|
القديس 
يحيى الشيخ زامل
تحوم فراشات البحر
لتستنشق
رائحة الدم
واحدة تجلب وردة
وتلمس بها القبر
والاخرى.. تحمل في فمها
ذرة ماء
تسقي طفلا مذبوح
بجانب أباه
ثالثة تمسح بجناحيها
غبار التاريخ
وتكتب بلعباها اسماء
رجال الثورة
رابعة خامسة عاشرة
عشرون ثلاثون .. خمسون.. مائة
تحلق .. صفوف متراصفة
حول القديس
ليخرج وأوداجه تشخب
زيتا وحليب
يبتسم ويخرج طوماراً
قد أبلاه الدهر
سيف.. درع.. واصبع مقطوع
وزندا بطل الطروادة
يرفعها الى السماء
يقلبها ويحنطهما بالبارود
فيخرج ذاك القديس
ويطوف العالم
ويزور القدس
ويصلي بدون وضوء
في مربط براق محمد
ينحي الزيتون ويسلم بلغات شتى
تتراقص طرباً.. اوراق التوت
وتدق برجليها حبات القهوة
يهتز المهد من نفخة جبريل
يغضب وينفجر
سيف علي
يتحرق شوقا
لينازل اعداء القديس
فكسر الغمد صباحا
وأحتز رقاب الخوف..
مساء
وردة روحي

علي قاسم مهدي
قال احمد عندما ادلى شاهد بشهادته، أنا بريء لم اقتل احدا، لم اقتل احداً،
وتوقف كل شيء بأنتظار حكم المحكمة، الشيء الوحيد الذي اراد الاعتراض عليه غاص
في اعماقه ولم يدل به، ظل محتفظا به، ورأى ان يصمت، كان من الصعب معرفة ما يدور
في رأسه حينها، تساءل الكل داخل المحكمة، لماذا لا يدافع عن نفسه؟ فقط يردد أنا
بريء انا بريء. كأن رأس القاضي ثقيلا، جراجا، وفوق عينيه تدلت نظارته السوداء ،
وكانه غارق في أعماق الظلام، صعدت في صدره حشرجة وأغلق الملف وقال (استراحة)
رفعت الجلسة.. قال أحمد في نفسه (الحمد لله) ما زلت حيا، أعيش كما المخلوقات،
لي طفولتي وأسمي الاول، لي اسراري، لا احد يعرفها اذا مت سوف لن يسقط عن حجابي
الى الابد، ولن يعرفوا يوما معنى تمسكي هذا.. انا قادم من رحم امنياتي، أن
احترقت حياتي بالماء وروحي تجري في النهر، أنا اعيش في قصب الهور اغنيات ترددها
الغابات.. آه لو تعرفون بماذا افكر الان، أنا افكر بسحابة ضاجعتها وفتحت ذراعي
لينام شعرها تحت كهوف جسدي، أتذكر جسدها المجنون المرتعد، وهي تطوقني بالخطوات
وحس الخيانة، مضى وقت طويل لم امارس حريتي كما مارستها مع تلك السحابة.. وفجأة
نودي على الشاهد الاخير، تقدم بحركة مسرحية اعتلى منصة الشهود، وبدأ يتحدث
عندما سأله القاضي. حرك جفنيه حركة غريبة واشار بيده (نعم هذا هو القاتل اعرفه
جيدا كما اعرف نفي) سأله القاضي، بعد ان ضجت القاعة وعلا بها الهمس.
- هل انت متأكد؟
- نعم متأكد سيادة القاضي، في تلك الليلة، رأيته على حافة النهر يغسل يديه
وبالقرب منه كانت سكين حمراء، لم احدد ملامحه الا بعد ان سقط على وجهه اضواء
الجهة الثانية من النهر عندما رفع رأسه.. تقدمت بخطوات حذرة نحوه للامساك به،
وتذكرت السكين القريبة منه، توقفت، سمعته يدعو النهر، لا تقل بأنني قتلتها لعب
الشك في رأسي، رباه من الذي جاء بي الى هنا، لماذا انظر الى قاتل دون ان افعل
شيئا. كان علي ان اتبول بعيدا حتى لا اراه.. تحركت الحشائش تحت قدمي عندما تلفت
بخوف ورمى السكين في النهر وهرب.
- هل لديك اقوال اخرى؟
- لا.
- تفضل اذن.
- ماذا يقول هذا الابله اللعين لم اقتل احد انا لا استطيع ان اقتل نملة كيف
يتصور بأنني قاتل، رباه سيضيع عمري سدى، لن اترك هؤلاء يبيحون دمي للمشنقة،
سأعيش كما انا اغني، محبوبتي السحابة ستمر تأخذني من هذه الوحشة القاتلة، نعبر
الحقول ستمر مثل الضحكة بلا ملامة، سأركض معها نحو الحياة، أيتها السحابة تعالي
فوق عيون القاضي، أنا أحمل موعدك بين يدي ، موعدنا تحت اشجار الزيتون قد حان
تعالي من كل الجهات، قاتلي من أجلي كي نسافر انا وانت على ظهر خيول فائق حسن
نتقدم نحو نخل السياب يحملنا مطره الجميل، ونهرب الى البحر.. انا لا احد يعرفني
هنا في اي شارع أسكن ، أنا مثل الغابة حين ينتصف الليل، ضلوعي جمرة تحت جسدي،
يحرسني مطر السماء، أنا لا اعرف احد، الوحيد الذي يعرفني هي روحي، وأنا الان
دون روح لأنني تركتها في النهر، بعد ان جمد الزمن من حولي، هي لا شيء.. حزنها
بلا نهاية.. حرام ان تعيش في هذه الحياة. لهذا انا أمر على النهر كل حين وأرمي
على روحي وردة حمراء لم أرم اي سكين فقط رمت زهرة لروحي لأني تركتها وسط النهر.
نصوص قصيرة لإلياس
كانيتي

ترجمة صالح كاظم
(1)
في زمان بعيد جدا بعد أن شاخت الأرض وأصبحت مزدحمة بالبشر ظهرت فجأة إمراة لا
أحد يعرف من أين أتت.
كان البشر قد أصبحوا أغنياء ومتخمين. يجلس أحدهم قرب الآخر على ما يمتلكه، لكل
منهم أربعة أمتار مربعة من الأرض. وكانت كل البحار قد جفت ولم تعد فيها قطرة من
الماء، أما الجبال فقد تآكلت وسقطت في البحار. إلا أنها لم تتمكن من تغطية كل
البحار، مما جعل ألارض اكثر إنخفاضا مما كان يسمى سابقا سطح البحر. وساهمت في
هذا العمل التسطيحي الذي يفتخر به البشر الذين أصابتهم السمنة مئات القرون التي
مضت. كانوا يعيشون في ضيق مذهل وقد أصبحت بشرتهم مسطحة مثل الأرض. مع إحتلال
البحار تنامى عدد البشر، فأصبحوا يتحركون بصعوبة كبيرة، وأزداد عددهم حتى لم
يعد بالإمكان تعداد نفوسهم كالرمل الذي زال عن سطح الأرض. ولم تعد هناك ريح
يمكن أن تحركهم من مواقعهم كما أنقطعت العواصف القادمة من جهة البحار القديمة
وأصبح من العبث البحث عن التلال. في هذا الزمن السجين العاجز عن الحركة
والتغيير أصبحت حركة البشر محدودة: خطوتان الى تلك الجهة وخطوتان الى هذه الجهة.
هذا اقصى ما يستطيعون. حتى هذا كان يصعب عليهم أحيانا. وكانوا يتحدثون مع بعضهم
عبر الأسوار المنخفضة التي تفصلهم عن بعضهم: "كيف حالك؟ هل مشيت اليوم؟"، "لا
مع الأسف! يجب أن أمشي اليوم. لقد أصابني اليأس."، "مسكين أنت! أما أنا فقد
أنتهيت من ذلك."، "حقا كم أحسدك.."، "في العادة أمشي بعد أن تنتهي أنت من المشي.
كيف صحتك؟ هل أنت مريض؟ ربما أصابتك وعكة بسيطة؟"، "لا أعرف. أشعر بالتعب في
الساقين. أعتقد أنهما ستسببان لي مشاكل كثيرة. "، "أنسى الموضوع اليوم. يحق لك
أن تترك المشي لمدة يوم واحد. ما الضرر من ذلك؟"، "هذا رأيك."، "هل تظن أن ذلك
سيؤثر سلبا على طريقة جلوسك؟"، "لا أدري. أما أنت فقد مشيت."، "لا أنكر ذلك.
فقد أخبرتك بنفسي عما فعلته."، "أما أنا فيجب ألا أمشي."، "أذا كنت تشعر بالمرض."،
"لم أقل شيئا من هذا القبيل."، "هذا ما فهمته من كلامك."، "يبدو أنك تريد أن
تسيء فهمي بشكل متقصد."، "بالعكس. لم أعد أفهمك الآن مطلقا."، "عفوا!"، "عفوا".
بعد حوار من هذا النوع يدير أحدهم ظهره للآخر وهو مستاء. من حسن الحظ لم يكن
المرء بحاجة الى هذا الجار بالذات، فبسبب التشابه الكبير بين الجيران كانت
أحاديثهم لا تختلف عن بعضها. يترك هذا الحوار وراءه شعورا عميقا بعدم الرضا لا
يمكن التخلص منه إلا عن طريق الحركة. خطوتان الى تلك الجهة وخطوتان الى هذه
الجهة ويتم تكرار ذلك لمدة خمس دقائق، حتى يسقط الواحد منهم على الأرض بسبب
الإجهاد. (ثم يطعن نفسه بالسكين فيسقط ميتا).
(2)
إذا توفرت لنا امكانية مراقبة مشهد معين من ثلاثة جوانب فسنزداد فهما لعمل
الممثل: يدخل شخص الى غرفة يجلس في إحدى زواياها عاشقان كما يبدو للوهلة الأولى.
لخلو المكان من غيرههما يقرر الجلوس على طاولة بالقرب منهما. من خلال المرايا
الموزعة على جدران المحل يكتشف أنه على خطأ. فإلى جانب الشخصين الحقيقين في
الزاوية هناك إثنان آخران في المرآة الموضوعة يسارا وهناك غيرهما في المرآة
الموضوعة أمامه. وهكذا فأنه يراهما من الجانب وبالمواجهة وفي الواقع ويمكنه
بسهولة أن يسمع ما يدور بينهما من حوار. هي شابة صغيرة، نحيفة وقصيرة، غير أن
وجهها المزوق يجعلها تبدو أكبر بمرتين مما هي عليه. على جانبى الأنف وحتى موقع
الفم هناك شقان عميقان. و عيناها عبارة عن حفرتين يحيط بها ظل أسود غامق، يخفي
ما يدور حقا في ذهنها. حين تضحك يشعر المرء بقناعة بأنها تبكي. وحين تتطلع
بهدوء الى الأمام يشعر المرء بالخوف، إذ يبدو وجهها محفوفا بالألم. أما شعرها
الأصفر المعقود على شكل ضفائر جميلة منفصلة عن بعضها فيلوح للمشاهد كما لو كان
ذكرى لزمن مضى. إنها لا تكاد أن تتجاوز السادسة عشرة من العمر. ملامحها ذات
الألوان الفاقعة تثير الرجل ذا البشرة السوداء الذي يشاركها صفتي النحافة
والقصر. وهويغني الألمانية بلكنة رومانية أو بولونية. و يعوض عما يفتقر له من
مشاعر بحركات اليد طالبا منها أن تأتي اليه ليريها ما يفرحها: بيانو وبساط جميل.
غير أن ذلك لا يثير فضولها. فيستمر بالغناء متجاهلا رفضها له. أثناء هذا يختلق
قصة عن فتاة طردها لكي يتفرغ لها. فتقول له أنه يجب أن يكون أكثر حذرا وإنها لن
تذهب معه فالفتيات لسن دمى يتصرف بها كما يشاء. في مجرى هذا الحوار تزداد
ملامحها قسوة، وهذا يعني أنها فرحة بما يرويه لها. الآن يمسك ذقنها بأصابعه
النحيفة وينظر في عينيها بتصميم غير إنها تفلت منه معبرة عن إحتقارها له ،
فيمسك بيدها ويلعق أصابعها واحدا بعد الآخر دون أن يثير أهتمامها، بل بالعكس من
ذلك نجدها تقطب جبينها كما لو كانت تتطلع الى صورة لا وجود له فيها. بعد ذلك
ترفع نظرها وتنظر الى رقبته لترى فيما إذا كانت ياقة قميصه نظيفة. وهاهو الآن
يواصل ترديد اغنيته بصوت منخفض ومستمر، في حين تجهش الفتاة بالبكاء أي بالضحك
ساخرة منه. لماذا لا يفهم ذلك رغم ذكائه؟ فهو على ما يبدو طبيب للأمراض النفسية.
يجب عليه أن ينتظر ويتحلى بالصبر. انه يغني طيلة الوقت بصوت دافئ. بينما يبدو
صوتها للمستمع شديد البرود، إذ أنها لا تمتلك نوايا تجاهه ، وهومليء بها. تغادر
المكان لتسأل عن الوقت بعد أن تكتشف انه لا يملك ساعة مما يزيد من إحتقارها له.
أثناء خروجها أنظر الى وجهه في المرآة متوقعا أن أرى أبتسامة وسخة على وجهه مثل
تلك التي تبرز على وجوه الرجال الذين لا يعرف بعضهم بعضا عند الحديث عن
أمراةغريبة أثناء غيابها. إلا أنه لا يبتسم بل ينظر نحوي بملامح جدية تعبر عن
حزن عميق في دواخله. ربما هو موسيقي ، وإلا لما تحدث عن البيانو بإعجاب شديد،
في الوقت الذي بدا فيه حديثه عن البساط محاولة لإرضائها، معتقدا بوجود ميل كبير
لكافة أنواع الطنافس لدى النساء، بحيث يمكن شراء أية عاهرة ببساط. إنه لا يعرف
البشر. ولا يلاحظ انه لن يتمكن من جذب إهتمامها حتى لو أعطاها النقود رغم
حاجتها اليها. بعد عودتها من الخارج وهي تقول: "Half past three" – هذا كل ما
تستطيع قوله بألإنجليزية، وتكرره بأستمرار بسبب إعتدادها بنفسها –، يعدها بجبال
جديدة جلها من الذهب. مع ذلك لا تبدي أي إهتمام بوعوده فهي تعرف كل شيء. إذ ذاك
يسعى للإمساك بها من أي مكان وبشكل ساذج رغم كونه تدرب على كل حركة من حركاته
مسبقا، إلا أنها لا تكترث له، فهي تمتلك كنزا من التجارب يزيد كثيرا عن تجاربه،
علما بأنها لا تعرف شيئا. حتى اللغة الإنجليزية لا تعرفها. كذلك تجهل كل
مايتعلق بالموسيقى وعلم النفس. مع هذا فأنها تدرك كل ما يريده منها وكل حركة
يقوم بها. وحتى لوكانت لا تعرف كلمة واحدة فإنها قادرة على أن تكتب كتابا. إنها
تعرف مدلول كل حركة ولا تكترث بأي منها. فهي العالمة النفسية والباحثة : أهداف
ما زال يسعى لتحقيقها. إنها تغفل عن كل ما هو خصوصي. وتهتم بكل ماهو نمطي. تعرف
انه يرتدي سروالا..وهي محدودة الذهن، مما يجعلها تظهر أكبر بكثير مما هي عليه.
الرجال يدفعون مبالغ طائلة لإرضاء غرورهم. أما حاجاتهم العامة فيمكن إرضاءها
بسهولة.
(3)
شعر بألم شديد بسبب الريح الحادة التي عصفت بأذنيه العاريتين. وبدا له كما لو
كانت كافة دعامات البيت تزعق بصوت مرتفع معلنة عن وجودها. راحت طيور السنونو
التي كانت قد أستغرقت في النوم عند سقف البيت تستيقظ تاركة أعشاشها بشكل مفاجئ
لتحلق بسرعة كبيرة صعودا ونزولا. وأشتد ظلام الليل أضعاف ما كان عليه. الى جانب
الأصوات الصادرة عن الريح العاصفة كان هناك ضجيج ناتج عن إرتطام زجاجات فارغة
ببعضها. أين هذه الزجاجات؟ ومن شربها؟ في الغابة راحت الأشجار الأكثر قدما من
البيت تتساقط متناثرة قطعا قطعا. وتسربت الطيور المذعورة -ليس بسبب سقوطها من
أعشاشها بل بسبب هدير الريح- إلى البيت من خلال نوافذه التي هشمتها العاصفة..
من جهة السقف يأتي أنين مئات الرضع المتروكين لوحدهم. ربما تداعى سقف البيت
بسبب العاصفة، ولم يعد هناك أي سقف آخر ما عدا سقف هذه الغرفة، مما دفع الطيور
للجوء اليها. ترفع الريح السرير ليسقط بقوة على الأرض مهدما. الخشب، البيت،
الشبابيك، طيور الليل، البشر: الجميع في إنتظار الصاعقة الأولى. تحلق الطيور في
ظلام الغرفة متناسية غريزة الصيد، بينما تطير الفراشات بحرية كبيرة وبأعداد لا
تحصى ضاربة أجنحتها بالوجوه والأنوف. الهواء مثقل بالكائنات الصغيرة، لا يوجد
من يفترسها. فكل الكائنات تريد الهرب، في الوقت الذي تتحول فيه العاصفة الى
سيول جارفة.
حارس الفقراء

كاظم الميزري
جالسا يتململ في غرفته الرطبة الجدران، امامه موقد للجمر، بجانبه يقعي هره
الابيض يهر.. تناول علبه سكائره وأستل واحدة منها، أشعلها من جمر الموقد، ثم
راح يتصفح الجرائد التي افترشت ارضية الغرفة، حتى أتى عليها كلها، في تلك
اللحظة كان الهر يغط في نوم عميق، فيما كانت حرارة الموقد تتضاءل، وبدأت تكسوه
طبقة خفيفة من الرماد بيضاء فاقعة، حينها شعر بدبيب البرد يسري في اضلاعه، نهض
من مكانه، تناول لحافه البالي مقرفصا الى نفسه وملتفا به، نام هكذا حتى الصباح،
واستيقظ على لسع بندقيته الباردة في نوبة حراسته المتأخرة، فيما ظل الفقراء
يغطون في أحلامهم وغمامة من الامنيات تظلل وجوههم المجمدة بالخيبات!
لوتريامون وبيرس
وقصيدة النثر

عبــــــــــــــــدالقـــــــــادر
الجنابـــــــــــــــي
ولد ايزيدور دوكاس (المعروف باسم لوتريامون، المحرّف عن عنوان رواية لاوجين سو)
عام 1846 في مونتفيديو عاصمة الاورغواي، من أبوين فرنسيين مهاجرين. وقبل أن
يبلغ السنتين، ماتت والدته. رحل عام 1859 إلى فرنسا ليتلقى التعليم في مدارسها.
بعد أن تنقل من مدرسة إلى أخرى، أستتب في باريس حيث مات في الرابع والعشرين من
تشرين الثاني 1870 تاركاً كتيباً صغيراً تحت عنوان "أشعار" وعملا وحيداً مكوناً
من ستة فصول عنوانه "أناشيد مالدورور" سيقلب، خصوصاً بعد إكتشافه من
السورياليين، كل لغة المستقبل الشعرية. وإن لم يوزّع الناشر الفرنسي الكتاب في
السوق، خوفاً من الملاحقة القانونية، فإن صديقاً وفياً له باعه على سبيل
الإيداع الائتماني في سويسرا وبلجيكا. على أن لوتريامون، الذي دفع كل نفقات
الطبع، بقي يستعلم، عبثاً، عن مصير كتابه، بل أستبد به الشعور بالذنب من أنه
كتاب شرير، وبالتالي ليس عليه إلا أن يكتب شيئاً آخر أكثر تفاؤلاً. وبالفعل أخذ
لوتريامون يتنكر للكتاب واعداً صاحب المصرف داراس بأنه سيكتب مقدمة لكتابه
المقبل الحافل بالأمل، ليقرأها والده فيبعث إليه بالمال الكافي لطباعته. وهذا
ما أشار إليه لوتريامون نفسه في توطئة لكتيبه "أشعار". لكن لوتريامون مات قبل
أن يكتب مجلد الرجاء هذا، وقبل أن ينزل كتابه في المكتبات بعد أكثر من عشر
سنوات، أي عندما حلت أزمة مالية بالناشر فباع النسخ جملة بسعر رخيص.كتب
لوتريامون "أناشيد مالدورور" في الوقت الذي كانت قصيدة النثر تجربة جديدة تتدفق
على شكل أعمال لم تتحدَّد قوانينُها. كما أن الأسلوب الذي كتبت فيه هذه
الأناشيد تتجاوز إشكالية نظم/نثر، شعر/نثر شعري وإلى آخر الثنائيات التي ميزت
كل محاولات التخلص من سطوة النظم. إن النثر المكتوبة به هذه الأناشيد هو اللغة
بعينها ككل، جارفة كل ما يريد أن يقف بوجه تدفقها: كما لو أن سد النحو (التراكيب،
الأسلوب، الألفاظ) والوعي (الشعور الأعمق، الذهن، الأخلاق) انهدّا كتلةً
متماسكة شعراً لم تعد تهمه التحديدات. في الحقيقة إن البعد الجذري لكتاب
لوتريامون في تغيير مسار قصيدة النثر سيتضح على يد السورياليين عند اكتشافهم
الكتابة الآلية. فإنه التمهيد الأول لكسر كل إطار يريد تحديد قصيدة النثر ضمن
شكل منغلق. غير إن الاعتراض على وجوده في أنطولوجيا مخصصة لقصيدة النثر مقبول
في حال قبول التعريف الرسمي لقصيدة النثر: قصيرة ومكثّفة خالية من الاستطرادات
والتطويل والسرد المفصّل وتقديم البراهينَ والمواعظ، محتفظة بكل مقوماتها التي
تجعل منها كتلة مستقلة عن أي مرجع شخصي، وقائمة بذاتها. وهذا يعني أنّه لا يحق
لنا استلال مقطع من عمل أدبي طويل. أما إذا حللنا بشكل أبعد عبارة بودلير "
اِنزعْ فَقارةً، وسَرَعان ما سينضم وبكل سهولة جزءا هذه الفانتازيا المتلوّية.
قطّعها أوصالاً عدة، ترَ أنّ لكلّ وِصلةٍ وجوداً مستقلاً"، فيمكننا أن نستلّ
مقطعاً يشكل كتلة متماسكة تستمد وجودها من ذاتها. وهذا ما دفع موريس شابلان
الذي وضع أول أنطولوجيا لقصيدة النثر وذلك سنة 1946 إلى نشر مقاطع من "أناشيد
مالدورور" معتبراً إيّاها قصائد نثر. ومن بين اختياراته مثلاً هذا الجزء المستل
من المقطع الرابع من النشيد الرابع الذي نستهل به المختار من "أناشيد مالدورور"
ترجمة سمير الحاج شاهين، والصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.إنّي قذر.
القمل يقضمني. الخنازير، عندما تنظر إليّ تتقيأ. قشور البرص وندوبه سفطت جلدي،
المغطى بالقيح الأصفر. إني لا أعرف ماء الأنهار، ولا ندى الغيوم. فوق عنقي، كما
فوق زبل، نما ثمة فطر ضخم، ذو سويقات صِيوانية. إني لم أُحرِّك، جالساً فوق
أثاث بلا شكل محدود، أعضائي منذ أربعة أجيال. أقدامي تجذّرت في التربة وتشكل
حتى بطني، نوعاً من نبات حي، مملوء بطفيليات مقززة، ليس مشتقاً بَعد من العشب،
ولم يعد لحماً. ومع ذلك فإن قلبي ينبض. لكن أنّى له أن ينبض، لو لم تكن عفونة
وفوحانات جثتي (لا أجرؤ أن أقول جسدي) تغذيه بغزارة؟ تحت إبطي الأيسر، اتخذت
عائلة من الضفادع لها مقراً، وعندما يتحرك أحدهما، فإنه يدغدغني. حاذروا أن
يهرب ضفدعٌ من تحت إبطي، ويأتي يحكّ بفمه، باطن إذنكم: إنه قد يكون خليقاً بعد
ذلك بدخول دماغكم. تحت إبطي الأيمن، يوجد حرباء تطارد هذه الضفادع باستمرار، كي
لا تموت جوعاً: كل واحد يجب أن يعيش. لكن عندما يُحبط أحد الفريقين حَيل الآخر
كلية، فإنهم لا يجدون أفضل من أن لا يتضايقوا، ويمصّون الشحم الرقيق الذي يغطي
جوانبي: لقد اعتدت على هذا الأمر. أفعى شريرة التهمت قضيبي وحلّت محله: لقد
جعلتني خصيّاً هذه السافلة. آه! ليتني استطعت أن أدافع عن نفسي بذراعيّ
المشلولتين، لكني أعتقد بالأحرى أنهما قد تحولتا إلى حطبتين. مهما صار، يهمني
تسجيل أن الدم لم يعد يأتي ليُجيل فيه احمراره. قنفذان صغيران، كفّا عن النمو،
رميا إلى كلب، لم يرفضه، داخل خصيتيّ، حيث سكنا، بعد أن غسلا البشرة بعناية.
الشرج تم احتجازه من سلطعون؛ شجّعه جمودي، إنه يحرس المدخل بمشابكه، ويسبب لي
الكثير من الوجع! مدوستان عبرتا البحار، وقد جذبهما مباشرة أمل لم يخب. لقد
نظرتا بانتباه إلى القسمين اللحميين اللذين يشكلان المؤخرة البشرية، ومُتشبثتين
بحنيتهما المقببة، سحقتاهما بضغط ثابت لدرجة أن قطعتي اللحم اختفتا، بينما بقي
مسخان، خارجان من عالم اللزوجة، متساويان في اللون، والشكل والضراوة. لا
تتحدثوا عن عمودي الفقري، بما أنه سَيف.كنتُ قد نمت على الشاطئ الصخري، إنْ ذاك
الذي طارد، خلال يوم، النعامة عبر الصحراء، دون أن يتمكن من بلوغها، لم يتسنَّ
له الوقت كي يتناول غذاءً، ويغمض عينيه. إذا كان هو الذي يقرأني، فإنّه جدير
بأن يحزر، عند الاقتضاء، أي رقاد يثقل عليّ. لكن عندما تكون العاصفة قد دفعت
سفينة عامودياً، براحةِ يدها، حتّى أعماق البحر، فإنه إذا لم يبقَ من كلّ طاقم
الملاحة على الطوف سوى رجل واحد، منهوك من التعب والحرمانات من كلّ نوع؛ إذا
أرجحَه الموجُ، كحطام سفينة، خلال ساعات أطول من حياة إنسان؛ وإذا لمحت فرقاطة
راحت تمخر فيما بعد هذه المناطق الكئيبة بغطاستها المصدوعة، الشقيَّ الذي يُجيل
فوق الأقيانوس هيكله العظمي الناحل، وحملت إليه نجدةً كادت أن تكون متأخرة،
فإني أعتقد أن هذا الغريقَ سيحزر أفضل أيضاً إلى أي درجة وصل خدرُ حواسي. إنّ
المغنطسية والبنج، عندما يكلفان نفسهما عناء ذلك، يعرفان أحياناً أن يولدا مثل
هذه التخشبات البليدة، التي ليس هناك أي شبه بينها وبين الموت: ستكون كذبة
كبيرة أن نقول ذلك. لكن فلنصل رأساً إلى الحلم، كي لا يأخذ نافذو الصبر،
الجائعون إلى هذه الأنواع من القراءات، يزمجرون غضباً، كسرب من حيتان العنبر
الكبيرة الرأس التي تتقاتل فيما بينها من أجل أنثى حبلى. كنتُ أحلم أني قد دخلت
في جسد خنزير، لم يكن سهلاً علي الخروج منه، وأني كنت أمرمغ وبري في أكره
المستنقعات. هل كانت هذه مكافأة؟ لم أعد أنتمي إلى الإنسانية، وهذا موضوع
رغباتي! فيما يختص بي، لقد فهمت التأويل هكذا، وشعرت من جراء ذلك بفرح أكثر من
عميق. ومع ذلك، رحت أتقصّى بهمّة أي فعل فضيلة أنجزته كي أستحق، من جانب
العناية الإلهية، هذه الخطوة العظيمة. الآنَ وقد استعرضتُ في ذاكرتي مختلف
مراحل هذا التسطّح المريع فوق بطن الصوَّان، الذي مرّ خلاله المدُّ والجزر، من
دون أن أدرك ذلك، مرتين، فوق مزيج يتعذّر إنقاصه من المادة الميتة واللحم الحي،
فأنه قد لا يخلو من الفائدة أن أعلن أن هذا التدهور لم يكن على الأرجح سوى قصاص،
أنزلته بي العدالة الإلهية. لكن مَن الذي يعرف حاجاته الحميمة أو سبب أفراحه
المفسدة؟ إنّ الإنمساخ لم يظهر قط لعينيّ إلاّ كدويّ عالٍ وشهم لفرح كامل، كنتُ
أنتظره منذ أمد بعيد. لقد جاء أخيراً اليوم الذي صرت فيه خنزيراً! جرّبت أضراسي
على لحاء الأشجار؛ فنطيستي كنت أتأملها بلذة. لم يبقَ أدنى جزءٍ من ألوهة: عرفت
أن أرفعَ روحي حتّى العلو الشاهق لهذه الشهوة الحسيّة الفائقة للوصف. اسمعوني
إذنْ، ولا تحمروا، يا رسوم الجمال الساخرة التي لا تنفد، الذين تأخذون عن جد
النهيق المضحك لروحكم، الجديرة بالاحتقار إلى أقصى حد، والذين لا يفهمون لماذا
استمرأ العلي- القدير، في لحظة نادرة من التهريج الممتاز، الذي لا يتجاوز، طبعاً،
قوانين الهزل العامة الكبرى، لماذا استمرأ المتعة العجيبة في أن يعمر كوكباً
متحيّراً بكائنات غريبة ومجهرية، يسمونها بشرية، وتشبه مادة المرجان القرمزي.
لاشك، إنكم على حق في أن تحمرّوا، وأنتم عظم وشحم، لكن اسمعوني. إنّي لا ابتهل
إلى ذكائكم؛ ستجعلونه يبصق دماً بسبب الكره الذي يكنّه لكم: انسوه، وكونوا
منطقيين مع أنفسكم... هنا، لا إكراه بعد. عندما كنت أريد أن أقتل، كنت أقتل؛
وهذا الأمر، حتّى، حصل لي مراراً، ولم يردعني أحد عنه. القوانين كانت تلاحقني
بعد بانتقامها، مع أني لم أهاجم الجنس الذي هجرته بكل هذا الهدوء؛ لكن ضميري لم
يكن يوجّه لي أي توبيخ. خلال النهار، كنت أتصارع مع أشباهي الجدد، والتربة كانت
موشاة بعدة طبقات من الدم المتخثر. كنت الأقوى، وكنت أحرز جميع الانتصارات.
جراح كاوية كانت تغطي جسدي؛ كنت أتظاهر بأني لا ألاحظها. الحيوانات الأرضية
كانت تبتعد عني، وكنت أبقى وحيداً في عظمتي المتألقة. كم كانت دهشتي عظيمة،
عندما حاولت، بعد أن كنت قد عبرت نهراً سباحةً، كي أبتعد عن البقاع التي أخلاها
حنقي من سكانها، وأبلغُ أريافاً أخرى لأزرع فيها عاداتي في الاغتيالات والمجازر،
عندما حاولت أن أمشي على هذه الضفة المزهرة. قدمامي كانتا مشلولتين؛ لم تكن أي
حركة تأتي لتخون حقيقة هذا الجمود الاضطراري. وسط جهود فائقة للطبيعة، لأواصل
طريقي، استيقظت، وشعرتُ أني أعود إنساناً. العناية الإلهية جعلتني أفهم هكذا،
بطريقة ليست متعذرة على التفسير، إنها لا تريد، حتّى في الأحلام، أن تتحقق
مشاريعي السامية. الرجوعُ إلى شكلي الأصلي كان بالنسبة إليّ ألماً كبيراً لدرجة
أني لا أزال خلال الليالي أبكي منه. شراشفي تظل مبللة باستمرار، كما لو أنها
غطست في الماء، وكلّ يوم أغيّرها. إذا كنتم لا تصدقوني، تعالوا لمشاهدتي؛
ستتحققون باختباركم الخاص، ليس فقط من احتمال، لكن، فوق ذلك، من حقيقة زعمي
ذاتها. كم من مرّة، منذ تلك الليلة التي أمضيتها في العراء، فوق شاطئ صخري،
امتزجتُ بقطعان خنازير، لأستردّ، كحقٍ، انمساخي المقوَّض! حان الوقت كي أهجر
هذا الذكريات المجيدة، التي لا تترك، وراءها، سوى المجرّة الشاحبة للحسرات
الأزلية
|