سارتر في القاهرة

سوسن بشير
“دور المثقفين في المجتمع المعاصر" هو عنوان المحاضرة التي ألقاها جان بول سارتر في جامعة القاهرة، في الرابع من مارس عام 1967، و نشرتها مجلة الطليعة في ملف خصصته عنه في أبريل من ذات العام، و أعادت نشرها مجلة أوراق فلسفية في عددها الرابع عشر عام 2005. إذاً اختار سارتر أن يلقي على المصريين الذين اعتبرهم آنذاك مجتمعاً ثوريا، محاضرة في دور المثقف، و تشاء المصادفات أن يكون ذلك قبيل النكسة. و لنكون أكثر تحديداً، فقد اختار سارتر أن يتحدث عن دور المثقفين في المجتمع البرجوازي الذي نشأ فيه، و تأسف لأنه لا يستطيع أن يتحدث عن دور المثقف في المجتمع الثوري الذي يتحدث إليه. و يا لها من مفارقة، فها نحن المجتمع الثوري في نظر سارتر أيام 1967، قفزنا حوالي أربعين عاماً...فماذا أصبحنا؟
هل نحن مجتمع برجوازي كالذي تحدث سارتر عن مثقفيه و دورهم؟ ربما تساعدنا العودة إلى بعض تفاصيل محاضرة سارتر في الإجابة على هذه الأسئلة، أو طرح المزيد منها. لقد بنى سارتر محاضرته على التفرقة بين رجل العلم و المعرفة و المثقف. هذا المثقف الذي لا ينظر له بارتياح من الطبقة الحاكمة، و كذلك تنظر له الطبقة الكادحة بريبة و شك، مع احترامها له كرجل علم و معرفة. فالمثقف كما يراه سارتر هو ذلك الكائن دائم المعارضة والنقد، يتدخل فيما لا يخصه في نظر السلطة مستغلاً شهرته و تأثير أعماله. و يبدأ سارتر بضرب أمثاله للدلالة على قوله، فعالم الأبحاث النووية الذي يخدم القوة الإمبريالية، يظل عالماً لا مثقفاً، إلى أن يشترك مع علماء آخرين في التوقيع على بيان يدين استخدام الدولة لأبحاثه في أغراض غير إنسانية. هنا فقط يتحول إلى مثقف. فالمثقف رجل معرفة ، لكنها معرفة عملية. المثقف هو ذلك العالم أو الطبيب أو القانوني أو الفنان...إلخ، الذي يسعى لتكوين نفسه حين يعي التناقض داخل مجتمعه البرجوازي، ثم يقوم بالاختيار. و هناك من رجال العلم و المعرفة من يدركون التناقض، لكنهم يسعون لإخفائه مع السلطة الحاكمة، و هنا يختار رجل العلم أن يصبح من كلاب الحراسة بحد وصف سارتر، الذين يعيشون القلق و التناقض و عدم الرضى، لكن لا يجعلون هذه العناصر تعمل داخلهم و تغيرهم. و هذا يعود بنا إلى مقولات سارتر الأساسية التي يعرفها كل دارس فلسفة، هذه المقولات التي تنبني عليها مثل هذه المحاضرة، و غيرها من قصص و مسرحيات و روايات و مقالات و أحاديث سارتر. فرجال العلم و المعرفة من البشر، الذين عرفهم سارتر بأنهم موجودات لذاتها، تكون أسبقية الوجود لديها على الماهية، أي توجد أولاً ثم تتحدد ماهياتها عن طريق أفعالها. و لا يترك سارتر الإنسان عرضة للتأويل، فقد قرر عبر الفكرة المركزية في الفلسفة الوجودية، و هي الحرية، أن الإنسان محكوم عليه بالحرية، و من ثم فرجل العلم محكوم عليه بالحرية، و لا يوجد ما يجبره على أن يصبح من كلاب الحراسة بدلاً من أن يكون مثقفاً. لكن سارتر يدرك هذه المرحلة المضطربة القلقة لدى رجل العلم و المعرفة، التي يمكننا أن نطلق عليها مرحلة انتقالية أساسية. لكن من أين يأتي التناقض؟ و علينا أن نتذكر هنا أن حديث سارتر كان عن مجتمعه الغربي البرجوازي، لقد ضرب سارتر مثلاً ذكياً للغاية، مستمداً من تاريخ اليابان، حين تم الإصلاح الكبير، أو حين قرر حكام اليابان صنع بلادهم و إصلاحها من أعلى، فضحت الطبقة الحاكمة ببعض الإقطاعيين، لدفع عجلة الاقتصاد ببعض رؤوس الأموال. و وجدت الطبقة الحاكمة نفسها تواجه مسألة ملحة، و هي أهمية وجود كوادر من المهندسين و الفنيين و غيرهم، و من هنا كان لابد من إصلاح في وسائل التربية و التعليم، هذه الوسائل التي كانت ترسخ تربية الشعب على عبادة الإمبراطور و التضحية من أجله، فأمسك أحد وزراء التربية و التعليم بالعصا من المنتصف، و قرر أن تكون تربية الأطفال في حدود المبادئ التقليدية المتعارف عليها، التي ترسخ الانصياع للأسلاف، إلى أن يشب الطفل و يصل للجامعة، و هنا تكون التربية علمية تماماً، سيدرس الطالب الفيزياء و الرياضيات و الأحياء. أي أن النظام الأول الذي يطبق في الطفولة التي يصعب الإفلات من تاثيرها يعلم الخضوع الكامل، و الثاني إن شاء الفرد أم أبى سيؤدي به إلى الحرية. الملفت للنظر في هذا المثال الذي يطرحه سارتر هو أن الاخوة اليابانيين لم يلجأوا في حل مشكلتهم في الإصلاح إلى خبراء أجانب. و ينتقل سارتر إلى حرية الفكر، هذه المقولة الملتبسة لدى كثيرين، فحرية الفكر هنا لها معنى محدد: " ليس حرية التفكير في أي شيء بل حرية البحث. إنها حرية تقدم الشيء عما اكتسبه الفكر من تجارب، مما يتمشى و يتجاوب مع رفض مبدأ السيادة". فالعالم و رجل المعرفة سيضطر على مضض لاستعمال الحرية، حيث ستأتي إليه التناقضات بنفسها، و لن يسعى هو إليها، فقط عليه أن يتركها تكونه و تدفعه. و يضرب سارتر مثلا معبراً هنا بـ " ميكلسون" و " مورلي"، حين أرادا أن يقيسا سرعة الضوء في بداية القرن العشرين، و لم يفكرا و لو للحظة في نقض نظرية نيوتن، التي قاما بالقياس في نطاقها. لكن التجارب التي قاما بها لأكثر من مرة ، لم تترك لهما مجال شك، فقد أثبتا أن سرعة الضوء باقية على ما هي عليه، سواء اقترب الشيء المضاد من المرآة أو ابتعد عنها. فهما كرجلي علم كان عليهما أن يقوما بنقض العرف العلمي، لا نتاج نزوة عابرة، و إنما لنقض العرف العلمي لذاته. و هكذا يعلمنا سارتر قبول النقض حينما ينقض الشيء نفسه، و يصبح استمراره عبثاً. و من هنا على العالم أن يكون حر الحركة، هذه الحرية العملية، لما يقتضيه العلم. و هذا العلم له طابع شامل و كلي، فكل إنسان مهما كانت معرفته ضئيلة يمكنه أن يكون عالماً، و استند سارتر في ذلك على تجربة سقراط، الذي عرف منهجه الفكري الفلسفي بالتوليد، فقد دفع سقراط بأحد العبيد ليكتشف البرهان على نظرية من النظريات عبر نقله من جملة لأخرى و استنتاج لآخر، حتى وصل العبد للبرهان الرئيسي. و هنا يضرب سارتر عرض الحائط بفكرة صفوة العلماء، فالعالم هو أخصائي في البحث الذي يستطيع أي إنسان أن يتوصل إليه إذا توفرت له أسباب التخصص. أما نظريات عالم الفن التي تقرر أن بعض المؤلفات التي تتسم بالرقة والحساسية النادرة، ليست موجهة إلا لمن يتميزون بذات المستوى من الرقة والحساسية، و عليه فإن ما يتردد بأن المؤلفين والقراء يمثلون فئة أعلى من غيرهم، فهو قول لا يقنع سارتر و لا يعترف به، و دلل عليه بكتابات "ستاندال" الذي صرح بنفسه بأن مؤلفاته للمختارين، و تحولت بعد ذلك إلى كتب للجيب يقراها الملايين. و من هنا يتحدث سارتر إلى الفنانين و الكتاب، و يقول إن من يتصور نفسه صاحب طبيعة خاصة فهو مخطئ. و بغض النظر عن اتفاق البعض مع مقولات سارتر تلك أو اختلافهم معه، أو محاولة البعض الآخر اكتشاف إلى أي حد كان سارتر متناسقاً أو متنافراً مع مقولاته، فإن سارتر قد بنى على المذكور سابقاً جملته المهمة: " إذا ما أخذ يفكر العالم أن غالبية الناس ليسوا مؤهلين للحكم على الأشياء أو رفضها لأنهم لا يستطيعون إدراكها فهو يمس بحكمه هذا صميم الطابع الكلي الشامل للعقل". و كان من المنطقي أن ينتقل سارتر إلى فكرة العنصرية، فلا يجور للإنسان أن يكون عالماً و عنصرياً في نفس الوقت.
لكن العالم قد يتحول عنصرياً لسبب واحد، و هو العمل على خدمة من يمدونه بالأجر. فعلى العالم أن يرفض العنصرية، أي يرفض فكرة تفاوت المستويات الذهنية بين الأجناس البشرية. و قد طالب سارتر في محاضرته برفض كل أنواع التمييز، كذلك طالب بوحدة الفكر مرة أخرى، تلك التي إن لم تتحقق على مستوى كافة البشر، فعليها أن تتحقق بين العلماء. و يعود بنا سارتر إلى هؤلاء الأطفال اليابانيين، الذين سيخضعون لتربيتين مختلفتين، أحدهما في الطفولة و الأخرى في الشباب أثناء التعليم الجامعي، و يجعلنا نتصور كم التناقضات التي ستفور في الصدور، و الإضرابات التي تتكون في المرحلة الانتقالية، حيث يصبح العالم آلة في يد الطبقة الحاكمة التي صنعته، و ينشأ بينه وبينها صراع أكيد، بل ينشأ الصراع بالأساس بين نصفيه المتلاحمين، ذاك الذي تربى على الخنوع، و الآخر الذي استنشق الحرية مع المعرفة، و يدرك أنه نتاج طبقة متميزة عن باقي الشعب، و يمثل أحد انعكاسات هذه الطبقة، لكن عليه أن يصبح خادماً حراً للعلم لا للطبقة التي صنعته. و بالقياس فعلى العالم في أي مكان أن يرفض عبوديته لمن يدفع له. و في هذا المستوى من الصراع تحديداً يظهر المثقف أو لا يظهر، و هذه المرحلة لدى سارتر يطلق عليها "المرحلة الثقافية"، فعلى العالم أن يختار بين هذا الخنوع الذي تربى عليه، و بين مهنته وهي العلم. أي يختار بين كلاب الحراسة و بين أن يكون مثقفاً. و إذا اختار الثانية فعليه أن يمارس عملاً صعبا في ذاته، حيث عليه أن يرفض العنصرية و الامتيازات، بل و يرفض فكرة إنه إنسان خارق و متميز. و يصف سارتر المثقف في وقته بالمخلوق الغريب، و بناء على مقولات سارتر، فهذا الوصف يتم إطلاقه تجاوزاً. فهذا المخلوق الغريب هو الذي يقف بجانب الطبقة الحاكمة التي كونته، و تنظر إليه الطبقة الكادحة حينها بارتياب ، لأن حالته تجعله مشاركاً لأصحاب السلطة، و يمثل جزءاً من فائض القيمة. لقد استشهد سارتر بعمال بناء السد العالي، حينما سألهم عن سبب فرحتهم في لحظة تغيير مجرى مياه النيل، التي شاهدها في فيلم تسجيلي، فأجابه أحدهم بأن هذه الملايين من الفدادين التي سيتم استصلاحها بالمياه، سيعود أثرها على المجتمع بأسره. و علق سارتر بأن تخطي العامل لذاته لا يحدث في الدول الرأسمالية و لا البرجوازية. لكن الثقافة البرجوازية برأي سارتر تجثم على الصدور. و يستمر سارتر في بيان الارتباط بين العلم و العمل لدى المثقف، و يمكننا أن نستمر في عرض محاضرته و تحليلها إلى نهايتها، لكن التساؤل الذي يفرض نفسه هو، هل تجاوزنا في بلادنا تلك المرحلة الثقافية التي أشار إليها سارتر في محاضرة ألقاها وسط مجتمع مصر الذي وصفه بالثوري منذ حوالي أربعين عاماً، مما يؤهلنا لتتبع العلاقة لدى المثقف بين العلم و العمل؟ و أي مسمى يمكننا أن نطلقه على المرحلة التي يعيش فيها اليوم كل من المثقف الحقيقي، و المثقف الذي تطلق عليه هذه الصفة تجاوزاً، بل المرحلة التي يعيش فيها المجتمع بأسره؟ ربما تكون هذه الأسئلة هي الأجدر بالطرح حين نستعيد سارتر في مئويته، و معه نستعيد تلك المحاضرة التي ألقيت في قلب القاهرة...في جامعتها.

 

   المثقف ومحنة الواقع الراهن!

في ايام المحن وظروف الوضع الراهن وقسوته المطلقة يمر المثقف بمحن وازمات لأنه يجاهد ويصارع حلبة اقوى منه لذا فهو لايقوى على البوح حول هذا او ذاك لانه يرى صورا وفجائع تحبس الانفاس، لان الواقع الذي نعيشه يبدو اكثر خرافة وغرابة وميلودراما وسط هذا المشهد المنكوب فهو اشبه بأشلاء متناثرة وهو فضاء عارٍ من القهر والاذلال والاستلاب وسط ضجيج متصاعد بفم مفتوح فما الذي يستطيعه المثقف في خضم هذا البحر المتلاطم من المصائب والاشكالات التراجيدية التي تحدث كل يوم وهي تضعه بين فكي الرحى، هل يلتقط او يتحسس حدثا ما او مشهدا هنا وهناك حيث يعيش العزلة والاقصاء والتهميش ام يخضع للمعادلات الربحية في كيفية من يربح ليصنع بين هذا الطرف او ذاك او يتحول الى سمسار؟ لقد اصبحنا على امتداد الرقعة الجغرافية العربية موضوعا تتناوله وتتجاذبه قرارات النسبة بـ(احكام قرقوش) تحدد مصيرنا وترسم مسار حياتنا ونحن داخل (قمقم المارد) ولا احد يسمعنا فهناك الكثير من الصور التي توجع القلب وترهق النفوس والتهذيب الاكباد تجعلنا نعيش في حالة من الانسجام بين دواخل المشكلة التي تتوالد خارج اجسادنا وارواحنا كي نعيد لها الالق، هذه الصور من المشهد الثقافي العربي الذي يحتوي على عناصر من الانتباه وفتح صوامع وابراج عاجية واسعة للكلام والمنطق والرؤى الذاتية. هل يستطيع المارد الثقافي ان يخرج من قمقمه ليكشف هذا الواقع الممزق الاشلاء؟ هل يتنظر مصباحا اخر لعلاء الدين ليحطم هذا المارد اسوار سجنه ويركب سفينة الوجود مبحرا مثل كلكامش ينشد الخلود؟
ماذا يستطيع كل هذا المتراكم من الكلام ان يفعل وسط اتون النيران والاحزان؟
واخيرا لابد من ان يلقي مرصد في كل الاتجاهات ويعيد اكتشاف الراهن والمهمل في الدروب والفضاءات ويطلق صرخته المدوية من اجل ان يكتب الحاضر بعين الفاحص الراصد او يتنبأ بمستقبل يطمح اليه وما بين الامل والتمني رحلة محفوفة بالاخطاء وابتسامة مراوغة من (السيد) ليخدع الاخرين (بحسن نواياه الشريرة) واظن هذا ما سيفعله المثقف ولو بعد حين..!

 

 

   ليلة فيها قمر   

هو ذا قمرٌ يُسكِرُ نجم الليلِ
ويُعطي لليّلِ مصابيحَ بيضاً
والليل.. ما انفكَ يلمُ بقيةَ اثواب السترِ
كان النهر قريباً يعكسُ اصداءً حُزنٍ
ويعطي لليل شواطيء للخلوه
تساقطت الاوراق
والريحُ تلهو مع النهر
وتضطر.. مع الليل.. مع الموج
ِِ تكن ضوءاً وشِراعْ
فتدنو وتسأل روحك
أبين الماء والضوء مساحة
أيروض الصبح حتى يكن ليلا؟!!
اتدنو ولاتبدو قريبا؟!!
هذي مسلة الحزن بين الثلج والشمس
وهذي مشقة المُبلى بين التهريج والهمسْ
* * *
هُنيهه!! لاشيء البته
حبيبتي ساكنةٌ وانا هنا
ايتها المدينة
غارقٌ في الصمتِ.. من موتي
وعرفت بأني عاشق حدَّ الوله
* * *
وانا أسيرُ زوبعة من العشق.. والخوفِ
صحوت.. واكشتفتُ جرحي
بضعُ اوراقٍ.. مبللةً من مياهِ جسمي
وملطخة باشياءِ مُذلّة
* * *
صحوتُ وكانت خيوط العناكب
قد طرّزت أجفان عيني
ايتها المدينة.. حبيبتي ببغداد ساكنةٌ
أصافحُ الماء وارى.. اراها
كلما جاء حُزني
وابتعدتُ....
أراها وهي تسألني عن طريقي وعنها
أراها .. جميلة كبغداد
لكنها كبغداد!! قررتْ تركي
غير اني
لكن الذي غيّرني.. هو غيري

 

 

   إشكاليات الحداثة والمشروع الثقافي الحداثي العـــــــــــــربي   

تعنى هذه الورقة بإشكالية الحداثة في الفلك الثقافي (1) وتحديدا في ما يتعلق بخطاب الثقافة العربية الذي يفترض تمثيل الحداثة، ويحاول ان يؤسس نظريا وإبداعيا لمفاهيمها وقيمها، ويطرح رؤية يعدها مغايرة أو (حداثوية ) بلغة فنية تتجاوز، ان لم نقل تتقاطع مع الأساليب التي سادت طويلا. وهذه الورقة تكتفي بطرح الأسئلة ولا تدعي أنها تقدم حلولا أو إجابات أو مقترحات.. وأذا لم يكن بالمستطاع فصل الفلك الثقافي عن باقي الأفلاك (الاجتماعي و السياسي و غيرها) فان أسئلة كثيرة هاهنا، ستطول الحافات، وأحيانا أعماق الأفلاك الأخرى.
(1)
الأسئلة هي نقاط ٍٍدلالة.. هي مشارط تشريح.. هي عوامل خلخلة، واعادة تنظيم، واعادة بناء.. والحداثة تبدأ مع طرح الأسئلة وتبقى محافظة على حيويتها بذلك. ان إنتاج السؤال يعني نسف المقولب والراسخ والأكيد ليعيد كل شيء إنتاج ذاته من جديد، أو يعاد إنتاجه من قبل الوعي من جديد، فالحداثة تشتغل في مصنع الأسئلة.. السؤال هو محركها و شرط وجودها.. فالحداثة هي حداثة السؤال.. جرأة السؤال.. مديات السؤال. وكل ثقافة تكف عن طرح الأسئلة على نفسها و على الآخر، تموت. ثمة أسئلة تحرِّض..ثمة أسئلة تشكك.. ثمة أسئلة تراوغ..ثمة أسئلة تشاكس.. ثمة أسئلة تدين.. ثمة أسئلة تحفز أسئلة أخرى.. ثمة أسئلة تتضمن إجاباتها في ما وراء بنيتها السطحية.. ثمة منظومة من أسئلة تعزز منظومة من مفاهيم و أفكار و علاقات.. أقصد/ نظرية. السؤال هو وسيلة إنتاج المشروع الفكري والحضاري، و منجزات الحضارة ما هي الا إجابات كبرى عن أسئلة العقل و التاريخ. و الحضارات تراجعت يوم توقفت عن طرح الأسئلة، أو راحت تقمع الأسئلة أو تموهها أو تتجاهلها، فمع قمع السؤال يكبح التطور ويشوه ويضلل.وتاريخ العبودية هو تاريخ قمع الأسئلة. أن الخوف من الأسئلة يعلن عن هشاشة الموقف و ركود الذهن و ضعف الثقة بالنفس. والسؤال دال على شخصية العقل وحيويته ومدياته و غاياته و حريته و عمقه. ولا يمكن لشبكة متوالدة من الأسئلة أن تكون خاطئة … ان المسار الحر للأسئلة تصحح نفسها بنفسها، والوصول الى الإجابة / الحقيقة لا يحصل الا بعد اجتياز وعورة الأسئلة. ينفتح الخطاب على الخطابات الأخرى ( السابقة و المجاورة و اللاحقة ) بالأسئلة.. الأسئلة المكشوفة.. الأسئلة السرية.. الأسئلة التي قيلت، والأسئلة التي تم السكوت عنها. والخطاب الذي يعرض نفسه للقراءة يفجر إمكانات الأسئلة. الخطاب الملغوم بالأسئلة لايمكن ابداً أن يكون خطاب تواطؤ.
(2)
سؤال الحداثة بدءاً هو سؤال الحرية، ولذا فهو مفتاح أفق آخر.. انه قد لا ينطلق من افتراض وجود حساسية مغايرة و فكرة مختلفة، وانما يقصد ايجاد مثل هذه الحساسية، وطرح مثل هذا الفكر، فهو يتحسس شروط الولادة الناضجة، أو الممكن إنضاجها – ويقوم بدور القابلة.. فهو إذاً سؤال المستقبل أيضا. تبدأ الحداثة مع الوعي النقدي.. أي مع القدرة على صياغة السؤال، والجرأة في طرحه، والسؤال في هذه الحال، يكون شيئا حيا، نافذا، وفاعلا، له قابلية التوليد الذاتي و الإخصاب، و يعمل كمعيار، وكمراقب. والآن عن أية حداثة نتكلم؟ عن حداثة الموضة أم الإزاحة الكبيرة أم الهزة العنيفة المدمرة التي تترك العالم أنقاضا و تتطلب البديل؟ (2) هل الحداثة بديل؟ أم هي تعويض عن غياب البديل ولماذا البديل أصلا؟ هل الحداثة نزوع الى التمرد؟ التمرد على أي الأشياء؟ على الموروث أم على الراهن أم على كليهما معا؟ هل الحداثة مقولة الحرية، ام هي نتاج سلطة الضرورة؟ هل هي شروع واع محدد الوسائل والممكنات مع وضوح الغاية، أم هي الدخول في حقل الاحتمالات مع ما يخبأه هذا الحقل من الغام ومتاهات ومفاجآت وأباطيل و وعود و رهانات ؟ ماذا نفهم من الحداثة؟ أهي حداثة الآخر؟ سلطة ثقافته المتغلغلة بين تلافيف فكرنا؟ أم هي حداثتنا المعلّمة بعد استيعاب حداثة الآخر؟ أين يحدث الاتصال ولماذا و كيف و متى؟و أين يحدث الانفصال؟ و لماذا وكيف و متى؟ و في عالم متشابك متخم بالتناقضات و ا لصراعات كيف يمكن ان نواجه الذات من دون أن نسأل عن الآخر؟ كيف يمكن أن نتعرف على الذات من غير ان نتعرف على الآخر؟ هل استطعنا أن نحدد عتبة تحولنا نحو النهضة / الحداثة مع تأشير الترسيمة المعرفية الجديدة التي تختلف عن أو تعاكس او تتجاوز الترسيمة المعرفية القديمة؟ وقبل ذلك أين يمكننا أن نؤشر عتبة الحداثة الغربية؟ عند عصر النهضة بعد القرون الوسطى أم مع الإصلاح الديني في القرن السادس عشر أم مع عصر الأنوار في القرنين السابع عشر والثامن عشر أم مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر أم مع عصر الصدمة التي أصابت العقل والضمير الغربيين في الحرب الكونية الأولى في العقد الثاني من القرن الماضي؟ لنتساءل بالمقابل، اين يمكن تأشير عتبة حداثتنا؟ أ مع دخول نابليون مصر أواخر القرن الثامن عشر، ام مع عهد محمد علي باشا الذي حكم مصر في العقود الأولى من القرن التاسع عشر ,ام مع عودة رواد الفكر الأوائل الذين درسوا في الغرب في القرن التاسع عشر. ام مع صدمة الاستعمار في العقود الأولى من القرن العشرين أم مع عهد الاستقلال الذي بقي مبتورا في أغلب بلداننا العربية بعد الحرب العالمية الثانية؟
(3)
هل الحداثة نظرية / أيديولوجيا/ نسق فكري منظم؟ ام هي منهج ( او مجموعة مناهج ) فكري وحضاري و جملة شروط موضوعية تفرض نمطاً مغايراً من الإنتاج الثقافي / المعرفي وتتطلب أشكالا مؤسساتية منظمة علميا وتقنيا بإدارة كفوءة فعالة وآليات عمل متكاملة دينامية. وجغرافية علاقات فنية وإنتاجية و اجتماعية متوافقة مع روح العصر، والمستقبل؟ أين تبدأ ثورة الحداثة؟ في المجتمع والاقتصاد وتفاعلاتهما وتحولاتهما وانعكاساتهما، أم في الثقافة؟ وفي الثقافة أين تبدأ؟ في الخطاب الشعري والسردي ام في الخطاب المعرفي / الفلسفي؟ أم في حقل اللغة؟ في تحرير اللغة وتفجيرها وزعزعة قوالبها البلاغية العتيقة؟ أ هنا تبدأ الحداثة أم في الرؤى ولأفكار؟ أم في هذه الأشياء كلها في آن معا؟ أهي حداثة لغة الأدب وتقنيات الفن ومناهج الفلسفة والعلم، أم هي تحديث للعقلية اولا ومواجهة التابوات / المحظورات والمؤسسات التي تنتمي لأنماط متخلفة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية؟ ألا تحتاج هذه الحداثة الى المؤسسة الضد التي ينبغي أن تواجه المؤسسات العريقة السائدة؟ هل الحداثة خيار فكري أم خيار سياسي؟ و ان كان خيارا سياسيا هل هي خيار انتلجنسيا الحداثة أم خيار مؤسسة ما، أم هي خيار الآخر / الٌمصِّدر لحداثة العصر / الغرب؟
(4)
من غير نضج الشروط الاجتماعية – التاريخية، ومن غير التطور الملائم لقوى الإنتاج التي تنهض بمشروع الحداثة، ومن غير صعود القوى الاجتماعية التي تتبنى تاريخيا هذا المشروع هل يمكن التحدث عن ثقافة حداثية. أو بصيغة أخرى، هل بإمكان الحداثة الثقافية أن تسبق الحداثة الاجتماعية والمؤسساتية والاقتصادية؟ الىأي مدى يفرض إطارنا التاريخي الراهن مسألة الحداثة وكيف يؤشر أبعادها ويمهد أرضيتها ويفرض شكلها؟ هل نبغي حداثة انقطاع مع الواقع /المرجع ومع الوجود /التاريخ ام بمقدورنا ان نخلق تمفصلا حيويا معهما؟ هل ننسف مع الحداثة موروثنا العميق والعريض كله؟ هل نحرق باسمها آلاف المخطوطات، ونحطم عشرات الاف اللقى الاثرية وندفع الى بحر الظلمات جهود أسلافنا في حقول المعرفة والفن والعلم الأبداع. ألا يعني هذا موتنا الحضاري والثقافي؟ ما المطلوب حقا؟ اعادة قراءة لتراثنا ام قراءة مستمرة لنتاج فكر الغرب و مواكبته؟ ام قراءتهما معا بإيجاد طريقة أو طرق اخرى اكثر حيوية وجدوى في عملية القراءة؟ الم نغامر بدءاً بولوج منطقة الحداثة تحت تأثير قراءتنا لمنتجات ا لحداثة الغربية؟ هل قرأنا نتاجات الحداثة حقا؟ أي هل مارسنا فعل قراءة عميقة لهذه النتاجات؟هل كانت قراءتنا علمية ودقيقة وفعالة؟ هل فهمنا و تمثلنا وتفاعلنا مع هذه النتاجات؟ وما أنتجناه نحن تحت هذه اليافطة العتيدة المسماة بالحداثة هل أفرز مميزات خاصة بنا؟ هل حدد اتجاها؟ هل بنى ما هو مختلف و متجاوز و مؤثر؟أو على الأقل هل هيأ أرضية خصبة مولدة و منتجة لما هو مختلف و متجاوز ومؤثر؟ أبا مكاننا بعد القراءة أن يكون لنا تمثيلنا الخاص بنا لمجمل الحداثة الغربية استيعابا واعادة انتاج و معرفة.. أي إعادة انتاج الغرب من خلال المعرفة وتجسيده اخراً في مشروع حداثي عربي / ند ومقابل؟ ا أيمكن ان نبدع تمثيلنا الخاص للغرب في مشروع ثقافي خاص مع تمثيلنا لأنفسنا؟اولسنا حتى هذه اللحظة ننتج معرفتنا بأنفسنا تحت تأثير وسطوة و سيطرة وسلطة معرفة الغرب بنا؟ هل الحداثة مشكلة نص أدبي وكاتب يحاول إبداع هذا النص - والقول يشمل أشكال الفنون كلها-ام هي أطروحة تاريخ، ومشروع حياة ومقترح حضارة؟ هل بالمستطاع إكساب الحداثة معنى شفافاً وحقيقياً و منسجماً مع سياقنا التاريخي /الحضاري، وشروط ومعطيات وضعنا في العالم المعاصر؟
(5)
اذا لم يكن بإمكان الحداثة ولا برغبتها استعارة المعايير التي تسترشد بها من عصر آخر لأنها ملزمة باستخراج معياريتها من ذاتها.. بحسب ها برماس الذي يتحدث بطبيعة الحال عن الحداثة الغربية و يستلهم هيجل الذي معه كان على الحداثة، عبر النقد الذاتي ان تجد ضماناتها الخاصة 3 . فان من حقنا أن نتساءل في ما إذا كانت حداثتنا قد أفرزت واستخرجت وحددت معاييرها من ذاتها و كونت آليات النقد الذاتي التي تمنحها الضمانة والقوة والمشروعية التاريخية؟ أ نبقى نستقبل منتجات حداثة الآخر من غير معايير نمتلكها أم علينا امتلاك معاييرنا لنستوعب الحداثة الهابة باتجاهنا؟ حسنا أية معايير؟ من أين نأتي بها؟ أمن الماضي؟ أ أتصمد معايير ماضينا أمام العاصفة؟ أ نشكل معاييرنا في الحاضر؟كيف؟ أنتمثل روح الماضي وضرورات الحاضر؟وماذا بشأن المستقبل؟وعالم اليوم معني بالمستقبل اكثر من أي وقت مضى مذ وجد الإنسان على ظهر الكوكب.. هل سيقدم لنا المستقبل العون؟ ولكن أنعرف شيئا عن مستقبلنا.. هل باستطاعتنا استقراؤه و تحديد احتمالاته واتجاهاته؟ أين تكمن أزمة حداثتنا الثقافية؟ أ في عسر إنتاج النص / الخطاب الذي يسبغ القوة والضمانة والمشروعية على الثقافة، ام في تصلب و إخفاق المؤسسات المتبنية لمشروع الحداثة – افتراضا- أم في عدم تهيؤ الشروط الاجتماعية – التاريخية الممهدة لانتاج النص – الخطاب الحداثي؟ أليس المعقول هو ان النص الحداثي لا ينتجه الا عقل حداثي وشخصية حداثية، وفي سياقه المعرفي الثقافي والتاريخي الملائم و الصحيح؟ بحيث لا تكون الحداثة نسيانا لما مضى وتنكرا للتاريخ.. لأنها، ببساطة نتاج تاريخ، على الرغم من ان النص الحداثي هو بالضرورة وليد ترسيمة معرفية جديدة أي انه لا ينمو الا على عتبة مغايرة؟ وإذا كان من المؤكد ان انقطاعنا عن الماضي لن يدخلنا جنة الحداثة وانما يسلمنا للتيه، فكيف يمكن مع ترسيمة معرفية جديدة إدامة صلتنا مع شخصيتنا الحضارية؟ بالمقابل هل يمكننا التحدث عن حداثة خاصة بنا مقطوعة عن مرجعيتها الغربية؟ إنها لمفارقة تاريخية معقدة ان ندخل عصر الحداثة ونحاول انتاج خطاب ثقافي حداثي في الوقت الذي نجد أنفسنا مرغمين في حالة صراع حضاري مع منتج هذه الحداثة.. أقصد الغرب الرأسمالي. ثم هل بالمستطاع استيراد تكنولوجيا الحداثة ومنجزاتها المادية، و تجنب التحولات التي يمكن ان تطرأ على بنى المجتمع وسلاسل قيمه ومؤسساته وعقليات أفراده؟ وإذا كانت هذه التحولات أمرا محتما فكيف يتأتى لنا التحكم بهذه التحولات لجعلها في المسار الإيجابي الصحيح؟ وكيف يمكن درء مخاطر الغزو الثقافي والإصابة بالتشوهات التي يمكن لمثل هذا الغزو ان يحدثها في الوقت الذي علينا فيه أن نخوض عملية مثاقفة من خلال تفاعل ثقافي يجعلنا نتمثل خطاب الغرب الثقافي الحديث ونتجاوزه؟ و عندما نعتقد ان الحداثة محض صرعة فإننا سنبقى منقادين انقيادا سطحيا لكل ما ينتجه الغرب ويسوّقه لنا باسم ((الحداثة )) او نعتقد نحن، واهمين، بان هذا هو ((الحداثة )) بعينها. ما كانت الحداثة ترفا خارجيا يجوز الاستغناء عته، وليست هي قطعا وصفة دوائية تحقن حسب استشارة خبير ما، في الجسد الاجتماعي والثقافي. بل هي فاعلية ذاتية، مع الذات و في الذات، وبالتفاعل المحسوب مع الآخر حين نبتكر أسئلتنا الخاصة ونعرف اين يبدأ سؤالنا وكيف يشتغل ويتوالد ويتداخل مع أسئلة الآخر وبأية أوالية، وبأي منطق ، ولأية غاية؟ عندها لا تكون الحداثة تقليداً أعمى ولا استسلاماً وانقياداً، ولا انبهاراً خدّاعاً بل خياراً واعيا، ورهانا على ممكنات الذات والحياة والتاريخ والمستقبل.

 

 

   مواقف   

بقلم أنيس منصور
‏*‏ الذي يقول لك‏:‏ إنه ولد متزوجا صدقه‏..‏ فهو ككل الأزواج لا يعرف بالضبط ماذا أصابه‏!‏
‏*‏ الحب يفضي إلي الزواج‏...‏ والزواج يفضي إلى الحب‏:‏ ليس صحيحا‏!‏
‏*‏ لابد من الشهود حتي لا يتراجع العريس في آخر لحظة‏!.‏
إذا كانت المرأة جميلة جدا أو دميمة جدا‏..‏ حدثها عن ذكائها‏!‏‏*
‏*‏ أكبر غلطة‏:‏ أن تصدق أن الذي يهمك يهم الناس أيضا‏!‏
‏*‏ لو كان الأمر بيدي لفرضت الإجازة على كل من يؤدي عملا مهما‏!‏
‏*‏الاستغراق في العمل ينقذك من أربع مشاكل‏:‏ الملل والرذيلة والفقر‏..‏ والحب‏!‏
‏*‏ تظل طول عمرك تدفع قسطا لشقة سوف تفوز بها في النهاية ولكن لن تجد احدا يعيش فيها‏!‏
‏*‏ لابديل عن حبك لنفسك‏!‏
‏*‏ لا أنت كامل الأوصاف ولاهي‏,‏ وعليك ان ترضى بما هي فيه‏,‏ لكي ترضي هي بما أنت فيه‏!‏
‏*‏ حقيقة مؤلمة‏:‏ المرأة مهمة جدا للرجل‏,‏ ولكنه ليس مهما بهذه الدرجة‏!‏
‏*‏ انها غلطة الزوجة‏:‏ فهي التي تبالغ في صفاته‏:‏ قوته وشهامته وذكائه حتي يصدق كل ذلك‏,‏ ويبحث عن غيرها‏!‏
‏*‏ المرأة لن تعرف إلى أي حد يكرهها الرجل حتى تتزوجه‏!‏
‏*‏ المرأة تحب الرجل التافه الظريف‏,‏ والرجال يحاولون إرضاءها‏!‏
‏*‏ لا المرأة الجميلة جدا ولا ست البيت يمكن الحياة معها‏!‏
‏*‏ المرأة خيالها سريع‏...‏ فهي تقفز من الحب إلي الزواج إلي الأمومة في ثانية واحدة‏..‏ ثم من هذا الرجل إلي الذي وراءه‏!‏
‏*‏ طبيعتها‏:‏ تحبك عندما لاتحبها‏,‏ لاتحبك عندما تحبها‏!‏
‏*‏ ليس أقسي من المرأة علي الرجل‏,‏ الا المرأة على المرأة‏!‏
‏*‏ حتى في عالم الحيوان فالانثى هي الأكثر شراسة‏!‏
‏*‏ عقل المرأة عمره سنة وقلبها سنتان وغريزتها‏:‏ ألف سنة‏!‏
‏*‏ أرني رجلا واحدا تزوج بكامل قواه العقلية‏!‏
‏*‏ الحب يكتمل بالزواج والزواج يكتمل بالأولاد‏..‏ والأولاد هم العقوبة التي تستحقها‏!‏
‏*‏ الحب كالحرب‏:‏ تشتعل نتيجة غلطة في الحساب‏!‏
‏*‏ إذا كان الزواج بالفلوس فالطلاق ايضا‏!‏
‏*‏ كل الزيجات التي نجحت قامت علي الحب‏...‏ والتي فشلت كذلك‏!‏
‏*‏ في زمن الحب يسكت العقل‏,‏ في زمن الزواج يخرس الحب‏!‏

 

 

   بثينة العيسى في روايتها الأولى سُعار  

طالب الرفاعي

قليلة هي الأعمال التي تأخذ القارئ لعوالمها مع سطرها الأول، وأقل منها الكتابات الروائية الأولى التي تأتي ناضجة فنياً، وهكذا تبدو كلمة رواية أولى حيلة ماكرة من كاتبها. وربما أخذ الأمر بعداً مختلفاً حين يكون النص لصوت نسائي."سُعار الرواية المطبوعة الأولى للكاتبة الكويتية الشابة بثينة العيسى، صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بـ(240) صفحة من القطع المتوسط.الرواية منذ مشهدها الأول تشي بكاتبة واعية تماماً للعبة الكتابة الروائية، وواعية من جهة أخرى لبناء شخوصها وحضور أمكنتها،
وهي من جهة ثالثة لها علاقة لافتة بمفردتها وجملتها وبالتالي لغتها، ولها، إلى جانب هذا كله، جرأتها الواضحة في تبني وجهات نظر خاصة حيال قضايا اجتماعية وسياسية كويتية، تبدو مخالفة لوجهات النظر السائدة.الرواية، كجنس أدبي، تقدم واقعها الفني القائم بذاته، والخاص بها. واقع منفصل بالضرورة عن واقع الحياة. واقع فني متخيل، يلزم النظر إليه ومحاكاته ونقده من داخله وبأدواته الفنية. واقع موازٍ لواقع الحياة، لكنه سابقه على الدوام، كونه يخضع لقوانين الفن المتجددة والرحيمة، بينما يحتكم الواقع الإنساني المعيشي لقوانين المجتمع القاسية والجامدة أحياناً.. رواية " سُعار " مكونة من جزئين، الأول بعنوان " الهامش "، والثاني " المتن "، وإذا كان العنوانان يحملان في الظاهر دلالة لغوية شكلانية، فإنهما يحملان دلالة أكبر فيما يخص أحداث الرواية. تبدأ الرواية بمشهد انتظار مشعل لحبيبته سعاد، في المقهى الذي حددته هي. ليكتشف القارئ أن هذا اللقاء إنما يأتي على خلفية علاقة مأزومة امتدت خمس سنوات بين سعاد ومشعل، أبن ابن عم أبيها، خمس سنوات كانت سعاد خلالها المحرك الوحيد لهذه العلاقة، منذ لحظة اللقاء الأول، في منتجع مدينة " مونتانا " السويسرية، أثناء عطلة العائلة الصيفية، وحتى لحظة اللقاء الماثل. لقد أستطاعت بثينة العيسى أن تشيّد عالم روايتها الخاص باقتدار، وأن ترسم البيئة الاجتماعية لأبطال روايتها، بملامحهم الشخصية وبمحليتهم، وأن تجعل من الحدث السياسي العالمي والعربي: أحداث 11 سبتمبر، ومهاجمة القوات الدولية للنظام العراقي، استطاعت أن تجعل منهما، بشكل غير مباشر، خلفية حاضرة وفاعلة لأحداث روايتها. وبما ينتقل بالرواية من مستواها الخاص والضيق المرتبط بحكاية أبطالها، إلى المستوى العام، الذي يمس المجتمع الكويتي.رواية " سُعار " تقدم نفسها عبر خطوط متوازية، وعلى القارئ أن يلتقط المعلومات المتناثرة، ليبني منها عالم الرواية. فهناك خط طفولة سعاد، الذي يأتي موزعاً بين فصول الرواية، وهناك علاقة سعاد بوالدها، وعلاقتها بجدتها بعد موت والدتها. وهناك علاقتها بمشعل، التي تحتل الجزء الأول بأكمله، وتبدو للوهلة الأولى وكأنها الحكاية الرئيسية للرواية، حيث لقاؤها به في المنتجع الصيفي، ومن ثم استمرار علاقتهما بعد عودتهما إلى الكويت، وخلال تواجده في الولايات المتحدة للدراسة، ورجوعه إلى الكويت، ودخوله جامعة الكويت ليكون بقرب حبيبته. مع بدء الجزء الثاني من الرواية يتضح أن الجزء الأول المعنون بالهامش، يحمل معناه الأعمق، وأنه لا يعدو أن يكون هامشاً على مستوى الحكاية، حيث أن الحب الحقيقي في حياة سعاد لم يكن " مشعل "، ولم يكن شعلان شقيقه، كما تحاول الراوية أن توهم القارئ في أكثر من مشهد، إنما هو رجل آخر، صديق والد سعاد. رجل في عمر والدها، مثقف وقارئ نهم ومتحدث لبق، وهنا تتضح عقدة الرواية، ويبدأ رتمها بالتصاعد، وتُحل أحاجيها الواحدة بعد الأخرى. سعاد ما كانت يوماً طفلة بمسلك الأطفال ولعبهم، كانت تعشق الصمت والوحدة، وهكذا انساقت وراء هاجس شيطاني قادها إلى الاختباء في خزانة ديوانية الرجال: " كنت أختبئ في الدولاب الخشبي الكبير، عندما يحضر أصدقاء أبي إلى الديوانية، لأكتب، بسرعة خارقة، كل ما يتفوهون به من ترهات وزيف وبذاءات وهرطقة ولحظات ضعف نادرة، كان لكل منهم صفحة عندي.. لكل منهم ملف، فيه حقائق عن حياته الاجتماعية والجنسية والمالية، وأشياء قالها، كان عندي وثائق عن حوارات غبية وطويلة، وأخرى فاضحة وطافحة بأشد الأسرار خصوصية ".وقعت مذكرات الصغيرة في يد الأم، فاكتشفت خيانة زوجها لها، ونشب خلاف بينهما أدى بعد شهر إلى موت الأم، ليتزوج الأب بعد فترة عشيقته، وتنتقل سعاد للعيش في بيت جدتها،. تقضي هناك خمس سنوات، قبل أن تعود إلى بيت أبيها وزوجته بعد موت الجدة.عن طريق الصدفة عثر صديق الوالد على مكان الصبية سعاد في الدولاب، فتواطأ معها ولم يفضح سرها، وهكذا صار يقص حكاياته ومغامراته بتلذذ بينما تتصبب سعاد عرقاً مستمتعة ومسجلة بقلمها كل ما يتفوه به:
" كان بوسعك أن تمضي نصف ساعة في وصف جغرافيا شامة امرأة، أو تتحدث عن ليلة حمراء في تايلاند ( تبا لك بالمناسبة )، وأشياء تتعمد إثارتها.. كنت تحفظ شعراً غريباً، يبدو كما لو أنه بلا بداية ولا نهاية ولكنه يحمل الحقيقة في قلبه. يسميك الجميع " مثقفاً " وتسميك الصحف " زنديقاً " وتلعن من فوق المنابر كالشياطين، تتصرف كملك بلا حاشية ولك لسان حامض وجيوب فارغة وقامة فارعة في الاقتراض ومحل زهور فاشل، مدمن خمور وقراءة ومصاب بعقدة اللا، عندما تتحدث ينصت الجميع ".لفت لسان الرجل الساحر بقصصه ومغامراته النسائية اهتمام الفتاة في تفتحها على الدنيا، وشيئاً فشيئاً تسرب إلى قلبها حبه، بينما استحوذت هي على اهتمامه. ولقد ولجت العلاقة مدخلاً جديداً حين ترجم اهتمامه لروايات وكتب صار يمدّ الصغيرة بها، ليشكل ذائقتها في القراءة، وليزيد من تعلقها به.حين وقعت في يد الرجل نسخة من مذكرات الصغيرة، أعجب بها، ولذه قراءتها، ودغدغه ما خطت الصغيرة عنه، لذا أخذ يماطل في ردها، بينما الصغيرة تستميت في استردادها. ولقد ولّد ذلك علاقة هاتفية بين الرجل وفتاته. حاول في البدء أن يظهر بمظهر المعلم، وأنها مشروعه الثقافي والإبداعي الأهم، وأنه يؤمن بقدرتها على أن تكون كاتبة مميزة. لكن العلاقة أخذت تسير بهما إلى شوق ولهفة عبر عنهما الرجل بطلب لقاء الفتاة، ولأنها تعرف عنه وعن مغامراته النسائية الكثير، ولأنها تخاف غدره بها، فلقد رفضت لقاءه، ليستميت هو في إقناعها بشتى الحيل، دون فائدة. حين ألحّ هو على مقابلتها، وافقت على مقابلته في محل الزهور الذي يمتلكه، لكن وبتكرر اللقاءات، تملكها الهاجس: " العلاقة تكبر، كشيء خارج السيطرة، كالأورام الخبيثة، كان ثمة افتعال قاس وموجع، افتعال ( الطهرانية ) الدور الذي لا يناسبك.. مضت أشهر، مرت كالاحتراق البطيء في جوفك، أردتني بقوة ! وكان هذا يؤلمك في أشد لحظاتنا حميمية، تتمزق وتكابر.. كل ما أعرفه أنني أحببتك أكثر مما أريد، وبتّ أضيق ذرعاً بانفلاتك المراهق نحو جغرافيا العربدة في بانكوك، قررت بأنني أعرف بأنني أحبك وأن عليك أن تكف عن كل هذا، أن تجيئني بالصيغة التي أريد، حيث لا يعود بوسعك أن تكون خائناً ".
ولكي تضع سعاد حداً لعلاقتها بالرجل صارحته بعرضها:
" تزوجني ! ".
" يا عيوني لا أنا ولا إنتي ويه زواج ! ".
" تكلم عن نفسك ".
" أصلاً هذا مفهوم متخلف، زواج ! ورقة رسمية تربط بين امراة ورجل خلتهم زوجين شرعيين.. أنا ما أصدق إنك ليلحين تفكرين بهاالطريقة ! ".
" شسوي بعمري ؟ متخلفة ! ".
قلتها وأنا أبتسم مستخفة بحداثتك التافهة، وبدا وكأنك بلغت طريقاً مسدوداً، لأنني أقفلت السماعة على الفور.
جنَّ جنون الرجل بصد فتاته وظل مصراً على قنصها. وحين وافقت على زياراته في محل الزهور، اقترح عليها أن يجلسان لوحدهما في مخزن المحل، وهناك سقاها القهوة المفخخة بالمخدر، وما لبث أن حاول اغتصابها، ودخلا في عراك وحشي، استطاعت أن تنجو بنفسها منه، لتعود إلى بيت أبيها منهارة بانكسارها وأوجاعها وخيبتها الكبيرة. وهنا ينهض تفكيرها بمشعل كنوع من التعويض. شعورها بالفراغ رمى بها ناحية الشاب الذي يماثلها سناً، والذي سبق أن تعرفته في منتجع مونتانا، وظل يطاردها لخمس سنوات.. شاب على النقيض من صديقها الرجل الداعر، شاب لا شيء يثيرها فيه، سوى كونه " بدا دائماً متصالحاً مع المألوف ". قدمت الرواية نماذج مختلفة لأبطالها الكويتيين: فخلافاً لسعاد، فإن الرواية قدمت مشعل، وشعلان، والأب، والجدة، وصديق الأب حبيب سعاد، قدمتهم كنماذج بشرية حية، لكل منهم ملمحه وصوته الخاص. ولقد جاءت الرواية بصيغة ضمير المتكلم، على لسان سعاد، الراوي الكلي، العليم بكل شيء، وربما كان هذا إلى جانب الحوار باللهجة الكويتية هما المآخذان الأساسيان على الرواية. فأنا أظن أن الراوي الكلي ربما أصبح شيئاً من مخلفات رواية القرن التاسع عشر، أو في أفضل الحالات، رواية النصف الأول من القرن العشرين، وأن تقنيات السرد الروائي العالمي والعربي قد وجدت أشكالاً كثيرة، تناسب رتم وطبيعة العصر الذي نحيا، وتقدم الرواية بثوب عصري، خاصة وأن الشابة بثينة العيسى، نثرت ضمن عالمها الروائي إشارات كثيرة تدل على اندماج أبطالها بالعصرنة وعصر شبكة الإنترنت. كما تجدر الإشارة هنا إلى أن لغة المؤلفة تتصف بالشعرية الواضحة، وأنها جاءت متدفقة ومتفجرة بدلالاتها، مع استخدامات جديدة لوضع الكلمة في الجملة. وبذلك لم يكن من داعٍ لاستخدام اللهجة العامية الكويتية، التي ربما تسبب إرباكاً للقارئ العربي، دون أن تقدم إضافة تُذكر للرواية.استخدمت المؤلفة الحدث السياسي العالمي والعربي خلفية لأحداث روايتها، وكانت موفقة في الحفاظ على موضوعيتها، كونها رصدت التأثيرات غير المباشرة على أبطالها جراء الأحداث الدائرة، وكان لافتاً تزامن مشهد انتهاء علاقتها بحبيبها بسقوط النظام الصدامي، مما يقدم دلالة غير مباشرة لسقوط نموذج المثقف العربي المدعي، والمتسلح بالحكي والخمر والمغامرات النسائية.في تقديمها للرواية، تقول الشاعرة سعدية مفرح: " سُعار نص روائي لا يريد أن يكتمل، لأنه نص مفتوح على أسئلة تدور في فضاء القلق الوجودي الفادح في سوداويته، ولكن الفاضح في تعريته لكل ما نحاول أن نخبئه تحت ركام من الإرث الإنساني النفسي َ " ونحن بدورنا نقول:بثينة العيسى اسم روائي كويتي شاب نتوقع أن يشق طريقه وسط الأسماء الروائية العربية، وأن يكون له شأن كبير في القادم من الأيام

   Iraq designer

Email: nana20042005@hotmail.com