طريقة لاكتشاف تأريخنا

كاظم جبر الميزري
ان مسألة الولوج في صميم القضايا والاحداث هي من مستلزمات الحرص على ان يكون الرأي العقلاني المنضبط رأيا واقعيا وبعيدا عن التاثير العاطفي يحمل في ثناياه انعكاسات ومضامين فكرية واعية من هذا المنطلق نؤكد على ان رأس المشاكل التي تعانيها الامة الاسلامية في العصر الحاضر مشكلة اعادة شخصيتها الى مكانها من الاعتبار والتقدير بعد ان انطوت تحت تاثير الظروف والاحداث بحساسية خملة مما ادى بها الى التخبط والعشوائية في توجهاتها ورسم الابعاد النظرية والبعيدة كالبعد عن جوهر المشكلة وخطوطها الرئيسية وعلى ضوء من هذا تتكشف حاجتنا ونحن نسعى من اجل ايجاد الصيغ والحلول والطروحات الملائمة لطبيعة المشكلة ونتائجها الخطيرة وتتكشف حاجتنا الى اضفاء الطابع التمردي والرفضي والنفس الثوري على كل توجه او مشروع يستهدف الحل.
غير ان ما يجب القيام به كموضوع ينصب الاهتمام عليه هو ارتباطه بمصدر قيادي واع لكي لايبقى مشلول الارادة وعاجزا عن التحرك ومن هذا الفهم يمكننا ان نقلل من جموح العاطفة وارهاصات الوجدان اللذين يوقعاننا في حمأة الفعل التائه الذي يملي دون ان يعلل ويحجب البصر عن النظر في النتائج والمضاعفات كما يمكننا ان نضرب صفحا عن آراء اخرى وان كان لها وزنها بالنظر الى خصوصية كل منها منقطعا عما يحيط بها وزنها بالنظر الدقيق لحيثيات المشكلة يكشف لنا بانها لاتستند الى اسس تخطيطه ايجابية مأمونة وانها تنطوي على تأرجح بين الصبغة العاطفية البحتة والتقليد والمحاكاة لطروحات الغير والذي تختلف اشكالاته ودوفاعه واجوائه وبواعثه عنا. وكفهم اولي للموضوع نؤكد ان السبب المباشر لما نعاني من ضياع وتشتت وبعد عن جوهر وروح الاسلام هو الانقطاع وعدم التواصل بيننا وبني اجيالنا وتاريخنا ولايعدو ذلك سوى اتصال شكلي لاينقل التأريخ الا بصورة مجردة متناقلة لاصلة لها بعملية البناء والتشييد للكيان المميز عبر العصور بعد ان كان النظر الذي يتطلبه التاريخ يجب ان يكون على اساس الفهم الواعي لحركة التاريخ باعتباره مقوما لحياة الامم ومميزا لكيانها ورابط لتحولاتها على مدى الزمن انطلاقا من هذا لانجد اي غضاضة في القول بان العودة الى المقاييس والمعايير والمنهج الذي قام عليه الخط الثوري الاسلامي ومن ورائه القيادة الواعية التي لم يكن ينقصها النظر قدر ما كان يعوزها العمل والتطيبق والعمل على وصل ما انقطع من خطنا بذلك الخط الواضح الصريح المستقيم وتحريك المياه الراكدة وعدسات الفكر لالتقاط الدقائق الصحيحة في شخصيتنا القيادية التي صنعت تاريخنا الناصع وضربت المثل الاعلى بإيمانها ووعيها ومرونتها كل ذلك يؤمن لنا القدرة على الاعتناق من اناشيط النظريات التي لاتمت الى واقع المشكلة بسبب من الاسباب بعد كل ما اوردناه يجب التأكيد على فهم تأريخنا فهما عميقا خالصا من شوائب العصيبة والجمود وان نفسح المجال امام الادراك التاريخي الصحيح تمهيدا لاسهام التاريخ في رفع الكيان الاسلامي ذلك من الممكن ان يكون لنا منطلقا سليما لمواجهة المشكلة كما يحول دون ارتمائنا في احضان المتعة الفكرية السهلة اللاهبة التي تصد عن الارتقاء الذهني في ادراك خطوط العمل الايجابي الذي يفرض التوجه اليه على كل امة تريد لشخصيتها كيانا ساميا ومكانا رفيعة من الاعتبار الحق. فلنكف اذا عن الجمود والقوقعة عند السطحيات ولنتنصت الى نداء الحياة ونداء الاسلام المتلاقيين في قوة دافعه الى مواصلة الجهد والدأب من اجل تحقيق لوجود المميز للجماعة الاسلامية ازاء الجماعات الاخرى لوجود المميز للجماعة والدفع لحركة التطور في شتى مناحي الحياة ولاجدوى في التململ والشكوى من الخسارات الفادحة التي تنزل بنا وتبدو جلية في التفلت السريع من ربقه الاسلام واواصره مما ينذر بمجيء يوم تنحصر فيه حدود الشخصية الاسلامية في اقلية من الناس وتبدو كذلك فيما نراه ونلحظه من العيش الوجداني للاسلام الذي يعكس المراد والغاية ويقضي على النتاج ويخنق الحركة والذي كان من اثاره ثورية فكرية باردة تمثلت في نداءات متلاحقة تدعو الى التغيير هذه النداءات التي لم تتكفل بالاشارة الى ما يمكن ان يساعد او يؤثر في اظهار الفكرة الى حيز الوجود مما افسح المجال لتعليلات وتفسيرات من شانها لو استمرت ان تزرع اليقين بسعة المسؤولية وثقل العبء وضعف الكاهل فنحن احوج ما نكون الى التروي قبل صياغة الفكرة ومدى استعدادا للمثول في المعترك التطبيقي وبكلمة اخيرة نحن بحاجة الى قيادة منفتحة واعية منطلقة تراعي كل ظرف واثقة من خطواتها لاتتردد في تحويل المبدأ الى كائن حي في صورة عمل جاد يحقق اهدافه المرجوة.

 

  انا وبقايا الوقت 

علي قاسم مهدي
آن للوقت ان يفرّ
يجمع الصراخ
من وجه العاصفة
يغرس النهايات في رئتيها
يطل في منتصف الربيع
من ثقوب الحجارة
يفارق الحجارة
يفارق صمتنا
آن أنْ
يدحرج اصابع اوجاعه
واخر اجراس السطوح
ولون القراميد
لينسكب البيلسان
مثل امتداد الضحى
من رئة الشفتين
لغة تقترب
من قلب الرماد
وتفتح نوافذ الطريق
تعبت قدماي
من وحشة تمشي لبرد العبور
آن لحلم قصائد الاقحوان
ان توقظ الوطن الجريح
ان تمطر الخبز والزيتون
فوق جبل الخيوط
لتدمن الدفء
مدن امتدت في العيون
مدن هذا الوطن الجريح
آن للحرب
ان لاتجد
قباب الدم في النبيذ
وتطفيء الشمس
آن ان تمر
معلبة ويعقد عنقها
يسمرها المنتهى وتقذف
في مواقد الطرقات
نهاية
من اي كفٍ تهب العاصفة
تنادي الريح
مكتترة معطفها العتيق
لتمزق دفء المدن
تعربد فوق حمى الشهوات
فيفيق فناء الحرائق من جديد
اشلاء وبقايا اجساد
عاصفة تنال في اليوم
الف قتيل وجريح
محرمة كف تثير العاصفة
مقطوعة من الوريد الى الوريد
حطميها يا خيول العرس
دقي عظامها وانثريها في
مهب الريح
وانثريها في مهب الريح

 

 

   القلم الأجير:
ظاهرة قديمة في الأدب أثيرت حولها الفضائح في كل الأزمنة   

جمانة حداد
هل تطفح الأفكار من رأسك لكنك لا تجيد صوغها في كلمات؟ هل عشت حياة مثيرة تصلح لأن تكون رواية ضاربة، لكنك تفتقر الى ملكة الكتابة؟ هل أنت موهوب "نظريا" وعاجز أو كثير المشاغل "تطبيقيا"؟ لا تحمل أي همّ، ثمة حل لمشكلتك: إنه "القلم الأجير"، الذي سيتلقف بنات أفكارك ويدللها ويعجنها ويسقيها ويسهر عليها، حتى تولد على الورق كأعجوبة، وتحمل اسمك باعتزاز، وتجعلك كاتبا – أبا بالتبنّي. هكذا ترى عشرات بل مئات "أشباه الكتب" النور كل سنة، فالكتابة بالانتداب ظاهرة تزداد رواجا يوما بعد يوم في العالم الغربي، وتشبه الى حدّ بعيد وظيفة الأمّ الحاملة أو الناقلة la mère porteuse، الرائجة بدورها، بكل ما تتطلبه مرحلة الحمل، في الرحمَيْن البيولوجية والذهنية على السواء، من تلقيح فعناية بالجنين، وبكل ما تفرضه لحظة التخلي عن المولود عند الانجاب من ألم ومعاناة وانسلاخ عن الذات، وبكل ما يستتبع الصفقة من شروط، ليس أقلها صعوبةً شرط تسمية المولود بإسم طالبه و"مشتريه"، لا بإسم خالقه الحقيقي.
لا تسألوا
الحافز الراهني لخوض الموضوع كتابان صدرا حديثا بالانكليزية: الأول في لندن بعنوان "مهنة الشبح: حياة مزدوجة" لجيني اردال، والثاني في الولايات المتحدة الأميركية، وهو "النفخ في البوق" بقلم ريتشارد توفل. أما كتاب الاسكوتلندية اردال، فسيرة ذاتية تكشف فيها النقاب عن وجهها الثاني، الخفي، على مر عشرين عاما، الا وهو وجه الكاتبة "الشبح"، كما توصف المهنة في العالم الانغلوساكسوني، وهي تسمية أجمل بكثير من التسمية الفرنسية، أي "الكاتب الزنجي"، ذات الايحاءات العنصرية، والتي تحيل الى مفهوم العبودية المرتبط بالعرق الأسود، وكانت بدأت تظهر في فرنسا في اواخر القرن الثامن عشر.
هذا هو الكتاب الأول الذي توقّعه جيني اردال، المتخصصة في الادب الروسي، باسمها، بعدما كتبت عددا كبيرا من الأعمال والروايات الناجحة لرئيسها، وهو كاتب وناشر بريطاني تلقبه بـ"النمر"، فضلا عن أنها كتبت له أيضا المقالات والحوارات والرسائل (حتى رسائل الحب الى زوجته). وهي تتحدث في كتابها هذا عن حياة الكاتب الشبح الداخلية، وكيفية تعامله الممّحي مع نصه وعلاقته الجدلية بالكتابة، وعن طرق تسلله الى رأس الآخر ومنطقه وآلية تفكيره، وعن اندرغراوند النشر والاوساط الادبية. وقد اثار الكتاب فضيحة في بريطانيا عند صدوره، ولم يزل يصنع الحدث على رفوف مكتبات لندن، اذ تعرّف القراء بسهولة الى هوية النمر الشهير، وهو رجل الاعمال ذو الاصل الفلسطيني نعيم عطالله، الذي نشر لتوه أيضا مذكرات حول طفولته في الناصرة في الاربعينات.
تصف الشبح "التائب" اردال نفسها بالعاهرة، وتشرح: "شعرتُ بالحاجة الى الرحيل قبل ان اختنق تماما تحت مياه حياتي السرّية". لكنّ لهجتها لا توحي بنية تصفية الحسابات، والبورتريه الذي ترسمه عن نعيم ودودٌ بمعظمه. من الواضح أن الأصل هنا لا يريد ان يقتل القناع، بل أن يخونه فحسب، أي أن يتخلّص منه ليتحقّق. وهي تقول في أحد المقاطع: "الكتابة نيابة عن شخص آخر تشبه ترجمة نص عن لغة اجنبية: كلما كان المترجم خفيا، جاءت النتيجة أكثر اتقانا". وليست اردال الاولى التي تستخدم هذا الوصف، فكثر يصفون المترجمين بـ"مرتزقة" الكاتب في لغات اخرى.
أما الكتاب - الفضيحة الآخر، عند الجهة المقابلة من الأطلسي، فإصدارٌ جديد لريتشارد توفل يعالج قضية قلم أجير من نوع ثان، عهدناه في الحياة السياسية العالمية والمحلية، ألا وهو قلم كاتب الخطب. ويتمحور كتاب توفل بكامله حول خطاب واحد تحديدا، ولكن ليس أي خطاب: انه خطاب الرئيس كينيدي الافتتاحي الشهير عام 1961 ("لا تسألوا ماذا يمكن بلادكم ان تفعل لأجلكم، بل اسألوا ماذا يمكنم انتم ان تفعلوا لأجل بلادكم")، الذي عُرف بالخطاب الاكثر شعرية والأجمل صياغة ومضمونا في تاريخ رؤساء اميركا، والذي يقدّم توفل اثباتات على أن كاتبه الحقيقي ليس كينيدي بل مساعده و"أجيره" ثيودور سورنسون. التهمة نفسها والشبح نفسه كانا الصقا في ما مضى بكتاب كينيدي "سير شجعان"، الذي حاز عليه جائزة بوليتزر عام 1957، ويروي فيه بطولات 8 سيناتورات اميركيين بارزين (من امثال جون كوينسي آدامز وسام هيوستون). وقد دافع كينيدي عن نفسه بشراسة يومذاك، ودحض التهمة. ويأتي كتاب توفل كرد على كتاب صدر العام الماضي لثورستون كلارك في عنوان "لا تسألوا: افتتاحية كينيدي والخطاب الذي غيّر أميركا"، الذي يؤكد فيه ان لا يمكن احدا ان يكون قد كتب الخطاب الا كينيدي نفسه، وان الافكار التي يتضمنها هي افكار لم يفتأ كينيدي يعبر عنها منذ بدء انخراطه في الحياة السياسية. سورنسون من جهته استنكر هذه الادعاءات، مؤكدا في شكل قاطع ان الرئيس كينيدي هو صاحب الخطاب الحقيقي والوحيد.
مهنة الشبح لجيني اردال
ويصف المحامي توفل مراحل تكوّن خطاب كينيدي، المؤلف من 51 جملة، بأدق تفاصيله، كلمة بكلمة، بناء على وثائق واثباتات ومراجع. ومن المساهمين الآخرين في الكتابة الذين يذكرهم، ادلاي ستيفنسن وجون كينثي غالبرايث. تجدر الاشارة اخيرا الى ان عددا من المتخصصين في سيرة الرئيس الكاريزماتي الراحل كشفوا منذ بضعة اعوام ان الجملة الاكثر شهرة من الخطاب ("لا تسألوا") يعود مصدرها ربما الى أيام كينيدي كتلميذ على مقاعد مدرسة "شوت" في كونيكتيكت، حيث كان الاستاذ يذكر تلاميذه باستمرار بأن ليس المهمّ "ما تفعله لكم مدرستكم، بل ما يمكنكم انتم ان تفعلوا لها".
ليته قرأ كل ما كتب
على العكس من الغرب، حيث مهنة الكاتب الذي يؤجّر موهبته منظّمة وممأسسة، لا وجود لهذه المهنة في عالمنا العربي رسميا، بل تدخل المسألة ومناقشتها في إطار التابو، اذ ارتبط المفهوم حصرا بإشاعات وفضائح راجت على مرّ السنين حول كتّاب كُتبت لهم كتبهم (ومعظم تلك الشكوك حامت حول كاتبات وشاعرات)، لكنها نادرا ما تجاوزت إطار التحامل والاشاعة، الناتجين في معظم الحالات من آفة "الذكورية" الأدبية، لتصبح واقعة ثابتة ومبرهنة. "الأشباح" موجودة طبعا في بلداننا، لكنها إما أشباح طوعية ومتطوّعة، غير مدفوعة بحافز المكسب المادي بل بالرغبة في تقديم المساعدة لأسباب متنوّعة أو طمعا في مصالح من نوع آخر، أو هي تجني رزقها من كتابة الأطروحات الجامعية والمحاضرات والخطب، وأيضا وخصوصا من كتابة المقالات الصحافية.
رغم بعض الاستثناءات التي أثمر فيها "الكاتب الظل"، كما يسمّونه في ايطاليا، عن أعمال أدبية رفيعة المستوى، على غرار ما حصل مع "فريق أجراء" ألكسندر دوما مثلا، غالبا ما يكون نتاج المرتزِق كتابة "صناعية" تنفيذية زائلة، تنتج "اشباه كتب" كما ذكرنا في البدء. وعلى رأس لائحة اشباه الكتب هذه سير المشاهير المزدهرة منذ عشرينات القرن الفائت. ممثلون ومغنون وراقصات وراقصون ومقدّمون إذاعيون وتلفزيونيون ورجال أعمال وعارضات ازياء، كلهم مروا تحت ريشة الأجير المنقذة: بريجيت باردو، جوني هاليداي، نعومي كامبل، منى ايوب، اديث بياف، كارن مولدر، الخ... هنا مغن مشهور يروي حياته الطافحة بالاثارة والمخدرات والكحول، وهناك ممثلة كبيرة تشاركنا مسلسل مذكراتها الغرامية، وبينهما ابن عم زوجة شقيق احد نجوم الروك الذي يكشف أسرارا قاتمة عن "قريبه" النجم المحبوب. كذلك، نادرة هي سير السياسيين المكتوبة بأقلامهم، فهم اكثر "انشغالا" بشؤون الناس والبلاد من ان يكتبوا، وتوقيعهم يكفي، ومنهم بيل كلينتون والديكتاتور فرانكو، وحتى جورج بوش. في هذا الإطار جملة قاطعة كالسيف قالها الكاتب والفيلسوف الاسباني اوخينيو دورس في احد الايام عن وزير العدل ادواردو آونوس الذي اصدر عشرات الكتب: "كم كان وزيرنا ليكون مثقفا لو قرأ كل الكتب التي كتبها!".
هناك ايضا الأقلام الأجيرة المتخصصة في كتابة قصص الناس العاديين: رجل أصيب بمرض السرطان ويريد ان يروي كيف استطاع ان يهزمه، فتاة تمكنت من ان تخسر 40 كيلوغراما في ستة اشهر وترغب في ان تعطي وصفتها، امرأة تعرضت للضرب او للاغتصاب وتودّ ان تسرد تجربتها لتطرد شياطينها، وجدة تحلم ان تقصّ حياتها على أحفادها. يكون الكتاب في تلك الحالة شهادة، أو شكلا من اشكال العلاج، وثمة دور نشر متخصصة في طباعة كميات محدودة من هذه الاعمال، التي كثيرا ما يكون الهدف الوحيد منها توزيعها على افراد العائلة والاصدقاء.

 

 

   آنا كارينيا: تاريخ لتولستوي وزوجته!!   

عباس جبر
ذات يوم من شهر مارس 1873 التقط تولستوي كتابا تركه احد اطفاله وشرع يقرأ منه لزوجته بصوت مرتفع:(وصل الضيوف الى المنزل الريفي) كهذا كان مطلع حكاية بوشكين الشذرية. وعلق تولستوي قائلا: هكذا ينبغي ان يبدأ المرء ان بوشكين يضع قراءه رأسا في وسط الحديث بينما سائر الكتاب ينشغلون بوصف الضيوف والحجرات.
وفي تلك الامسية كتب تولستوي في غرفة مكتبة الفصحات الاولى من (آنا كرينين) التي كان موضوعها ماثلا في ذهنه منذ التحقيق الذي كان محوره شابة القت بنفسها تحت عجلات قطار قرب المحطة التي لاتبتعد عن منزل تولستوي الا بأميال قليلة.
كان تولستوي حينذاك في الرابعة والاربعين في ذروة نضجه لم يختل بعد التوافق بين الفنان والاخلاقي فيه وكان قد انتهى قبل ذلك ببضع سنوات من (الحرب والسلام) وما لبث (آنا كارنين) وهي الاقرب الى الكمال ان بلغلت بالرواية النفسية في القرن التاسع عشر نقطة ارتفاع المياه.
اننا نجد في (آنا ماريني) بانوراما واسعة للحياة في روسيا وللانسانية على وجه العموم، ورغم ذلك لايضطرب استمرار الحديث ابدا وتظل الشخصيات الرئيسية ماثلة في المقدمة. ان تولستوي لايومىء الى اي عظه اخلاقية: فهو يدع تحول اشكال المنظار يجسد معنى الكلمات المتأملة التي تلي العنوان. ونحن لانحكم بشيء وانما نراقب ليس امامنا غير حل واحد: الرحمة والحب. ويقول دوستوفيسكي : وجد الشر قبل وجود البشر. واذ تدور بالبشر زوبعة الحياة يقترفون الجرائم ويموتون. فانا تطيع قوة الحياة ولكن لابد لها من ان تموت وليس لانسان ان يقيم سعادته على الام انسان اخر بينما تضحي آنا بزوجها وابنها وفي الفترة القصيرة التي ترقد فيها مهددة بالموت نجد الابطال الثلاثة آنا نفسها وزوجها وعشيقها- يغدون بسطاء صالحين على ان ما ان تسترد قواها حتى يعي الثلاثة عجزهم في الصراع المقبل: من يضطرون الى فعل الشر الذي يعده العالم الوضع الطبيعي. ان وجودها الخاوي -كزوجة لكارنين- قد اظلم وعيها الروحي فنراها بلا مثل اعلى حقيقي تتعلق به وقد راح جنون شهوتها يلتهم ذهنها الشعاع شيئا فشيئا ويخجل قلبها اذ يجد ان حياتها لم يعد لها هدف غير ادخال السرور على نفس عشيقها ثم تعذبها الغيرة وتأبى في رعب -لغرورها- ان تنجب اطفالا ولابد لها من تتناول المورفين اثناء الليل لتسكن من عذاباتها الى ان يكتفي عذابها الداخلي المريرالى الموت تحت عجلات عربة البضائع في القطار.
والى جانب ماساة آنا تتطور قصة اخرى هي -من عدة نواح- تاريخ تولستوي وزوجته ونجد نواحي الشبه بين القصتين لاتحصى فغرام كيتي وليفين ليس الا نقلا لذكريات تولستوي العائلية مثلما نجد ان وفاة شقيق تولستوي تلك الوفاة المشؤمة ومنظر ميلاد طفل كيتي مستوحي مباشرة من رد الفعل العاطفي لتستولي ازاء ميلاد طفله الاول. ويخلع تولستوي على (ليفين) قوته البدنية العظيمة العظيمة وحبه للتربة والفلاحين والتغيرات السريعة التي تطرأ على حالته النفسية واندفاعه في تنفيذ افكاره الى اقصى الحدود وقدرته على ان (يدمر ويعيد خلق العالم) كما انه كانت لتولستوي نفسه اجاتا لوفنا عجوز تدير منزله في باسنايا بوليانا الى ان تتزوج؟ ثم هناك ذلك الشبه الوثيق بين طلب ليفين وطلب تولستوي يد زوجته اذ خط كلا الرجلين بقطعة طباشير على بطاقة مائدة الحروف الاولى من الكلمات التي كانا اشد عصبية من ان يتفوها بها.
وتولستوي -مثل ليفين- قد دفعته امانته الصارمة الى ان يضع مفكرته الحميمة بين يدي حبيبته حتى تعرف ماضيه (وزوجة تولستوي- مثل كيتي قد صدمت لذلك واوذيت ايذاء قاسيا) -وليفين- مثل تولستوي- يهاجم المجتمع المعاصر والنفاق والتحرر ايامها وتدين غرف الجلوس.
وحملته تنصب ايضا على العالم (الذي يشتت الاحاسيس الصادقة ويسحق لامحالة حماسة العقل السخية) وذلك هو العنصر الثالث في الرواية .
ان ليفين يتعذب من جراء الصراع الناشب في داخله بين العقل والقلب ويصور تولستوي من خلال ملف ليفين الفلسفي المأساة الخفية لجيل احس بانه خرج من الحياة نتيجة لخوفه من الموت ذلك الخوف الذي جعل حياته كلها بلامعنى.
ان ليفين انعكاس صادق لتولستوي نفسه. ونجد تولستوي يعبر من خلال شخصية ليفين عن معتقداته وارائه بل ويدرسها احيانا في فم ليفين درسا وقد اعتادت الكونتيسة تولستوي ان تقول: ليوفوتشكل: انت ليفين+الموهبة وليفين شخص لايطاق .
اما كارنين زوجة آنا، فهو من بعض النواحي نقيض ليفين: انه يمثل ساكن المدينة البروقراطي المتباهي الذي يخفى تحت قناع من التهكم ذكاء عقل ضيق -وما زال يحتفظ بكرمه عن خوف -انه- بكلمات -ومان رولان- : يخشى ان يقع الى صوت قلبه وهو محق في هذه الخشية لانه عندما يستلم له ينتهي بالارتماء في حالة من التصوف ملؤها الهراء.
ثم هناك شقيق آنا : استفا وهو مرح لايحمل مسؤولية تحببه ابتسامته الودود الى كل انسان يلتقي به وهناك حشد من الشخصيات الاخرى صورت جميعا بنفس الصدق لان تولستوي يتناولها تناولا تحليليا (واستجابته لاتخذله) وهو اقل اهتماما واقل اهتماما بكثير بما تفعله شخصياته.
والدافع هو كل ما يهمه ويشكل اسلوبه من اندفاعه المشوق الى نقل السجل النفسي الذي يكون احيانا كالحياة التي يسلجها ساذجا مكدورا وان كان ينبض بالحيوية دائما.
ظهرت (آنا مارينيا) على اجزاء في مجلة شهرية هامة من القسم النهائي الذي رفض لان الاراء التي يعبر هنا لم تكن مما يوافق اراء محرري المجلة ونشرت الرواية كلها منفصلة في شكل كتاب عام 1878: اي بعد اتمامها بعام واحد.

 

 

   ملحمة للصمت والغضب   

مهداة الى شقيقي الشهيد كفاح حيدر
عصبٌ هو الجسرُ.. وما تحته السيلُ
وتدٌ هنا... وتدٌهناك
شدّني
عصبٌ ما بين اللسان والناسْ
جسراً لحبٍ ما بين بنيانٍ واساسْ
هذي الاصابع ليس شبراً
شُدّي!!
هذي الانامل لا للاناقة .. شدّي
عصب.. غضب هي الايادي.. ولعلها
رمحا من جحيم السيلْ!!
** *
لهذي العيون التي كالجمر طامحةُ.. لا للبكاء
هذي العيون بلاجفنٍ
كأنها صيف العراقْ
لهيبُ حتى بليله
ونقيضه وهج كأنه كانون
حيث الامهات تحضن الاطفال خوفا من البرق
* * *
صار في البؤبؤ شموس غريبة
لها لون السنابل
مجهولة في الغضب
مسكونة بوحشٍ اللهبْ
كانها صبٌّ
واصلاب .. وشرقٌ
وافتنان لعشقٍ دون خشيه
وتدْلن يلين ما بين دمع الفرح
ودمعة لحزينْ
هو العمر حدّ التحام الصرخة الاولى بالانينْ.
واذ في الطريق.. تفتش في الزوايا
عن صديقْ
ما بين دمع الفرحْ
ومابين الازقةِ
تنتابك.. الفجأة … ثم حريقْ
انتهى
الصديقْ!!!
** *
في الفسحة المنسية
اوصال منك اذ ذاك
قد اخذتْ
والاجفان جرفان... وبينهما الماء غسيلٌ
لصبته الوداع لكْ
وداعا ايها الشقيقْ

 

 

   الإســـــــــــكنــــــــــــــــــــــدريــــــــــــــــــــــــــة تجـــــــــــــــــــــــــــــــــــدد مــتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاحفهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا  

بدأت لجنة علمية واثرية من المجلس الاعلى للاثار فى تنفيذ المراحل الاولى من المشروع العاجل لتطوير وترميم المتحف اليونانى الرومانى بالإسكندرية وإعداده للزيارة السياحية طبقا لأحدث النظم العالمية من حيث العرض المتحفى والإضاءة والتأمين الالكترونى بتكلفة إجمالية حوالى 70 مليون جنيه
صرح الدكتور زاهى حواس أمين المجلس الأعلى للآثار بأنه تم اختيار أفضل العروض المقدمة للمجلس للبدء فى التنفيذ الفعلى للمشروع اوائل الشهر المقبل حيث يتم إغلاق المتحف أمام الزيارة السياحية حتى نهاية المشروع الذى يستغرق حوالى 24 شهرا يعود بعدها المتحف كأهم وأضخم المتاحف التى تعرض مجموعات من آثار العصر اليونانى الرومانى فى العالم . وأوضح الدكتور محمود مبروك رئيس قطاع المتاحف أن المشروع يهدف إلى مضاعفة مساحة المتحف من 4500 إلى 11 ألف مترا مربعا وذلك من خلال إقامة طابقين أخرين أعلى المبنى الحالى للمتحف الذى يرجع إلى مائة عام تقريبا مع الحفاظ على الطراز المعمارى للمبنى خاصة الواجهة الأمامية والحديقة المحيطة به حيث سيتم كسوة الطابقين الجديدين من الأمام بطبقة من الزجاج الذهبى . وأشار إلى أن المتحف سوف يستوعب حوالى 4 آلاف قطعة أثرية من خلال سيناريو محكم يمر بالحقب التاريخية اليونانية والرومانية التى عاشت فى الإسكندرية عبر العصور المختلفة للتعريف بهذه الحقب الزمنية المهمة من تاريخ مصر بالإضافة لعرض مجموعة هامة من الآثار الغارقة التى ترجع الى العصر الرومانى وبعض القطع المختارة من المتحف المصرى وتعود لنفس الفترة الزمنية . وأضاف عبد الحميد قطب المشرف على المشروع أن سيناريو العرض المتحفى سيكون وفقا لأحدث النظم العالمية خاصة فيما يتعلق بمشاهدة القطع المعروضة من زواياها المختلفة وفتارين العرض يتم اختيارها طبقا للمواصفات العالمية الحديثة والإضاءة الباردة والالكترونية حيث يتم لأول مرة إضاءة الفتارين بمجرد مرور الزوار أمامها توفيراً لاستهلاك الطاقة الكهربائية وحماية للمعروضات . وقال أن المشروع يتضمن أيضا تزويد المتحف بعدة قاعات جديدة فى مقدمتها قاعة للمحاضرات تستوعب حوالى 300 شخص وإحياء مكتبة المتحف التى تعد من أقدم وأجمل المكتبات التى تتناول العصر الرومانى واليونانى فى العالم وكذلك إنشاء مخزن متحفى وكافيتريا ومناطق للخدمات للزائرين ستكون مستمرة ومفتوحة على مدى 24 ساعة لتوفير مصادر دخل وجذب إضافية للمتحف . ويتضمن المشروع تقوية وترميم الأسقف القائمة بالمتحف ومعالجة الأضرار التى سببتها عوامل التعرية والمناخ مع ترميم ونقل الآثار الموجودة بالمتحف إلى مخزن آثار ماريا والمتحف القومى بالإسكندرية مع عرض مجموعة القطع الأثرية الضخمة فى موقع مؤقت يقام بحديقة المتحف القومى والمتحف البحرى لتلبية رغبات السائحين والزائرين ممن يعشقون مشاهدة الآثار اليونانية والرومانية

 

 

   عـــــــــــــــــــــــرض عشريــــــــــــــــــــــن لوحــــــــــــــــــــة لبيكاســــــــــــو في متحـــــــــــــــــــــــــــــف بإسطنبـــــــــــــــــول   

تقرر ان يعرض متحف شكيب سبنغي في إسطنبول اعتبارا من 21 نوفمبر المقبل 135 لوحة للرسام بابلو بيكاسو منها عشرون لوحة لم تُعرض من قبل, حسبما أعلن اليوم. وقالت المسؤولة عن المتحف "ستعرض عشرون لوحة من حقبات مختلفة احتفظ بها الفنان لمجموعته الخاصة ولم يسبق أن عرضت أو طرحت للبيع". وأضافت أن اللوحات من المجموعة الخاصة بأسرة الفنان، دون أن تعطي مزيدا من التفاصيل. وأبرم اتفاق الأربعاء بين المتحف والحفيد برنار رويز بيكاسو لعرض 135 لوحة للفنان الإسباني من 21 نوفمبر إلى 26 مارس، حسبما جاء في بيان لمجموعة سبنغي القابضة صاحبة المتحف.وستعرض لوحات من متاحف برشلونة وباريس وملقا التي ستغطي حياة الفنان المهنية، إضافة إلى رسائل خاصة كتبها بيكاسو وصور للفنان التقطها مصورون مشهورون. وكان بيكاسو الذي توفي عام 1973 واحدا من أشهر الفنانين في القرن العشرين. وساهم في تأسيس المدرسة التكعيبية، كما شملت أعماله الشهيرة فن التصوير الشخصي الواقعي "البورتريه" والنحت

 

 

   الفنانة الأميركية باربرا أندريكس تشدو في تونس  

بعد غياب استمر نحو 15 عاما عادت المغنية الأميركية السمراء باربرا أندريكس لتضيء من جديد شموع المسرح التاريخي بمدينة الجم التونسية، في إطار حفل موسيقى متميز انتزعت خلاله إعجاب آلاف الحاضرين الذين تدفقوا الليلة الماضية على المسرح للاستماع بعذوبة صوتها. وبمصاحبة عازف البيانو لوف داروينغ أخذت نسمات الموسيقى الحالمة تغازل جماهير المسرح الروماني العريق لتمتزج مع عذوبة صوت باربرا التي شدت روائع الموسيقى الكلاسيكية. وتميزت "سهرة الحنين" من الدورة العشرين من مهرجان الجم للموسيقى السيمفونية التي حضرها وزير السياحة التونسي التيجاني الحداد وعدة شخصيات دبلوماسية بتفاعل واضح بين الجمهور والمغنية، إذ بدا جليا أنها ألفت المسرح الأثري وجمهوره لتهدي له باقات جميلة من روائع الموسيقى الكلاسيكية بإحساس فني مرهف ونادر. واضطرت باربرا لإضافة أربع مقطوعات أخرى في نهاية الحفل استجابة لطلب الجماهير لتصعد في كل مرة من جديد على خشبة المسرح وسط عاصفة من التصفيق. وكانت هذه الفنانة العالمية قد غنت لأول مرة بتونس عام 1990 في مهرجان الجم السيمفوني بنفس المكان في فترة رئاسة منشئ المهرجان الدبلوماسي السابق محمد الناصر الذي كرم خلال هذه السهرة وفاء لإقامة مهرجان هو الوحيد من نوعه في البلاد. ويستضيف المهرجان السيمفوني الذي يحتفي بعشرينيته فرقة موسكو وكذلك فرقة الجوسبال الأميركية نيو أورليانز إضافة للأوركسترا السيمفوني التونسي

 

top

   Iraq designer

Email: nana20042005@hotmail.com