عطالة النخب السياسية ومسؤولية الصناعة الثقافية!

علي حسن الفواز
يبدو ان البعض من مثقفينا ممن اشبعتهم المهاجر برودة واطمئنانا، واعطت جلودهم بريقا يعكس لمعان العافية والنوم بجرعات كاملة!! يجد في الحديث عن شجون الاخرين وهمومهم واحزانهم وخرباتهم من ابناء جلدته وكأنه حديث في سايكولوجيا التشفي، لانشمّ فيه رائحة المودة والمواساة ورفع الظلم عن ذوي القربى. ولانتلمس فيه وعيا بمعطيات واسباب انتاج هذا الخراب، مثلما لانحدس فيه مسؤولية المشاركة ومدّ اليد بالعون والافصاح عن النصيحة !! لانجد في احاديثهم الاستعراضية سوىباذخ التهم وعطالة الرأي وخلط الاوراق والتجاهل عن الوقائع، والتغافل ولو تلميحا الى المشاركة في انقاذ ما يمكن انقاذه وتخليص الوطن/ المكان/البيت والمواطن/ الحالم والمثقف والمتورط من فخاخ الاحتلال والعنف والسياسات المغشوشة على مستوى الصناعات الوزارية او غرائب ما يسوّ ق لنا من افتراضات الثقافة المدنية التي مازلت حدّ الان ثقافة على الورق وفي اجندة طباخيها!!
ان ما قرأته في كتابة الشاعر والناشر خالد المعالي في صحيفة "الحياة" في 11 تموز (واعادة كيكا نشره) اثار الشجن حدّ البكاء، اذ استعرض السيد المعالي كل السوءات ونشر كل المعايب وافترض كل السواد ولوّح بالويل والثبور على زمن ثقافي هرسته الدبابات والهمرات واصحاب الفخاخ، اطلق الوهم على كل شيء ونشر غسيل بيته امام الاخرين، ليقين ما ان هذا البيت لم يعد بيته وان نخل سماوته تنازل عن نخل سماواته، وان ما حدث في العراق لم يكن الآ جزءا من الخراب الذي صنعه العرب والامريكان والعصابين والمتخلفين واللصوص، ثم طالبونا نحن المغلوبين بالحروب والحصارات والأخطاء والعسكرتاريا ان نصلح ما افسده العابرون والماكثون !! فالسيد المعالي يتحدث عن نخب ثقافية وسياسية وكأنه لايعلم ان هذه النخب في عطالة الاحتلال وعطالة الثروة، لاحول لها لتفكر بشيء هو أقرب الى صناعة الاطمئنان، أي الشأن الثقافي!!
الثقافة ليست وزارة فحسب وليست هتافا وليست قبائل تمسرح يومياتها واحزانها وتصنع مراثيها، انها تخطيط وبرمجة وعلمنة وسماء مفتوحة للطيور وشوارع تمارس الفرح واليقظة، وحرية تمطر على اصابعنا نجوما وليست طلقات !!! فمن يخطط لاصدار كتاب وأي مثقف ( بطران) يخرج الى الناس شاهرا سيفه واوهامه ليطالب السيدة الحكومة والقيمين على شجونها بفصل ثقافي يغازلنا بالمدائح او الشتائم لافرق !!
ان تبديل الوزراء وتبديل الحكومات ونقل الموسم السياسي من مؤقت الى انتقالي لاشأن له بالثقافة الحيوية والمهنية ولاشأن له بالمثقف العضوي والاحتجاجي والاشكالي !!! اذ تبدو هذه الصناعة غاية في التعقيد !! وغاية في ضرورة اعادة تأهيل المواطن والمثقف السياسي والعقائدي والشرطي لاكتساب صلاحية المعيش في زمن له السعة في الحوار والحرية وتبادل الشتائم والاكاذيب دون مرجعيات في المحو!
ان السيد المعالي يبحث عن حلول سحرية !! ويبحث عن كنوز عائلية !! ويمنّي النفس بصناعة ثقافية توزع دور نشرها ومسوقيها و دورياتها على طريقة الفرانكفونيين الساعين الى فرنسة العالم بعد ان ملؤوه الانكلوسكسونين استعمارا لاتعليم وراءه ولا آثار ثقافية علقها على جدران بيوتنا، ان ما يحدث في العراق ياسيدي هو ازمة شمولية، تفجر معها الماضي الاشكالي الملىء بالعقد والامراض والحساسيات التي اكدت فشل انظمة الحكم السابقة واجهزة الثقافة التاريخية الحاضرة اذ لم تسطع رغم كل اكاذيبها واعلامها الباذخ ان تخلّص الجلد العراقي من هذه الاوهام والسذاجات ، وتركت المواطن مخدوعا ومخذولا وعاطلا عن الحوار مع الآخر او ربما مع جيرانه،لان هؤلا ء الجيران منجمون ومرذولون ولا يجلبون لنا سوى الهموم والمصائب !!! كما تفجّر معها الخراب الايديولوجي والاداري والعصابي والثقافوي بكل مدائحه و ( نخبه المزعومة) نحن ياسيدي لانبحث عن برابرة للحل كما يقول كافافيس، لا نقترح ان تظل ايثاكا عاطلة !! نريد لهذه البلاد المغزوة والمبتلاة ان تنهض من الكبوة بابنائها !! بعشاقها الذي غسلوا شوارع المنافي وملؤوا الدنيا ضجيجا واشتهاء بالحلم والشعر والحرية والاحتجاج والاغاني والمراثي !!
نريد ان يقف اصحاب الحلم الثقافي الذين فروا نحو حريتهم مع حرية الوطن، ان يأثثوا بيته باناقة احلامهم، ان لايتركوه نهبا للسيل والطوفان وخراب الذمم ورداءة الاداء وسوء النوايا ، ان يبادلوه بتعويض نبيل ، ان يمدوا اليه الهتاف والقصائد والاحتجاج. الحديث عن (عداء النخبة السياسية للثقافة ) ليس حديثا جديدا، انه يتمظهر الان بمرجعيات اخرى، يشوبها الخراب الاقتصادي والاجتماعي بانواع متعددة من الرداءات التي حولت ما هو ثقافي الى توليفات في المزاج السياسي، ونزعات في تأسيس هوامش قلقة على حساب المتن الانساني والوطني، كل هذا يحدث والمثقف امام الفرجة !! لاحكومة تحميه، ولا مؤسسات ثقافيه تشاطره الوعي بضرورة الانتقال الى الضفة الاخرى!! ولا مجتمع مدني حقيقي يمكن ان يؤمن له مناطق اشتغال منافسة !! ولا محيط عربي حكومات ومؤسسات وثقافات تحتض هذا المثقف وتدعمه ازاء خطورة ما بعد الاحتلال بعيدا المواقف الرديئة والسيئة التي اثبتت ان الزعامات الثقافية ليست اقل سوءا من الزعامات السياسية ! ولا مثقفون عراقيون اتسعت لهم المنافي بادروا الى مد اليد وبنوايا خالصة لايجاد ولو انصاف حلول لازمة الثقافي والابداعي. الضجيج والهتاف هو ما يملأ الساحة الان !!! الكل يشتم الكل،والكل لايثق بالكل، والوطن يمزق قيصه من قبل ومن دبر ! ان الحكومات لاتصنع الثقافة وهذا قول حق، ولكن المثقف لوحد لايصنع مشروعا ثقافيا ايضا !! اذ ان هذا المشروع هو برنامج اقتصادي وتخطيطي وتسويقي والسيد المعالي باعتباره صاحب دار نشر اعرف الناس بهذه الشجون، فلماذا لا يصدر نداء الى المثقفين العراقيين العاملين في دو النشر الاوربية والامريكية والعربية بتشكيل (هيأة) دعم وتنسيق مع المثقفين العراقيين في الداخل، واظن هذا جزءا من حقوق اخلاقية!؟؟ ولماذا لايعمل هو شخصيا لايعمل توأمة في مجال اصدار ونشر الكتب مع المثقفين العراقيين بعيدا عن حسابات الربح والخسارة؟ بدل هذه التهم غير الواقعية!
ان الخبرات المدنية العراقية في هذا المجال بسيطة ومتواضعة ولا رأس مال حقيقي لديها، والحكومة القديمة هي التي سيطرت على كل شيء له علاقة بالكتاب ولم تترك للاخرين عادات كتابية يمارسونها خارج الهواء الحكومي باطمئنان كامل، والحكومة الحالية عاطلة عن التخطيط لأي برنامج ثقافي على مستوى الميزانية، وعلى مستوى الاداء ووضع المعالجات الثقافية بمستوى المعالجات الامنية !
كما ان تفاصيل الشأن الحكومي وتوزيع المسؤليات هنا وهناك هو سلوك اداري ومزاجي وسياسي احيانا ولا علاقة للثقافي بهذه الموضوع، كما انه قابل للتغيير مع أي انزياح حكومي ، لذا ياسيدي لاعتب على احد !! سوى ان يعتب المثقفون على بعضهم البعض، ان يتعاونوا وان لايرموا الحجر على بعض، والزاوية التي تبدو معتمة عند السيد المعالي في ان هناك عسرة ثقافية وابداع صالح للحياة، هي ليست معتمة عند الاخرين الذين جاءوا الى بلادهم وبين ايديهم مشاريع وافكار لتحريك الداخل الثقافي !
نحن بحاجة الى ارواح باسلة وارادات تتجاوز انويتها، وافكار اكثر عضوية في تفعيل واخصاب ماهو ساكن، وان لانجعل برودة المنافي تصل الى النخاع اللغوي لتصيب الموقف ببرودة قاتلة، كن انت صاحب الخطوة، فالتاريخ يفتح ذراعيه دائما لاصحاب الخطوات الجليلة!

 

  اسماك الزيت 

إغلق نافذتك يا صديقي
فالريح بلا صديق
وتعال معي
تعال الى صومعة وجهي
ربما افضل من جنان الارض
انك متعب
أعرف ذلك
ولكن افصح لي بعض خطاياك
عفواً
أنك بلا خطايا
أذن انا الذنب الاول
فخذني كبش فداك
***
هناك في قاع بحر جنوني ترقص اسماك الزيت لا تعجب
ربما يصعد الماء على سرج خيول الزيت
***
غرفتي ساعتي
تسير وعقاربها معها
أني أخاف اللدغ
فهل من حماية؟
***
(شوما)
أحسديني على معاناتي
أقاتل كل الصبر
ويفشل الكون بما احمل
حتى بقايا ألمي
تمضغ ألمي
تسير
وأنا أسأل وجهك..
أن يستريح
ووطني.. وجهي
بلا بسمة
- شوما: شيماء ابنة الشاعر

جاسم زبون الشويلي

 

 

   مجرم حب   

الى زهرة محسن السعيدي
بطاقة عرس
أكتبيني
بين اسطر طفولة الحلم..
زورقا من ورق الجنون
او لوحة بلا عنوان
أني ورقة بلا سطور
بلا خطوط
***
اكتبيني بين اضلعك القاسية
بين شفتيك النادرتين
بسمة.. (نكتة)
آه .. لا..
لم استطع قيادة فرقة
غَرقتُ .. غرقتَُ
وما عاد الاوكسجين صديقي
***
اكتبيني (عوذة)
علّقيني على صدرك
أو على زندك (الخيار)
آه.. آه..
وهناك تنفجر القيامة
الحساب
مجرمة أنت..
وأنا مجرم حب!

 

 

   قصة قصيرة جدا

الجوال   

كاظم الميزري
الليل صامت.. السماء ما زالت تنث رذاذاً يهمي من الغيوم المسودة.. كانت الرحلة طويلة، ربما لم يفكر في يوم ما خوض التجارب المريرة.. الحلوة.. البعيدة.. القريبة.. في نفس الوقت ثمة شيء بدأ يحًرك ما كمن من احاسيس وحينما يتوغل اكثر يترك خلفه شريط رمادي من الذكريات يحس بفرح بسيط ينّسل لإحاسيسه، لقد أحب التجوال في مثل هذه المناطق.. وأختلطت عليه الافكار وتزاحمت في مخيلته اكثر من خاطرة. أن حيرته تتجسم أمامه في كل لحظة، حاول ان يعيد لنفسه ثقتها. كان الشيء الذي جاء من اجله أمامه، أذن -الحب- تذكر الايام التي قضاها في تلك المحلة والتي انطلقت فيها امانيه واحلامه المشوشة.. النداء اكثر حدة يدعوه.. يشد اعصابه هل ثمة عالم بدون حب؟ هذا مستحيل، لقد كان هنا بينهم في يوم ما وهذه محلته التي احبها كثيرا، أحساس جديد بمشاعر انسان طموح يفتش عن نفسه، حينما أسرع لاحت له اكثر المحببة اليه، أحس بعد ذلك بنسائم لطيفة، لكنه لا يدري بأن لهيب الحب قد غمر قلبه وتحول الى كتلة نار!
وعرف ان الليلة تختلف كليا وان الاحداث كبيرة وعليه معايشتها، شعر بحرارة الانسان المخذول ولولا الامال لبقيّ يحدّق في فراغ حول الكثير من الاماني الى احلام وهمية الا ان جميع الابواب التي حسبها مغلقة ابديا بدأت تتفتح نافضة عنها الغبار.. ربما هذه الليلة هي البداية، أنا الوسط والفاصلة اللانهائية بين الليل والنهار.. ربما تولد حياة جديد فهي لم تكن البداية ولا النهاية!

 

 

   المشهد السفلي   

حسين سليمان هيوستن
من نافذة غرفتي في القبو الأرضي، أرى سيقان تمشي على الرصيف، تمر من دون هوية. سيقان الناس، فيبدو لي المشهد غريبا. فأتذكر فيلم " غابة من سيقان" لعب بطولته محمود ياسين. تحت الطاولة هناك.. ماذا تفعل السيقان تحت الطاولة، منفصلة عن الرؤوس؟ ومحمود ياسين يحبو تحت الطاولة ينظر إلى سيقان تنفرج عن كراسيها في قعدة تقلد لعبة الليل. لا تصلح هذه المقدمة لقصة قصيرة، لكنها صالحة لكتابة نص يبدو فيه جزؤه الأسفل يمر أمام النافذة الواطئة. ليس. من أمام النافذة، وهي ليست نافذة لكنها منفذ لأشعة الصباح حين تخترق الغرفة العزلاء وتحمل معها الغبار وأوساخ الرصيف. لنر الناس من الأسفل. لنر أوساخ الطريق. هيا. ليس هيا بل هلم. سأرى نفسي من الأسفل. ليس من الأسفل لكن من خلال المستنقع الذي يعكس لي الفضاء وهناك غيوم بيضاء راكضة بعد أن أمطرت السماء ليلة البارحة وكان الجو قلقا مضطربا والريح التي تقلد نفسها منذ زمان بعيد، تعوي فوق الأرض الممتدة الفسيحة وتجلب بعوائها المطر. لقد انطفأت الكهرباء وجاء الرعد القاسي. مع البرد والليل. جاءت الخلخلة. المكان. فعرفنا أن العالم قد تغير قليلا، لم يعد فيه الاطمئنان السابق. لقد بدا فيه روح المغامرة. وهذه الروح، روح المغامرة وجدتها روحا بليدة تعوي عواء الريح أيضا. كيف لي أن أفسر النص السابق؟
ثم ينهمر المطر. تعصف الرياح بقوة ويمسي الرصيف مجرى للمياه الساقطة. تسقط مع العواء على بلاط الرصيف وأسمع الخرير النازل من سطح المبنى وهو يهدم الأرض ويهدر وبعد قليل سيبدأ بالفوران وبالنزع. في طريقي الى بروكسل، في المطار، ليست بروكسل، بل في مطار باريس. نزل المطر وصارت قبة المطار الزجاجية مياه تسيل وتقرأ لنا كيف تنزل السماء علينا وكيف نراها من الأسفل. وأصبحنا على حين غرة قاعا لنهر. التجوال في المطار هو تجوال لرؤية أسفل الناس المسافرين. سيقان المسافرين. تنزل السيقان، الأرجل، الأقدام، تنزل كلها دفعة واحدة مسافرة تريد الوصول. لماذا تريد الوصول؟ لقد خطت منذ زمان على طريقها. وكل مرة تهبط قليلا في مطار، في كراج، تنزل حمولتها عند أقرب واحة. هذه الكتابة بدأتها من دون واعز. لم يكن هناك شحنة تلح على الكتابة. بل وجدت أن لدي فراغا مناسبا لها، ثم منذ زمن لم أمسك. لم أكتب. بالتأكيد الجلوس إلى طاولة الكتابة، محاورة القلم واستحضار الخيال لعمل أدبي سيكون ميتا ولا روح فيه إن كان من دون طاقة تشتعل في النفس. فالطاقة التي أعنيها هنا هي الروح التي تحرك الناس، تحرك السيقان لمشهد نافذة واطئة أرى منها الحركة أرى منها الرصيف والغبار. لقد بعثت الشمس فضاءها وتغلغل في قضبان النافذة، فكشف الغبار ومحمول المدينة تثيره أقدامهم النظيفة. ينقلون أقدامهم بتؤدة وبعض الأحيان بتردد. بعض الأقدام تقف في وسط النافذة، الأقدام، ثم تعود أدراجها لا تتابع. مع كل العلم أن العودة ليست ناجعة. حين خرجت من المنزل احمل سيقاني وأقدامي، حين خرجت كان علي أن أكمل المشي على الرصيف، حتى أصل. لكن الحزن الآن واسع، سوقه مقبي. وعلى الجانبين دكاكين قديمة. مفتوحة أو مغلقة وفيها بائعون ومشترون. فيها...ماذا فيها؟ لا أتصور أنني أمشي نحو الأمام. الذي أفعله إنما هو المشي بالأقدام على رصيف يتحرك نحو الخلف. نحو الحزن مثلا. نحو الشيء الذي لا يحمل الفرح. نحو الزمان الذي نسيته في المنزل حالما وطأت قدماي ..النحو.. الخارج.. نحو الرصيف. في حالة كونية طارئة حلمت بأنني قد قطعت ساقي إلا ملايين السيقان كي تمشي معي. فمن يعرفني، فمن يعرف ساقي حين النظر من نافذة واطئة

 

 

   الياس كانيتي : تجميع الشظايا 

صالح كاظم
يحتل الياس كانيتي (1905-1994) موقعا متميزا في الأدب العالمي والألماني وذلك ليس فقط لحصوله على جائزة نوبل للأدب في العام 1981 بل كذلك للقدرة الموسوعية التي تنعكس في كتاباته وعمق تحليلاته المتعلقة بكافة جوانب الحياة الفكرية والثقافية في القرن العشرين التي عايشها وتركت آثارها على كافة أعماله المكتوبة باللغة الألمانية التي تعلمها من عائلته اليهودية ذات الأصول الأسبانية وهو في الثامنة من عمره، علما بأنه كان يجيد العديد من اللغات الأوربية الى جانب لغته الأم الأسبانية. يقول كانيتي: "ولدت في بلغاريا، غير أن لغتي الأم لم تكن البلغارية، بل الأسبانية القديمةالتي كانت سائدة في أسبانيا في القرن الخامس عشر والتي حافظت على نقائها في تركيا والبلدان الأخرى التابعة للإمبراطورية التركية
إذ جاء بها اليهود الهاربين من ملاحقات محاكم التفتيش في أسبانيا الى هناك. كانت هذه اللغة هي لغتي الأم في السنوات الست الأولى من حياتي..بعد ذلك أنتقل ابي الى إنجلترا، حيث دخلت المدرسة فأصبحت اللغة الإنجليزية هي لغتي الثانية. كانت أمي تريد أن نتعلم عدة لغات منذ الطفولة لهذا قامت بتعيين مربية فرنسية تعلمنا منها اللغة الفرنسية. وبعد موت أبي وهو في أوج شبابه قررت أمي أن ننتقل الى فيينا التي كانت تحبها بشكل إستثنائي. وفي فيينا علمتني اللغة الألمانية بسرعة كبيرة خلال بضعة أسابيع وبطريقة شبه إرهابية. وهكذا أصبحت الألمانية لغتي الرابعة." من خلال معارفه اللغوية وتنقلاته بين مختلف العواصم الثقافية الأوربية (لندن ، فيينا، برلين، باريس وزيورخ) أستطاع كانيتي أن يكون شاهدا مهما على مجمل التحولات الثقافية والسياسية والمعرفية في القرن، بل ومساهما فعليا في تكوين ملامح الثقافة الطليعية الرائدة في القرن العشرين وقد وثق لذلك في سيرة حياته المكونة من ثلاثة أجزاء ألا وهي: "اللسان المُنقذ" (1977) و"شعلة في الأذن" (1980) و"لعبة العيون". في كل جزءٍ من أجزاء هذه السيرة يتعرض الكاتب لمرحلة من حياته من منظور ثقافي شامل لا يقر بحدود الأشكال الأدبية التقليدية، بل ينتهكها متجاوزا كذلك أصول "السيرة الذاتية" من خلال التداخل بين أحداث الواقع المعاش والحدث الذهني والحلم مؤكدا في ذلك على توجهه ضد "التخصص" و "تقسيم العمل". يقول كانيتي: "يمكن أن أصف حياتي كلها كمحاولة يائسة لتجاوز "تقسيم العمل" وإعادة التفكير بكل ما يحيط بي لكي تلتقي أجزاؤه في رأس واحد وتتحد هناك. ليس هدفي معرفة كل شئ وإنما تجميع الشظايا." في "اللسان المُنقْذ" الذي يعالج المرحلة الأولى من حياة الكاتب وسط عائلته ذات الجذور الأسبانية / التركية وأحتكاكه باللغة والأدب يروي كانيتي ما يلي: "ذكرياتي الأولى يطغي عليها اللون الأحمر. فتاة تحملني على ذراعيها وتخرج من الباب. الأرضية حمراء والي اليسار ثمة سلالم نهبط منها هي حمراء كذلك. بمواجهتنا وعلى نفس المستوى تنفتح باب ويخرج منها رجل، يقترب مني وهو يبتسم. وها هو الآن يقترب مني أكثر ثم يتوقف ليقول لي: "أرني لسانك." فأخرج له لساني، إذ ذاك يمد يده الى جيبه، يخرج منه مطواة ثم يفتحها ويقرب شفرتها من لساني قائلا: "والآن سنقطع لسانه." أما أنا فلا أجد لدي الجرأة لسحب لساني. فيقترب مني أكثر حتى تكاد شفرة السكين أن تحط على لساني. في آخر لحظة يعيد المطواة الى موقعها وهو يقول: "ليس اليوم، بل غدا."" يكشف لنا هذا النموذج مدى التداخل والعمق في معالجة كانيتي للمادة الأدبية لكي لا يسقط في كمين المألوف. وينطبق هذا على كافة أجزاء هذا العمل . في الجزء الثاني من سيرته الذاتية "شعلة في الأذن" يتحدث الكاتب عن الفترة الزمنية بين العام 1921 و 1931 التي قضا اغلبها في فيينا، حيث درس الكيمياء وتابع في الوقت نفسه محاضرات الكاتب والناقد النمساوي الساخر كارل كراوس(1) الذي كان يعتبره مثالا يقتدى به، كما التقى بروبرت موزيل وهيرمان بروخ و فرانز فيرفل ( قال له فرانز فيرفل أثناء احدى قرائاته : " إنك تجيد قراءة ما تكتب" وقبل مغادرته القاعة التفت اليه مرة ثانية قائلا : "الأفضل أن تترك هذا!" (عن "شعلة في الإذن"). ولا شك هناك بأن فيينا تركت بصماتها على ذاكرة الكاتب، إذ التقى هنا بأغلب ممثلي الحداثة في كافة مجالات الإبداع كما نشر روايته الأولى والوحيدة تحت إسم "التعمية" (2) وهي تدور حول عالم باللغات الصينية قرر التخلي عن الحياة واللجوء الى مكتبته الضخمة ذات النوافذ المسدودة بأرفاف الكتب، بحيث لا تدخلها الشمس إلا من بضعة ثقوب في السقف ليتفرغ لعالم الكتب والمعرفة حتى قام ذات يوم بتعيين إمرأة تهتم بشؤونه المنزلية أقنعته بأن يتزوجها فيما بعد لتساعده في إزالة الغبار عن كتبه الثمينة. بعد فترة قصيرة من الحياة الزوجية رمت به الى الشارع فوجد نفسه فجأة أمام عالم مليء باللصوص والمحتالين والقتلة: عالم مبهم لا يمكن التعامل معه. على إثر هذه المواجهة المميتة مع الواقع يساعده أخوه على إسترجاع مكتبته فيشعل فيها النار ليموت محترقا بين الكتب. هنا نجد أنفسنا بمواجهة الموضوع المحبب للكاتب ألا وهو موضوع العلاقة بين "النخبة" و"العامة" بكافة إشكاليات هذه العلاقة. وبقي هذا الموضوع الى جانب موضوع الموت من مواضيعه المحببة حتى في كتابه ذي الطابع الفلسفي الذي نشر تحت إسم "السلطة والجماهير" الذي يعالج فيه العلاقة بين ظاهرة الهيمنة الفاشية وتطويع "العامة" وتسييرهم بإتجاه الدمار الجماعي إنطلاقا من تجاربه العينية في طفولته وشبابه(3) . ويتميز هذا البحث بإسلوبه الذي شغل النقاد لكونه مزيجا من البحث الإجتماعي والدراسة الفلسفية والعمل الروائي. فوق ذلك فهو يعكس تجربة الكاتب مع الأنظمة الدكتاتورية القمعية وبالذات مع النازية الهتلرية التي أضطر بسببها للهجرة مجددا الى بريطانيا ليتابع من هناك جرائم هتلر والمجازر التي أرتكبت بحق شعوب العالم وبحق اليهود تحت غطاء "النقاء العرقي". وكان قد سبق للكاتب التعامل مع هذا الموضوع في مسرحيته "كوميديا الغرور" ، وهي عبارة عن نص ساخر تدور أحداثه في بلد يحكمه نظام شمولي يمنع إستعمال المرايا على السكان بهدف سحق الذات البشرية المنفردة وإخضاعها لماكنة النظام واضعا بذلك أصبعه على آفة العصرالبارزة في مجمل الأنظمةالدكتاتورية التي تركت بصماتها على القرن العشرين. بنظرته الثاقبة لحقائق التاريخ ومتابعته الدقيقة لمحيطه الثقافي أستطاع الياس كونيتى أن يحتوي روح العصر ويتابع إشكالاته من موقع الشاهد: منبهرا مستغربا ومنسحرا. من هذا المنطلق نجده يتحدث بإسهاب وحب عن المدن التى حل بها وعن فناني ومفكري الحداثة الذين التقاهم وشاركهم حواراتهم وسجالاتهم ومن بينهم أيساك بابل وبرتراند رسل وبرتولد بريشت وغيرترود شتاين والما مالر- فيرفل وجيمس جويس وغيرهم. ويجد كل من هؤلاء موقعه المتميز في ذاكرة الكاتب وهو يبحث في التاريخ عن ملامح العصر الذي عايشه بمواجهة الموت وعجز الإنسان عن مواجهته. ربما يمكن إعتبار ما كتبه كانيتي توثيقا وكشفا للتحولات الأدبية والفنية للقرن العشرين من موقع المراقب البعيد عن الأحداث، غير أن وجهة النظر هذه سرعان ما تتداعى بمواجهة عمق تحليله لهذه الأحداث والتباساتها ولمن يقف وراءها. يقول الناقد الألماني سفين هانوشيك: "ربما يمكن النظر الى كانيتي بصفته ذلك الكاتب من القرن العشرين الذي راجع بدقة كل ما يجري في داخله وكل ما أستلمه من العالم الخارجي."(4) لقد أنشغل الياس كانيتي حتى موته بظاهرة الموت الذي أعتبره في كل أعماله عدوا لدودا للإنسان. لكنه لم يتمكن من تحقيق مشروعه في كتابة بحث ثقافي وتاريخي وفلسفي حول هذا الموضوع المركزي في خطابه الفكري. "كان هدفي الأساسي هو أن أخرب على البشر ميلهم للموت وأن أدفعهم للأعتراف بأنهم لا يرغبون حقا بالموت ولا يميلون للعب معه بل أن ينظروا اليه كأمر سيء فعلا." وربما كان هذا هو السبب الذي أطال حياته

 

 

   تــــاركـــوفسكـــي في المــــرآة: محادثــة بينــه وتــونينـــو غـــويــــيرا 

عــــــــــــــــــــلـــــــــــــــــي كامـــــــــــــــــــــــــــــــــــل

عاجزين عن الأجابة على هذا الرفض الفطن والغريب. لقد تأمل تاركوفسكي تلك الجملة كثيراً وفكر بهذا المرور السريع للزمن، وكان يريد حقاً أن يوقفه، حتى ولو بهذه الومضة السريعة لكاميرا البولورويد.). لقد نشأت في ما بعد صداقة عائلية حميمة بين الأثنين وكان غوييرا قد فتح لتاركوفسكي الطريق للعمل السينمائي في ايطاليا، تلك العلاقة التي توجّت في ما بعد بفيلمهما الحنين أو نوستالجيا عام 1983لقد تعرض تاركوفسكي إلى حملات عدائية قذرة وشرسة في بلاده من قبل أولئك الدواويون الحزبيون أو الموالين لهم في وزارة السينما وستديوهات موسفيلم أنذاك، وخصوصاً إبان ظهور فيلمه طفولة إيفان الذي كتب عنه سارتر مندهشاً حينها، ومن بعده فيلمه الأيقوني أندريه روبولوف . هذان الفيلمان اللذان أثارا في نفوسهم تلك الضغائن وذلك العداء بسبب شهرتهما التي وصلت إلى كل أرجاء المعمورة، وكان الفيلم الأخير قد تعرض إلى حذوفات متعمدة قاتلة ورهيبة من قبل الرقابة الحزبية، والأكثر غلواً في خستهم ومعاداتهم، هو إتلافهم 80 % من سالب المادة المصورة لفيلمه اللاحق الدليل أو ستالكر في معمل التحميض في ستديو موسفيلم
إن هذه المحادثة الشيقة الهامة والحميمة، هي ثمرة لأحدى زيارات الشاعر والكاتب الروائي والسيناريست الأيطالي الشهير تونينو غوييرا إلى موسكو عام 1979، حيث كان حينها منهمك بتأليف كتاب عن موسكو بعنوان: "مرشد لموسكو الحبيبة" في ذات الوقت كان غوييرا يعمل سوية مع المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي على التحضير لفيلم "رحلة إلى ايطاليا" لحساب القناة الثانية في التلفزيون الأيطالي RAI، والذي سيتغير اسمه في ما بعد إلى "الحنين أو نوستالجيا". كان تاركوفسكي يومها منهمكاً في التقطيع والمونتاج النهائي لفيلمه "الدليل أو ستالكر"، وقد كانت فرصة ثمينة لغوييرا أن يحضر مرحلة مونتاج الفيلم، بل يكاد يكون من القلائل جداً الذين ظفروا بمثل هذه الفرصة لحضور مرحلة مونتاج فيلم لمخرج مثل تاركوفسكي.. لقد كان غوييرا معجباً جداً بالفيلم، وكان قد جهر برأيه فوراً دون صبر لتاركوفسكي قائلاً: "هذه تحفة فنية فريدة يا أندريه". وقد تحّدث هذان المبدعان طويلاً وأخذت تلك المحادثة مسارات آخرى تجاوزت الفيلم المذكور، لتصبح مايشبه المكاشفات الفلسفية والجمالية لسر هذه المهنة الساحرة "السينما" بين اثنين من كبار صانعيها ومبدعيها في العالم. كانت تلك المحادثة قد سجلت يومها وبالصدفة على شريط كاسيت، في غرفة الأستقبال في الشقة التي يسكنها تاركوفسكي هو وزوجته وولده الصغير أندريوشا، في الطابق الثالث عشر من بناية ضخمة وسط سلسلة من مبان ٍ كبيرة حطت على تلال لينين في موسكو.. كان غوييرا قد تعرف على تاركوفسكي منذ أواسط السبعينات حين عرض الأخير فيلمه " المرآة " لأول مرة في سنت ـ فنسنت في ايطاليا. بعدها وفي عام 1977 كان تاركوفسكي أحد شهود زفاف غوييرا في موسكو، وكان معه شاهداً آخر، هو مايكل أنجلو انطونيوني، وقد تحدث غوييرا فيما بعد عن هذا اللقاء الحميم: (في حفلة زفافي التي أقمتها في موسكو عام 1977 كان تاركوفسكي وانتونيوني هما الشاهدان على زفافي. كان تاركوفسكي يحمل بيده كاميرا بولورويد ويتنقل وسط المكان سعيداً ومبتهجاً كالطفل بهذه الآلة التي اكتشفها فقط منذ وقت قريب، كذلك انتونيوني فهو الآخر كان يحمل كاميرا بولورويد وقد صورا معاً صوراً مدهشة حقاً. أتذكر أننا قمنا برحلة استكشاف لمواقع تصوير في أوزبكستان لتصوير فيلم كان انطونيوني يفكر بأخراجه، والذي لم يصور فيما بعد مطلقاً للأسف الشديد. وفي أثناء كشف مواقع التصوير شاهدنا ثلاث شيوخ مسلمين، فالتقط أنتونيوني لهم صورة بكاميرته البولورويد، وقدمها هدية لهم. حدق الشيخ الأكبر في الصورة وتأملها للحظات ثم تطلع بنا وأعادها ثانية لأنتونيوني قائلاً: "لماذا توقف الزمن؟"... ثم غادرنا فاغري الفم مندهشين !. كل ذلك، وأشياء أخرى سببت لروح هذا الفنان الصادق والحقيقي حالة من التسميم، كما أشار لها في إحدى رسائله لوالده، أضطرته بعد صبر وصراع طويلين إلى مغادرة وطنه الذي أحب وإلى الأبد. حين غادر تاركوفسكي البلاد، اتخذت السلطة السوفييتية أنذاك، كنوع من العقاب، قراراً بعدم السماح لزوجته وإبنه أندريوشا،على وجه الخصوص، في السفر إلى الخارج للأنضمام إليه، مستخدمينهما، بشكل قذر وقح ولاأنساني، كرهائن! فيما هو غير قادر على العودة إلى وطنه ثانية لرؤيتهما، وهذا ما شّكل جرحاً عميقاً في روحه. في ايطاليا وفيما هما يقومان بأستكشاف مواقع تصوير فيلمها القادم، كتب غوييرا يومها: (أتذكر حين كنا نقطع نابولي جنوباً، توقف تاركوفسكي عند بوابة رخامية لدير خرب يؤوي شجرة ضخمة بأوراق خريفية، كانت تتساقط بين الحين والآخر. توقف تاركوفسكي أمام تلك الشجرة وأغمض عينيه وهو يتمنى أمنية قائلاً: "إذا سقطت ورقة فيما أنا أتكلم، فهذه إشارة على أن السلطة السوفييتية ستسمح لزوجتي وإبني بالأنضمام إليّ في إيطاليا."... لكن الورقة لم تسقط !).كلمة عن غوييرا تونينو، في الواقع، حالة نادرة واستثنائية جداً في السينما العالمية والأوربية على وجه التحديد، فعلى الرغم من أنه يتحدر من عالم أستاذه الأمهر زافاتيني، ذاك الشاعر الذي رسم أيقونة سينما الواقعية الأيطالية الجديدة، بأساليبها وأخلاقياتها، من خلال سيناريوهاته الفذة، لعل أبرزها تلك التي أخرجها دي سيكا " صباغ الأحذية"، " سارق الدراجة "، " معجزة في ميلانو " و " أمبرتو " إلا أن تلميذه البارع تخطى ظل معلمه العظيم، محلقاً نحو فضائاته الخاصة. ففيما كان زافاتيني يجذب المخرجين الذي يعملون معه نحو تأملاته الأجتماعية والأخلاقية الخاصة، كان غوييرا يتجه بنفسه صوب المخرجين ليساعدهم في ترقية وبلورة أفكارهم الخاصة. لذا فليس مجرد صدفة أنه عمل مع مخرجين سينمائيين مختلفي المشارب الأجتماعية والسياسية والجمالية، سواء كان ذلك مع مايكل أنجلو انطونيوني وبحوثه الأجتماعية والفلسفية في أفلام مثل (المغامرة، الصحراء الحمراء، الأنفجار، حافة زابريسكي، اثبات هوية امرأة)، أو مع سينما فرانشيسكو روزي ونضاله السياسي في (قضية ماتي، لوسيانو المحظوظ، الجثث الرائعة) أو السينما السياسية لأليو بيتري أو (كازينوفا 70) لماريو مونيسيللي، أو سينما مابعد الواقعية الجديدة لفيتوريو دي سيكا، أو الأخوة تافياني وفيلم (ليلة تصوير النجوم، كاوس)، وأخيراً مع شخصية الأنسان المغترب الذي يبحث عن جوهر الوجود في فيلم " الحنين " لتاركوفسكي. سافر غوييرا وسط هذه الفضاءات المتباينة ببساطة المسافر عابر السبيل، ذاك الذي لايقلق في الوصول إلى هدفه، قدر إبتهاجه بالرحلة نفسها. غوييرا الذي نجح أن يكون كاهن الأعتراف المخلص لأنتونيوني وفيلليني وأنجيلوبولس، هو نفسه اليوم يمثل فصلاً مهماً وأساسياً في سينمانا المعاصرة. هذا هو نص المحادثة التي دارت بينه وبين تاركوفسكي.
غوييرا: ماذا تعني كلمة Stalker؟
تاركوفسكي: الكلمة مشتقة من الفعل الأنكليزي " Stalk " وهو أن تدنو من الصيد بهدوء جداً، بشكل مراوغ ومخادع. في الفيلم تشير الكلمة إلى مهنة يمارسها أولئك الذين يعبرون التخوم ليتسللوا إلى المناطق المحظورة لهدف خاص: انهم يشبهون إلى حد ما قطاع الطرق أو المهربين. ستالكر أو "الدليل" نوع من المهنة كانت تنتقل من جيل إلى جيل، ويبدو لي أن المتفرجين لن يصدقوا بوجود أدلاء باقون حتى الآن، ليس هذا حسب، بل أنهم لايصدقوا حتى بوجود مناطق محظورة أو محرمة. محتمل أن المكان الذي تتحقق فيه الرغبات هو مجرد أسطورة، أو مزحة، ومحتمل أنه مجرد وهم من أوهام شخصيتنا الرئيسية في الفيلم. بالنسبة للناس، ربما سيبقى ذلك لغزاً. ان "الغرفة" التي تتحقق فيها الأمنيات، تستخدم هنا فقط كذريعة أو حجة للكشف عن النزعات والصفات الذاتية المميزة لتلك الشخصيات الثلاث في فيلمنا.
غوييرا: ماهي طبيعة الشخصية في فيلم الدليل ؟
تاركوفسكي: إنه رجل أصيل، نقي وصادق إلى أبعد الحدود، أو كما يقال، إنسان بسيط وبريء بشكل عقلاني. زوجته تصفه بـ " جالب السعادة ". انه يرشد الرجال في الدخول إلى المنطقة المحظورة لـ " يجعلهم سعداء " كما يقول. انه يكرس نفسه بنزاهة ولامبالاة إلى الحد الأقصى تماما،ً لهذه الفكرة، والتي تبدو له أنها الطريقة الوحيدة لجعل الرجال سعداء. ان حكايته بشكل جوهري هي حكاية آخر المثاليين : حكاية الرجل الذي يؤمن بأحتمالية تحقيق السعادة المستقلة وغير المشروطة من خلال أرادة الأنسان وجهوده.مهنته تمنح معنىً خاص وكلي لوجوده : الدليل في تلك المنطقة المحظورة هو أشبه بالكاهن، يقود الرجال إلى داخل ذلك المكان، فلربما يصبحوا سعداء. بالطبع لا أحد، واقعياً، يجزم بدقة أو يؤكد بصحة أن يصبح الواحد هناك سعيداً أو لا. في نهاية رحلته داخل تلك المنطقة المحظورة، وتحت تأثير أولئك الذين يقودهم، يفقد الدليل إيمانه الخاص به : الأيمان بأمكانية جعل أي أنسان سعيد. إنه عاجز عن أن يعثر على قدرة الأفراد على الأيمان بوجود تلك المنطقة المحظورة، عاجز عن العثور على امكانية العثور على السعادة، أو الوصول إلى تلك "الغرفة". في النهاية، يكتشف أن فكرته الخاصة عن سعادة الرجال يمكن تحقيقها فقط بعون من الأيمان الكامل والخالص.
غوييرا: كيف حصلت، أو من أين جاءتك فكرة هذا الفيلم؟
تاركوفسكي: تونينو، أنت لست الشخص الأول الذي يطرح عليّ سؤال كهذا. كيف حصلت على فكرة لعمل هذا الفيلم أو ذاك؟ لا أستطع حقاً أن أعطي اجابة شيقة أو مثيرة للأنتباه مطلقاً. ان فكرة الفيلم تأتيني دائماً بطريقة عادية جداً ومضجرة. إنها تأتي تدريجياً، عن طريق صور وأشكال مبتذلة، إلى حد ما. أما سردها أو احصاؤها فهو ليس سوى ضياع للوقت. لايوجد بهذا الشأن، شيء ما فاتن وجذاب، أو شعري حقاً. لكن، فيما لو أراد الواحد على الأقل أن يصف تلك اللحظة، فهي مثل نوع من اضاءة مفاجئة! في إحدى المقابلات تحدث بيرغمان، إن كنت أتذكر ذلك بشكل دقيق، عن الكيفية المفاجئة لمجيء فكرة، أو بالأحرى، الصورة الذهنية، لأحد أفلامه فيما كان يراقب شعاع ضوء على الأرض في غرفة مظلمة. أنا لا أعرف بوضوح كيف يحدث ذلك، ولم يحدث لي ذلك على الأطلاق. من الطبيعي أن تلك الصور الذهنية المحددة تخطر في البال لتظهر فجأة، لكنها تتغير بعد ذلك، محتمل بشكل غافل أو غير مقصود، تماماً كما في الحلم، وغالباً ماتتحول تلك الصور بشكل محير أو مربك وعنيد، إلى شيء جديد لايمكن تمييزه.
غوييرا: مع ذلك، هل ثمة حكاية وراء ولادة فيلم الدليل ؟
تاركوفسكي: كان صديقي المخرج السينمائي جيورجي كالاتوزيفيللي قد قرأ مرة رواية قصيرة بعنوان " نزهة على جانب الطريق " وحدثني عن مضمونها، فأقترحت عليه أن يفكر، إن كان لديه اهتمام، في أن يعمل اقتباساً سينمائياً لها. بعدها، لا أدري ماذا حدث، كل الذي أعرفه أنه لم يتوصل إلى اتفاق مع الأخوان ستروغاتسكي، مؤلفا الرواية، ثم تخلى بعد ذلك عن الفكرة. مرت الأيام، وبدأت تلك الفكرة تخطر ببالي مرة أخرى من حين إلى حين. بعدها، وبشكل متزايد، بدا لي أنه يمكن عمل فيلم من تلك الرواية وفقاً للمبادىء الأرسطية الثلاث، أعني وحدة المكان والزمان والحدث. تلك الوحدات بدت لي أنها تسمح للواحد أن يصل إلى السينما الحقيقية، التي هي بالنسبة لي ليست مايسمى بسينما الحركة(الأكشن) أو السينما السطحية، أو السينما الدينامية ظاهرياً. لقد اعتقدت أن الموضوع الذي سينطلق منه أو يبنى على أساسه السيناريو، يسمح للواحد أن يعّبر، وبأسلوب مركـّز جداً، عن فلسفة المثقف المعاصر، كما يقال. أو بالأحرى عن وضعه. مع ذلك، ينبغي عليّ القول أن سيناريو فيلم " الدليل " يمتلك كلمتين، أسمين، مشتركان مع رواية الأخوة ستروغاتسكي " نزهة على جانب الطريق" هما الدليل والمنطقة المحظورة. هكذا وكما ترى، أن الحكاية وراء فيلمي هي مخيبة للأمل أيضاً. غوييرا: هل أن اللقطات التي كنت قد صورتها للفيلم توحي بفكرة محددة وواضحة لديك بشأن الجانب الموسيقي للفيلم؟ تاركوفسكي: حين شاهدت اللقطات المصورة لأول مرة فكرّت أن الفيلم ليس بحاجة إلى موسيقى. لقد بدا لي أن على الفيلم، بل ينبغي عليه أن يعتمد فقط على أصوات أو مؤثرات صوتية. إن الأصوات تمتلك قدرة تعبيرية أستثنائية، وربما لن تسمح للموسيقى أن تحل بديلاً عنها عموماً، لكن يمكن أن تحل محلها، وبشكل رائع، موسيقى تفسيرية، أو " موسيقى فيلمية" على وجه التحديد. إن واحداً إلى عشرة من المتفرجين سّيقدر أو يخمن سلفاً اللحظة التي تبدأ بها موسيقى كهذه، وحين يسمعها سيفكر حالاً، قائلاً: " آها.. جميل، الآن كل شيء واضح." أنا لا أحب ذلك، وأود أن أتجنبه مهما كلف الأمر.
غوييرا: على أية حال، أنا أشعر مع ذلك، أنك ستستخدم موسيقى في فيلم الدليل.
تاركوفسكي: كنت أحب أن أجرب موسيقى مكتومة مبهمة، يصعب تمييزها، تسمع وسط ضجيج القطار الذي يمر من تحت نوافذ منزل الدليل. السمفونية التاسعة " نشيد الفرح " لبيتهوفن مثلاً أو موسيقى لفاغنر، أو ربما نشيد المارسيلز. بكلمة أخرى موسيقى نوعاً ما شعبية، بحيث تعّبر عن مغزى حركة الغالبية من الجموع، وعن موضوع مصير المجتمع البشري. لكن، ينبغي لهذه الموسيقى أن تصل إلى اذن المتفرج من خلال الضجيج، لكي يبقى المتفرج حتى النهاية لايعرف هل كان يسمعها أم انه كان يحلم. اضافة لذلك، أنا أحب أن تؤلف الأصوات والضجيج من قبل مؤلف موسيقي.فبما أن الشخصيات الثلاث في الفيلم مثلاً، يسافرون لمسافات نائية وملتوية عبر عربة قطار، أحب أن يكون صوت العربة على خط السكة الحديدية صوتاً غير طبيعي، وينبغي أن ينفذ من قبل مؤلف موسيقي بمساعدة موسيقى ألكترونية، بأسلوب لايظهرها بشكل واضح أنها موسيقى وليس أصواتاً طبيعية. بكلمة أخرى، ينبغي على الأصوات أن تتحول، جزئياً، بواسطة الموسيقى الألكترونية لتقدم نفسها برنين جديد، أو دعنا نقول، أكثر شعرية.
غوييرا: وهل ستكون الثيمة الموسيقية الأساسية للفيلم؟
تاركوفسكي: نعم، وأنا لدي أحساس أنها ينبغي أن تستدعي وتثير في النفس الأحساس بأجواء الشرق الأقصى، وأن عليها أن ُتشحن، دعني أقول، بمضمون " زِن " التأملي البوذي، المُؤسس على مبدأ التركيز وليس الوصف. الثيمة الموسيقية الأساسية ينبغي أن تتجرد من العواطف من جانب، ومن الأفكار من جانب آخر، ومن أي قصد مبرمج. إنها ستعبّر، بشكل مستقل، عن حقيقتها الخاصة عن العالم، وستكون متضمنة داخل نفسها.
غوييرا: هل يتضمن الفيلم شيء من سيرتك الذاتية؟
تاركوفسكي: ربما أكثر مما هو في فيلم "المرآة". في فيلم "الدليل" كنت قد أستخدمت العواطف وحتى الذكريات، الشخصية جداً. في "المرآة" ثمة شبه ملموس وجلي بين الممثلين وبين أناس واقعيين، تشابه بين مواقع التصوير والأماكن الواقعية. في "الدليل" هناك الكثير من اللحظات التي تثير في نفسي نوعاً غريباً من الأحساس بالحنين. فلنأخذ شخصية الكاتب في الفيلم مثلاً. لقد بدا لي أن الممثل سالانتسن كان يقلدني بشكل دقيق جداً : وكنت أحياناً أتعرف، في طريقة أدائه، على ميزاتي الخاصة، طريقتي في الكلام، وطرق محددة لسلوكي، نبرة صوتي الخ... على الرغم من أن شخصية الكاتب في الفيلم، عموماً، هي شخصية لا أحبها كثيراً.
غوييرا: ماهي الشخصية التي تعاطفت معها كثيراً؟
تاركوفسكي: أكثر شخصية تعاطفت معها هي الشخصية الرئيسية في الفيلم، أعني الدليل. بمعنى أدق، كنت مقتنعاً أن ثمة شيئاً ما في داخلي مرتبط بهذا الأنسان. كنت أود مساعدته بطريقة ما، أن أحميه. دعني أقول، أنه كان بالنسبة لي مثل أخ. أخ محتمل أن يكون ضائعاً، محطم نفسياً وجسدياً، لكنه في النهاية أخ. على أية حال، أنا أشعر، بطريقة موجعة للقلب، لحظات صراعه مع العالم الذي كان قد أثخنه بالجراح بلاشك. أشعر بأستعداده السايكولوجي، دنوّه وإستجابته للواقع، وهذه كلها شبيهة بما يمور في داخلي. لاحظ على الرغم من أنه رجل خارج عن القانون، لكنه أكثر ثقافة ومهارة وتفكيراً في الفيلم من الكاتب والعالم، اللذان هما في النهاية يعبران عن الجوهر الحقيقي للثقافة والعلم والتربية. كان لدي منذ البدء دافع قوي أن أعمل رفاً مملوءاً بالكتب يظهر فجأة في الفيلم، وقد ظهر فعلاً في نهاية الفيلم بسينوغرافيا غير ملائمة لموضوع كهذا. كنت أحب أن يكون عندي رف كتب كهذا في منزلي. لم يكن لدي مطلقاً رفاً كهذا، وأحب أن يكون لديّ واحداً هكذا بنفس هذه الفوضى التي كان الدليل يحفظ فيه كتبه.
غوييرا: ثمة أشياء، أغراض وحاجيات صغيرة، تتكرر في أفلامك، وخصوصاً في أفلامك الأخيرة.
تاركوفسكي: هذا صحيح. إبتداء من فيلم " سولاريس" مروراً بـ "المرآة" و إنتهاء بـ "الدليل" ثمة أشياء تتكرر نفسها دائماً. قناني معينة، كتب قديمة محددة، مرايا، أشياء وحاجيات صغيرة متنوعة على الرفوف أو على حواف النوافذ. إنها الأشياء التي أحببت أن أمتلكها في بيتي، والآن هي تمتلك كامل الحق أن تجد نفسها في داخل لقطة أو أكثر في أفلامي. لو كانت تلك الأشياء لا أحبها، فببساطة لا أسمح لنفسي أن أبقيها في الفيلم، رغم أن شخصياتي تختلف بعضها عن البعض الآخر في سلوكها ومزاجها وطريقة تفكيرها، ولا تشبهني. ومع ذلك، ومن وجهة النظر هذه، فأنا أحاول أن أقصي وأزيل أي شيء لا أحبه من اللقطة. غوييرا: بصدد فيلميك "سولاريس" و"المرآة"، هل ثمة صلة بينهما وبين "الدليل"؟ وهل ثمة صلة أيضاً بفيلم "أندريه روبولوف" و"طفولة إيفان"؟تاركوفسكي: أظن أن هناك صلة، وسأوضح ذلك. فيلم "الدليل" سمح لي أن أمسك بدقة وإحكام عظيمتين، الفكرة التي كانت تقريباً قد تضمنت أفلامي السابقة. الآن أفهم ماهي. لايبدو لي أنني أفكر أو أعتقد أو أؤمن بقوة ما يسمى الرجال " الأقوياء " ولا بضعف أولئك الذين تعودنا أن نطلق عليهم صفة " الضعفاء ". الأمر ليس بهذه السهولة. أو، ببساطة، ليس الأمر هكذا. لقد خطرت في ذهني هذه الفكرة حين كنت أعمل هذا الفيلم. لقد كان هدفي في هذا الفيلم أن أروي قصة عن انسان من هذا النوع على وجه التحديد: انسان ضعيف وقوي بشكل مؤثر ولافت في نفس الوقت. لكنني فجأة أدركت أنني كنت قد تناولت هذا النمط من الناس في أفلامي السابقة. و فيلم " طفولة إيفان " مثلاً هو أحد تلك الشواهد. إنه فيلم حول صبي يموت في الحرب بسن الثانية عشر من عمره. صبي، هو طفل بالتالي، وهو كائن ضعيف وضحية. لكن ذلك الصبي بدا لي، في الواقع، أقوى من العديد من الشخصيات التي كانت حوله.دعنا نأخذ أندريه روبولوف، ذلك الراهب الوديع الخنوع والمتواضع، يحيا حياة الرهبنة الحقيقية التي تقنع بالأذلال والصبر والخنوع، فهو إذاً، بأية حال، انسان ضعيف بالمعنى العام للكلمة. إلا أنه يكشف عن نفسه أنه الأقوى. ليس فقط لأنه استطاع أن يبقى على قيد الحياة وسط تلك الكوارث المروعة التي حلت بروسيا في زمنه، لكن أيضاً، بسبب أنه كان يدرك ويبصر أنه جلب معه، عبر سيرته الشاقة، التوق الشديد للأبداع. أو دعنا نأخذ شخصية كيلفن في فيلم " سولاريس " فهو نموذج للبرجوازي الصغير، ضعيف الشخصية إلى حد ما. إنه شخص أقل مرتبة وأهمية من أي شخص آخر، وهو يعتزم أن يبرز ويظهر بشكل مميز. هو لا يرغب بأي شيء استثنائي، أو أي شيء خاص، على العكس، على الرغم من أنه عالم نفسي، لكنه مايزال يظهر نفسه ذو شخصية قوية، من خلال صراعه ضد معضلات أناه الخاصة، مدركاً بوضوح مقاومته لها مسلحاً بنبله الأنساني. نفس الشيء في فيلم " الدليل " فهو يبدو ضعيفاً جداً، إلا انه يظهر نفسه الأقوى، من خلال رغبته الحقيقية في خدمة الرجال، بهدف منه في أن يجعلهم سعداء. هذا هو ما يوحـّد أفلامي.
غوييرا: هل لديك رغبة أن تحدثني عن نهاية الفيلم لقطة فلقطة، كما لو أنني أعمى؟
تاركوفسكي: هذا سؤال شيق حقاً. ربما من الأفضل في هذه الحال أن لاتعمل أفلاماً، بل فقط ترويها لأعمى. فكرة رائعة! الواحد ليس بحاجة أكثر من جهاز تسجيل. "الفكرة المكشوفة كذبة" على حد قول أحد الشعراء. تاركوفسكي: لقطة ـ كلوز آب ـ لفتاة صغيرة مريضة تتدثر بوشاح، هي ابنة الدليل، تمسك بكتاب كبير أمامها. نراها بشكل جانبي وهي تقابل نافذة مضاءة. تتراجع الكاميرا ببطىء لتظهر جزءاً من المنضدة التي أمامها. لقطة ـ كلوز آب ـ للمنضدة وعليها صحون قذرة، قدحان واناء واسع. تضع الفتاة الصغيرة الكتاب على ركبتيها، ونسمع صوت يكرر ماقرأته : تتطلع الفتاة نحو أحد القدحين، وتحت قوة نظرتها، يبدأ القدح يتحرك نحو الأمام بأتجاه الكاميرا بعدها، تغير الفتاة نظرتها فنراها تحدق نحو القدح الآخر، فيبدأ بالحركة هو أيضاً. من ثم تتطلع نحو القدح الذي هو في وسط المنضدة، فيبدأ في الحركة لحين يسقط على الأرض، إلا أنه لاينكسر. نسمع صوت قطار يمر بالقرب من المنزل، يحدث ضجيجاً غريباً، تهتز من أثره جدران المنزل وترتعش بشكل متزايد. تعود الكاميرا إلى لقطة ـ كلوز آب ـ للفتاة، وبهذا الصوت وهذا الضجيج ينتهي الفيلم.
غوييرا: اقتباسات أخرى؟
تاركوفسكي: مرة أخرى في فيلم "المرآة". خذ مشهد المرشد العسكري. ثمة لقطتان أو ثلاثة لقطات مستلهمة من لوحات الرسام بروغل: الصبي، الأشخاص ذو القامات القصيرة، الثلج، الأشجار العارية، النهر من بعيد. لقد شيدت تلك اللقطات بشكل واع جداً ومدروس، وليس من منطلق اظهار حجم ثقافتي، بقدر ما كنت أريد أن أدلي بشهادة حب وأعتراف بالجميل لبروغل، لأعتمادي عليه، أردت أن أعبر عن الأثر العميق الذي تركه في حياتي.في "أندريه روبولوف" أعتقد أن هناك مشهداً ينسب إلى المخرج الياباني العظيم ميزوغوتشي. لقد كان مشهداً عفوياً، ولم أميزه إلا حين أكملنا الفيلم وفي لحظة عرضه.انه المشهد الذي يعدو فيه الأمير الروسي بحصانه الأبيض عبر الريف، فيما يمتطي التتري حصاناً أسود.لقد بدا لي أن سجية الصورة بالأبيض والأسود، أن غموض وظلمة النهار الرمادي كانت تميل لأن تشبه منظراً طبيعياً مخطط بحبر أسود صيني. الحصانان يركضان أحدهما جنب الآخر، فجأة يصرخ التتري، يصفر بفمه، يضرب الحصان بالسوط ويبدأ في تجاوز الأمير الروسي. الأمير يحاول مطاردة التتري لكنه لا يستطيع الوصول إليه. في اللقطة اللاحقة نرى الأثنان ساكنان دون حركة، ولاشيء بعد ذلك سوى صورةالأمير الروسي وهو يتذكر محاولاً الوصول هو وحصانه إلى التتري، لكنه يفشل في تحقيق ذلك. هذه اللقطة ثانوية تماماً وظيفتها دفع وتقدم نمو القصة. إنها، على نحو أدق، تحاول أن تعبر عن حالة الذاكرة ولتضيء العلاقة بين هذين الرجلين. إنها أشبه بلعبة بين صبيين، أحدهما يركض ليسبق الآخر قائلاً: " لا يمكنك أن تمسكني!" والآخر يركض خلفه محاولاً بأية طريقة الوصول إليه، لكنه لا يستطيع فعل ذلك. وبعدها، فوراً، ينسيان اللعبة ويتوقفان عن الركض.
غوييرا: جوهرياً، أن من يدعّي أنه لايقتبس من أحد، فهو كمن يدعّي أن ليس لديه أب أو جد أو...
تاركوفسكي: أنا مقتنع بذلك أيضاً. يبدو لي أن أي جانب أصيل في عمل الكـتاّب أو الرسامين، الموسيقيين أو مخرجي الأفلام، الحقيقيين، يحتوي دائماً على جذور عميقة، لذا فأن العودة إلى مصادر الماضي البعيد، هو شيء متعذر اجتنابه. أنا لا أعرف حتى من أين نشأ ذلك. ربما أن ذلك هو ليس خاصية لحالتنا الروحية، بل هو مظهر نمطي لزمننا، لأن الزمن رغم ذلك له وجهان، فهو متقلب وقابل للأنعكاس، وهذا على الأقل ما أعتقده. نحن غالباً ما نكتشف أن ثمة شيئاً ما كنا قد مارسناه أو جربناه من قبل.أنا شخصياً، تأملي بأفلام بريسون*** والتفكير بها ملياً، يساعدني كثيراً أثناء عملي. مجرد التفكير ببريسون، ولا أتذكر بالتحديد أي فيلم من أفلامه، من شأنه أن يعزز فيّ أشياء كثيرة. أتذكر فقط طريقته الزاهدة المتقشفة القصوى، بساطته، وضوحه. إن التفكير ببريسون ساعدني، حقاً، على التركيز على الفكرة الرئيسية للفيلم.
غوييرا: وهل فكرت بأي إيطالي؟ هل كان لديك يوماً ما حافز أو دافع لتقتبس منهم؟
تاركوفسكي: أنتونيوني يخطر بذهني أحياناً، خصوصاً أفلامه التي صورها بالأبيض والأسود. وفيلمه " المغامرة " أفضّـله، على وجه التحديد، من بين جميع أفلامه.فيلم " ثمانية ونصف " لفلليني أيضاً، لكن ليس من وجهة النظر المجازية. من وجهة النظر المجازية البحتة أنا أهتم بالحلول الشخصية، أو يمكن القول بالطبيعة الروحية لفيلمه " كازانوفا " في استخدامه للمواد المطواعة اللدنة ذات الخاصية البلاستيكية. الجانب الشكلي في هذا الفيلم، من وجهة نظري، هو ذو مستوى عال بشكل غير محدود. أما لدانته ومطواعيته فهي عميقة بشكل لايصدق. حين أقوم بتصوير فيلم ملون أتذكر أحياناً لقطات أخرى من أحد مشاهد أفلامه" ثلاث خطوات نحو الهذيان" **** عن الممثل الذي قدم إلى روما ليلعب دوراً. أتذكر تلك اللقطة المذهلة في الطائرة، اللقطة الأستعراضية في داخل الطائرة، وإستخدام الأنوار الكاشفة في المساء، ذلك المشهد الضارب إلى الصفرة بكاميرا تصور الناس والطائرات من الأعلى من خلف الألواح الزجاجية... نعم، أتذكر تلك الأضواء. هذه ليست طريقتي بالطبع. أنا أحب أن أكون بسيطاً فطرياً قدر الممكن.
غوييرا: هل تفكر بعمل شيء ما مباشرة بعد فيلم الدليل ؟ أعني أن تبدأ في عمل جديد؟
تاركوفسكي: أحب أن أبدأ تصوير الفيلم الذي أتفقنا أنا وأنت عليه " رحلة إلى إيطاليا " وبأمكانك أنت أن تتحدث عنه أكثر مني. على أية حال، علينا أن نعرف كيف نتجنب السينما المملة، السينما التجارية، وهذا لايعني أننا سنفقد المتفرجين. أحب أن أعمل فيلماً سنفقد فيه بعض المتفرجين ونكسب متفرجين جدد آخرين كثيرون. أحب أن يشاهد فيلمنا أناس مختلفين ومتنوعين كي لاتسمى سينما المتفرج.
غوييرا: أحد ما أخبرني أنك تحب أن تغير طريقتك السينمائية تماماً. هل هذا صحيح؟
تاركوفسكي: نعم، لكن فقط لا أدري كيف. سيكون ذلك رائعاً، أن تصور فيلم بحرية تامة، تماماً مثل الهواة حين يعملون أفلامهم. نبذ الميزانية الباهضة. أحب أن تكن لدي الأمكانية لمراقبة وملاحظة الطبيعة والناس بعناية، وأن أصورهم دون عجالة. القصة ستولد آلياً كنتيجة لتلك المراقبة والملاحظة، وليس عبر تلك اللقطات المضطر للألتزام بها أو المجبر على تصويرها، تلك المصممة بتفصيل دقيق.فيلم كهذا سيكون من الصعب تمييزه، بالطريقة التي تميز بها الأفلام التجارية.سيكون تصويره بحرية مطلقة، غير خاضعة للأضاءة أو للممثلين أو وقت العمل في التصوير..ألخ.. والتقليل بعض الشيء من فحص الكاميرا بين الحين والآخر. أظن أن طريقة كهذه يمكن أن تدفعني إلى الحركة أكثر نحو الأمام

 

 

    

 

 

top

   Iraq designer

Email: nana20042005@hotmail.com