|
دراسة
في رواية فساد الامكنة
الحائزة على جائزة الدولة 1982 
اعداد/ عباس جبر
هي عمل فني ذو طعم خاص.. كتبها صبري موسى بعد معايشة لمسرح احداثها وكما رويت
له بالصحراء الشرقية في احدى مناطق البحث عن المعادن التي وطأها كثير من
المغامرين الاجانب والمصريين سعيا وراء الثروة والجاه.
وهي تنتمي للرواية التسجيلية الوصفية اكثر من انتمائها لادب الرحلات الذي
استهوى المؤلف من قبل. والبطل في الرواية ليس الاشخاص او الاحداث وانما البطل
هو المكان الذي نجح المؤلف لحد كبير في نقله بخصائصه البيئية والنفسية فكان
المكان هو الخلفية التي يتحرك عليها الابطال متفاعلين معها ومؤثرين فيها
ومتأثرين بها وان فاق درجة تاثير المكان في الاشخاص على تاثير الاشخاص في
المكان وهذه هي اهم صفة تتميز بها رواية (فساد اداري) خاصة شخصية (نيكولا)
البطل الرئيسي الغريب عن تلك البقاع. وقد اوضح المؤلف تاثير البيئة على (نيكولا)
وتفاعله معها طوال الرواية وبذلك شارك (نيكولا) القوقازي الاصل البيئة الخاصة
في البطولة وتقاسمها معها باعتبار انها البطل الرئيسي في العمل.
فبدأ (نيكولا) مبهورا منذ البداية بدقائق وتفاصيل ذلك العالم الذي بدأ يتعامل
مع لغته الخاصة ومفرداته شديدة الخصوصية ثم انتهى في النهاية اسيرا لتلك
العبقرية الفذة التي سيطرت على روحه منبعثة من ذلك المكان المختار من الصحراء
الشرقية لمصر فكانت الظلمة تغص عينيه عندما تختفي الشمس في الغرب ويزحف اللون
الرمادي كثيفا على اصفر الصحراء واحمرها واخضرها فيكسوها جيمعا، ويتحول الحر
اللافح الى نسيم لافح ثم الى برد لافح، وتتحول الجبال الى اشباح خرافية ووهمية
تتحرك امام العينين المخضرتين لنيكولا ذلك المد اللانهائي -فتتعذر عليه الرؤية
وهوالبطل المسلح بالمعرفة القادم من الشمال (اوربا) مقتحما ذلك الجيل الى صميمه
ومحتواه...ألخ.
يتخذ المؤلف من جو الصحراء بظروفه شديدة الخصوصية مادة لفنه فقد استطاع ان ينقل
القاريء الروائح الخاصة التي تنتشر في المكان من خلال وصفه الدقيق الذي صور به
عمله بلغة عالية الشفافية والشاعرية.. فلم يكن غريبا بالتالي ان تتحدد ملامح
تلك الشخصية الروائية (البطل) المتنقل عبر الامصار باحثا عن مستقر لروحه
الهائمة بعد ان ترك بلاده في القوقاز وزوجته الفاتنة (اليا الكبرى) وابنته (اليا
الصغرى) في ايطاليا -ويكون مستقره ذلك المكان الذي استهواه فأحبه حبه الاخير (جبل
الدرهيب الضخم، فالجميع يأتي ويرحل جاءوا كثيرا ورحلوا كثيرا ودائما كانوا
قادرين على ان يأخذوا ارواحهم (نيكولا) وحده مع الدرهيب فهو حبه الكبير بعدما
توحد معه في جزء هام من ملحمة حياته ويكون عمل (نيكولا) الاساسي في البحث عن
الذهب والمعادن مشاركة بينه وبين (الحاج بهاء) رجل الاعمال المصري (والباشا) او
الخواجة (انطوان) -من بعده- الذي لايرى في المكان الامصدرا للذهب الذي يبحث عنه،
بينما الحاج بهاء يرى في وجود المعادن تطويرا لابناء جلدته وعشيرته من سكان
المنطقة وكان يجمع الشباب كي يعلموا مع (نيكولا) حتى يتعلموا اسرار العمل من
الاجانب -فهم الوارثون لتلك الجبال الغنية بالثروات مما يعمل في النهاية على
تطوير حياتهم وانتشالهم من التخلف والفقر.
ولايتم انتماء وتوحيد (نيكولا) مع الجو الخاص بالمنطقة نهائيا الا بعد ان ينقذ
(عيسى) الفتى البدوي الذي نبت كغيره من الاعشاب المنتشرة هناك، والذي كان يتألق
بينها بداخل هذا العالم الصادق المترامي المعبق بالخطر في كل وقت فانقذه عيسى
عندما تاه باحث السبيكة المفقودة فقد جرى وراء سراب الاشباح في الصحراء حتى
عاصره العطش واسقط في يده واختلت قواه، واغمى عليه واصبح قاب قوسين او ادنى من
الموت وهو الذي كما يقول صبري (سرق المعرفة من بحر التجوال). عند هذا وصل عيسى
فانقذه من الموت بتقطير الماء في فمه حتى تلين عضلاته في الوقت الذي كاد الباشا
يتفهم منهم جميعا مع سكان المنطقة عندما عرف نبأ فقد السبيكة التي مول العمل من
امواله حتى يحصل عليها في النهاية.
ويريد صبري موسى في نهاية روايته ان يقول (ان تلك الامكنة بخصوصيتها لايمكن ان
تفسد من داخلها -(فنيكولا) الغريب لم يعمل على افسادها لانه بدأ يفهما ويحل
رموزها من خلال تعامله اليومي مع عيسى او ابنه (أبشر) الذي كان يحمل ملامح ابيه
وذكائه الفطري والفساد لم يأت الا من الباشوات والملك وحاشيه. عندما وصلوا تلك
المنطقة بمباذلهم.
والجزء الخاص بالملك وحضوره الى تلك المنطقة وتصوير المؤلف لما حدث سواء كان قد
حدث في الواقع فعلا ام هو من خيال المؤلف يعتبر خارجا عن العمل ولم يضف اليه
شيئا بل انه كان زائدا وبه كثير من التفعيلات التي كان يجب على المؤلف ان ينأى
بنفسه عن سردها لارتباطه في عمله بالمكان ولانها حشو لايضيف للعمل قيمة معينة،
ومع وجود زوائد اخرى لايسعنا المجال لذكرها فان الرواية نجحت لحد كبير في تصوير
العبقرية الفذة للك المكان الذي اختاره (صبري موسى) مسرحا لاحداث عمله (فساد
الامكنة) من خلال الوصف الحسي والالوان المختلفة والكلمات الشاعرة الشفافة-
فكان تأثير المكان بخصائصه ورائحه على الاشخاص واضحا طوال العمل سواء على
نيكولا او على ابنته التي قتلها في النهاية عندما فسد المكان بفعل الغرباء
الوافدين اليه من اجل المتعة والفرجة.
زقاق جانبي … ودجاجة

إبراهيم أصلان
كانت امرأة تجلس على بسطة بارتفاع ثلاث درجات في بيت مفتوح على زقاق. كانت تفتت
كسرة خبز في حجرها ثم تلقي بالفتات إلى دجاجاتها التي تلهو أمام الباب، وتلمح
الناس الذين1 يمرون بالعرض في قطر الندى الذي ينحدر منه هذا الزقاق
وهي لاحظت النظرة الجانبية للرجل الذي تمهل وهو يعبر أمامها في طريقه ناحية
الجامع ويختفي لمدة خطوتين أو ثلاث، ثم وهو يتراجع بعد ذلك ويتوقف. لم ينظر
إليها شخصياً، بل راح يتأمل الدجاج ويطيل النظر إلى الدجاجة البنية ويتبعها
بعينيه أينما ذهبت. بعد ذلك رأته يمشي في اللحظة التي ارتفع فيها أذان الظهر من
مكبر الصوت القريب. والمرأة لم يكن عندها أي تفسير لهذا الموضوع.
لم يمر وقت طويل حتى انتهت الصلاة، ورفعت وجهها لتجد الرجل نفسه يستقر هناك في
مدخل الزقاق. وهو لم يلبث أن تقدم والدجاجات تجري أمامه، ووقف أسفل السلم. ورفع
وجهه إليها.
كانت له قامة قصيرة ونظارة طبية بإطار مذهب وجلباب نظيف أبيض، وقال:
نهارك سعيد يا هانم .
والمرأة التي كانت تجلس على البسطة، حصل عندها نوع من الدهشة الكبيرة لسببين،
السبب الأول هو هذا الصوت التي كانت تظن أنه قد لا يصدر إلا عن رجل طويل،
والسبب الآخر هو نهارك سعيد يا هانم التي لم تر أحداً وهو يقولها بنفسه من قبل.
وهي في هذه الأثناء كانت مدت يدها وجذبت ذيل الجلباب لتغطي أي شيء ظاهر من
قدميها.
وقال:
بخصوص الفرخة البني
وأشار برأسه ناحية الدجاجة المعنية.
المرأة بدورها، لمحت الفرخة التي كانت تعبث عند الجدار، وانتظرت.
قال:
أقصد الفرخة البني .
مالها ؟
ياترى، فرختك؟
أمال فرخة مين؟
الحقيقة، هذا مجرد سؤال .
وفكر قليلاً:
يعني هي عندك مثلاً، من أيام ما كانت كتكوت؟
قالت:
أيوه .
هي دي الإجابة اللي كنت عاوز أعرفها، لا أكثر، ولا أقل .
وظل واقفاً.
وهي قالت بصوت خافت:
طيب وحضرتك بتسأل ليه بقى؟ .
من حقك تعرفي أنا باسأل ليه ، وعدل من وضع نظارته على عينيه: زمان يا ستي، كان
عندنا كتكوت بني، بنفس لون الفرخة دي، الكتكوت ده خرج من البيت وما رجعش، اختفى،
وأنا، أثناء مروري، لمحت الفرخة البني اللي عندك، وخطر في بالي أنها نفس
الكتكوت، بعد ما كبر طبعاً .
ومضت فترة، وقال:
هو طبعاً لا يليق إن الواحد يخطر في باله مثل هذا التفكير الغريب، لكن هذا ما
حدث .
ده عندنا من أيام ما كان بيضة، وفقست .
جميل جداً. هذه الإجابة تضع حداً للمناقشة .
وبدا عليه الارتياح. إلا أنه قال:
شوفي حضرتك، أنا مقدر استغرابك. لكن المسألة باختصار هي كما أخبرتك، إحنا كان
عندنا كتكوت بني تايه، صح؟ .
قالت:
صح .
وأنا، خطر في بالي إنه هو نفس الفرخة البني اللي عندك، وبما أن السؤال خطر في
بالي، يجرى إيه لو سألتك؟ .
قالت:
ولا حاجة .
الله ينور عليكي. تعرفي لولا إني سألتك؟ كنت فضلت مشغول بالموضوع طول النهار،
وأنا انشغلت به فعلاً في الجامع، لكن بعد ما سألت، وحضرتك جاوبتي إجابة مقنعة،
خلاص، الموضوع انتهى. ما هو العيب في هذا؟ .
كانت حريصة طول الوقت أن لا تأتي بأي حركة، وأن تظل على الوضع نفسه الذي وجدها
عليه عندما جاء:
أبداً .
وهو فكر وقال:
شوفي حضرتك، أنا ضيعت عمري كله وأنا عندي أسئلة من هذا النوع، نفسي أسألها ولا
أقدر، لأني كنت محرج، وهذه مأساة يا هانم. والدليل ما حدث الآن، هل أصاب حضرتك
أي ضرر من السؤال؟ .
همست:
ربنا ما يجبش حاجة وحشة .
قال:
لذلك، أنا قررت من أسبوع، إن أي سؤال يشغل بالي، مهما كان، لازم أسأله. وأنت
كمان، أي سؤال يشغلك اسأليه، دي نصيحتي ليكي، السؤال مش عيب أبداً. السؤال عيب؟
.
أبداً .
أشكرك .
وعندما استدار وابتعد، بدأت تلم فتافيت العيش من حجرها لكي تقوم، تنزل السلم
وتطل عليه من ناصية الزقاق وهو ذاهب. لكنها كسلت. قعدت كما هي في انتظار أن
يظهر أحد السكان، وتحكي له ما جرى
عقيل.. إن البعض منهم
يبكي!!

جبار كاصد جلهوم
لما انتبدت المكان القصي
من رصيف مقهى الفقراء
وانت تتطلع بعيون محتجة..
على بعض من وخزك..
ها هم الان..
يذرفون عليك الدموع
وينشدوك كلاما لم يقل قط
الا بحق القديسيين..
فلو سمعت بعض ما عزف عنك
من انشاد وانت حي..
لوهبوك بعضا من الحياة
او خففوا عنك الرعاش
لعشرين عاما اخر..
لكنك حسنا فعلت...
عندما آثرت من مغادرة الزيف
مفضلا سربك من العصافير الصادقة
وهي تلغو خلف جنازتك
تراتيل الحب والوفاء..
جذبة الكتابة
التجريبية والحكي المنتظر
القصة القصيرة المغربية حاليا

مبارك حسني
ما أسهل الكتابة، ما أصعب الحكي. في الأول دربة وفي الثانية موهبة أصلا ثم دربة
كتابة فيما بعد. فالقصة شخوص وأوصاف وسرد وحوار ومشاهد وعوالم وتسلسل و تركيب
و"منطق" حكائي عام لازم. لدا يبدو جليا أنه ليس هينا أن تكون كاتبا للقصة
القصيرة عربيا عموما ومغربيا خصوصا. فالأسماء التي اقتطعت لها حيزا متميزا ليست
بالعدد الذي نتخيل، مثلا سعيد الكفراوي في مصر، زكريا تامر في الشام، فؤاد
التكرلي في العراق وأحمد بوزفور في المغرب. فسؤال القصة القصيرة هو سؤال
الشرعية أولا إزاء الشعر، كديوان للعرب باذخ و راقي و مقدس، وإزاء أداب و فنون
الفرجة الجماهيرية، و إزاء المؤسسات الأدبية من كل نوع و من كل حدب. ولأنها بنت
العصر الحديث الذي فرضها بقوة ما استحدثه من مستجد على مستوى الذائقة الأدبية
العامة التي تفرض السرعة و الاقتضاب والتكثيف و التركيز في مساحات الجريدة و
المجلة و القراءة اللحظية. كلها عوامل تجعل من ممارسة القص مسألة تتضمن التأزيم
مع مرور الأجيال و تسارع التطور.
تجلت كل هذه الأمور بشكل أو بآخر في القصة المغربية المتأخرة زمنيا و نسيبا عن
مثيلثها المشرقية. لكنها عرفت تطورا سجاليا وجدالا متسارعا منذ بداية التسعينات
مع تكاثر الأسماء الكاتبة و التي تدعي وصلا بالقصة. وهكذا ظهرت تكتلات قصصية
تروم فرض الذات القصصية ثم ترسيخ هذه الأسماء في المشهد القصصي العام برغبة
اقتطاع " سلطة " أدبية محتملة. وما يشفع للطرح الأخير هذا مرافقة التكتل بإصدار
بيانات وبيانات مضادة تتضمن أواليات التنظير لحركة أدبية وما يشبه "ثورة" حتى.
يبين عن ذلك لغة البيانات و حدة أسلوبها و قوتها التهجمية عن كل ما لا تراه
موافقا. والحق أن هذه الحركات و ما تدعيه قد خلق بالفعل جوا أدبيا جديدا و موج
المشهد الثقاقي يدماء طرية وطروحات غير معهودة أيقظت الهمم نحو الإبداع الخالص
( من حيث هو خلق أصيل و ليس كتابة تابعة و أداة) و زعزعت أشباه المبدعين الذين
شفعت لهم مرحلة الأدلجة والفراغ النسبي للساحة الأدبية ( باستثناء كتاب قصة
حقيقيين كمحمد زفزاف و إدريس الخوري و مبارك الدريبي و محمد شكري ومحمد صوف و
أحمد بوزفور..) في الظهور واحتلال المواقع. وحتما تزعمت الحالة مجموعات شابة من
مواليد الستينات وما تلاها. جماعة الكوليزيوم ونادي القصة القصيرة ومجموعة
البحث في القصة القصيرة.
جماعة الكوليزيوم القصصي أسسها مجموعة من الكتاب منهم عزيز المصباحي و أنيس
الرافعي و محمد أمنصور و محمد شوبكة و أخرين بعد أن كانوا منتظمين في جماعات
سابقة أصدرت بيانات متفرقة هنا و هناك "تبشر " بميلاد القصة التي ستقوض
التقليدية و ستتكلم بصوت المكتومين " لا تجريب يدون رؤية خلاقة و متطرفة...الكوليزميون
جماعة من القاصين المتناقضين بالصدفة التقوا على رفض المؤسسة كيفما كانت وأينما
وجدت". وهكذا حاولت أن تتخذ مسافة نقدية حادة، إن بشكل أو بآخر، من كل القصة
التي سبقت و من اختياراتها الشكلية والمضمونية التي اعتبرت في الغالب قديمة و
كلاسيكية وعقيمة ولا تساير الوقت. و بالنسبة لهذه المجموعات القصة جديدة أو
تجريبية قبل أي شيء غير ملزمة باتباع السرد الخطي و الزمنية المتواترة و
المتعاقبة و الحبكة المتسلسلة الصاعدة و التشويق الأحداثي و اللغة القاصة
الواصفة..لا، بالنسبة لها القصة القصيرة اختراق كلي لكل التواضعات الموروثة
بضرب الحكي و تخير الخلط الإحناسي و ما شابه و تلقيحها بالحلم و غيابات اللاوعي،
كما هي تخير لمواصيغ و تسنات الصراع الذات والفرد تجاه المدينة والآخر المتسلط
والمتحدي والقامع، وصراع الفرد مع هواجسه ووساوسه وأماله وعزلته في عالم يحرم
ويضاد المرأة والحرية والإبداع، ومع رسم وقول الإحباط واليأس والتشاؤم وفضح
الهزائم الجمعية والفردية المتراكمة كعنوان على فشل الأفكار السائدة واليقينيات.
القصة هنا موضوعها القصة و شكلها الكتابة فقط وهي تتخير وتجرب نفسها في كل مرة
مجددة و متجددة كما ساد الإعتقاد لدى من أعلنوا انتصارها و طمحوا، في سرعة
شبابية نمودجية، إلى أن تكون البديل المرجو بنفس السرعة. ولقد تبينوا أنفسهم
محدودية هذا الطموح و عدم اتساع آفاقه و توازنه مع الرغبة الأولى في الإختراق.
فالذي حدث أن أعضائه توزعت اهتماماتهم مع الوقت، و "المعارك" التي خاضوا هنا و
هناك لم تصل إلى ما كان مرجوا. و قد حدا الأمر بأحد مؤسسيها إلى إعلان موتها
السريري " أجدني بصفتي مهندس فكرتها و ضميرها النظري مصظرا ولو على مضض لإطلاق
رصاص الرحمة على جمجمتها " ( أنيس الرافعي) عبر مقال نشر في العديد من المنابر
الثقافية و المواقع. وقد برر بكون الأعضاء لم يوفوا بعهد النقاء الإجناسي للقصة
القصيرة و " امتداد بثور الزعامة المتورمة و الفاشية على طول النخاع الشوكي
للجماعة" (نفسه).
نادي القصة القصيرة بالمغرب
ظهر هذا التكتل إلى الوجود أيضا في التسعينات و هو تجمع لأصوات قصصية شابة نشرت
في العديد من المنابر المغربية و العربية و أصدر المنتمون إليها مجموعات قصصية
فردية و متفرقة كما عقدوا لقاءات قرائية. و قد ارتكزت في تواجدها على ضرورة خلق
تجميع لكتاب القصة يفرضون من خلاله نصوصهم و يوصلون رؤاهم الأدبية و الفنية.
وبالفعل وصل الصدى و برز قاصون جدد و اختطوا لهم حضورا رمزيا في المشهد القصصي
( قياسا إلى الوضع الثقافي العام المنحسر أصلا). و صفة الشباب لا زمة تخيرها
أعضاؤها منذ البداية كقيمة و كتموقع إلى حد أنها حددت سن الإنتماء إليها في
الخمسة و الثلاثين. و لأن النادي كتجميع لأسماء كان عليه أن يخلق له هوية خاصة
تميزه غير الهوية الشبابية التي ليست في ميزان الأدب بالمحددة و الأساسية، فقد
تبنى العديد من الأعضاء مبادئ و أهداف الكوليزميين.
لكن الذي حدث هو بروز الإختلافات اللازمة لكلل تكتل فطلعت الصحف ببيانات تشجب
ممارسات المسؤولين عنها يدعوى أنها لا تمثل النادي برمته. يبدو الأمر كما
بالنسبة للجمعية السابقة أن تسابقا قد حصل نحو " الريادة" و "الزعامة" الأدبية
الف
كاظم جبر الميزري
زمن يذبح
على قارعة الطريق
صوت يخنق
قبل ترديد المواويل
غابة من العهر
وريح طافحة بالحريق
الليل خلاسي النزعة
الدم لذة القاتل
الجسد مزرعة التدجين
فضع يدك بيدي
ولنعبر معا
نجتاز الخطوط الحمراء
نرشق طقوس الثعابين
ندق مسامير اللعنة
ولتبقى ذكرى اللآتين
ألق
مثابة عبور
عنوان
لا اثار فيور
فالليل هو الآفل
والشمس
ستبزع
على وجه العصافير
التشكيلية ليلى علاقي
أيقونات تنصيبية للجسد.. للون.. للجرح ولعمق الفضاء 
ليلى علاقى تشكيليّة تونسية لها من الرسم
الزيتى الأكريليكى الشمعى والمائى والفن الحديث والتنصيبات وغيرها من المدراس
الفنية والجمالية علامات ورموز وانشغالات وطقوس.تجترح الأيقونة بجرعة مضاعفة من
الجرأة والإهتمام لتنتج طقسا ولونا جماليا خاصا.فى احدى زياراتى لمرسمها الخاص...
زرت فاكتشفت فبهرت بأنثى تملك من الجرأة أقصاها ومن النرجسية الحسيّة
أقساها.ليلى علاقى ومن خلال مرسمها نكتشف فيها المهنية المهووسة بالتشكيل عملا
وإبداعا "أستاذة جامعية للفنون الجميلة" والأنثى الطافحة بالتمرّد خلقا وإنتاجا
ورمزا.تنصيبات جسديةتعودنا فى الحقل الفنى الحكائى على الأيقونة الثنائية أو
الأيقونة الثلاثية.لكن أن تحتمل أيقونة 12 لوحة متجمعة ومتصافة لا تتشابه محتوى
وفكرا إلا لماما، فى ايقاعية لونيّة ضاربة فى الحقل التنصيبى الجمالى فتلك هى
الندرة والطرافة والجرأة حكيا ولونا ترابيا بكل تفصيلاته وتدرّجاته الضوئية
البنية. البنى فى انكساره وانتصاره اللونى بين الأصفر الناصع والأصفر البارد
والأصفر الجيرى والأصفر المحيّ لينتهى إلى بنى مترّب وبنى قهوى وبنى رمادى وآخر
أسود ومتسخ وقانى ومحمّر فى هجائية لمعجمية اللون وضدّه قبالته ونحوه.أما
حكائية الأيقونة التعلة فهى الجسد بكل تنصيباته وجلساته وتركيباته المتداخلة مع
الكرسى الحامل والمحمول للجسد المنهك، للجسد المستلقي، للجسد الطموح وللجسد
المعذب. تداخل يقيم الدليل عميقا على أنّ الكرسى فعل إنسانى أو لا يكون وأن
الكرسى نتاج اجتماعى بلا ظنون وأن الانصهار المادى "الكرسي" والخلقى "الجسد"
توافق فطرى منذ ما يفوق عقودا وتملكا!فى لوحة "التنصيبات الجسديّة" وهو عنوان
مفتعل منّي.. زاوجت ليلى علاقى بين مرجعياتها التراثية التعبيرية للجسد كتعلة
تشكيلية محتفى بها من العصر الفرعونى والكتابة الهيروغليفيّة الى الخطّ
المسمارى والحضارة الآشورية الى الانتصاب الجسدى الحاصل فى المقاربات
البركسونيّة بمرجعيات دروينيّة، لتنتهى الى جسدها هى هذا الجسد الايروسى المقنع
بالاحتشام. كتابة بلون الجرحوفى ارتكاب مرسمى مغاير للتعبيرية المدرسيّة التى
كنت أسلفت، شاهدت لوحات لليلى تركب الخط بانفعال تشكيلى جمالى قبيح فى انتصار
لجمالية القبح والشك والتساؤل الإشكالي.لا ليكون خطا عربيا أنيقا يصلح لأن يكون
مبروزا فى القاعات الخاصة للجلوس والترف. بل خط بالكاد تستوقف رمزه مشكّلا
بسطحيّة الورق واللون فى تأثيث معاد ومكرّر "لدبابيس" تتواجد حينا على يمين
القماشة وأخرى على جنباتها وثالثا فى أعلاها. كأن الدبّوس قرار حتمّى وفعل ما
قبليّ يستنزف أمانينا والكتابات المبهمة فينا فيدميها ويمحوها أصلا.هى إبر
مغروسة فى وشم ما نكتب ما نأمل ما لا نتصوّر والصورة تصوّر حالم ولو
كابوسا.للفضاء رحابة ولو احتيالا!والفضاء مكان خاص فى ورشة ليلى ولو غيابا
فالمرسم جزء نقتطعه من مكان شاغر بالبيت نجاهد حتى نكسبه ينبغيات المرسم
الحق.لأجل ذلك عايشت علاقى من خلال تجربتها المرسميّة الخاصة طقسا جديدا من
الرسم المانح لفسحة فضاء دون كثير مساحة.الحكاية ربّما تبدو مستعصية الفهم، لكن
التجربة جديرة بالكشف، فى جزء ركين من المرسم قدمت لى ليلى مجموعة من اللوحات
المغايرات، فبدت لى للوهلة الأولى لوحة تنصيبات أيقونات ملفوفة ومتصافة بشكل
دائرى مبروزة فى اطار خارجى جامع لكلّ هذه الدوائر الملوّنة.. عنها قالت ليلي:
لو فصلت أيّا من هذه الدوائر لوجدتها أيقونة مكتملة تحمل من الطول نحو مترين
ويزيد. رسمتها فى لحظات جنونية، لكن الفضاء الحاضن لكل هذه الأعمال ضاق بى
وبجنوني. فكرت فى أرشفة هذه الأيقونات من خلال هذه التنصيبات وللمشاهد الرقيب
عشرون لوحة وأكثر لو أراد .جميل هذا التحيّل الأنيق على الفضاء وأجمل منه أرشفة
حمق الفضاء وضيقه لنتحداه ونطوّعه قسرا لإرادة إبداعية تنتج وتربك وأيضا تؤرشف
لذاتها وإليها
السينما في سجن
التلفزيون

دأب تلفزيون لبنان في فترة الثمانينات على
إحياء برنامج فريد من نوعه عنوانه نادي السينما. وكان هذا البرنامج يقدم افلاماً
مهمة وطليعية و»نخبوية» ويستضيف نقاداً وصحافيين وفنانين يناقشون الفيلم بعد
تقديمه ويتناولون تجربة المخرج والممثلين. وكان البرنامج يستقطب جمهوراً من
هواة السينما و»عشاقها» اضافة الى الممثلين والمخرجين وبعض الطلاب الجامعيين
معوّضاً لهم عن غياب «النوادي السينمائية» في تلك الفترة وهي كانت مزدهرة منذ
الستينات ايام كانت بيروت «مختبراً» ثقافياً وفنياً. وكانت بعض هذه النوادي
تستضيف مخرجين وممثلين عالميين كباراً يأتون ويشاركون الجمهور في النقاش.طبعاً
تلاشت الآن ظاهرة «النادي السينمائي» وباتت مقتصرة على بعض المراكز الثقافية
الغربية التي تروّج لفنون بلدانها. ولا أدري ان كانت العواصم العربية تشهد مثل
هذه الحال من التراجع حيال «نوادي السينما»، وغالب الظن ان هذه النوادي في
طريقها الى الانحسار، والاسباب كثيرة لا يمكن تعدادها بسهولة، وان كان انتشار
الاعلام المرئي من أول هذه الاسباب.تذكرت قضية «النادي السينمائي» عندما شاهدت
قبل ايام فيلم «الثور الهائج» للمخرج الكبير مارتن سكورسيزي على احدى الشاشات
الفضائية. كان هذا الفيلم أشبه بـ «المفاجأة» السارة ورحت أشاهده من جديد ولكن
من خلال التلفزيون الذي أفقده الكثير من خصائصه الجمالية والسينمائية. واعتقد
ان ادارة تلك الفضائية قررت عرضه من دون ان تلمّ بأبعاده خصوصاً انه صوّر
بالاسود والابيض ما خلا لقطة واحدة بالألوان تقصّدها المخرج. وكان يحتاج هذا
الفيلم الى تقديم ولو صغير يشرح للجمهور العريض من هو سكورسيزي ومن هو روبرت
دونيرو بطل الفيلم وماذا تعني عبارة «الثور الهائج».صحيح ان من الواجب عدم
تشجيع الجمهور على هجر صالات السينما ومتابعة الافلام عبر الشاشات الصغيرة، لكن
الحاجة الى «النوادي السينمائية» تلفزيونياً باتت ملحة، لا سيّما ان الجمهور
العريض لا يملك ذاكرة سينمائية، ولا يلمّ بتاريخ السينما ومحطاتها البارزة
ومراحلها وتحولاتها. كان أحد النقاد السينمائيين اللبنانيين يرفض تمام الرفض
مشاهدة فيلم سينمائي على الشاشة الصغيرة أو عبر «الفيديو». وكان يحمل بشدة على
ظاهرة «الفيديو» معتبراً اياه خطراً شديداً على السينما ومدخلاً الى موتها.
فالفيلم برأيه يفقد بعده السينمائي ومعناه وشكله اذا قدم عبر الشاشة الصغيرة او
عبر «الفيديو». ولو ظل هذا الناقد على قيد الحياة لأدرك ماذا فعل التلفزيون
و»الفيديو» بالسينما.وأياً تكن المشكلات التي نجمت وتنجم عن دخول السينما «سجن»
التلفزيون فان ما تحتاج اليه فضائياتنا العربية هو تعميم «النوادي السينمائية»
ضمن برامجها، فتؤدي هكذا خدمة جلّى الى السينما وتاريخها، وخدمة اخرى الى
المشاهدين، فتثقفهم سينمائياً وتبني لهم ما يشبه الذاكرة السينمائية وتجعلهم
على بيّنة من تاريخ المخرجين والممثلين وسواهم. ولعلها هكذا تجد سياقاً للافلام
المهمة وغير التجارية التي تعرضها بالمصادفة من دون ان تعلم أي موقع تحتل هذه
الافلام في تاريخ السينما والفن العالميين
|