|
غنـــاء 
حميد العقابي
هل تُرى يتسعُ الليلُ لما يأتي به الليلُ ؟
على نافذتي خفقُ جناحٍ
ربما طيرٌ
رأى في ما وراء العصفِ فانوساً
فأرخى حزنهُ
أو
ربما الخفّاشُ
لم يلقَ أنيساً
ربما
شاعرةٌ في آخرِ الأرضِ
تُرى من ذا الذي في آخرِ الأرضِ
أنا أم هيَ ؟
تهديني قصيده
طرقَ البابَ
ولكني تباطأتُ قليلا
فتوارى
أعجولاً كانَ ؟
لكنْ
لمَ لمْ يتركْ سوى رائحة الغربةِ في البابِ دليلا ؟
خائفاً كان ؟
فلم يدركْ إلى العشقِ سبيلا
شاعراً كانَ ؟
ولكن أدمنَ الشوقَ فراراً
أو رحيلا
مرةً أخرى إذنْ
أنتظرُ الغائبَ يأتي
مرةً أخرى
على نافذتي
يوهمني الأفق ُبشمسٍ
واقفاً
تمثالَ شمعٍ مطفأَ النظرةِ
بي
يضطرمُ الصمتُ حنيناً
واشتعالا
................
حسناً
طائرةٌ تخترقُ الآن جدارَ الصمتِِ
تدنو
فلمَ الخوفُ إذنْ ؟
إني أقيمُ الآن بالدنمركِ
أعني
أنني أبعدُ آلافاً من الأميالِ عن موتي
وأعني
أنني قد متُّ مذْ خمسٍ وعشرين سنه
..................................
كم تُرى يتسعُ الليلُ لما يأتي به الليلُ
رسولٌ
ضلّ عنه الوحيُ
طيرٌ هدّه العصفُ
وخفٌاش
عُوااااااااااااااااااء
.................................
[ عن أبي هريرة عن النبي قال :
" لأن يمتلئ جوف رجل قيحاً خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً " ]
..................................
شاعرٌ
يمتلئُ الآن بقيحٍ وقصيده
قصة قصيرة
الآخــــــــــر
حامد فضل الله
رن جرس الهاتف، تناول السماعة وضغطها على إذنه، فسمع صوتها دافئا وواضحا اعتذرت
عن الحضور لوعكة طفيفة، وأكدت أنها ستعود غداً إلى المكتب، فهي تعلم أن
السكرتيرة الثانية في عطلتها السنوية وسائق سيارته الخاصة طريح الفراش. شكرها
وتمنى لها العافية، ثم أعاد السماعة إلى مكانها وفتح النافذة فتسرب الهواء
البارد إلى الداخل نقيا منعشا.فكر أن يذهب مباشرة إلى البنك للتوقيع على بعض
المستندات المالية ويلتقي بالمدير الذي كان قد دعاه أكثر من مرة لتناول القهوة
معه، دون أن يتمكن من تلبية الدعوة سيشتري أيضاً الصحف العربية من وسط
المدينة.غادر منزله متخففا من مشقة عمل اليوم المنصرم. كان الربيع قد وضع
بصماته على كل شئ، السماء صافية، والحدائق استعادت خضرتها، وأزهار النرجس
استيقظت من سباتها.
تفاديا للزحام قرر أن يترك هذا اليوم سيارته ويستقل الباص، وهو قرار يتفق مع
الحيوية التي كان يشعر بها منذ الصباح الباكر.
صعد الباص على عجل فانغلق الباب الأوتوماتيكي خلفه. ولاحظ نظرات الركاب متسائلة
أو متوجسة تتبعه حيث أستقر على المقعد الوحيد الخالي بجوار امرأة نقلت بسرعة
فائقة حقيبة يدها إلى الجهة الأخرى، وضغطتها بقوة إلى جسدها، حتى أنه لاحظ
احتقان الدم في عروق أصابعها النافرة.
تساءل في سره: ماذا لو كان الذي يجلس إلى جانبي رجلاً، ماذا كان سيفعل يا ترى؟
تخيله يعقد ساعديه فوق منطقة الحجاب الحاجز، ويلتفت إليه بنظرة تفضح ما يدور في
رأسه هذا مستحيل لم يشأ أن يمضي في هذه الافتراضات أبعد من ذلك. إلا أنه شعر
بالانقباض، وانتابه قلق غامض فبدأ يتطلع بنظرات شاردة إلى المارة والمباني من
خلال النافذة. فيضان من البشر، رجال، نساء، أطفال يدخلون أو يغادرون المحلات
التجارية، سيارات لا حصر لها تمرق على الجانب الأخر من الشارع. عاد بنظره إلى
الداخل، حدق في الركاب دون أن يراهم، وفي الممر بين المقاعد توقفت نظرته عند
امرأة في مقتبل العمر، تعلقت بها كما الفراشة على المصباح. أصابته رعشة خفيفة
ما لبثت أن تصاعدت وانتشرت في جسده كله. كاد يقفز من مقعده ويضمها إلى صدره
صائحاً "مونيكا، مونيكا" لكنه استعاد صفاء ذهنه: ما هذا الجنون؟ كيف يمكن أن
تكون مونيكا؟.
خلال دقائق عادت إلى ذهنه ذكريات ثلاثة عقود مضت، سنوات الشباب والدراسة
والحياة الطليقة، ذكريات اللقاء الأول بمونيكا، حبه الأول وجنونه الأول. وقفت
أسرتها موقفاً متشدداً من تلك العلاقة. وجد والدها في ذلك ذريعة للانتقال مع
أسرته إلى مدينة أكبر ومنصب أكبر ونقل أبنته إلى جامعة أخرى. كانت شهوراً قاسية
كادت تعصف بحياته.
نظر إلى المرأة التي لا تزال تقف في الممر الذي يفصل صفي المقاعد، كاد أن ينهض
ويتجه نحوها ليسألها: هل أنت ابنتها؟ لكنه تمالك نفسه وبقي جالساً.
"يخلق من الشبه أربعين" أسر لنفسه وشعر بارتياح مفاجئ فابتسم لنفسه، لكنه لم
يستطع منع نفسه من اختلاس النظر إليها. تملى وجهها المشرق، ملابسها الأنيقة،
لون فستانها المتجانس مع لون أقراطها والسوار حول معصمها وحقيبة يدها. تأملها
كما يتأمل لوحة فنية، تخيلها سكرتيرة في إحدى الشركات متعددة الجنسيات، وفكر في
مونيكا من جديد. في هذه اللحظة فاجأته المرأة وقد انحدرت نظرته إلى حقيبة يدها
التي كانت تتدلى بعفوية حول كتفها الأيسر أدارت ظهرها بحركة عصبية، واندفعت نحو
الباب وعندما توقف الباص غادرته مسرعة.
غادر هو الآخر الباص. عند تقاطع الشارع شعرت بخطواته خلفه، قفزت إلى الجانب
الآخر غير عابئة بإشارة المرور الحمراء وصياح المارة وأبواق السيارات. أطلقت
ساقيها للريح دون أن تلتفت إلى الوراء. عبر الطريق مع بقية المارة متجهاً صوب
البنك، وقد بدت العمارة أمامه شاهقة شامخة. شعر باكتئاب وحزن عميق. أن شيئاً ما
قد تغير في هذه المدينة القديمة الجديدة، مدينة أحلامه وشبابه، وكان قد ظن أنه
بعد هذه السنوات الطويلة قد أصبح أحد مواطنيها.
أتجه بخطوات متثاقلة نحو البنك متسائلاً: هل يعود إلى استخدام السيارة رغم
الزحام القاتل الذي عم المدينة منذ توحيد شطريها؟ أم يستقل الباص من جديد
متأبطاً كتاباً ألمانياً ضخماً أو ممسكاً بإحدى الصحف الألمانية ووجد نفسه يضحك
لهذه الفكرة .
ويليام براندون: سرقة
إدغار ألان بو

مبارك حسني
آخر مرة رأيت فيها كايل لوفنيك كان مهدودا بسبب مشاكل حدثت له مع زوجته
ديانا.كان ذلك بعد خروجه من السجن. فقد فضلت ديانا عدم استقباله بعد مغادرتها
للمدرسة ورفضت رفضا قاطعا رؤيته قائلة بأنها فكرت كثيرا طيلة المدة التي قضاها
في فترة سجنه الأخيرة وأنها أخذت القرار بقطع كل صلة به إن لم يغير نمط حياته.
ولتحقيق هذا الغرض أوجدت له عملا. ويتعلق بالعمل في كشك سجائر ووراقة كان
مطروحا للبيع. تجارة طيبة تمكنه من التواجد أكثر في البيت. وكان الشرط أن يعمل
ويوفر المال اللازم لشراء المحل ثم يضعه في حجر ديانا، عندها ستعود إليه، كما
قالت، وسيستطيعان العيش سعيدين طيلة الحياة. لكن قبل هذا، أكدت، فهو غير موجود
بالنسبة لها
. كان الكشك موجودا في "كولومبيس" بالقرب من حانة ومشواة "هيرمان". عرج عليه "كايل"
ووقف بجانبه يتأمله برغبة طيلة ساعات إلى حد أن بعض المارة اعتبروه عمودا.
يتطلب شراء المحل مالا وفيرا وكل ما لدى "كايل" كان قرضا عند "هرمان". كما كان
يحب "ديانا" بصدق وكان شقيا بدونها. فقرر أن يعمل لكن الكل كان يعرف بأن عليه
أن يعمل بجد و يبذل الجهد الجهيد لسنوات كي يجمع مبلغ المال الذي يحتاجه. هذا
بالإضافة إلى كونه سيجد صعوبة في إيجاد عمل فلا أحد كان يرغب في توظيفه. وقد
أثر فيه هذا فصار صموتا وحزينا أكثر فأكثر وقلل من وقوفه أمام الكشك. ثم اختفى
فجأة من شارع"كولوبيس" ولا أحد عرف عنه شيئا. وقد التقى أحدهم "ديانا" وألفاها
شقية هي بدورها ولكن كما قال "هيرمان"، لا يمكن أن تلوم إلا نفسها.
قال لي هذا قبل ستة أشهر. وفي أحد الأيام وأنا قادم من "بالتيمور" مررت على
حانة "هيرمان" وكان "كايل" هو الزبون الأول الذي وقعت عليه عيناي وكان جالسا
لوحده يتصفح برنامج سباق للخيول.
بدا لي عاديا ورد علي تحيتي. ورأيت أنه كان مشحونا قليلا وعيناه تبرقان كما لو
كان غارقا في تفكير عميق. جلست قبالته وبما أنه لم يذكر غيابه الطويل فقد خمنت
أنه لا يريد أن يبوح بمكان ذهابه. سألته على ماذا راهن في السباق السادس.
ـ ليس هذا برنامج سباق، قال. إنه كتاب.
وقدمه لي. كان كتابا بالفعل، من النوع الفاخر وكان بعنوان: بيبليوغرافيا وتحليل
للطبعات الأولى من أعمال إدغار ألان بو. ـ لم أسرقه من مكان ما أجاب كايل عن
سؤالي. إنه هدية واسمي مكتوب في داخله.( فتح الكتاب و وضع إبهامه على صفحة
واضاف ) مطبوع.
ـ هل تمزح ! قلت.
لكنه كان محقا. فاسمه يظهر جليا في المكان الذي أراني. قرأت: " إلى السيد كايل
لوفنيك. لولا مساهمته الغالية لما رأى هذا الكتاب النور. Ars est celare artem"
لقد بهت وأنا أرى اسمه مطبوعا على غير أوراق المحاضر الجنحية التي تعودت على
رؤيته فيها. فاستفسرته. و لما رأيت عيناه تلمعان فخرا عرفت أنه مسرور لسرد قصته
عن طيب خاطر.
***
" حدث هذا دون سابق علم.كنت أبحث عن العمل السنة الماضية مع اقتراب رأس السنة
بعد خروجي من السجن كما تعلم، فحدثني أحد الأصدقاء عن هذه الشغلة موضحا لي
العنوان الذي يجب أن أذهب إليه بسيارة ممنوحة فقبلت.
كان العنوان لضيعة في "فيرمون". هل سبق أن ذهبت على هناك يا صديقي؟ لقد فوجئت
فأنا لم أتجاوز قط " أوسينيغ". إذا كنت تظن بأن "ويستشيستر" بادية فماذا ستخال
إذا رأيت الجبال وأشجار عيد الميلاد هناك؟
كان علي أن ألتقي شخصا يدعى "هومير دانغل" لكني وجدت سيدة، هي الطباخة، فأخذتني
إلى حجرة مليئة بالكتب وكان ذاك الشخص هناك في الوسط. رجل طويل القامة ذا رأس
حليقة وعين مقفلة تماما بسب لكمة كما أن فكه كانت منتفخة. سأقول لك بمن ذكرني:
ب"بادي مالون". هل تعرفه؟ ذاك الشخص الذي كان يتعارك دوما ب "كولومبيا" وتحول
الآن إلى مدمن.
لم يكن هناك كرسي فارغ لكن هذا ال "دينغل" أزاح العديد من الكتب من على كرسي و
دعاني للجلوس. ثم قال لي: "أنت إذن هو السيد "لوفنيك"؟ وأعطاني سيجارة، وضع
قدميه على المكتب وبدأ يتكلم: " سأدخل مباشرة في صلب الحديث، سيد "لوفنيك".
سأشرح لك ما أنتظره منك وقل لي في الحين إذا كان العمل يناسبك أم لا. ليس فليس
نيتي الدوران حول الموضوع أو التلميح. سأتكلم بوضوح. ـ موافق، قلت.
ـ ما أريده هو سارق. سارق جيد وخبير.
صمت فبدأ يحدق في بعينه السليمة فقلت له أنا:
ـ أفهم جيدا.
فقال: " سأشرح لك. أنا أكبر متخصص في الكاتب إدغار ألان بو الذي مازال على قيد
الحياة. وأنا منهمك هذه الأيام في كتابة وصف للطبعات الأولى من كتبه. هل تفهمني؟
ـ طبعا، أجبت. فلم يكن هناك داع للظهور بمظهر البليد.
ـ حسنا، قال. يتعلق الأمر بمهمة صعبة جدا. طبعا هناك معلومات لا أستطيع الحصول
عليهاـ ضائعة و لا أحد يمكنه الوصول إليها. لكن توجد وثائق، في متناول اليد
تقريبا، وأنا في أمس الحاجة إليها لكن مع ذلك لا أستطيع التوفر عليها.
فهمت عندها فقلتها له.
ضرب المكتب باطن يده وقال: ـ بالضبط. توجد هذه الوثائق في منزل على بعد سبع
كيلومترات. سأمنحك مائة دولار إن دخلت الليلة وأتيتني بها. لكن ليس هذا كل شيء
فأنا لم أستقدمك من نيويورك من أجل عمل بسيط كهذا.
" هذه الأوراق التي أريد ـ وهنا سرد الأماكن حيث توجد بعض النسخ المهمة إلخ..ـ
هي في ملكية الدكتورة "مادي". وهي تعمل على تدبيج كتاب مماثل لكتابي.
ـ هل هي امرأة؟ الدكتور امرأة؟ سألت. ـ هي كذلك، قال بنبرة حزينة. ثم أضاف:
ـ طبعا لن تعادل مونوغرافيا الدكتور "مادي" قيمة كتابي. ولكن ورغم أن بيننا
علاقة صداقة طيبة إلا أنها لا تسمح لي بالاطلاع عليها. إنه فعل خبيث، صبياني
سببه الحسد لا أكثر. وهنا مربط الفرس. فبما أنها تعمل أيضا على نفس الموضوع ليس
بإمكاني الحفاظ على الوثائق بشكل نهائي. لدا يجب إعادتها إلى مكانها فقد
تحتاجها بدورها لكي لا تفطن إلى اختفائها.
" إذا كما قلت يشكل الاحتفاظ بالرسائل ساعات ممتدة أكثر خطرا علينا، لنقل مثلا
حتى الغد. لكن تلزمني ساعات أطول لإدخال هذه المعلومات في دراستي.
" وبالتالي يجب سرقة الأوراق في المساء والإتيان بها هنا لأدرسها طيلة الليل ثم
إرجاعها قبل طلوع الشمس. سنقوم بالعملية كل مساء ومقابل كل ليلة عمل أعطيك مائة
دولار"
هأنت ترى كيف طرحت إمكانية ربح مائة ورقة كل ليلة بشكل سريع وصار بإمكاني شراء
الكشك. فقبلت. قال لأنه سيقودني إلى هناك في المساء ليريني المكان ولكنه حذرني
من الدكتور "مادي"، فقد تذيقيني المر إذا ما افتضح أمري، وهنا أشار إلى العين
المقفلة قائلة بأنها ضربته فيها لما استعطفها للمرة الأخيرة بأن تقرضه الوثائق.
" لقد أصيبت بنوبة سعار حقيقية"، قال. " لقد هاجمتها منذ سنوات على صفحات "
اديندا" وأعتقد أنها أصيبت بجنون من يومها. أنا آسف لردة فعلها هذه لكن كنت
سأنتقد كل شخص، بنفس الطريقة، إذا كان يملك نفس معرفتها البدائية والتي نشرتها
في " اكتشافات حول حادث رسالة الجنوب الأدبية".
ـ لا أفهم كلامك، قلت. أظن أننا لسنا على نفس الخط.
ـ بالعكس وأكثر مما تتصور، قال. نحن معا نبحث عن الأشياء في الظلام ونتفحصها في
واضحة النهار.
يا له من حس طريف وما قال بدا له عجيبا.
بعد ذلك أعلن لي: " إذا كنت ترغب في شرب كأس قبل العشاء فهو بدولاب المشروبات
في الغرفة الجانبية. تصرف على هواك وارتح استعدادا لهذا المساء.." حوالي منتصف
الليل صعدنا سيارته واتجهنا إلى تلك الضيعة الأخرى التي تشبه ضيعته تمام الشبه.
كانت أضوائها منطفئة. شرح لي السيد "دانجل" كيفية السير داخل الضيعة وقال بأنه
سينتظرني. وانطلقت إذن كما لو دخلت منزلي.
وتساءلت كيف أنى لم أعمل قط في البوادي من قبل. أتفهم ما أقصده؟
وقد فرح السيد"دانجل" برؤية علبة الأوراق إلى حد أنه شرب جرعة كاملة من الشراب.
فقد كان البرد قارسا هناك في هذا الفصل من السنة. وقد طفق يغني ونحن نعود إلى
الضيعة. أعطاني مائة دولار نقدا ونعت لي غرفة حيث نمت حتى أيقظني بلحظات قبل
الفجر لأعيد الوثائق. كان باديا أنه عمل طيلة الليل فقد كانت عيناه حمراوين مثل
أرنب روسي. كلن جليل للعيان انه يأخذ عمله مأخذ الجد وكان جد مسرور.
* "رسالة الجنوب الأدبية" مجلة شهرية كان يحررها إدغار ألا بو في سن الثانية
والعشرين والتي سيرها لمدة سنتين.
وهكذا اقلني إلى ضيعة المرأة حيث أعدت العلبة. كان الأمر سهلا للغاية. وقد دمنا
على هذه الحال مدة أسبوعين. كنت حفظت الطريق ولم يعد يرافقني ويكتفي بإعطائي
السيارة. كان بإمكاني الهرب بها لكني كنت أريد شراء كشك السجائر.
كان "دانجل" يعمل الليل على الأوراق التي أسرق ثم أعيدها. وبالطبع تراخى
انتباهي. كان محتملا أن يحدث هذا فقد كنت أسرق كل مساء في نفس المكان إلى حد
أنى نسيت أنى لست في بيتي. وذات مساء كنت منهمكا في فتح باب الغرفة التي تحفظ
فيها الدكتورة أوراقها وكتبها لما سمعت صوتها في الظلام تطلب مني عدم التحرك
وإلا أطلقت الرصاص.
أنت تعرف باني لا أحمل مسدسا قط. وكانت على بعد نصف متر فقط. كنت تحت رحمتها.
فقلت: " نعم يا سيدتي." فأشعلت النور ورأيت يدها تمسك بندقية صيد. كانت سيدة
غير مهادنة وتشبه " دايزي كروس". هل تذكر "دايزي" التي كانت تغني فيما مضى
وكانت تؤدي دور التعري بحانة " الأمبيري"؟ كانت تغني مقطوعات حزينة تملأ القلب
بالشجن ثم تطلق صرخة فجأة وتنزع تبانها فيسقط إلى قدميها، هل تذكرها؟ كم كان
دورها هذا رائعا. كان العجوز "شارلي" في علاقة معها. ولقد قيل لي مرة أنها هي
التي قتلت " دوتش" الذي وجد بالنهر. لا أدري فربما تكون هي.
على كل فقد ذكرتني هذه المرأة، هذه الدكتورة "مادي"، ب"دايزي". تعرف بأن "دايزي"
كانت امرأة بادخة والدكتورة تبدو من علية القوم. سألتني عمادا أفعل هنا فأجبتها
بأني تهت عن طريق بيتي وكنت أبحث عن الهاتف لكي أبلغ زوجتي فقالت لي: " اجلس
إذن. سأهاتف الشرطي لأجلك وأنا متأكدة بأنه يستطيع مساعدتك"
عندها بدأت أتحايل عليها فلو سقطت في يد الشرطةهذه المرة سأقضي مدة أكبر. وهو
أمر كانوا ينتظرون على أحر من الجمر. قلت لها: " اسمعي يا سيدتي الطيبة، كل ما
في الأمر أني جائع ولا أملك مالا. كنت فقط أريد أخذ شيئا غير ذي قيمة لأشتري به
ما أكله. أنا لست لصا محترفا" رمت رأسه على الخلف أطلقت ضحكا مدويا. كانت طريفة.
تلبس قميص النوم وتضع مساكات الشعر على رأسها. ضحكت بدوري. قالت: " أنا متأكدة
أنك مجرم محترف. عماذا كنت تبحث؟ لألئي؟
ـ لألئك؟ قلت. لا أعرف حتى أنك تتوفرين على لآلئ يا سيدتي الطيبة.
ـ كنت أعرف بأني لن أنتهي منكم ومن عصابتكم ولو ابتعدت من نيويورك. يجب أن
أودعها في غرفة حديدية إذا كنت أريد أن أبقى أهنا. اجلس.
جلست فوق الأريكة واقتعدت كرسيا قبالتي والبندقية على ركبتيها.
ـ طرأت علي فكرة، قالت ساهمة.
لم أتكلم. فقد بدا من ملامحها أن حكايتي قد ألانت عاطفتها.
ـ سأمنحك فرصة استعادة حريتك، قالت.
ـ كل ما تبغين يا سيدتي الطيبة. اطلبي فقط وسأنفذ. اعطني فرصة، هذا كل ما اطلب.
ـ اغلق فمك ودعني أفكر، قالت.
فكرت برهة وأخيرا قررت. " أتستطيع سرقة منزل من أجلي. أن أكبر متخصصة على قيد
الحياة في أدب إدغار الآن بو. هل لهذا معنى بالنسبة لك؟
ـ لقد رأيت مرة في متحف إحدى طبعات أدبه الأولى. أجبت لكي أدهشها فنجحت.
ـ هذا رائع، قالت ثم أضافت: " حقا؟ في متحف؟" وهنا تمعنت في وجهي بانتباه
وطلبت:" لا تعرف، أظن، بأني خبيرة في الآداب؟"
" أحسست بأني بالغت فأجبت على الفور: لا."
" ذاك ما فكرت فيه. حسنا أنا منشغلة بكتابة كتاب عن أعماله. وأنا في حاجة إلى
بعض المعطيات التي إذا أضفتها إلى التي في حوزتي ستمكنني من إنهاء بيبليوغرافيا
الكاتب، والوسيلة الوحيدة للحصول عليها هو سرقتها.
" السيد الذي يملك هذه الوثائق يحاول بدوره كتابة كتاب عن أعمال "بو". هو يضيع
وقته بالطبع لأنه مجرد هاوي وتدبيج عمل مثل هذا يتطلب جهود جدية لا يملكها إلا
ذوي المعرفة الراسخة. في الحقيقة كنت كتبت نقدا موجه له في هذا الصدد في مجلة "
انكينابيلا" قبل سنوات ومن يومها حقد علي حد الموت، وهذا ما يفسر رفضه إعارة
الوثائق التي بين يديه. لكنك أعطيتني فكرة.
ت تريدي أن اذهب لسرقة هذه الأوراق؟ قلت ورأيت أني نجحت في مسعاي. كانت هذه
السيدة جد ذكية.
ـ بالضبط، قالت. لم انتظر أن تفهم بهذه السرعة. لكن هناك مشكل آخر، أضافت. لا
يجب أن احتفظ بهذه الأوراق.حالما يفطن لعدم وجودها سيشك في. ( نفخت خدها بطرف
لسانها وراحت تفكر)هذا الرجل يعمل بالليل فبإمكانك سرقة أوراقه في الصباح
الباكر. وهكذا سأطلع عليها بالنهار. ..هل تستطيع إعادتها إلى مكتبته مساء
وسرقتها من جديد في صباح الغد الموالي؟ ثم تكرار العملية كل يوم؟ ـ حسنا، لم
لا؟
ـ أظن حقيقة انك تستطيع ذلك، توحي بالثقة لمجرد النظر في عينيك.
" يدعى هذا الرجل " هومير دانجل" ويسكن ضيعة على بعد سبع كيلومترات من هنا. (
وشرحت لي بع ذلك أين توجد العلبة الخشبية التي تحوي الأوراق التي تريد بمكتبة
"دانجل"، ثم صمتت وطفقت تفكر برهة) لكن هناك شيء آخر. ليس في مقدوري أن اطلب
منك السرقة من أجلي إلى ما لا نهاية لكي تحصل على حريتك فقط.فلا تروقني كثيرا
فكرة قضاء ما تبقى من الليل برفقتك لأتأكد من أنك ستفي بوعدك في الصباح الباكر.
لكن أعوضك نقدا من أجل عملك..ما رأيك في مائة دولار يوميا، أتكفيك لخدمتي؟
وافقت على الفور.
ـ أتمنى تصديقك..قالت. سنرى على كل حال. أنقدك مائة دولار حالما تأتيني بوثائق
"دانجل" لأول مرة في الصباح.
وصفت لي وسيلة التعرف على لمنزل واخبرتها بعودتي على الساعة الخامسة وبحوزتي
الأوراق، وسألتني عن كنت سأعود بالفعل فأعطيتها وعد شرف. فمن أجل مائة دولار
سأعود في الوقت المحدد وحتى أني مستعد للبقاء. فتركتني أذهب. خرجت من النافذة
وعادت هي للنوم.
لكني كنت مجبرا على التجول قليلا بالقرب من منزلها، فلم أخذ العلبة التي وعدت
بها "دانجل". ثم حاولت من جديد ونجت في هذه المرة دون أن أوقظها. بعد ذلك نمت
قليلا في غرفتي إلى أن أيقظني السيد "دانجل" لأعيد علبة الورق المقوى إلى منزل
الدكتور "مادي" واستغلت وفي ذات الوقت أخذت معي علبة السيد " دانجل" الخشبية.
كانت الساعة الرابعة لما وصلت وكانت الدكتورة ما تزال نائمة. دخلت من النافذة،
وضعت العلبة في مكانها ثم خرجت من جديد. طرقت باب المدخل لأوقظها وأعطيتها
العلبة الخشبية.
قالت بأني إنسان رائع وكانت أكثر سرورا من السيد "دانجل" لما أعطيته علبة
وثائقها. وطلبت مني اسمي لتكتبه على الشيك وأضحكها اسمي وقالت بأنها ستناديني
ب"كايل". " في المقابل ناديني " دوروثي" أضافت. هذا طبيعي. أظن انك ستعجبني.
لقد جعلتني سعيدة كما لم أكن من قبل".
" سيروقني هذا، دوروثي "قلت لها فحررت شيك المائة دولار وطلبت مني أن أعود في
المساء بدون تأخير لأخذ العلبة الخشبية لكي لا يفطن لغيابها. رجعت إلى منزل
السد "دانجل" واستعرت منه سيارته للذهاب إلى البنك وصرف الشيك، ثم عدت للنوم
حتى المساء.
صار كشك السجائر الآن في جيبي. مائتا دولار في اليوم ولمدة أسبوعين، تصور؟ شغل
من ذهب. لم أقع في حياتي على منجم كهذا. كنت أعيش مثل رجل سياسي."
وبداهة لم يدم الأمر فهو شيء خارق كي يستمر. دام الحال قرابة أسبوع بدون مشاكل
وذات مساء أكثرت من الشرب قليلا في خزين السيد "دانجل"، لم يكن لدي ما أعمله،
وفي الصباح لم انتبه وقلبت العلب." دخلت إلى مكتبة دوروثي قبل أن أوقظها لوضع
العلبة الورقية التي احتفظ بها السيد "دانجل" طيلة الليل وذهبت لطرق بابها وعوض
العلبة الخشبية أعطيتها علبتها هي."
لقد فهمت في الحال. كنت جد متعب فلم أستطع التفكير وعلى كل فهي لم تدعني أتكلم.
" أنت خائن يا "كايل" وأنا التي كنت أثق فيك" قالت ثم رفعت العلبة وضربتني بها
أسفل أذني.مازالت أثار الجرح، انظر. هل سبق لك أن رأيت "كوميز وفوللر" إنهم لا
شيء أمام قوتها. أن لا أمزح. أنظر إلى هذا الأثر الذي أحدثت بعلبة ورق فقط !
وأغمي علي نصف ساعة تقريبا. ولما أفقت رأيتهما معا، السيد "دانجل" و دوروثي،
وكانا جد غاضبين. " كانت ملاحظاتي مهمة إلى هذا الحد حتى يتكرم ذكائك بالنظر
فيها؟ صرخ السيد "دانجل"
" وملاحظاتي أنا كانت ذات قيمة لكي توقظ فضول العالم الفذ الذي فيك؟ ردت عليه
بصخب.
فانتفض السيد "دانجل": " كنت فقط أريد أن القي نظرة على الأخطاء التي يجب أن
أتجنب ! " وكنت ظننت أنها ستضربه مما جعله يحتمي بيديه، لكنه اكتفت بالقول:"
كنت أريد أن أستعملها في الفصل المخصص للتلفيق"حرك السيد "دانجل" يديه وصرخ: "
ليس هنا قرصان في العالم يعادلك في طرقك الهابطة والمنحطة ! هل تعين ما قمت به؟
لقد هدمت كل الجهود التي كلفني هذا العمل! لا يهمك أن تكون دراستي العلمية
الرصينة أهم حدث أدبي في العشر سنوات المقبلة؟ لقد حطمتها بسرقتك لوثائقي
الشخصية واعتبرتها مثل الأكل المنحط الذي اعدي لقططك، ولخطتك سمعة الآداب كلها.
ـ آه، أنا حطمت عملك، قال بصوت مرعد. وماذا فعلت أنت بعملي؟ أنت وركام معلوماتك
الخاطئة،وذوقك الفظيع، و افتراضاتك الغبية؟ ألم تنتبه إلى أنك كتبت نصا مشابها
لنصي؟ ألم تنتبه؟
بدأ السيد "دانجل" في الصراخ من جديد ثم فجأة هدأ وقال: " لا يجدي العراك في
هذا الموضوع الآن. ما وقع وقع. لكني لم اكتب كتابا مماثلا لكتابك، أنت التي
فعلت العكس." " إذا أردت رائي فلا داعي للخصام حول هذه النقطة، أجابت دوروثي.
المهم أن الكتاب صار بلا جدوى بسب تصرفاتك، ولا هدف يرجى من نشره.
ـ ليس بسبب تصرفاتي، احتج السيد "دانجل". لكن مسرور لأنك بدأت تعين الوضعية
التي تتحملين مسئوليتها.
" لو لم تتغابى منذ البداية، ردت دوروتي، بتبرمك من النقد الحبي الذي وجهته لك
في مجلة "أنكينابيلا" لكان بالإمكان التعاون معا من الأول ولم يحدث كل ما حدث.
" انفجر السيد "دانجل" من جديد لكن صوته كان أكُر حبيا." يا صغيرتي العزيزة"،
قال، لم أعر وذرة اهتمام لما قد تكتبينه في المجلة. على العكس أنت التي رددت
علي بعنف عندما قرأت دراستي في مجلة " أديندا"، حيث أشرت إلى نقط الضعف في
تفسيراتك حول " حادث رسالة الجنوب الأدبية"
ـ لا أذكر جيدا، قالت دوروتي.
ـ في الحقيقة لقد قضيت أكتر الوقت أشيد بالطابع العميق لبحوثك مما قضيتها في
تبيان بعض الأخطاء، والتي كانت طفيفة على كل حال.
ـ ذاك ما فعلته بالضبط فيما يخص موضوعك أنت، قالت دوروتي.
ـ حقا؟ قال السيد "دانجل". حسنا، هل تعرفين أني أفكر منذ مدة أننا لو أضفنا
موهبتي ككاتب إلى قدراتك في الأرشفة ستكون النتيجة ذات أهمية كبرى.فكرت دوروثي
لحظة قبل أن تقول: " من البديهي أن كتابا واحدا أفضل من اثنين على الأقل إذا
كانا متشابهين.
لحظتها رأتني أحاول النهوض فقالت: " أوه، "كايل"، لا تذهب." وسالت السيد
"دانجل": " ماذا سنفعل به؟ "
ـ استعادة نقودنا، أجاب.
ـ نعم، وافقت دوروتي. يجب أن تعيد لنا المال يا "كايل" لقد قمت بدور مزدوج
وستكون سارقا إذا احتفظت به. لكن يا " هومير" هو الذي يعود إليه الفضل في
التقائنا.
ـ سيكون الإهداء له، قال السيد "دانجل". أظن أنه أحسن جزاء. ـ أليس كذلك، قالت
دوروثي. يجب أن نفترق أصدقاء. والآن يا "كايل"، قالت واشتعلت ومضة العراك في
عينيها، رد لنا المال.
ـ وأعدت المال وأنا أعب بيرة أخرى. واليوم تلقيت هذا الكتاب بواسطة الشخص الذي
وجد لي الشغل. وهاأنذا أرى السيد "دانجل" قد نشره باسمه لنه تزوج دوروثي. أمل
أن يكونا سعيدين.
ـ أنت إنسان طيب في الحقيقة، رددت عليه. كنت قربت من تحقيق حلمك: كنت ستشتري
الكشك وكانت "ديانا" ستعود إليك. لقد استعادوا مالا حصلت عليه حلالا. لقد كانا
وقحين.
ـ أوه أنا لا ألومهما، قال "كايل". أما "ديانا" فأنا أنتظرها بالضبط لأريها
كشكنا الجديد. ـ هل اشتريته؟ قلت له. بماذا؟
ـ حسنا لا أريد أن يصل هذا إلى أذان " دوروثي"، أجاب كايل، فقد اشتريته
بلآلئها. كان الثمن مواتيا تماما للكشك.
ويليام براندون تشرين الثاني (نوفمر) 1943
الولد يلبس
بنتا / البنت تلبس ولدا

حسين سليمان
ليس لأن هناك فرق بين أثنين غير متساويين- ليس العطب هو عطب المرأة والرجل، بل
هو عطب المرآة. حين نمد الجسر بين ضفتين فأننا لا نقيس من أجل ذلك مستوى المياه.
نمد الجسر نحو السفن التي لا تعرف الصعود في إبحارها أو لا تعرف الهبوط. سفن
ليس فيها ناس.لكن في لندن، هناك فيها كل الناس.
النوم واليقظة! هبوط وصعود
ليلنا ونهارنا! هبوط وصعود
الولد يلبس "بنتا" ويمشي راقصا لاصطياد سمكة بحرية يطبخها عند السَحر. بالزيت
مثلا مع قليل من البطاطس. ثم يركن جانبها قنينة بيرة. والبنت تبتسم للولد قائلة:
لقد صرت مثلي!
فتفكر وأفكر معها: أن المسألة كلها لباس إذن! ألبس "بنتا" أو تلبس "ولدا".
يقال بأن الذكور أجمل من الإناث! البنت من غير أحمر شفاه تظل يومها كله حزينة.
تقف البنت عند طرف المرآة كي تقيس جمالها. لكن جارها في شارع "مونترو"* في
هيوستن يقترب على غفلة منها فيطبع قبلة سريعة على خدها ثم قبلة سريعة أخرى على
عنقها ويشم رائحة شعرها: هذا الجار يريد المرآة له فقط. "يكفي أيتها الأخت،
الجارة، لقد جاء دوري".
"ألتن جونز" أيضا في " Good-bye Norma Jean " والأميرة النائمة ظلت نائمة. في
الصورة التي طبعتها "الميديا" في أيار: "ألتن جونز" مع حبيب عمره "ديفيد فورنيش".
يا حبيبي أريد منـــك ولدا. ولد بمعنى أغنية. أو أريد منــــــك بنتـا يا
حيـاتي.
البنت بمعنى أغنية أيضا يا "ديفيد فورنيش". حين يصبح الخلق والأرض و"آدم" فنا
وأغان. يجلس آدم جلسة "ألتن" عند أصابع "أبوللو" كي يسوّق الدرج الموسيقى. ثم
تأتينا I can’t explain but something about the way you look tonight take my
breath away.
تأتي ديانا.والملكة بظهرها المحني قليلا وعمرها المحني قليلا. لندن. الساعة
الآن العاشرة ليلا. والبرج بحاله على الجسر المعلق. أما في العراق- انكسار
السرد، فهناك ظلمة خفيفة ورطوبة:
" مالي شغل بالسوق مريت أشوفك". فيذهب إلى السوق كي يمر به. فهل يراه؟ كل يوم
لا يراه فيه لا يعده على أصابعه، فهو هباء، فيلقيه بحاله في دجلة. كل يوم. حتى
صار الزمن من دون معنى.
ثم تقف بنت بزي ولد، أمام مرآة مكسورة يظهر فيها حائط بعيد، لا تدري من أين
جاء.
يجب بطريقة ما عمل شيئا نافعا. للبنت بزي الولد.
تلبس عمامة. وتقف عند حد دجلة. ليست أميرة أو ملكة. لكنها بنت مخلوعة تبحث عن
زمانها وتاجها.
" إلى مرسيديس، ملكة متوجة من دون تاج" تنظر إلى راحة يدها فترى الفقد. المسألة
ليست مسألة تاج أو زمان، المسألة أن هناك- فيها- عقدة نووية يجب حلها. والحل
بالطبع يعتبر سرعة الضوء كعامل أساس. لكن من أين لنا أن نعرف سرعة الضوء؟ ومن
يستطيع قياس سرعة الضوء؟
الضوء ليس له سرعة، لأنه إنارة. لو أنها، أننا نعرف ذلك لكانت المشكلة قد انتهت
ولكانت المسألة قد انتهت أيضا. يجب فض المرآة وجعلها امرأة! لن نعتمد عليها في
قياس الشكل. نكسرها ربما، لكن، ولأن صورتي الكسر والتشظي أصبحتا عموميتان رحنا
تفكر بفض العقد مع المرآة. أي أن نطويها مثلا ونكلف الظلمة بها. ثم تخرج بلباس
ولد- وهي لن ترى نفسها على أنها ولد أو بنت. في المساحات العراقية الشاسعة
ينبسط الفضاء مثل إنزيم، لا جنس له، سريع التكاثر، إنزيم يريد عتلة كي يرتفع
ويصبح قريبا من السماء.
والظاهرة هنا ليست ظاهرة بنت أو ولد، ليست ظاهرة غناء أو فن. فتغير الأغنية "ما
لي شغل بالسوق مريت أشوفك" تغيرها إلى نمط صامت. تجمع حروفها وتضع بدلا منها
“Void”
لماذا الأغاني الآن ولماذا الفن الآن؟ تنزل الأغاني صامتة. البنت عند الجسر
الديري المعلق واقفة محنية مثل ملكة قديمة. تنزل الأغاني عليها من دون معنى في
صورة ضباب يأخذ شكل فضاء. لا يهم إن أخذت صورة بنت أو ولد فالفن هو حالة مركبة
تجمع صوتين، صوت بنت وولد معا. الصوتان صوت واحد صامت حيث أن أغانيه وموسيقاه
لا تعرفان كيف تولدان بعد، وكيف تأتيان إلى ال "عالم"، وكيف تملئان ال " Void"
الحل في رأسها: أن تقف هناك وتعقد على الصمت. زواج. لا يهم إن كانت ولدا أم
بنتا. فالزواج مع الصمت هو جسر يصل السفن والتي تمخر المحيط والتي لا تعرف
الصعود أو الهبوط. إذن ستعطي المرآة للظلام، ولن ترى إلى وجهها أو إلى لباسها.
كيف تلبس، هذا سؤال لم يخطر على بالها قط
بعين التكنولوجية
الأدب العربي المعاصر

الحلقة الثانية
مثال:( حسن مطلك- جبران خليل جبران- إدوار الخراط- سعدي يوسف- أحمد بوزفورتنهج
هذه المقالة طريق التأمل الذي لا يعتمد المراجع والثبوتيات، إنه الطريق الذي
رأيته مناسبا كي أكشف عن هذا الموضوع. وهنا إن يرى البعض مطالات مبالغا بها
لكنها في الأساس ليست سوى خطوة قد تكشف النور في بقعة ظلام.)
النص: لا تتعدى رواية "الزمن الآخر" حدود المائة صفحة الأولى- هل هذا صحيح؟-
حيث ما جاء بعدها كان تدبير اللغة الوحشية الذي اعتمده الخراط. ثم كانت اللغة
إحدى العوامل الهامة وهي المسيطرة والتي سيرت العمل والموسيقى الرفيعة فيها
وكلمات المقاطع التي أُنزلت بحروف متشابهة تدندن كي تنقل أحاسيس لا ينقلها
المعنى، كانت هذه اللغة هي إحدى المصائد التي حاولت أن تجهد روح الرواية
وتقعدها. لكنها كانت قد وضعت المصطبة الأساس لرواية عربية تخرج عن الكلاسيكية،
وتنقل الأدب والسرد العربي نحو العالمية مرة أخرى. مرة أخرى! أي أنه قد كان
هناك مرة أولى.
جبران خليل جبران. ليس لأنه ترجم وكتب بلغة أخرى بل لأن نصوصه ذات الطاقة
العالية الروحية المسهبة كانت قد وضعت ورفعت الأدب العربي نحو العالمية، ولم
يتابع مجهوده الفريد هذا أي كاتب آخر. صحيح أنه حاول أن يقلد نيتشه وهناك طبعات
متماثلة معه على أرض التأمل والفلسفة لكن جبران ظل متميزا عربيا حيث أنه لم
يسلك في النهاية طريق نيتشه، لقد تظللــه في يوم واحد تحت شمس واحدة، لكنه عاد
إلى روح الشرق. روح الشرق التي أدرنا ظهورنا لها وبالتالي قد أظلمت. فاللعبة
الإبداعية متماثلة: حين ندير ظهورنا عن الضوء، المصدر الوحيد، فأنه سينطفئ. حين
جاء نابليون كان يحمل معه رحم أوربا كي يلد في الشرق أشكالا غربية. ولهذا فقد
عكف الكتاب العرب على إنتاجين لا ثالث لهما، التوغل في الماضي وإدارة الظهر
للغرب أو التطلع نحو الغرب. وكان على جبران أن يخرج من هذه البؤرة، يحمل رحما
نظيفا. لقد تأمل جبران الشرق من بعيد، من الغرب، وبهذه الروح تجول. حرية شرقية
في دروب غربية. وما يفعله في الوقت الحاضر شاعر العراق سعدي يوسف الذي نجح في
تخطي الحواجز التي مازلت من حجر مسلح تعترض المكان الشرقي، ما يفعله الآن هو
السير بفعالية جديدة على خطى جبران خليل جبران. أما الموضوع الذي يعمل عليه فهو
موضوع إدوار الخراط المحبب. لكن جبران بالمقارنة ملهم بالنبوة ولديه الطاقة
الهائلة التي ترفع الأرض عن ثقلها. ولو أننا نضيف أدونيس ومحمود درويش والشاعر
الكردي الذي يعمل ما يعمله درويش شيركو بيكه فإننا ربما نجد مادة للعرض لكنها
غير كافية حيث ادونيس ودرويش لم يأتيا بجديد بقدر ما تجاوزا الحاضر معتمدان على
أوربا. هذا الكلام بالتأكيد يلزمه براهين فالخطوط العريضة المختصرة لا تكفي.
القصيدة التي يكتبها أدونيس هي قصيدة غربية وإن كانت تظهر بمظهر صوفي شرقي.
وكذلك محمود درويش الذي كتابته، كتابة المرايا، مستمدة أغلبها من المياه
الغربية. الذي قاد خطوات سعدي يوسف نحو الطريق السليم هو عزلته الداخلية وغربته
عن العالم المحيط، وصمتـــه. هذا الصمت الذي يتفجر شعرا بين آن وآخر. لغزُ أو
رمز الجدران الصامتة في قصائد سعدي يوسف هو دلالة إلى الهامش الشرقي وكيف يعيش
خارج التاريخ! هو رمز إدانة. ما أقصده هنا بالعزلة والغربة هو قصد الروح وليس
قصد الحياة اليومية. لكننا مازلنا تحت الخطوط وخلفها. لم نعبر بعد. لكن مافعله
إدوار الخراط في بحثه عن "الرامة" وعن الزمان هو الطريق الخطوة الأولى فيه.
هكذا الآن يظهر إشعاع أدبي سينمو، ينمو على يد السرد الروائي حيث الشعر متقهقر
ويتقهقر كل يوم فلا علامات مضيئة فيه. هذا اليقين الكاذب- شبه تجديف على مكانة
الشعر العربي- وكنا قد أوردنا سعدي يوسف قبل قليل! هو لأن الشعر في داخل الوطن
العربي، ومن النظرة البعيدة، قد توقف عند بدر شاكر السياب وعند شبيهه أمل دنقل.
في قصيدة "لا تصالح" المتوازية روحيا مع "أنشودة المطر" بل ولقد تفوقت عليها
ذلك باعتماد أمل دنقل على الموروث العربي. ولقد استفادت "لا تصالح" من اللحظة
التاريخية التي لن ينساها العرب فارتقت بذلك، وأمست نشيدا عربيا ينام مرة ويصحو
أخرى. هذان الشاعران أقاما صرحا للهاجس العربي. يدا بيد يضعان رسوما وتصحيحات
للمقبل من الأيام. لكنهما لم ينقلا خطوة واحدة نحو الذي أريده. لقد أصاب إدوار
الخراط حين عنون روايته بالزمن الآخر وكان يتكلم فيها عن الحب. ولقد سلك الدرب
الأوربي في التعامل مع الحبيبة. يريد امرأة عربية تلبس رداء أوربيا- لكن هذا لا
قيمة له لأنه كان خدعة سينمائية. المرأة الأوربية في الرواية هي حالة الوصال
الجسدي وهذه الحالة لا علاقة لها مع مفهوم الحب الغامض الذي تريده الرواية.
الحب في الرواية تكشفه لنا اللغة، طاقة اللغة الهائلة في عمل إدوار الخراط هي
علامات ورموز عن حب أبدي قيسي. ولقد تعاملت الرواية مع جسد الحبيبة بفنية راقية
عالية حيث لطع الدم الحمراء على الشرشف الأبيض ليس دم الجنس بل هو دم قلب المحب.
هكذا وفقت الرواية في صهر الجنس والحب معا في حالة صوفية نادرة.
 |