتصور أن براءة الأطفال التي يتجسد بها حضور الراوي - البطل - في حكايات
القنفذ، في ذاتها، دال مراوغ على الطفل الذي يظل صغيراً كالقنفذ - على امتداد
السرد - لا يجمع وجه الشبه بين الاثنين في الحجم فحسب، وإنما في مفارقة الحضور
الذي تتعدد دلالاته التي لا يخلو تكوينها من مكر ومراوغة، وذلك في نوع من
الحضور الدلالي الذي يتجسد في دال "القنفذ" من حيث هو حيوان صغير، ماكر، مراوغ،
قادر على مخادعة الجميع، والفرار من أنواع قمعهم بحيل عدة، منها التكور الذي
يغدو به القنفذ كرة من الشوك. وظني أن اختيار "القنفذ" عنواناً لقصة زكريا تامر
إنما هو اختيار ينطوي على الدلالات التي أشير إليها، فالطفل الذي يحكي لنا عن
عالمه ومشاهداته في القصة، محاطاً بأسرة تتكون من أب وأم، وجدّ وجدّة، وأخ أكبر
بقليل كي لا نفارق عالم الأطفال. ويتحرك بطل القصة - الطفل - في عالمه، ووسط
المحيطين به، مثل "القنفذ" الذي يخادع الأعين حين تراه، لكنه لا يغفل عن رؤية
شيء بحدة بصره، وسرعة حركته، وقدرته على المخادعة. ولذلك فالطفل في قصة زكريا
تامر يقول كلاماً بريئاً في ظاهره، ماكراً في باطنه، ولا تكفّ اللغة التي
يستخدمها، أو تصنعه وما حوله، عن المراوغة الدلالية التي لا تكتفي بازدواج
الدلالة ما بين المعلن والمضمر، بل تضيف إلى الازدواج التعدد الذي هو من صفات
الرمز، والتقصد الذي هو من صفات التمثيل الكنائي.
ولذلك يتناص عنوان قصة زكريا تامر مع قصيدة كاشفة بالعنوان نفسه "القنفذ" لسعدي
يوسف في ديوانه "قصائد أقل صمتاً" (دار الفارابي، بيروت 1979). و"قنفذ" سعدي
يوسف قناع من أقنعة المبدع المعاصر الذي يتجرد من كل الصفات النبوية القديمة،
فيغدو كائناً إنسانياً، عادياً، شاهداً ومراقباً محايداً، بسيطاً في ظاهره،
مراوغاً في باطنه، يكمن في شجرته، منكمشاً، يحسبه الأطفال كرة يلهون بها،
وتحسبه المرأة حجراً تحكّ به كعبيها، وتظنه أفعى النخل فأراً هامداً: "لكنه في
أول الليل/وفي قارته القديمة/يسعى/بطيئاً/ضاحك العينين/مسروراً بأن الأرض فيها
هذه الفتنة".
هذا القنفذ المراوغ في شعر سعدي يوسف لا يختلف جذرياً، في حضور ترجيع الدلالة
عن قنفذ زكريا تامر، فالثاني - مثل الأول - يتحرك في قارة قديمة، هي بيت الأسرة
القديم الذي ترفض الأم مغادرته، وهو يخادعنا عن نفسه، نحسبه غراً، ساذجاً،
ولكنه سرعان ما يجعلنا نكتشف أننا نحن الأغرار السذج، إذا لم ننتبه إلى طبيعته
المراوغة، وإلى لغته التي تعلن غير ما تبطن، فنتحرك ما بين علاقات اللازم الذي
يومئ إلى الملزوم، بحسب المصطلح البلاغي القديم، أو الملزوم الذي يتأبَّى على
الظهور المباشر، فيظل وراء حجاب الرمز والاستعارة وأقنعة المجاز المرسل
والكناية. وأخيراً، فإن "قنفذ" زكريا تامر يتحرك بين حدود قارته القديمة
وخارجها، بطيئاً، ضاحك العينين، لافتاً انتباهنا إلى أن الأرض فيها كل هذه
الفتنة. و"الفتنة" دال مراوغ في هذا السياق، فهي تشير إلى الوله والإعجاب
والأزهار الجميلة التي تنطبق في الليل كالقنفذ حين ينطبق على نفسه، وإلى المال
والأولاد، كما تشير إلى الغواية والضلالة، والاختلاف، والمحنة، والتقاتل،
والجنون، والأرض السوداء التي تخدع حجارتها العين، فتبدو حجارتها مُحْرَقَة.
وليست "الفتنة" بعيدة، أخيراً، عن الفَتَّانَة، وهي الحجر الذي يختبر به الذهب
أو الفضة وهو ليس من الذهب أو الفضة.
والتعدد المغوي الغاوي لدلالات "الفتنة" لا يختلف كثيراً عن التعدد المغوي
الغاوي لدلالات "القنفذ" سواء في قصيدة سعدي يوسف، أو قصة زكريا تامر، وهو
التعدد الذي يكشف عن مراح الدوال في حركة الطفل الذي يتحدث كالأطفال، ولكنه ليس
مثلهم، وتتيح له براءته أن ينطق المسكوت عنه من دون حرج لأنه لا يعرف، أصلاً،
سبباً لأن يُسكت عن شيء، أو يقمع النطق به لأسباب اجتماعية أو سياسية أو منطقية
أو نفسية، فبراءة الطفل القنفذ، دلالياً، لا تعرف - مثل الاستعارة - الحدود
العملية أو الحواجز المنطقية بين الأشياء، ولذلك يتداخل كل شيء في عالمها
الإدراكي ويتجاوب في مدى لا يعرف القيود المفروضة من العرف أو العادة، أو
المنطق النفعي الذي يمايز بين الأشياء، ويضع السدود ما بين المدركات.
ولذلك يتميز "قنفذ" زكريا تامر بالإدراك المجازي الذي يوقع الائتلاف في
الاختلاف، ويصل ما لا يتصل، ويهب الحياة لما ليس له حياة، كاشفاً، في أحوال
عدة، عما يسميه علماء النفس "الخصائص الفراسية". يقصدون إلى الكيفية التي يغدو
بها عالم المدركات عالم عناصر متفاعلة، تتبادل الحياة والحيوية والصفات
الإنسانية، وهي الكيفية التي تكون أوضح ما تكون عند الأطفال الذين لا يعرفون
الحدود والحواجز والسدود التي نعرفها، فالطفل ينظر إلى المقعد "فيدعوه" المقعد
إلى القفز عليه. والكرة "تغريه" أن يركلها، والعصا تغريه بامتطاء صهوتها،
والباب "يغضبه" إذا اصطدم به في اندفاعه، فيضربه بيديه، أو يرفسه بقدمه، غاضباً
منه، أو حانقاً عليه. وهكذا كل ما يرتبط في مجاله الإدراكي بالأنا على نحو
مباشر، فيثير التوترات الدافعة إلى الفعل والتفاعل، بعيداً من قيود المنطق
العملي، وقواعد العرف واللياقة. وارتباط الحضور الطفلي بالخصائص
الفراسيةPheysiognomic Characters هو ما يدفع الطفل الذي تدور حوله لوحات
"القنفذ" إلى معرفة "جنّية البيت" صديقته التي لا ترى، ولا يرى في الشجرة التي
لا تثمر سوى شجرة نائمة، توقف قلبها عن النبض، تماماً كالماء الذي ينام في
الأنابيب ويستيقظ إذا أدرنا يد الحنفية التي تسجنه، ولا يجد عائقاً في أن يكون
شجرة منتصبة في حوض ترابي. ولذلك يعرف لغة الحوائط ويخاطبها، فيسأل صديقه
المفضل الحائط الأسود الحجري عن العلاقة بين أبيه وأمه، فيحيله الحائط إلى بقية
الحوائط الصديقة كي تخبره. ويتنقل بين الأشياء التي تغدو كائنات، فيعرف أن
"القطط لا تنطق بكلمة إلا بعد أن تفكر فيها مطولاً، والحيطان ثرثارة، تسأل
سؤالاً، فتتكلم طوال ساعات محاولة أن تجيب، والشجر يحب الصمت بحجة أن الكلام
يستنزف قواه وينسيه ما عليه من عمل...". والقطة واشية تقول له ما لا يعلنه
الآخرون، والجد - كالجدة - يتحدث بعد موته إلى الطفل الذي يسمع ويرى ما لا
يسمعه أو يراه الكبار، وشجرة النارنج المنتصبة في باحة البيت القديم - قارته
القديمة - تجيبه عندما يسألها عن عمرها، وتخبره بأن الأطفال وحدهم الذين
يثرثرون مع الأشجار، وينسون ثرثراتهم حين يكبرون، وينظرون إلى الأشجار على أنها
إما أشجار مثمرة، وإما أشجار مخضرة، وإما أشجار آن أوان قطعها، ويفعل الماء
مثلها.
ولا نرى أثراً لتعاقب الزمن في الفضاءات التي يتحرك فيها "قنفذ" زكريا تامر،
فالزمن ثابت في تعامده على الامتداد الأفقي للرموز والكنايات والاستعارات
المتتابعة، وحتى حين تنتهي اللوحة الأخيرة - "سألت" - بالبعد عن عالم الأطفال
عندما يكبر الراوي، ويصبح له زوجة وابن صغير، فإن الخصائص الفراسية تظل باقية،
والرؤية الطفلية تظل باسطة حضورها، ولذلك تنتهي القصة بالابن الصغير يرسم قرية
لا يعيش فيها إلا القطط والطيور والشجر، فيربت الطفل الذي كبر على رأس ابنه
براحته، مشجعاً، وهو ينوي أن يقلده، ويرسم مدينة "ليس فيها أي حيّ، وشوارعها
وبيوتها جبال رماد". والإشارة المجازية واضحة في دلالتها على رفض العنف الساري
بين البشر، العنف الذي يحيل كل شيء إلى رماد، ويصدم الطفل برؤية مشنقة محاطة
برجال الشرطة، محشورة في حبلها رقبة رجل أزرق الوجه، يتدلى لسانه خارج فمه،
والناس حوله ضاحكي الوجوه، فيغمض الطفل عينيه. ولكنه يظل يرى ما يقع في عالمه
من ظلم على العمال مثلاً، خصوصاً حين يضطر أبوه مع أقرانه إلى الإضراب،
احتجاجاً على الظلم الاجتماعي والاستغلال الواقع عليهم.
ولا غرابة في أن يختلط الحلم بالواقع في العالم الذي يراه "القنفذ" الصغير
ويحكي لنا عنه، فالحدود بين الحلم والواقع، كالحدود بين الواقعي والخيال،
تتداعى بالطريقة نفسها التي ينقلب بها مبدأ الواقع إلى مبدأ الرغبة، فيظل
الإدراك حلمياً، أو غسقياً، كالطفل الذي يبدو - في اللوحة السردية الثانية -
كالهواء ليس نائماً، ولا مستيقظاً، وإنما في المنطقة التي تتماس فيها العوالم
والكائنات فتتداخل وتتفاعل، ويحل بعضها محل البعض.
ولكن هذه الرؤية الغسقية تظل "قنفذية" لا تفارق التمثيل الكنائي كما في لوحة
"الملح" التي تؤكد أن لا حق إلا بقوة تحميه، ولا مستقبل إلا مع العدل الذي يجعل
الطفل يحلم بأن يسرق من الأغنياء، ويعطي ما يسرق للفقراء حتى يصبح الجميع
أغنياء ولا يبقي سوى فقير واحد؟!. وهو حلم لا يخلو من المفارقة التي تميل إلى
البعد الاجتماعي، لكن الذي يجاور غيره من الأبعاد التي تتعدد فتنتقل من أحادية
التمثيل الكنائي إلى تعددية الاستعارة التي تتجسّد رموزاً ينسج منها زكريا تامر
قصته "القنفذ" التي تمضي في الطريق الرمزي نفسه الذي سبقتها إليه "النمور في
اليوم العاشر" وغيرها من قصصه الغاوية المغوية كحركة القنفذ الذي يسعى، بطيئاً،
ضاحك العينين، مسروراً بأن الأرض فيها هذه الفتنة.
واللغة في قصة زكريا تامر، أخيراً، كاللغة في المجموعات السابقة: صافية،
مصقولة، شفافة، تخلو من المعاظلة والتعقيدات الأسلوبية، تستعين بالتشبيه لتأدية
أهدافها البلاغية، أحياناً، لكنها لا تعتمد عليه إلا في التفاصيل، فكل لوحة
سردية إما كناية متصلة، أو استعارة موسّعة. وإذا كانت الكناية تضيف المعنى
الأول المباشر إلى معنى ثانٍ غير مباشر، واصلة بين الاثنين في الدلالة
الحقيقية، فإن الاستعارة تستبدل وضعاً بوضع، وعبارة بعبارة، معتمدة على قرينة
تؤدي إلى الدلالة المضمرة، غير المباشرة. وعلى رغم صفاء هذه اللغة وشفافيتها،
فإن صقلها يضيف إلى مراوغاتها الدلالية، تماماً كما تضيف السلاسة إلى الالتباس
الذي لا يكاد يلحظ من القراءة الأولى التي تقود إلى القراءة الثانية أو - حتى -
الثالثة، فمن خصائص اللغة المجازية، المكتوبة بها اللوحات السردية الكنائية أو
الاستعارية، أنها تبطئ إيقاع التقاء القارئ بالمعنى، ناقلة إياه من اللازم إلى
الملزوم، ومن المعاني الأُول إلى المعاني الثواني، وربما الثوالث، وذلك في
مراوغة تدفع إلى التركيز على الدوال، وسلاسة تتكثر معها المدلولات التي تبدو
علاقاتها - في غير حالة - نوعاً آخر من الفتنة
مـــــــــــــردوخ..
قصيــــــــــــدة الجســـــــــــــد

إنها لعبة ذكية أن يسعى الفنان لتتويج الجسد و
الصمت كآلهة مطلقة عبر أدواته الإنسانية البسيطة، لعبة مليئة بالمفارقات بدءاً
من التسمية و وصولاً إلى الفعل. الحديث هنا طبعاً يتناول فرقة "مردوخ" المسرحية
وهي فرقة مسرحية عراقية جريئة اختارت أكثر الطرق صعوبة لطرح ما تملكه من أفكار
تنطلق من ذات الإنسان المعذب والساقط تحت حد قسوة الحياة. حين تتعرف على هذه
الفرقة تشعر بأنك أمام قصيدة مرئية يجب تفكيكها، فهي تعتمد على الرقص الدرامي
الحديث والمدروس بشكل عميق كمعادل موضوعي للنص المكتوب، فالجسد هنا يحل مكان
الكلمة، لربما لأن اللغة أصبحت عاجزة عن التعبير عن المعاناة و بات من الأفضل
أن نستبدلها بلغة الصمت والجسد الراقص. لطالما آمنت بأن الجسد بحد ذاته قصيدة،
لكنني لم أعرف أن هنالك من يستطيع ممارسة هذه الفكرة كفعل منفصل وبشكل متمرس، "
مردوخ " مزج أنتلوجي لأنك ترى في أعمالهم أرضاً كونية، فأعضاء الفرقة يتعاملون
مع الجسد بدراية ذكية عبر اليوغا و الأكروباتك و يطلعون على أساليب الرقص
العالمية، خاصة تلك المدفونة والمغيبة من ذاكرة الشعوب الشرقية، و قد قدموا
بذلك الصدد عدة أعمال من المسرح الصامت الراقص، يمكن اعتبارها من أهم أعمال
المسرح العراقي التي عبرت عن معاناة الإنسان العراقي الذي فُرض عليه الصمت
والموت فترة التعسف الصدامي والذي قابله تعسف عالمي مسمى بـ " الحصار". عدا ذلك
اهتمت هذه الفرقة بشكل خاص بـ الميثولوجيا سواء عبر اختيار اسم الفرقة "مردوخ –
إله الآلهة" معبرة بذلك أن هذا الإله لقب للصمت – سيد الحياة، وقد تكرر هذا
الاهتمام الميثولوجي في عدة أعمال : كَلكَامش – صراع الإله – نار من السماء -
أسطورة الإله زوو. من جهة أخرى تحدثت الفرقة عن خطها المسرحي بخصوصية لافتة،
فهي فرقة تضع أعمالها بمثابة منطقة مشتركة بينها وبين المشاهد، تمنحه أفكارها
وتنسج معه الرؤية عبر الخيال وكسر الإيهام النسبي و الفضاء السينمائي، إنهم
يتكئون على الإرث العالمي من بالية كلاسيكي و رقص درامي و الفن الإيمائي و غيره
لتتخذ طابعاً خاصاً، إنني لا أرى في هذه الفرقة فرقةً مسرحيةً فقط، بل هي فرقة
تؤمن بوحدة الفنون ترفع الفكرة الإنسانية بصمتها و من جهة أخرى تجد في ديكورات
أعمالها لوحات تشكيلية، أما الموسيقى المصاحبة التي تصبح بمثابة النص المسرحي
الذي يقرأه الممثل الراقص فهي مجرد دلالة على ذائقة مغايرة يتميز بها مخرج
العمل – الفنان علي طالب، فموسيقى Era التي استخدمها في عرض "عطيل" تترك في
روحي الدهشة، تتكون مردوخ من 17 ممثل وراقص يحترفون لغة الجسد بشكل أكاديمي و
يتركون لأرواحهم أن تقود أجسادهم عبر الموسيقى.لربما من اللافت أيضاً أن هذه
الفرقة التي تأسست في عام 2000 اتجهت لتقديم عمل جماعي بديلاً عن العمل الفردي
و هو ما يزيد الأمر صعوبة، فالفكرة هنا لا ينفذها جسد واحد بل عشرات الأجساد
التي كما يبدو يجب أن تتماهى فيما بينها بحيث لا يصيب العمل أي حالة انشطار
مؤذية، فقد اختار مؤسس الفرقة "علي طالب" أن يتلقى جسد الراقص تدريباً مرناً
يحوله إلى كائن يستوعب الموسيقى والرقص و الديكور والمساحات الضوئية المدهشة من
حوله. يُذكر أن فرقة مردوخ شاركت في عدة مهرجانات محلية و عالمية منها : "نار
من السماء" في فرنسا 2001، وهي مسرحية قاتمة تعبر عن الجحيم وعلاقة الخير و
الشر أو الصراع الأزلي بينهما منذ بداية الخلق، وهي تملك كماً كبيراً من
السوداوية التي يواجهها البشر في الواقع المر، كما قدمت في مهرجان الوفاء في
البصرة و مهرجان المربد ومهرجان يوم الفن ومهرجان المسرح التجريبي في مصر عام
2002، و قد جعل هذا العرض الجمهور يصفق على مدى ساعة كاملة، فقد ذكرهم العرض
بالإيقاع الرائع لفيلم ( باريس و الآخرون ) للمخرج الفرنسي كلود ليلوش الذي
اعتمد على موسيقى ( البوليرا ) لرافيل. " أسطورة الإله زوو " 2002 في مهرجان
بابل الدولي – العراق، و " ليطع الشيطان " 2003 بعد سقوط النظام في العراق و
شاركت أيضاً في مهرجان ( هامادان ) في كوريا 2003 و أعمال أخرى : دكتاتور -
ليلى - أشنع الخطايا - صراع الإله – كَلكَامش - عطيل
غـــودار: الفــارس
الأخــير وتـــــــــناقضــــاته العجيبـــة المدهشـــــة

في الوقت الذي اتجه كبار زملائه، كل في وجهة...
كان جان – لوك غودار يخوض في الميدان وحيداً، ولا يزال. ففرانسوا تروفو (الراحل
عام 1984) أمعن أدباً وباتجاه كلاسيكية واضحة في اللغة والمضمون، وكلود شابرول
واصل طريقه الهتشكوكية متعثراً غالباً، ناجحاً أحياناً، وآلان رينيه أوغل في ما
يسمى بـ التوعية الفرنسية واصلاً الى حدود مسرح الفودفيل
وريفيت ظل سابراً غور العواطف والمناطق العميقة في عمق المشاعر الانسانية، فيما
تمسك رومر بحكايات أخلاقية مملة. أما غودار فظل متمسكاً بالسينما كمرجع أساس
للسينما، كما في بداياته، وان كان أطاش صوابه توجه سياسي – نضالي، بدا لحين
عقيماً عبر أفلام متلهفة لقول «الكلمة الفصل» ايديولوجياً. المهم في هذا كله ان
غودار (المولود العام 1930) ظل الأكثر تماسكاً وتألقاً من بين كل أبناء ذلك
الجيل... وظل الأكثر قدرة على ادهاش متفرجيه، حتى في تناقضاته العجيبة. ونعرف
ان غودار أتى الى السينما, من عتمة نوادي السينما، ومن حب للفن السابع، ساندته
ثقافة مذهلة، تجلت لديه أولاً ككاتب وناقد... دافع بحرارة، تحت مظلة اندريه
بازان، عراب «الموجة الجديدة» الكبير وباني أسسها النظرية، دافع عن سينما
أميركية ظل مخلصاً لها دائماً، وبالتضاد مع الايديولوجية الأميركية السلطوية أو
الهوليوودية، وهو اليساري الفوضوي.غودار تأخر، عن رفاق دربه، بعض الشيء في
تحقيق فيلمه الروائي الطويل الأول (وكان الفيلم «على آخر رمق») لكنه حين حققه،
عرف فيه كيف يعطي الموجة الجديدة كل زخمها: سينما تنبض بالحياة، دينامية اللغة،
انسانية الموضوع، مرتجلة كما الحياة نفسها، عابقة بالمفاجآت كما هي مهنة العيش
حقاً. ومنذ ذلك الحين واصل غودار طريقه، واصلاً قبل عام ونصف العام الى ذروة
جديدة في مجاله التعبيري عبر فيلم «موسيقانا» الذي بناه جزئياً حول موقف مدهش
من القضية الفلسطينية. وفلسطين كانت حاضرة في سينما غودار وذهنه، منذ زمن مبكر،
اذ نعرف أنه صور العام 1970 في الأردن فيلماً عن النضال الفلسطيني بعنوان «حتى
النصر» عاد ودمجه في فيلم «هنا وهناك» المتحدث عن الاعلام التلفزيوني ودوره في
حياتنا.لكن النضال الفلسطيني لم يكن كل ما شغل غودار بالطبع، فهو حقق عشرات
الأفلام، وعجز عن اكمال نصف دزينة منها، وشارك آخرين في اخراج بعضها... وتطرق
الى مواضيع عدة، من موزار، الى السيدة مريم العذراء ومن الحرب الجزائرية الى
الخيانة والحب، ومن كارمن الى أدب ألبرتو مورافيا... واصلاً الى تحقيق فيلم
عنوانه «الموجة الجديدة». بالنسبة الى غودار يبدو كل شيء في هذا العالم وكأنه
وجد لينتهي على الشاشة. ومن هنا هذا التنوع في أفلام حملت عناوين باتت علامات
في تاريخ الفن السابع، علامات هي اليوم الشاهد الأجمل والأكبر على ذلك النيزك
الذي مر يوماً في سماء السينما وحمل اسم «الموجة الجديدة». ومن بين هذه
العناوين: «الجنوب الصغير»، «عاشت حياتها»، «شيئان أو ثلاثة أعرفها عنها»، «الاحتقار»،
«اسم العلم كارمن»، «تحري»، «كل شيء على ما يرام»، «بعيداً من فييتنام» وغيرها
بين طويل وقصير وروائي وتسجيلي، وأحياناًَ في مزج بين هذا كله.واشتهر غودار
أيضاً ككاتب ومحاور من طراز رفيع تؤثر عنه عبارات وأقوال مدهشة كأن قال مرة حين
سئل عن رأيه في الأعمال الارهابية، وهو المؤيد بقوة لكل قضايا التحرر العادلة:
«ان قتل انسان في سبيل قضية، لا يمكن اعتباره انتصاراً لقضية، بل هو قتل لإنسان.
محمود درويش يرمي
الحجر الشعري في مهرجان قرطاج

علي حسن الفواز
حسناً فعل الشاعر محمود درويش حين القى حجره على رؤوس شعراء الحداثة واطلق
نعوته الانيقة على زمنهم الذي لم يغادر أي متردم!!! الحداثويون ماهرون في صناعة
الازمة،، يركضون دائما خلف سبايا القبائل، لقد عقّدوا علينا العالم واللغة
والحب،،وتركونا عند اسئلتهم الباهظة!!حسنا فعل درويش وهو يمارس طقوسه
الارستقراطية في موسم الشعر القرطاجي، ان مارس لعبته الاثيرة في الغاء الاخر!!
فالمرء في قرطاج الجميلة والمدينة الفائرة بالانوثة لايمكن الآ ان يكون وحيدا
واحدا وطاعنا بالفحولة.!!. ربما كان درويش يحلم ان يكون ملكا،، لكن اقداره جاءت
به في زمن السبي الفلسطيني!! المهم ان درويش الشاعر الانيق والمهذب مارس نوبة
في الملوكية عند انوثة قرطاج وشتم شعراء الحداثة المعقدين والواهمين والعاطلين
عند انسنة الوجود...لقد اعادتهم شتائمه الى مثالية المتنبي الشاعر الذي يشاطره
الفحولة!! اذ أكدّ بانه اكثر حداثة منهم وابرع لياقة واعمق مغامرة وشراسة منهم،
لم يقرأ قصيدته واقفا، ولم يثاقف احدا في استعاراته الشعرية، ولم يبحث في خرائب
الجسد عن ايروسية فاشلة ليناور بها كخطاب لفحولة التعويض، والحداثيون يبدو انهم
يمارسون احتمال الوقوف،، يقفون لأربع وعشرين ساعة في انتظار احد ما! ربما
بانتظار الحكومة أو حد شيوخ العالم المتورط بالاوهام او احدهم من منظمي
مهرجانات الشعر الباذخة او مسابقات الجمال او دعوات العشاء السرية!!! لقد
اكتشفنا وذات خراب يحيط بنا، ان الحداثة مشروع في صناعة الوهم، او ربما هو هروب
من رقابة الحكومة او التورط في العابها النارية والخروج عن تلصصها!قد تبدو
شتائم درويش للشعراء الحداثيين هي استعراض في الخطاب المضاد، اوهي تأكيد لأنوية
شعرية عربية خالصة ! وقد تبدو نوعا من اليأس ازاء عطالة المشروع الحداثوي في ان
يكون وعيا وموقفا او حتى حائطا امام هجمات العنف النكوصي!!لكنها تعكس في جوهرها
حزنا خفيا في الخراب،، ووعيا داميا في تواصل المحنة التي نتفرج عليها بحداثتنا
وقدامتنا!! ومرارة تسكن الروح من قلة الحيلة ورداءة النوع وضيق ذات اليد!! اذ
اكتشف الشعراء انهم موطنون استثنائيون وعليهم المعيش والرفاهية واللذة والسكنى
بعيدا عن توصيفات اليسار القديم ونعوته التي ورطت الشعراء بالتماهي مع الفقراء
والجماهير الزاحفة على بطونها والنوم علىجوع اللذة وشرف المبادىء!! ان
استعراضية درويش في زمنه القرطاجي بكل مايحمله هذا الشاعر من كاريزما القضية !
ورمانسية الزمن الفلسطيني الذي علق بالذاكرة كأي عادة عربية، فضلا عن طريقته
الاستثنائية في صناعة القصيدة / الصوت والقصيدة التعويض، والتي منحته استثناء
في نظام التلقي العربي، او ربما جعلته في لحظة ممغنطة لها جاذبية غريبة تلامس
الفضاء الاستعراضي ذاته في مواسم مدينة قرطاج الفائرة،حيث تؤطر يومياتها بعوالم
ساحرة تبيح لجسدها المكشوف على البحر حميمية استثنائية في البوح والهتاف الذي
تعوده الجمهور القرطاجي الذي يعرف ان لليل في قرطاج طقوسا خاصة هي ذاتها طقوس
العشاق عند سيدي بو سعيد!!لست في موقع الشك في اننا بحاجة الى صراحة اقرب الى
الوقاحة لنكتشف حجم المحنة التي تحاصر راهننا بالاوهام الحداثية وغيرها وسطوة
الذات التاريخية الباسلة ازاء ذات حاضرة اسلمت ركابها للعطالة والنعاس، وانتاج
الاكاذيب!! ولكننا نحتاج ايضا يا سيدي الدرويش ايضا الى ان نمارس الشتائم ايضا
ضد السياسيين الحداثيين والمفكرين الصناجين بحداثاتهم والذين القوا على رؤوسنا
النعاس واسلمونا الى طاعة اولي الامر دون وجه حق!! الشعراء الحداثيون وغيرهم
منتجو اوهام بامتياز،، الحكومات لاتطمأن اليهم، لذا تمارس ازاءهم طردا منهجيا،
لكنه طرد انيق( خذوا ما شئتم، خربوا اللغة، اعيدوا انتاج القمر ارضيا، هرولوا
نحو نساء القبيلة،، لكن لاتكشفوا صندوق العائلة) ولعل اغلب الشعراء ماهرون في
تنفيذ الوصايا، لذا نراهم يملأون الفضاء ضجيجا والورق الكوني تسويدا
والمهرجانات نداء الى كائنات غير ارضية،،لكنهم لايتحدثون عن خرابنا وضياعنا
وحتى ان تحدثوا عن احتلالنا فانه حديث السذج الذين لم يعرفوا الشفرات السرية
للسياسة العربية....انا احب درويش وفي طفولتي كنت اقرأه وكأنه يكتب سحرا،، لكني
وبعد ورطني العمر باحزانه وحروبه لم اعد اخضع الى غواية النصوص والاسماء وربما
لا أميل لعبة الصدق الكذب بمزاج يقبل بقياس الاشياء،، لذا ادركت ان درويش كان
يمارس استعراضا قرطاجيا ليقول لنا،، مازلت انا الصانع الامهر لغنائكم وصحوكم
فصدقوني وارموا على اصحاب الحداثة الحجر،، اذ انا الوارث الوحيد لفحولة المتنبي
ومشروعه في ايقاظ الذات العربية
|