عنب أحمر للمساء

لنا عبد الرحمن
تلك اللعبة كانت لي، عروس شقراء مبتورة اليد، بعين عوراء.بكيت، طلبت من أمي أن آخذ اللعبة الى المستشفى، شدتني من يدي لتبعدني عن الشرفة خوفا من رصاصة غير طائشة، حيطان المنزل مليئة بالثقوب، تلملم أمي بعض حاجياتنا من دولاب الملابس، تطلب مني مساعدتها، أحمل اللعبة معي، أبدأ بجمع فساتيني وأحذيتي، أسأل أمي عن سبب رحيلنا وعن الدمار الذي يملأ البيت، تتمتم"سنسكن عند جدتك، هناك أكثر أمانا". تواصل لملمة أشيائنا بطريقة عشوائية، تستعجلني لمغادرة المكان، ننزل الدرج بسرعة"ماما لماذا لم نرو شتلات الغاردينيا الموجودة على الشرفة؟" أسألها، لكنها لا تجيب، تقبض على يدي بقوة، وتدفعني للنزول، يدها الاخرى تقبض على كيس الثياب، ويدي الحرة تحتضن لعبتي، صوت القذائف يرتفع من حولنا، تشد أمي على يدي أكثر ونحن نواصل النزول، نقف برهة في مدخل المبنى، الشارع خاو تماما، ننتظر توقف القذائف، نتابع المسير، بيت جدتي بعيد ولا توجد سيارات، تسحبني أمي نحو إحدى البنايات، لكن الدوي يشتد، لعبتي لم تعد في يدي، ويدي الأخرى صارت طليقة، على بعد أمتار ترقد أمي على الأرض، أندفع نحوها، أهزها من كتفها، تفتح عينيها، تبتسم بفرح لرؤيتي، رائحة البارود تسيطر على المكان، تقف أمي بسرعة، تنفض ثيابها، ثم تشد على يدي من جديد، تنظر الى كيس الثياب الذي تحول الى أشلاء متطايرة، أنظر الى الأرض بحثا عن لعبتي، لم تمت لعبتي، كانت هي الأخرى غافية بهدوء على الأرض..
إنتظار
إتصل بي... صوتك تحول الى سر غامض.وصلت في الوقت المحدد ، لكن يبدو أنني أجلس في المكان الخطأ.إنه هادئ جدا وقت المساء، رواده قليلون، أنيقون بترف، قطرات مطر مازالت عالقة على أطراف شالي الأزرق.يأتي إلي النادل بالعنب الأحمر الذي طلبته.لم لا يحتل العنب مكانة التفاح، فيكون الفاكهة الأكثر إغواء؟أتأمل حبات العنب، أذكر معلم اليوجا الذي كان يجبرنا على تأمل حبة العنب لنصف ساعة، قبل أن نأكلها في نصف ساعة أخرى.تتكئ حبات العنب على بعضها بحزن، أشفق عليها، ألامسها بهدوء، أتحسس استدارة كل حبة، ثم أبدأ بنزع كل حبة عن العنقود، صار العنقود خاويا كعجوز هرم يخاف قدوم المساء، هذا هو مسائي الأخير معك، أحمل العنقود فارغا في يدي، حبات العنب متروكة في الطبق الأبيض، سأجففه، سأضعه بين دفتي كتاب كما يضع الناس الورود للذكرى.
أمنيات صغيرة
(1)
أكثر ما كنت أتمناه في هذا المساء النوم في سريري، والتدثر بغطاء صوفي لساعتين من الزمن، وعندما أستيقظ أجد أمي قد أعدت لي طبق حساء عدس ساخن بجانبه باقة من الأعشاب العطرية.يا لها من أمنية مستحيلة، الأن علي إعداد الطعام لأربعة أشخاص، سيصل زوجي بعد قليل ومعه ضيوفه لتناول العشاء ، وأمي كيف من الممكن أن أتذوق حسائها وأنا في نصف آخر من هذا العالم في بلد يحتضنه البرد في كل الفصول.
وأنت، أتراك تعرف معنى البرد، وطعم العطش الذي يدفع الروح للتشقق.
(2)
الدوران بداية للجنون، أقف داخل دائرة مغلقة، تسورني، أدور وأدور، أركض وأركض حتى الهذيان.الظمأ يهددني بالتصحر.قلت لك أنني أحيا في عالم شديد الجفاف، يقتلني إحساسي بالظمأ لك.أما أنت فقد حكيت لي عن دغل تراه في أعماقي، دغل بعيد وشوكي، يؤلم بلذة كل من يقترب منه.
(3)
الحنين عاطفة لا تدعو للثقة.يومها كان أول أيام الخريف، حين كنا نسيرمعا، حكيت لك عن أيلول، وكنت تسميه"سبتمبر" قلت لك أن أيلول هو الحزن، وقلت لي أن سبتمبر لا يذكرك بالخريف لأنه لا يعلن عن هويته، ويواري حزنه خلف شمس صيفية تذوب.
كيف لا تعرف أيلول؟كيف لا تلمح خجله المراهق، وشمسه المواربة.
لا شمس هنا تطوق أحزاني، هنا الثلج في كل مكان.
موسيقى
الغرفة الزهرية لم تكن لي.جانب من نافذتها يطل على شجرة الدردار، الجانب الآخر يطل على العالم، عبر الزجاج رأيت إمرأة تستند الى السور، تمسك بيدها كمان، تضعه على كتفيها ، كأنها توشك على العزف، تنطلق الموسيقى تعوم في الفضاء، تستمر المرأة في العزف من دون نوتة موسيقية، تتكسر الموسيقى، تحاول المرأة من جديد، كانت تقف عارية.

 

   أكرم قطريب..يخرج من صورته

الرجل في الصورة
لن يرحل
قبل أن يقصف عمر الظل
يكوي لحم البلاد بمحاسن العائلة
وملمس الدم
والكتب التي تمدح بلوغه التسعين
الرجل الذي يحملنا في ابتسامته
ورسائل البريد
ينحني على البيوت ومعطف التجاعيد
يبارك طريقتنا في المشي
وطوافنا حول تماثيل الأبناء
الرجل المقلوب كسلم
يصر كظهيرة كالحة
ممدودة فوق الوجوه
وتئن كصدقة الشحاذ
يخرج من صورته وينام وحيدا

 

 

   تغار من الأقلام    

مهند صلاحات
أيقظني صوت الجرس في الصباح الباكر، أفقت وأنا أتساءل من هذا يا ترى الذي يسبق الديك في الصباح... إنه يوم إجازتي الذي أنتظره كل أسبوع كي أنام فيه فمن يا ترى هذا الذي يقطع علي راحتي وجاء يشاركني قهوة الصباح.
فتحت الباب فإذا هي بالباب واقفة خجولة، وبمجرد أن فتح الباب حتى انطلقت وبداخلها تنهيدة دافئة وقالت:
اعتذر عن إزعاجك في الصباح الباكر وأعلم أنك كنت نائم لأن اليوم إجازتك ولكني أحببت أن أطل عليك قبل أن تدخل الشمس إليك من النافذة. فأنا أعلم أنك لن تفيق إلا عندما تدخل الشمس من الشباك وتدفئك بحرارتها فأحببت أن أسبقها إليك...
- لا عليك عزيزتي ادخلي فأنت شمسي وقمري ومواسمي الأربعة، سأذهب لغسل وجهي وحلاقة ذقني فتكوني قد أعددت القهوة.
توجهت للصالة، وفتحت المذياع، فركضت باتجاهه معترضة وقالت: أيضا فيروز لن تكون عروس الصباح ولن تقول لك (أنا لحبيبي وحبيبي إلي) فاليوم أنا من سيقول لك: أنا لحبيبي فقط.
- كما تريدين، لكن كيف يكون الصباح بلا فيروز وشمس.
تقدمت مني بجرأتها المجنونة قبلتني وقالت: أما زلت مصراً أن الصباح لم يزل نائماً بعد هذا!!
لم يبق عندي ما أقوله فابتعدت عن المذياع واتجهت للشباك وأسدلت الستارة كي لا تدخل الشمس وقلت: إن كان كل الصباحات القادمة ستكون بمثل هذا الصباح المجنون فإني لن أكون بحاجة لشمس أو فيروز أو غيرها، وربما طعم القهوة كذلك.
رفعت حاجبيها للأعلى في حركة توحي بالتعجب واتجهت للمطبخ قائلة: نسيت وضع القهوة، وسألتني: كالعادة "مرّة".
- وهل يعقل أن تكون غير ذلك، ثم أين كنت البارحة لم أرك طوال اليوم؟
- كنت في السوق طوال اليوم.
- اليوم بأكمله في السوق ماذا كنت تفعلين؟
- كنت أبحث لحبيبي عن هدية.
- وهل وجدت هدية، وهل يستحق هو تعب يوم كامل للبحث له عن هدية!!
- بصراحة لا أدري إن كان يستحق أم لا طالما هو كعادته ينتقص من نفسه ولا يعرف قدره بالنسبة لي لكني بكل الأحوال تعبت واحترت كثيراً في اختيار الهدية فذهبت لبيت صديقتي وأحضرتها لتساعدني في اختيار الهدية معي.
- وهل وفقتم الاثنتان باختيارها؟
- كلا... لقد كانت معظم اختياراتها سيئة وتقليدية.
- ولماذا؟
- تصور أني عندما قلت لها أريد شراء هدية له واحترت كثيراً ولم أجد ما يناسبه ضحكت مني ساخرة وقالت: أنا أعرف ما يناسبه.. واتجهت بي باتجاه المكتبة في آخر الشارع، وأحضرت مجموعة أقلام وقالت: أنا متأكدة أنه سيعجب بها كثيرا.
- واااااو، أقلام، لقد أحسنت الاختيار.
قاطعتني بصوت غاضب وهي تقول: أجننت أنت الآخر مثلها!!! هل أحضر لك "ضرتي" بيدي!!! أتريد أن تقتلني غيرتي.
- غيرة؟ عن أي غيرة تتحديثن، إذا كنت تغارين من قيام صديقتك باختيار الهدية لماذا أحضرتها؟
- ومن قال أني أغار من اختيار صديقتي، بل أغار من الأقلام ذاتها أشعر بأنها مقتلي. أغار منها وأكرهها.
- مقتلك!!! لطالما عرفت أن الأقلام والكتابة هي مقتل صاحبها وكم من أديب ومفكر ورسام كاريكاتير كانت أقلامه سبب مقتله.
- أعرف ذلك، ولكني أتكلم عن شيء آخر. عن مقتلي أنا بأقلامك، أحضر لك أقلام لتكتب فيها لغيري، للناس، للعشاق، للوطن، ربما لأنثى أخرى.
ألا تدرك أنني لا أغار من هذه الأقلام فقط، بل من سجائرك أيضا تلك التي تشاركك أنفاسك، من قهوتك المرّة التي تستنشق أوراقك رائحتها، من فيروز، من شمس الصباح التي تستلقي أشعتها بجانبك كل صباح لتدفئك.
انتهيت من حلاقة وجهي وأزلت ما تبقى من رواسب رغوة الحلاقة بالماء عن وجهي، وكانت القهوة تنتشر برائحتها في كل الأجواء، تناولت فنجان القهوة وقلت لها: يا غالية، هل تغارين من الجماد الذي لا يحمل إحساس بداخله، حتى لو كان للأقلام والقهوة والشمس مشاعر أنا على يقين بأنها لن تكون بحجم مشاعرك المجنونة التي حملتك هذا الصباح لي كقطرات الندى في الفجر.
لكن لماذا هذه الأشياء ترافقك وتؤدي دورها في حياتك بشكل يومي وأنا لا أراك إلا عندما تنفك عنك هذه الأشياء، وخصوصا أقلامك، دوما منشغل بها دوما تعبث بها بأصابعك.
- يا عزيزتي هذه الأشياء التي ذكرت تدور في الأيام بروتين يومي، بينما أنت الاستثناء الوحيد الذي لا يشبه إلا نفسه في حياتي. لا تضعي نفسك في مقابل الأشياء العادية، لست كالشمس تأتي من الشباك في الصباح، لا موعد لحضورك ولا موعد لغيابك أيضا.
- وأنت كذلك استثناء لا يتكرر في حياتي.
لذلك أمضيت البارحة اليوم كله بحثا لك عن هدية استثنائية مثلك، رفضت اقتراح صديقتي بأن أحضرك لك أقلام أو كتاب جديد أو تبغ أو ساعة لكن خشيت أن تستخدمها وقت غيابي عنك فتشعر بوجع الغياب.
ولكني حين عدت في المساء للبيت متعبة ودخلت غرفتي وبدأت أفكر في شيء سيكون استثنائي ومجنون مثلك، اكتشتفت ضالتي في نفسي، فلم أجد شيء أكثر جنونا من حضوري لك دون موعد، لذا جئتك بالصباح الباكر

 

 

   خوان مانويل روكا الرومان يا كاساندرا كانوا ملاعين   

خوان مانويل روكا، بحسب خوان مانويل روكا، لم يختر أن يولد في ميديين، ولا هو اختار خصوصا أن يفعل ذلك عام 1946، أي العام نفسه الذي أصدر فيه الشاعر الفرنسي رينيه شار تحفته "أوراق هيبنوس"، مما عتّم الى حد كبير على حدث ولادة الطفل الكولومبي وطبعه مدى الحياة.
وخوان مانويل روكا، بحسب خوان مانويل روكا، لم يطق المدرسة، ولم يستطع ان يداوم اكثر من فصل واحد في الجامعة، اذ فضّل ان يتعلم على مقاعد العالم، وقرر منذ نعومة أظافره انه يستطيع حتما العيش من دون مادتي علم الجبر والجغرافيا. عام 1997 منحته جامعة "فاللي" دكتوراه فخرية في الآداب، انتقم بها من كل مجتهدي العالم ودكاترته ومتخصصيه.
لم يمارس خوان مانويل روكا قط حقّه في الانتخاب، ولم يشتغل في الحقل الديبلوماسي. لم يتعلم العزف على الغيتار، ولا ينوي أن يتعلم. يؤكد أن غياب انسان وغياب شجرة مصنوعان من المادة نفسها، وأنه لا يخترع شيئا بل يكتب على لحم كلمات أخرى ماضية. من دواوينه "ذاكرة المياه" و"صيدلية الملاك" و"فرضيات لا أحد" و"بلوز الغيّاب".
خوان مانويل روكا، بحسب خوان مانويل روكا، لم يكتب الشعر يوما.
هو الشعر كتب خوان مانويل روكا.
(1)
مشهد فيه أطلال وكباريه
داخل هذه القصيدة
هناك مدينة.
داخل المدينة هاويةٌ
داخل الهاوية أطلال
داخل الأطلال جريح
داخل الجريح
أنا.
(2)
داخل هذه القصيدة
هناك ليل.
داخل الليل شارعٌ
داخل الشارع كباريه
داخل الكاباريه مغنيّة
داخل المغنيّة قلب
داخل القلب
ميت.
***
فرضيات "لا أحد"
قد يكون الريح.
الورقة البيضاء. قد يكون.
قد يكون ذاك الذي
يمحوه المطر.
أذكر الآن رجلا أعمى
في ظهيرة حلوة في فريبورغ:
كان يمشي وحيدا تحت الثلج
مبتسما بغبطة
وفي يده عصا أشد بياضا من النديفات.
تجاوزني من دون أن يراني:
كنت أنا "لا احدَه"
وهْـمَه في تلك المملكة المضيئة.
ربما نحن إذا
عميان "لا أحد".
"لا أحد" قد يكون الريح
التي تشرّع النوافذ بضربات غير متناغمة
لكي تجعلنا نتكلم بلغة الحلم.
قد يكون ذاك الذي ترك وراءه
معطفا مهجورا
على مشجب المقهى
معطف كأنه راية فراغ
ستختفي في أحد الأيام كصاحبها.
قد يكون ذاك الذي لم يكن يوما
الذي لن يكون
الذي تعب من أنه كان.
قد يكون، في بلاد المفقودين
الموجود الوحيد الذي نسميه وهما
ذاك الذي يجعل السلالم
تهتزّ ليلا
أو يوقع المقلاة في المطبخ
ذاك الذي يغيّر أماكن الملاعق والشوك والسكاكين
التي نعجز عن إيجادها
سارق المسافات.
قد يكون مسافر نفسه
بدويّ نفسه.
قد يكون يمارس مهنا في غير محلّها:
يجرجر أوراقا في الشارع النائي
ينقل جرائد قديمة من جانب الى آخر في المدينة
يحمل رائحة الخارج الى الوسط
يمزّق بطاقات سينما الأمس
يجعل القطارات ترحل
بمجرد أن يدق الجرس.
قد يكون الريح.
الورقة البيضاء. قد يكون.
***
قصيدة باطلة للرومان
كانوا ماكرين، هؤلاء الرومان.
ملأوا اوروبا بالأطلال
وتآمروا مع الزمن.
كان يهمّهم المستقبل
وآثار الخطى
أكثر من الخطى.
الرومان، يا كاساندرا، كانوا ملاعين.
لم يبنوا قناطر سيغوفيا
لكي تكون ممرّات مياه وضوء
بل تصوّروها سلفا آثارا مقبلة
تشهد على ماض مندهش.
نثروا النصب المهلهلة في اوروبا
والتماثيل البلا رؤوس
لأن أمجاد روما ابتلعت رؤوسها.
لم يصنعوا المدارج العظيمة
بغية ان تأكل النمور براحتها
المسيحيين الذين -
لنعترف -
يقطعون الشهية
ولا لكي يروا جيوش سبارتاكوس
مشكوكة بالسيوف
مثل مقبّلات على موائد الجحيم.
هم خطّطوا لركامهم، ركام يتناسب
مع حجم ظلال الشمس المحتضرة.
صديقي دينو كامبانا
قفز ربما من حلق
احد آلهة الرخام اولئك.
الرومان
أعطونا مادة هائلة للتأمل.
مثلا
عندما ألقى المرمّمون نظرة
داخل الشدق المفتوح
لحصان برونزي
في "بياتزا بيانكا"
وجدوا في بطنه
هياكل يمامات.
هكذا حبّكِ
كلما امعنتُ في بنائه
تحوّل اطلالا.
حبّكِ
يا كاساندرا
روماني.
***
أغنية وداع على ايقاع "روك"
كل هؤلاء الرجال الذي يرقصون
سوف يموتون؟
- نعم
والبرابرة الذين لا يصلون
الى قصيدة اليوناني
هل سيموتون أيضا؟
- آه، نعم
والعصفور الأزرق الذي يوقظني
من الكابوس المرعب
الذي أتبختر فيه مكسوا بالوحول؟
- نعم، نعم
والأطفال، بالله عليك
الأطفال الذين يوقعون سلّة أصواتهم
وسط قصصنا السخيفة؟
- أجل يا صغيرتي
والقمرالحليق الذقن والمعطّر بالخزامى
والفتاة الأكثر جنونا من الطيور
والأنهار التي يغتسل فيها الموت مرارا
وأناشيد الله الغبية
وكل الشعراء: المدّعون والطاهرون
العاشقون والجدّيون والمقمّلون
الشعراء المتعجرفون والمتعالون
كلّهم سوف يموتون؟
- نعم
نعم نعم نعم

 

 

   امرأة عاشقة، امرأة مهزومـــــــــــة    

ذهبت الى العرافة، وضعت ورق اللعب على صدري ورددت وراءها "هاقلبي، هاتخمامي ...". تجشأت كثيرا وقالت انه بيني وبينه سحرا جعله يهرب مني.لكنها أكدت لي أنه سيعود وعندها سأكون ملزمة"بذبيحة كبيرة" و "ليلة كناوية".لم أفهم جيدا معنى "ذبيحة كبيرة" لكن حركت رأسي بالموافقة.ثم قوست حاجبيها، و أغمضت عينيها وأخذت تحرك شفتيها بسرعة ،تكلم أشخاصا تراهم هي فقط.وأخبرتني أن جنيا أسود يدعى"ميمون" سكن جسدي هو السبب في كل ما يحدث لي.شعرت بالفزع لمجرد التفكير أنني اقتسم هذا الجسد النحيل مع جني أسود مشاغب.خرجت من بيتها الذي كان بحجم خم للدجاج.علقت بثيابي رائحة البخور.اللعنة.
أخذت رزمة من الاوراق المالية وأعطتني بدلا عنها شموعا. بيت العرافة يقع في ازقة ملتوية و متشعبة كالمتاهة.وأنا سأدخل متاهة و حروبا أخرى مع الجن و العفاريت كأنه لا تكفيني معاركي مع الانس، حتى ازج بنفسي في معارك مع الجن. اشعلت الشموع لكي يشتعل حبه من جديد، لكنه لم يأت. بدأت أفكر جديا في اقامة"ليلة كناوية" وزيارة الولي "بويا عمر".
أنظر من نافذة غرفتي ،قطتي أصبحت تمشي بصعوبة بعدما ازداد بطنها انتفاخا فأصبح بحجم اجاصة.أبي طردها من البيت وأنا أقدم لها الطعام خلسة. تركت البيت منذ مدة لتلحق قطا أجرب أغواها، و بعد ذلك عادت تتمسح بي .أنا كذلك تركت العالم بأسره وتبعته.لم يكن وسيما .كان يشبه دبا صغيرا أصلع بكرش مرتخية تخفي أعضاءه التناسلية، ومِؤخرة ضخمة ووجه مدور.كنت دائما أكره الرجال ذوي المؤخرات الضخمة و الوجوه المدورة.فكيف أحببته؟ هو هكذا الحب دائما يأتي بلا موعد.الحب كالموت ،كالمرض يأتي دائما حين لا ننتظره و في الاوقات و الاماكن الاكثر غرابة.الحب يجعلنا نتصرف كالاطفال بلا منطق.لماذا لا يخترعون مصلا ضد الاصابة بالحب؟
أحس بالبرد .أنظر الى السماء.تبدو سوداء هجرتها النجوم. ستمطر لا محالة.أعطس ثلاث عطسات، سأ صاب بنزلة برد .لا احب فصل الشتاء ،فصل الانوف الحمراء والازقة الموحلة.عندما كنت طفلة كنت احب فصل الشتاء.أخرج برفقة "اولاد الدرب"، نصرخ بفرح لا يضاهيه اي فرح ،"آشتاتاتا أصبي صبي". صوت "نعيمة سميح" المنبعث من الراديو الصغير، يبدو مرتخيا وملتويا.البطارية توشك على النفاذ، "ياك آجرحي جريت وجاريت".
هو لا يحب "نعيمة سميح" و " أم كلثوم". يقول أن هذه النوعية من الاغاني تجعله يتثاءب.كيفت حياتي حسب رغباته و أهواءه ومزاجه. لانخرج الا حين يريد هو. لا نرتاد سوى الاماكن التي يرتاح لها هو . رغباتي انا مزاجي انا....لا يهم فيما بعد...فيما بعد.
أسمع آذان الفجر، يجعلني أشعر برغبة في البكاء.أتمنى لو أبكي بصوت مرتفع و أركل الارض بقدمي كما كنت أفعل و أنا طفلة ، فتأتي أمي و تضعني في حجرها و تهدهدني و تغني بصوت خفيض، " الله الله محمد رسول الله"، فأرتاح وأنام .أسمع خطوات أمي متجهة الى الحمام لكي تتوضأ.أبي يصلي في رمضان فقط.أما هو فحين سألته لماذا لا يصلي، قال انه يؤمن بالله وكفى،وليس في حاجة الى اثبات ذلك خمس مرات في اليوم.
عندما جاء لخطبتي، رأته أمي من فتحة الباب، ضربت خديها بكفيها حتى ارتسمت أصابع عشرة على وجهها، وقالت،" لازين ولامجي بكري". لكنك أمي دائما ترددين،"الرس المغطي احسن من الراس العريان".، ثم انني احبه.عاودت النظر اليه من فتحة الباب. بدا وسيما في قميصه الاصفر.تذكرت انني اكره اللون الاصفر.لون الاسنان الصفراء المتعفنة والابتسامة الصفراء المنافقة،و" للاميرا" الجنية التي تعشق الاصفر.أبي بدا ممتعضا هو الاخر.أخذ يعبث بالشعيرات الاربعةالتي نبتت فوق صدره بلا مناسبة.نفث دخان سيجارته في وجهي وقال" انها عملية خاسرة بالتأكيد". لكن أبي، متى كانت العواطف تحسب بآلة حاسبة؟ هل أكلم اأبي ام تاجرا في سوق الخردة؟
نظر الي و أكمل " ثم انه موظف". نطقها كأنها سبة أو تهمة، لكنني أحبه.هزكتفيه وقال"اذهبي الى الجحيم ...جيل ما كيحشمش". و هل تخجل انت ابي عندما زوجتني و أنا بعد طفلة بجديلتين؟ كسبت يومها من وراء تزويجي / بيعي كثيرا.أتذكريومها جاءت أمي أخذتني الى الحمام، غسلت جسمي و نتفت شعر ابطي و عانتي، وقالت لي كلاما احمر له وجهي خجلا.وخضبت النساء يدي بالحناء و كحلن عيني...كانت زغاريدهن أشبه بالصراخ والولولة.وبعدها وجدت نفسي أمام رجل طويل جدا.أول شيء فعله صفعني وقال" نهار الاول يموت المش".وعرفت بعد ذلك انني المش او القط الذي يجب ان يموت.هذا كل ما أعرفه عن الزواج،حمام ،حناء وزغاريد ورجل يصفعك لكي يثبت أنه الاقوى، وبعد ذلك يملأ بطنك أطفالا و يهرب.زوجي الاول هرب وترك لي خازوقا. وهذا الذي أحببته هرب و ترك لي خازوقا آخر، كلهم يهربون عندما تصبح الامور جادة.أمي تلوي شفتها السفلى و تسأل عن سبب اختفائه.الجني الاسود مازال يسكن جسدي ،أختي تخرج لي لسانها وتشهر في وجهي أصبعها الوسطى. العرافة تقول يلزمك "ليلة كناوية"و "ذبيحة كبيرة" وكثير من الاوراق المالية. تضع النقود بين نهديها وتشعل سيجارة من نوع"كازا" و تطلب التسليم. جارتي تقول ان العرافة كانت "شيخة"*، وعندما جار عليها الزمن أصبحت عرافة.
أشعر بالجوع.ألبس الخف .سأذهب الى المطبخ وآكل فطيرة مدهونة بالعسل.أتراجع في آخر لحظة.يجب أن أقلع عن هذه العادة السيئة.فعندما أغضب لا أجد سوى المطبخ أنفس فيه عن غضبي.في بعض الاحيان ،آكل كل شيء و أي شيء وأنا أبكي. يبدو منظري مضحكا و مقرفا. بعدها أذهب الى الحمام وأدخل اصابعي في حلقي و أتخلص من كل شيء.
يجب أن أكون قوية.هذه المرة لن أنفس عن غضبي و حنقي في الأكل .سأذهب اليه هو في مقر عمله، وأخرج له لساني وأقول له "ان الكون لا يبدأ وينتهي عند قدميك".
سأقول له"أنا نادمة لأنني أعطيتك أكثر مما تستحق من الحب و الاهتمام".
سأقول له"أنا نادمة لأنني كنت مستعدة لأي شيء معك، و لم تكن مستعدا سوى للكذب و النفاق.فهنيئا لك على قدرتك الفائقة على الكذب".
غدا سأحرق صوره و رسائله و هداياه وأكاذيبه. ولن أشعل الشموع ثانية لكي يشتعل حبه ويعود.ولن أقيم "ليلة كناوية".
أوف أشعر بالجوع، سآكل فطيرة واحدة لا غير. ترى كم تكلف " ليلة كناوية"؟
*شيخة: مغنية شعبية
الهذيان
قبلني فوق شفتي المتشققتين وقال:
قبلة أبوية ... انت مثل ابنتي. -
مررت بلساني على شفتي، شيء لزج يسيل منهما ...دم ..لعاب؟ لاأعرف.
نور قوي مسلط على عيني...أحاول أن أفتحهما...لاأستطيع. رأسي مثقلة...أحاول ثانية...أعاود اغلاقهما...أين أنا بالضبط؟
الرجل قال لي بعد أن قضم شفتي:
قبلة أبوية. أنت مثل ابنتي.-
لكن أبي لا يقبلني في فمي. بل لم يقبلني أبدا، ربما فعل ذلك عندما كنت رضيعة.هل أبي يقبل أمي؟ أغمض عيني، أضغط عليهما بقوة، أتخيله. جلابية رمادية. بلغة صفراء معفرة بالتراب، وعمامة ضخمة كصحن هوائي. أمي تقف قبالته.أحاول أن أتخيلها نحيفة ترتدي قفطانا قرمزيا ومنديلا صغيرا تطل منه خصلات شعرها الأسود، تتخلله شعيرات بيضاء. كانت والدتي عندما تغضب تصرخ فينا"شيبتوني قبل الوقت".
ينحني والدي بقامته الفارعة، يضع يديه حول خصر أمي. وتختفي الصورة، كما تختفي الصور من تلفازنا القديم. يتجمع غضب والدي في قبضة يده ويلكم الجهاز فتعود الصورة...يضحك بانتصار"العصا لمن عصى".
أين أنا؟هل أنا هناك؟ ومن يكون هذا الذي قضم شفتي وعندما ضبطته قال: قبلة أبوية.
مررت بلساني على شفتي،علق به مذاق كالبلاستيك المحروق.
صلاح عندما يقبلني، أتمنى أن يفعل ذلك الى ما لانهاية.كنت أحب طعم قبلاته.. مذاق السجائر والخمرة الرديئة. عندما أقلع عن التدخين والشرب، لم أعد أستسيغ قبلاته، أشمه ،أبحث عن تلك الرائحة التي أدمنتها و لاأجدها... تنزوي الرغبة بعيدا، أنفلت من بين يديه يغضب و يصرخ في وجهي :
لقد تغيرت. هل تحبين شخصا غيري؟-
-هل لديك سيجارة و خمرة رديئة؟-
بهت:
-لا بل أنت...ستدخن كل يوم قبل موعد الحب...وستمضمض بهذه الخمرة ...لقد أدمنت هذه الرائحة..
ضحك حتى دمعت عيناه:
-صدري أصبح كقفص يسكنه طائر الجاوش... انك تقودينني رأسا الى مستشفى الأمراض السرطانية..
أين أنا؟ هل يمكن أن أكون هناك؟
هل سيأتي من يسألني من هو ربك؟ ما هو دينك؟ من هو نبيك؟
من يملك الاجابة السحرية سيقضي بقية حياته/مماته في...
أحد البرامج التي تبثها احدى القنوات اليتيمة تقول اذا كنت تملك الاجابة على أسئلتنا... اتصل الان وقد يحالفك الحظ وتفوز بسفر الى...
أين أنا؟
مسجاة على ظهري...احدى يدي بها ابر كثيرة، لا أستطيع الحركة، رأسي تؤلمني، أنجح في تحريك يدي اليمنى، لا انها اليسرى...أتحسس جسمي تحت الغطاء ،هل هو الكفن؟
ألمس نهدي، أجفل...تبدو كفلفلة مقلية مرتخية بشكل مقزز.عندما مر شهر على لقائي بصلاح، شهر أو اسبوع...ربما هي ساعات فقط، قال لي :
أريد أن ألمس نهديك.-

أين أنا؟
جاءت والدتي، وضعت يدها على رأسي ، وأخذت تتمتم ببعض السور القرآنية.
أين أنا؟
أنت هنا في المستشفى.-
-أمي، لقد قبلني، كانت عيناه بلون الكبد المريض، وعندما ضبطته قال: أنت مثل ابنتي.كان يرتدي لباسا أبيض.ممرض؟ طبيب؟ أم جزار؟ هل نحن في محل جزارة يا أمي؟
نامي يا ابنتي انك تهذين

 

 

   مسرح رقص وتشكيل في متحف فان كوخ  

أقام متحف فان كوخ في أمستردام نشاطاً فنياً متنوعاً تحت عنوان (الحب والموت)لثلاثة فنانين يشتغلون في حقول متنوعة. فإلى جانب المعرض التشكيلي للفنان النمساوي ايغون شيليه اشتركت الفنانتان الهنغارية كرستينه شاتيل، واليوغسلافية مارينا ابراموفتش بتقديم عرض مسرحي راقص بعنوان (تدرج وتواصل خارج السيطرة) يعتمد على الحركة والجسد، ومجموعة عروض إيمائية اشرفت عليها الفنانة أبراموفيتش ورقصات فردية وثنائية أشرفت عليها الفنانة شاتيل.
استمر المعرض على مدى ثلاثة أشهرمن 25-3- 2005 ولغاية 19-6-2005، حيث كان بإمكان الجمهور مشاهدة العروض الإيمائية والرقصات يوميا، والعرض المسرحي الراقص كل يوم أحد وجمعة من كل أسبوع. زينت لوحات الفنان شيليه جدران الصالة والتي تضم 20 لوحة زيتية 80 لوحة مائية. وكان الموضوع الرئسي للمعرض يتناول الحب والموت والحياة والمرأة والجنس من خلال تجسيد ملامح الجسد النحيل. أما عن الفنانة الهنغارية كرستينه شاتيل مصممة الرقص فقد قدمت عرضاً راقصاً مستوحى من فكرة المعرض للوحات الفنان المجسدة لاًفكاره. دخول مباغت، خمسة ممثلين شبه عراة، بملابس شفافة ملتصقة بأجسادهم، رُسم على حُلمات أثدائهم بقع حمر، تقودهم عازفة بيانو عارية الصدر كأنهم عصافير أطلقت من أسرها.
الاجساد ملتصقة ببعضها وهي تتحول الى امواج داخل الاحواض الزجاجية التي تحتل حيزاً كبيراً وجميلاً من سينوغرافيا العرض.
لم يقتصر هذا العمل الراقص على اطراف الجسد بل كان الجسد يشكل كياناً متحدا مع الروح الحاضرة أيضاً.
حضور الجسد في هذا العمل حضور لا ينفصل عن الفكرة الرئيسية لمعرض الفنان مجسدة بعمل درامي راقص غزير الرموز.
أفليس العالم كله قائماً على الرموز كما يقولون؟
الاحواض الزجاجية الفارغة التي تشير الى الفراغ ، العزلة، السجن ،الموت، أو هروب الجسد من الروتين اليومي والاجتماعي وتمرده على القوانيين والاطر الجاهزة. مارينا ابراموفيتش الفنانة اليوغسلافية المسرحية والتشكيلية ومصممة الرقص والتي تعيش الان في الولايات المتحدة بعد أن أقامت لمدة عشرين عاماً في هولندا قدمت خلالها الكثير من التجارب على الصعيدين المسرحي والفن التشكيلي، فبالاضافة الى اشتراكها مع الفنانة شاتيل في انجاز العرض الذي وصفناه في الفقرة السابقة فقد قدمت عروضا مسرحية جسدية كإداءات إيمائية من خلال الحركات كعلامات وصور لاوضاع الجسد في تصورات الفنان شيليه مجسدة عبر وضعيات أجساد الممثلين وحركاتهم. وقد أثبتوا لنا إمكانية الجسد في الصبر والتحمل والقدرة على تحدي الكوارث والمصاعب.
فهل يمكن للجسد أن يعرف معنى الجوع إن لم يجربه؟
أو معنى الحلاوة إن لم يتذوقها؟ كانت هذه ثيمات هذا الكرنفال الفني طيلة ثلاثة أشهر في أمستردام.
إنها تجربة فريدة من نوعها لثلاثة فنانين مختلفين في الاسلوب متفقين في الهدف حقاً أنه مسرح ممتع، رقص بديع وفن تشكيلي رائع

 

 

   سركون بولص مطارداً أبداً بالشعر  

في استرجاع صورة الشاعر العراقي سركون بولص، المنسي نسبياً في اغترابه الأميركي، تحضرني، بغرابة، تلك الكلمات الختامية لتنيسي ويليامز في مسرحيته الحديقة الزجاجية التي يسوقها على لسان بطله توم، والتي يقول فيها: «تنقّلتُ كثيراً. كانت المدنُ تتطاير حولي كأوراق ميتة، أوراق ساطعة الألوان، سُلِخَت عن أغصانهِا وتطايرت. كان يمكنني أن أتوقّف، لكنّ شيئاً ما كان يلاحقني. يهبطُ عليّ في غفلتي، ويباغتني. لعلّها مقطوعة موسيقية مألوفة. لعلّها مجرّد نثرةٍ من الزّجاج الشفّاف
لا أتصوّر أنني أتذكر الآن هذه الكلمات، عبثاً، ففيها الكثير مما يصف شعر سركون بولص، ويصف حياته أيضاً. ناهيك عن صلة القربى، أسلوبياً، التي تذكّرنا بكلام سبق وقرأناه يوماً ما للشاعر، حتى ليخيل للمرء أن سركون بولص، وليس تنيسي ويليامز، هو من كتب تلك الكلمات. والقارئ لقصائد بولص يجد أنها مكتوبة حقاً عن مدن لا تُحصى، أبطالها جوّابو أحلام، يتنقلون كثيراً، مطاردين بشتى الهواجس والأفكار. لعلها الحياة أيضاً وقد تحولت بين يدي سركون بولص إلى منحوتة زجاجية، مثله مثل بطل ويليامز، تتناثر بهدوء أمام أعيننا إلى شظايا ملونة، لا مرئية.ما يطارد بولص بالتأكيد هو القصيدة. القصيدة الشفافة، الحية، الغنية بأوكسجين الحياة. لا ذهنية ولا فلسفية. قصيدة رشيقة، غنية بالإيقاع الداخلي، إيقاع النثر الذي تحوّل بين يدي هذا الشاعر، في وجه خاص، إلى ندّ حقيقي لإيقاع التفعيلة. وهي قصيدة متحركة، تنام على حلم وتستيقظ على حلم. أقصد ليست قصيدة دوغمائية. ليست رهينة مقولاتها النظرية أو النقدية. وفيها الكثير من التجريب على صعيدي البنية والموضوع. إنها القصيدة - الرحلة (journey poem) بامتياز. القصيدة - الزورق التي تهب عليها الريح، ويأخذنا المدّ إليها، وتأخذنا، نحن، على حين غرة، وترمينا إلى شواطئ مجهولة. في إحدى قصائده يقول بولص: «هل أغرتكَ السفنُ إلى هذا الحدّ/ وسرتَ كما قلتَ/ على الماءِ؟»، كأنما للتدليل على شفافية الرحلة وصفائها، رغم أن السّيرَ على الماء مجازٌ بمجاز. والعنوان «إذا كنت نائماً في مركب نوح» الذي خصّ به مختاراته الشعرية الصادرة عن دار الجمل لا يوحي سوى بشغف هذا الشاعر بالرحيل والارتحال شعرياً. هذا إذا لم نذكر كتابه الأول «الوصول إلى مدينة أين»، المفتون بالسفر والموانئ والترحال. وإذا أردنا أن نبحث عن مرجعية جمالية للشاعر، فإننا لن نجدها في شعر أدونيس، مثلاً، أو أي من شعراء مجلة شعر. ولن نجدها في شعر سعدي يوسف، أقرب الأصوات الشعرية الى حساسية الشاعر. كما أننا لن نجدها في قصيدة أنسي الحاج الذي يجنح، ربما، إلى عذوبة إنجيلية نادرة، أو في كآبة محمد الماغوط الذي يحب أن يتضوّر وحيداً في عراء المفارقة. ربما كان بولص، من دون أن يدري، يقيم خارج النسق الشعري العربي، بفضل إقامته الطويلة في منفاه الاختياري، واحتكاكه بالثقافة الإنكليزية، وبشعراء يشبهونه كثيراً أو قليلاً من أمثال آلن غينسبرغ ومارك ستراند وجون آشبري، وغيرهم. ولن ننسى قرابته الأسلوبية، بحسب رأيي، مع المهاجر الآخر، وديع سعادة، الأكثر ميلاً الى كتابة القصيدة الصافية، القصيدة الخالية من القصد، ربما من فرط شفافيتها. أجل، وديع سعادة هو الأقرب. ولكن بولص مختلف أيضاً عن سعادة. ثمة ألم خفي في قصيدته، مردّه الشعور بعبثية الأشياء في الزمان والمكان، مما لا نجده بالقوة نفسها في شعر سعادة. ألم سعادة فلسفي وألم بولص تاريخي. ليس بولص بشاعر بلاغة مثلاً. لكنه أيضاً نحّات ماهر يجيد السطر الشعري المحكم، والضربة الموسيقية التي تجعل الشكل توأماً للمضمون.ثمة ما يطارد سركون بولص، إذاً. إنها قصائده المسكونة بألحان خفية، أو بنثرات زجاج شفافة ومشعّة. قصائد تتحدث عن مدن تتطاير في مهبّ الفتنة. تباغتنا بأصالتها وجدّتها، تماماً مثلما تباغتنا كلمات تنيسي ويليامز، من دون أن نجد تفسيراً منطقياً لذلك، سوى أن هذا الشاعر مطاردٌ أبداً بالشّعر

 

 

     بيـــــــــــــــــــــــــــــــتر بــــــــــــــــــــــروك في أمســــــــــــــتردام

صالح حسن فارس

اختتم في أمستردام المهرجان الهولندي السنوي (Holland Festival )الذي استمر أربعة اسابيع. وتضمن أعمالاً فنية متنوعة على قاعات مسرحية مختلفة : غناء صوفي،اوبرا، رقص، وعروض مسرحية محلية وعالمية. إستضاف المهرجان هذا العام أحد ابرز المخرجين المسرحين في العالم (بيتربروك) الذي ولد في لندن عام 1925 وأخرج أعمالاً مسرحية وسينمائية منها : الملك لير، فاوست، المهابارتا، هملت، كارمن، الماراصاد، مؤتمرالطيور وغيرها من الاعمال. شارك بيتر بروك في عمله الجديد (تيرنو بوكار) اعداد(ماري هلينه استيته) واخراج بروك نفسه على قاعة (غاز فابريك) في أمستردام، وهي القاعة الاكثر مناسبة لأعماله لفضائها الكبير وخلوها من المنصة. يقول بروك: أستطيع أن اخذ أي مساحة فارغة وأسميها: خشبة مسرح عارية. ومثل في هذه المسرحية نخبة من الممثلين الافارقه. معد عن كتاب بأسم( تيرنو بوكار) الموسيقي المتصوف الافريقي. يتعامل بروك مع النصوص تعاملاً حراً ولايلتزم بقد سيتها، كما رأينا كيف تعامل مع نصوص شكسبير. إنه يمتلك فهماً ووعياً متقداً في تحليله للنصوص المسرحية الكلاسيكية والحديثة. وتدور فكرة العمل عن التواضع والتحمل والصبر والقيمة الكبيرة لذلك في المجتمعات الدينية والحقيقة والحكمة والنقاء في الحياة وكيف التعامل معها والعودة الى الجذور. طبقاً لبيتر بروك فأن هذه الحكاية تسلط ضوءاً جديداً على إشكالية العنف والتسامح التي تُشغل العالم حاليا. على مدى ساعة ونصف نقلنا بيتر بروك بعوالمه وطقوسه الصوفية في هذا العمل المسرحي المدهش المثير الى افريقيا دون أن نشعر بتعب الرحلة.يفاجئك بيتر بروك منذ الوهلة الاولى وأنت تدخل القاعة وتجلس على الكرسي بأجوائه الخاصة وتشم رائحة المسرح الحقيقي. مشهد المسرحية الافتتاحي مونولوج للراوي يقص علينا حكاية (تيرنوبوكار) المتصوف والمحيط الذي يعيشه وإيمانه بقضيته. قدم الممثلون في هذا العرض إداءات مختلفة منها مشهد المعلم الذي أصبح الممثل فيه مشاهداً ومشهد البانتومايم حين يضع احد الممثلين العصفور على الشجرة، كان مشهداً صامتاً لكننا شاهدنا عصفورا حياًً. أما مشهد صراع القبيليتين فكان أكثر المشاهد اثارة ومتعة. أحتل الممثل الحيز الاكبر في الفضاء المسرحي بحضوره وعلاماته: المرأة، اللون الاسود، اللون الابيض، المسبحة وعدد الخرز، أبدع الممثلون وعلى رأسهم بروك.كان مُشكلاً من خمسة حصران (الحصير بساط قصير أو طويل من قصب) أربعة حصران على جانبي المسرح، وحصيرة كبيرة مربعة الشكل تحتل مقدمة وسط المسرح الذي تمثل منصة الاحداث والذي يعتليها يدخل في قلب الحدث، وتمثل أحياناً الصحراء. وشجرة جرداء في عمق المسرح. كان استخداماً معبرأ لمفهومي الزمان والمكان. وظف بيتر بروك الموسيقى الحية والغناء الحي وخلق جواً تسوده الموسيقى التي تتسرب الى الروح لتنعش الذاكرة. ولعبت الاضاءة والالوان والملابس دوراً مهماً في إنجاح هذا العمل. استغل بروك كل طاقات ممثليه وابتكر أدوات فنية بسيطة بالتعامل مع أدواته وتشكيلاته الفنية الباهرة والقدرة الكبيرة على تحريك ممثليه في الفضاء المسرحي بكل هدوء ومرونة ورشاقة ولم يعتمد على فخامة الديكور والابهار أو التكنلوجيا التي تتعكزعليها بعض العروض المسرحية. كان عرضاً بسيطاً هادئاً وعميقاً في التمثيل والاخراج معاً، وجعلنا نرى اللامرئي مرئياً من خلال استخدامه للطقوس وتوظيفها لخدمة الحاجات العصرية المطلوبة في المسرح. إذا كان حسم الصراع لم يتم في الحياة فقد حسمه بروك في مسرحيته، إنها مسرحية جدلية فكرية تمثل صراعاً دينياً بين فريقين من المتصوفة في إحدى القرى الافريقية. واخيراً أهدى بروك الينا شعلة من الامل للمستقبل في حسم الصراع، ومهما بلغت قوة الشر في العالم ينبغي علينا أن نتأكد من انتصار الامل والحب على الشر والكراهيةولعل الجملة التي اختتمت بها المسرحية تختصر حكمة التسامح والتعايش حيث يقول الشيخ الصوفي: (هناك حقيقتك وهناك حقيقتي وهناك الحقيقة نفسها ). نعم إنه المسرح المقدس الذي تحدث عنه بيتر بروك في كتابه (الفضاء الخالي).هذه هي المرة الاولى التي أشاهد فيها عملا مسرحياً حياً لبيتر بروك،وكنت قد شاهدت له من قبل على شاشة الفديو في معهد المسرح في أمستردام عددا من الأعمال المسرحية والسينمائية. كانت المشاهدة الحية لهذا العرض تجربة غنية ومشبعة بالصور البصرية والسمعية، بالقيم والموروث الشعبي والانثربولوجي للشعوب. وبعد نهاية العرض قـدمت أغانٍ صوفية إيرانية وأفغانية على القاعة نفسها

 

top

   Iraq designer

Email: nana20042005@hotmail.com